كانت تناظره بعينان متسعة وقلب ينتفض بين ضلوعها لتسرى رجفة قوية في سائر جسدها بينما تاهت الكلمات من على شفتيها أمام نظراته المسلطة فوقها، والتي كانت مختلفة عن نظراته السابقة لها، فقد بدت وكأنها قاسية، غاضبة، محتقرة. لم تستطع التفوه بحرف واحد، وخصوصًا حين وجدته يتقدم إلى الغرفة، بينما تراجعت هي للوراء وقد دب الذعر بقلبها حين سمعت لهجته الساخرة التي تخفي بجوفها غضبًا مريرًا كان جليًا في عينيه.
"القطة أكلت لسانك، ولا إيه؟ حاولت تجاوز صدمتها وأخذت نفسًا قويًا كان معبأ برائحته الرجولية التي تغلغلت إلى أنفها وجعلت جميع حواسها تتنبه. ولأول مرة تظهر انفعالاتها بمثل هذا الوضوح أمامه، ولكن غضبه كان يطمس كل شعور لديه في تلك اللحظة، وقد كان صمتها يزيد من غضبه. ولكنها أخيرًا استطاعت السيطرة على نفسها وقطعت ذلك التواصل البصري بينهم، والذي كان يعج بعتاب مشحون غاضب، وخرجت كلماتها بلهجة جافة كجفاف حلقها.
"أنت جيت هنا إزاي؟ خرجت من بين شفتيه ضحكة خافتة، قاسية، خالية من المرح، أتبعها بحديثه الذي تتساقط الاتهامات من بين سطوره. "هو ده اللي فارق لك؟ جيت هنا إزاي؟ كانت نظراته تقتنص ارتباكها الذي ظهر لأول مرة جليًا على ملامحها، فقد كانت في موقف لا تُحسد عليه، عالقة في شباك نظراته التي تجعلها تتفوه بالحماقات وتقف سدًا منيعًا بينها وبين التفكير بتعقل. بينما هو تابع قائلًا بعنف مكتوم. "مع
إن المفروض أنا اللي أسألك: بتعملي إيه هنا؟ ابتلعت غصة مؤلمة وحاولت أن تشحذ بعضًا من قوتها التي تبعثرت بحضوره، وقالت بجمود. "مدام عرفت مكاني، يبقى عرفت أنا هنا بعمل إيه؟ تشكلت غصة في حلقه حين سمع كلماتها التي لم يكن بها أي ذرة تأنيب ضمير، أو هكذا ظن، لتخرج الكلمات من فمه محملة بأكبر قدر من الاحتقار. "جاية تشاركي في قتل روح بريئة ملهاش ذنب في أي حاجة!
استقر اتهامه بمنتصف قلبها ليشطره إلى نصفين، وقد ظهر ذلك الألم في عينيها التي كانت تخفيها تحت إطار من الزجاج. حجب عنه رؤية عذابها، ولكن تجلى في نبرتها حين قالت بعتاب خفي. "صدقت أو مصدقتش، أنا معرفتش أنا هنا ليه غير من خمس دقايق بس. وعمري ما كنت هشارك في ذنب زي ده." قاطعها بقوة ونبرة حادة. "وسبتيها تدخل أوضة العمليات ليه؟ تهدجت نبرتها وخرج صوتها متحشرجًا حين قالت وهي تحارب عبراتها.
"مكنتش قادرة أستوعب إيه اللي بيحصل. الوقت بين لما عرفت إنها حامل ولما عرفت إنها جاية تنزله ميتعداش عشر ثواني." لأول مرة تكن لهجتها ضعيفة بتلك الشكل! كان هناك صوت بأعماق قلبه يصدقها، ولكن غضبه كان يخرس كل شيء حوله، ولا يستوعب سوى حقيقة واحدة: أنه لو لم يتدخل في الوقت المناسب، لكان سيخسر الشيء الوحيد المتبقي من أخيه المتوفي. لذا تجاهل هذا الألم الجلي على ملامحها، وقال بخشونة.
"احمدي ربنا إني اتدخلت في الوقت المناسب، وإلا... استيقظت روحها الثائرة بداخلها ما إن سمعت كلماته المهددة، فانتزعت الباقي من إرادتها وقالت بقوة. "متهددنيش! سالم بلهجة هادئة ولكن قوية توازيها نظرات محذرة. "مبهددش! أنا بعرفك عشان تفكري ألف مرة قبل ما تعملي حركة غبية زي دي تاني! فرح بتحدي. "لو فاكر إنك كده بتخوفني تبقى غلطان! سالم بهدوء ظاهري ونبرة عميقة، بينما عيناه تبحر فوق ملامحها بغموض. "لأ بخوفك!
وبلاش تخليني أخوفك أكتر وأستخدم معاكي أسلوب أنا ما بحبوش! «اللعنة عليك! » كان هذا أول ما تفوهت به بداخلها، فذلك الرجل بغيض لدرجة جعلتها لا تستطيع التواجد معه في مكان واحد. فالتفتت تنوي مغادرة الغرفة، وما إن همت بتجاوزه حتى امتدت يده تقبض على معصمها بقوة آلمتها، فتوقفت على الفور وقد شعرت بطبول تدق بين ضلوعها إثر ملامسته لذراعها.
وعلى مهل أدارت رأسها تواجهه، لتشتعل حربًا صامتة بين أعينهم دامت لثوان، قبل أن تقطعه لهجته المحذرة حين قال من بين أسنانه. "لآخر مرة هحذرك! لما أكون بكلمك، أوعي تمشي وتسيبيني! حاولت رد الصاع صاعين ولكن بطريقتها، فقالت باستفزاز. "إيه ده؟ هو انت ما كنتش خلصت! تحركت تفاحة آدم التي تتوسط عنقه، بينما اشتدت قبضته على ذراعها مما يدل على محاولته ابتلاع غضبه، التي زاد من اشتعالها استفزازها، وقال بصرامة.
"كلامنا لسه مخلصش. هروحك انتي والغبية اللي جوه دي، وبعدها نتكلم عشان نحط النقط على الحروف." كانت هذه أكبر جملة تفوه بها منذ أن عرفته، لذا كانت تعلم أن خلف حديثه هذا أشياء لن تعجبها. ولكنها آثرت تأجيل كل شيء حتى تطمئن على شقيقتها، فقامت بتوجيه نظراتها إلى قبضته الممسكة بذراعها، فخففها تدريجيًا إلى أن تركها، فقالت باختصار. "هروح أطمن على جنة." ***
كانت جنة مستلقية على سرير الكشف، والطبيبة تقوم بتمرير جهاز الموجات فوق معدتها، وفجأة صدح صوت قوي لنبضات صغيرة جعلت كل خلية في جسدها ترتجف. فنظرت إلى الطبيبة التي قالت بوقار. "سامعة صوت قلبه! دون حديث، انهمرت الدموع فوق وجنتيها، وشعرت بأن قلبها على وشك الخروج من مكانه من فرط التأثر. كانت تشعر وكأن نبضاته تعاتبها على جريمتها التي كانت على وشك ارتكابها في حقه، فلم تستطع الإجابة على سؤال طبيبتها التي قالت بتأثر.
"لما جيتيلي وقولتيلي إنك عايزة تنزلي البيبي، أول حاجة جت في بالي إني أطردك فورًا بعد ما أديكي الدش المتين. بس لما عيني جت على إيدك اللي كنتي بتحضني فيها بطنك وكأنك بتحمي اللي جواها من نفسك، وخدت بالي من شفايفك اللي بترتعش،
قولت: دي مش منظر واحدة عايزة تضحي بضناها أبدًا. قولتلك اتفضلي عشان أكشف عليكي، بس وقتها مكنش لسه فيه نبض، عشان كده اديتك ميعاد النهاردة بحيث تيجي في الوقت اللي يبقى قلب الطفل بدأ ينبض. وكنت واثقة إنك بعد ما تسمعي صوت قلبه، عمرك ما هتقدري تضحي بيه. أنا معرفش ظروفك إيه، بس صدقيني ربنا ما أراد إنك تحملي فيه إلا إذا كان له حكمة في ده، وزي ما زرعه جواكي، أكيد هيلطف بيكي وبيه. احمدي ربنا على النعمة دي، في آلاف الستات بييجوا لي هنا عندهم استعداد يدفعوا عمرهم كله قصاد إنها تبقى أم. بتتمنى بس ضافر طفل. استغفري ربنا على الجريمة اللي كنتي عايزة تعمليها دي، واحمدي ربنا ألف مرة إنه أنقذك في الوقت المناسب."
أنهت الطبيبة حديثها تزامنًا مع دخول "فرح" التي نظرت إلى ملامح شقيقتها المنهارة، فهرولت تحتضنها، فعلى صوت بكائها وهي تقول بانهيار. "أنا كنت هموت ابني يا فرح. كنت هقتله بإيدي." حاولت فرح تهدئتها، فأخذت تمرر يدها فوق رأسها الملقى بين أحضانها وهي تقول بتأثر. "احمدي ربنا إنك اتلحقتي في الوقت المناسب يا جنة." جنة بانهيار. "أنا سمعت صوت قلبه يا فرح، ده زي ما يكون بيعاتبني وبيقولي: إزاي جالك قلب تفكري تعملي فيا كده."
هطلت العبرات من مقلتيها تأثرًا بحديث شقيقتها، فشددت من احتضانها وقالت بخفوت. "اهدي يا جنة، عشان خاطره هو. انفعالك ده غلط عليه." هدأت حدة بكائها قليلًا، ولكن استمر خيط الدموع بالنزول في صمت، وأخذ لسانها يردد عبارات الحمد. بينما "فرح" رفعت رأسها للطبيبة وناظرتها بامتنان، قابلته هي بابتسامة هادئة، وناولتها ورقة بها بعض الأدوية والعقاقير بعد أن أعطتها التعليمات اللازمة للحفاظ على الجنين.
كانت تحتضن شقيقتها متوجهة إلى الخارج تنوي العودة إلى المنزل، لتجده يقف بسيارته أمام البناية، فخرجت منها زفرة تعب، فهناك مواجهة وشيكة ستحدث بينهم. ولكنها كانت تفضل أن تحدث في غياب "جنة" التي ارتجفت حين رأته، فمالت عليها "فرح" قائلة بطمأنة. "متخافيش، أنا جنبك."
لم تٌمانع حين رأته يقوم بفتح الباب الخلفي لشقيقتها، التي أطاعته بصمت هي الأخرى، بينما أرسلت لها "فرح" ابتسامة مطمئنة قبل أن تقوم بالتوجه إلى الكرسي الأمامي بجانبه، وانطلق بالسيارة متوجهًا إلى منزلهما، الذي، ولدهشتها، وجدت أنه يعرفه. فقد وصل إليه في وقت قياسي، فالتفتت تلقي عليه نظرة غاضبة قبل أن تترجل من السيارة، وتقوم بمساعدة شقيقتها في الدخول إلى المنزل، ولكنها توقفت تلتفت إليه قائلة بلهجة باردة. "اتفضل نتكلم جوه."
أومأ برأسه وتبعها، فقامت بفتح باب الشقة والدلوف إلى الداخل، وبجانبها "جنة" المتشبثة بيدها وكأنها طوق نجاتها، وقد كانت كذلك بالفعل، فقد أقسمت بداخلها بأن تحميها هي وطفلها مهما كان الثمن. "أظن مش محتاج أنبه عليكي تخلي بالك من نفسك ومن اللي في بطنك."
توقفت الفتاتان في منتصف الطريق المؤدي لغرفة "جنة"، والتي كانت أمام صالة الاستقبال المتوسطة المساحة، حين سمعوا جملته التي كانت تخفي تهديدًا واضحًا تجلى في لهجته الصارمة، فالتفتت إليه فرح تلقي عليه نظرة حانقة، وقبل أن تجيب خرج صوت شقيقتها خافت مرتعش. "عمري ما هفكر أأذيه أبدًا."
كانت نبرتها مرتعشة ولكنها صادقة، وقد لمس هذا الصدق بها، لذا لم يتابع، بل جلس على إحدى المقاعد خلفه بأريحية جعلت الغضب يتمكن منها من ذلك المتعجرف الذي اعتاد إلقاء الأوامر ثم يجلس بهدوء وكأنه في بيته. "تبًا له."
كان يناظر غضبها بنظرات متسلية، فتحديها له يروقه، وانتصاره الدائم عليها له مذاق لذيذ لا يعرف كنهه، فتلك المرأة تثير فضوله بشكل غير مسبوق. خوفها الذي تخفيه خلف قناع من القوة الواهية يجعلها يريد الفتك بها بلحظة، وباللحظة الأخرى يشعر بالألم حين يرى ضعفها. بيد يريد تحطيم رأسها اليابس والذي يهوي القتال أمامه، وباليد الأخرى يريد أن يطيب جراحها ويبثها أمانًا يعلم أنها تحتاجه.
لم يكن يهتم بالنساء كثيرًا، وقد كان هذا يثير فضول من حوله. لم تجذبه امرأة منذ سنوات طويلة، ولكن تلك المرأة منذ أول لقاء لهم شعر بشيء مميز بها. فبالرغم من جرأتها ومناطحتها له، إلا أنها من كلمات بسيطة تتحول إلى فتاة خجولة مراهقة. مزيج غريب أثار فضوله، يعلم أن خلف قناع المعلمة الجادة الذي ترتديه توجد أنثى مختلفة كثيرًا، وبداخله رغبة كبيرة في التعرف إليها.
أخيرًا أطلت عليه بعد أن اطمأنت أن شقيقتها آمنة في غرفتها، وقد أخذت كل أدويتها التي توقف بمنتصف طريقهما ليحضرها، رافضًا أن تقوم هي بجلبها، وكأنه يريد أن يخبرها بأنه سيتابع كل شيء بنفسه بعد الآن. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتوجه إلى حيث ينتظرها، فقد جاءت لحظة المواجهة التي لا تعلم لما كانت خائفة منها بهذا الشكل.
قبل أن تخرج، حانت منها التفاتة بسيطة لمظهرها، فقد بدت ملامحها هادئة، عادية، وجه طبيعي باللون الخمري الذي يتسم بحمرة طبيعية على الوجنتين، وشفاه ممتلئة امتلاءً طبيعيًا ذا لون وردي هادئ، ونظارات طبية تخفي غابتها الزيتونية، والتي هما أكثر شيء مميز بها، وكالعادة كانت تعقص شعرها على هيئة كعكة تهدئ من جنونه وتطيح بجماله المتمرد، ولكن كان هذا الشكل هو ما تحتاج أن تظهر عليه، فهو يعطيها وقارًا تستمد منه قوتها التي تحتاجها في مواجهة الحياة.
توقفت أمامه تناظره بهدوء، تجلى في نبرتها حين قالت. "تشرب إيه؟ سالم بهدوء يماثل هدوئها. "ولا حاجة. خلينا ندخل في الموضوع على طول." ابتلعت ريقها بتوتر حاولت إخفاؤه، وتقدمت لتجلس أمامه على الأريكة ذات الألوان البيضاء المريحة للعين، ومن ثم رفعت أنظارها إليه وهي تقول بهدوء. "موافقة. بس الأول فيه كام سؤال محتاجة أعرف إجابتهم منك." رفع إحدى حاجبيه مستفهمًا، فتابعت قائلة بوضوح. "عرفت موضوع حمل جنة إزاي؟ وعرفت مكاننا إزاي؟
ياريت كل شيء يبقى واضح بينا، معدش فيه مجال نكذب ولا نخبي، كل حاجة انكشفت خلاص." ناظرها طويلًا قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى، وعيناه تقتنص وقع الحديث على ملامحها. "عرفت بالحمل تاني يوم الحادثة! تفاجأت من حديثه وقالت بصدمة. "نعم! هو كان فيه حمل أصلًا وقتها؟ لاحت ابتسامة ساخرة على جانب شفتيه قبل أن يقول بتقريع خفي. "أومال الحمل حصل بعدها! جفلت من حديثه الساخر وتابعت بغضب مكتوم.
"أقصد إن مكنش فيه أي أعراض. الدكتورة قالت لنا النهاردة إنها في نص الشهر التالت. يعني لو حسبنا من تاني يوم الحادثة زي ما بتقول، يبقى كان لسه في أوله، ولا يمكن يكون ظهر في الكشف." سالم باختصار. "بس بيظهر في الدم! فرح باستفهام. "ومين طلب تحليل دم؟ جنة مكنتش محتاجة نقل دم يوم الحادثة، مجرد كسر في إيديها وكدمات في جسمها." سالم بهدوء. "أنا طلبت! فرح بقوة. "وليه طلبت؟ أجابها بلهجة صارمة. "من غير ليه؟
كان تحادثه الند بالند، وعلى الرغم من هدوء النبرات كانت هناك حرب مشتعلة بين نظراتهم، ولم تستطع نظاراتها إخفاء تحديها الصريح له، وكأنها تريد أن تصل إلى نقطة ما، وهذا ما جعلها تقول بقوة. "طلبت تحليل دم ليه؟ كنت عايز تتأكد من إيه؟ متقوليش إنك كنت شاكك إنها حامل؟ رفع إحدى حاجبيه وهو يناظرها، بينما عيناه تجوبان ملامحها التي بدت واثقة من شيء ما، وهذا ما جعله يقول باختصار. "هاتي اللي عندك."
شعرت بأنها في مركز قوة وعلى وشك تحقيق انتصارًا عظيمًا عليه، لذا قالت بتأني، وكأنها تدخل كلماتها بعقله. "يمكن لما الدكتور قالك إن حازم، الله يرحمه، كان شارب مخدرات، كنت عايز تشوف هي كمان كانت شاربة زيه ولا لأ؟ صدمة معرفتها بالأمر، ولكن كالعادة لم يظهر شيء، بل ظلت ملامحه على حالها، حتى أن نبرته خرجت عادية كما لو أنه لم يتأثر بكل يقال حوله. "حلو. طلعتي متابعة وعارفة كل حاجة."
لو يعلم أنها علمت صدفة عند سماعها حديث الممرضات عن أضرار المخدرات وأنها السبب في ضياع شاب في ريعان شبابه، ولكنها اغتاظت من رده كثيرًا، وقد ظهر ذلك على ملامحها، ومع ذلك قالت بهدوء. "أكيد لازم أتابع وأعرف كل حاجة، وخصوصًا بعد ما أخوك جه وهدد جنة بسبب اللي عملته في أخوه، والحقيقة إن كل اللي حصل له وحصلها كان بسببه، إدمانه وتهوره." سالم بلهجة جافة خشنة. "عايزة توصلي لإيه؟ فرح بقوة.
"إننا لينا حق عندكوا، وأظن أنت فاكر وعدك كويس أوي." كانت تظن بأنها حاصرته، ولكنها لم تحسب حسابًا أبدًا لحديثه الذي جعل الدماء تتجمد بعروقها، وخصوصًا لهجته القاسية. "فاكر. بس المفروض قبلها نتأكد إذا كان ليكي حق فعلًا! لا تعلم لما شعرت بالخوف من تلك النظرات، ناهيك عن لهجته التي كانت توحي بأن هناك الكثير لم يخبرها به، ولذلك تأهبت جميع حواسها حين قالت بترقب. "تقصد إيه؟
كانت الكلمات تخرج من بين شفتيه وكأنها سهام يقصد أن يجعلها تخترق مسامعها. "قبل ما تتكلمي عن إدمان حازم، دوري على اللي وصله لكده؟ فرح بتوجس. "معناه إيه كلامك ده؟ سالم باختصار وعيناه على باب غرفة شقيقتها. "اسأليها." حاولت الحفاظ على هدوئها وقالت باستنكار. "وجنة إيه علاقتها بالموضوع ده؟ سالم باختصار، وبعينان لا تحيد عنها. "هعرف! ولحد ما أعرف إيه مدى علاقتها بالموضوع، هنأجل موضوع حقي وحقك ده. خلينا دلوقتي في المهم."
شعرت بأن هناك شيء آخر خلف رغبته في الحديث معها، لذا قالت باستفهام. "وهو فيه أهم من الموضوع ده؟ سالم باختصار. "طبعًا فيه." "اللي هو إيه؟ "ابن أخويا اللي كنتوا هتقتلوه النهاردة! كانت كلماته قوية توازي قوة عينيه التي توحي بأن هذا الأمر لن يمر مرور الكرام، وبالرغم من غضبها من كلماته، إلا أنها أعطته الحق في غضبه، لذا قالت بنبرة هادئة نسبيًا.
"مكنتش هسمح بكده يحصل أبدًا. وانت شفت بعينك إني كنت بفتح الباب ورايحة أمنع جنة تعمل كده لولا إني لقيتك قدامي." سالم باختصار. "افرض حاولت تعمل كده من ورايا أنا وإنتي؟ فرح بنفي قاطع. "لأ طبعًا، عمرها ما تعمل كده. انت شوفت حالتها كانت عاملة إزاي، وإزاي كانت حاسة بالندم إنها فكرت في كده." أطلق تنهيدة خشنة غاضبة قبل أن يقول بلهجة جافة. "لو هحكم باللي شوفته، فأختك غير مسؤولة بالمرة." فرح باندفاع. "انت إنسان غير مُنصف."
سالم بقسوة. "أنا إنسان عملي، بحكم على الناس من خلال تصرفاتهم. وتصرفاتها لحد دلوقتي كلها غير مسؤولة." لا تعلم ماذا دهاها في تلك اللحظة، فجل ما تريده هو الدفاع عن شقيقتها، فخرج الكلام منها عبثًا حين قالت. "على فكرة جنة وحازم كانوا متجوزين عرفي! ما إن اختتمت جملتها ورأت تلك الابتسامة البغيضة على ملامحه، حتى لعنت غباءها، وخصوصًا عندما قال بتهكم. "وده في رأيك تصرف مسؤول؟
كان مهيمنًا على الوضع بطريقة أغاظتها وأخرستها كلماته. تعلم بأن شقيقتها أخطأت كثيرًا، ولكنها لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي أمام اتهاماته لها، فخرج الكلام من بين شفتيها في محاولة أخيرة لنفي تلك التهم البغيضة التي تتجلى بوضوح في عينيه. "الغلط مكنش غلطها لوحدها. وأعتقد إني جيت ونبهتك قبل كده." كانت ملامحها تضج بالألم والغضب معًا، وقد شعر بوخزة ألم على حالتها تلك، لذا قال بلهجة باردة تمامًا كما أراد.
"أنا مش هنا عشان أشوف مين فيهم غلط أكتر من التاني. أنا هنا عشان أمنع غلط أكبر." فرح بعدم فهم. "تقصد إيه؟ "جنة هتيجي تعيش معانا لحد ما تولد! ألقى بقنبلته، بينما أخذت عيناه وضع المراقبة لكل همسة تصدر منها، ولكنها بقيت جامدة للحظة قبل أن تخرج منها ضحكة قصيرة خالية من المرح، وكأنه ألقى نكتة سخيفة كسخافة ذلك الوضع الذي هي فيه. "انت أكيد بتهزر، صح! أجابها بجفاء. "انتي شايفة إيه؟ فرح وقد علت نبرتها دونًا عنها.
"أنا هعمل نفسي لا شايفة ولا سامعة." سالم بفظاظة. "تبقي بتدفني راسك في الرمل زي النعام! هبت من مكانها وقالت بانفعال. "انت مستوعب كلامك؟ سالم بهدوء مستفز. "طبعًا! الدور عليكي أنتي تستوعبيه عشان مش هيحصل غيره." فرح بتهكم. "وياترى عايزها تروح تعيش معاك على أي أساس؟ سالم مصححًا. "قولت هتعيش معانا مش معايا. وهنا أقصد عيلتنا، والدتي وأخواتي." فرح ساخرة. "بصفتها إيه؟
كانت السخرية تغلف ملامحها ونبرتها، وقد أغضبه هذا، ولكن كان يفهم ذلك الصراع بداخلها، لذا قال مشددًا على كلماته. "بصفتها أرملة حازم، الله يرحمه، وأم ابنه أو بنته اللي جاي." لم تنكر ارتياحها لتلك الصفات التي نسبها لشقيقتها ونبرته التي أكدت على حديثه، ولكنها لن تتنازل أبدًا عن حقها في الدفاع عنها، فقالت بهدوء.
"طب تمام، حلو أوي ده. تقدر تعتبرها أرملة أخوك وأم ابنه أو بنته وهي في بيتها، عشان جنة مش هتخرج من البيت ده، ولو على جثتي." نهض سالم بتكاسل من مقعده وقام بإغلاق أزرار بدلته، وهو يقول بخفوت صارم وعيناه تؤكد على حديثه. "لأ هتيجي معايا وبرضاكي كمان." شعرت بالسخافة من نبرته الواثقة وكلماته الهادئة، فقالت بتعجب. "ممكن أعرف إيه مصدر ثقتك دي؟
يعني حقيقي الموضوع مثير للاهتمام. بقولك مش هتخرج غير على جثتي، بتقولي لأ هتيجي معايا. إزاي بقى معلش! واصل حديثه خانقًا ضحكة بسيطة كانت تهدد بالخروج على مظهرها الذي يبدو أقرب للجنون، وأيضًا غضبها الذي تحاول كتمه بصعوبة، فقد كانت هناك لذة خفية في كل انتصار يحققه عليها، لا يعلم مصدر تلك اللذة ولا متى بدأ يعتبر نجاحه في إرباكها يعد انتصارًا؟ كل ما يعرفه أن هناك شيئًا ما بأعماقه يجبره على تحديها والاستمتاع بكل انفعالاتها.
خرج صوته هادئًا خشنًا يناقض كل أفكاره. "إيه رأيك تسأليها رأيها في كلامي؟ وبعدين نشوف! خرجت منها ضحكة ساخرة خالية من المرح، وجاء صوتها مدهوشًا من حديثه. "ده بجد! انت عايزني آخد رأي جنة في الهبل ده؟ طبعًا من رابع المستحيلات إنها توافق على حاجة زي كده! "بس أنا موافقة يا فرح!
جفلت فرح من ذلك الصوت القادم من الخلف، وشعرت بطلق ناري يستقر في منتصف ظهرها حين استمعت لصوت شقيقتها القادمة من وراءها، فتسمرت في مكانها تنازع في محاولة لاسترداد أنفاسها الهاربة، قبل أن تلتفت ببطء لتلتقي عيناها مع شقيقتها التي كان الحزن والألم مرتسمان على ملامحها، وهي ترى وقع قنبلتها على وجه "فرح" الذي كان يحاكي شحوب الأموات في تلك اللحظة، وصوتها المبحوح الذي ردد اسمها بعدم تصديق. "جنة."
اقتربت منها "جنة"، وعلى وجهها جميع عبارات الأسى، وعيناها ترسل ألف اعتذار واعتذار لتلك التي كانت على وشك الإغماء، فامتدت يد جنة تمسك بكفوف شقيقتها المرتعشة، وهي تقول بنبرة قوية يشوبها بعض البكاء. "كفاية عليكي أوي كده يا فرح! خرجت الكلمات من فمها مرتعشة تمامًا كحال قلبها. "كفاية إيه يا جنة؟ جنة بانفعال وهي تشدد على كل حرف تتفوه به.
"كفاية بهدلة فيكي لحد كده. طول عمرك شايلة حملنا على كتفك. من أول تعب ماما وموتها، وانتي شايلانا كلنا، حتى بابا اللي كان المفروض يعوضنا غياب ماما كان بيتسند عليكي. كنتي انتي اللي شايلاه مش العكس. بسببنا اتخليتي عن حلمك إنك تبقي دكتورة وسبتي كلية الطب عشان تقدري تتحملي مسئوليتنا والبيت ده يفضل مفتوح. وحتى بعد بابا ما مات محسستنيش يوم واحد إني يتيمه. فضلتِ جمبي وفي ضهري وعمرك ما حرمتيني من حاجة. كفاية إنك اتخليتي عن حب حياتك عشان تفضلي جمبي ومتسبنيش. عشان كده بقولك كفاية. لازم أتحمل نتيجة أخطائي. جه الوقت اللي تعيشي فيه حياتك، وكفاية تتحملي كل حاجة لوحدك. ارتاحي مرة واحدة بقى."
كانت كلمات جنة تتردد على مسامعها، وذكريات حياتها كله يعاد أمام عينيها كالشريط، فأفصحت مقلتيها عن دمعة خائنة إثر جملتها الأخيرة. فعن أي راحة تتحدث! هل فعلًا قُدر لها الراحة؟ تجاهلت كل هذا الألم الهائل الذي عصف بها، وقالت بلهجة حاولت أن تكون ثابتة. "بس أنا ما اشتكيتلكيش؟ جنة بلهفة. "ولا هتشتكي يا فرح! عارفة ليه؟
عشان انتي أحسن حد في الدنيا. هتفضلي تتحملي لحد ما تقعي، ولا إنك تحسسيني بأي حاجة. بس أنا مش هتحمل تقعي يا فرح. انتي بالذات خسارتك غير أي خسارة في الدنيا. خسارة مش هقدر عليها أبدًا."
لم تستطع الحديث، إذ تفاجأت بجنة التي التفتت إلى سالم الذي كان جامدًا كتمثال صلب يستمع إلى ذلك الحديث الشائك عن معاناتها وكم تحملت لأجل عائلتها، وهنا تغيرت كل نظرته إليها وتبدلت معالم شعوره نحوها، وقد صدق ظنه بشأنها، فهي كما وصفها منذ أول لقاء لهم أنثى استثنائية. ولكن عقله توقف أمام جملة (اتخليتي عن حب حياتك) . خربش الفضول جدران قلبه بصورة قاتلة لمعرفة ماذا تقصد وأي شكل اتخذ هذا الحب؟
أخرجه من شروده وتساؤلاته كلمات جنة الذي يسكنها حزن عميق. "أنا موافقة يا سالم بيه، آجي معاك." لم تتحرك من مكانها، ولم يرتفع رأسها، وقد كان مظهرها يغضبه أو ربما يؤلمه، لذا أعاد نظره إلى "جنة" قائلًا بخشونة. "اتفقنا. العقد بتاع الجواز العرفي معاكي؟ أومأت برأسها بصمت، فقد كان الخزي يتوج ملامحها في تلك اللحظة، فجاء طلبه لينقذها، إذ قال بفظاظة. "عايز أشوفه."
للمرة الثانية، أومأت برأسها وتوجهت للداخل كي تحضره، بينما كانت "فرح" ما تزال بمكانها لا تستطيع أن تواجهه، فقد خسرت كل شيء أمامه، تجردت من كل شيء تحت أنظاره. فتولد عندها شعور مفاجئ بحاجتها للاختفاء!
تود في تلك اللحظة أن تكون شيئًا غير مرئي، مجرد سراب، فلم تعد لديها طاقة للجدال أو النقاش أو أي شيء. فالحياة تستمر بمعانداتها وإعطائها صفعة تلو الأخرى حتى فقدت قدرتها على التحمل، لذا حاولت الانسحاب خلف "جنة" هربًا من نظرات شامته، لابد وأن ترتسم بعينيه في تلك اللحظة، ولكنها لم تقدر على تحملها. وما إن تحركت تنوي الهروب حتى وجدت يد فولاذية تمسك برسغها تمنعها من الحركة، تلاها صوتًا هادئًا يناديها. "فرح!
حاولت أن تشحذ بعض قواها الخائرة وألا تجعله يراها مهزومة بتلك الطريقة، فل تواجه للنهاية ولتكن دائمًا مرفوعة الرأس. أخيرًا رفعت رأسها تناظره، فصدمها ذلك الدفء الغريب منبعثًا من عينيه التي بدت وكأنها تؤازرها في مصابها، حتى أن ملامحه كانت هادئة، خالية تمامًا من أي سخرية أو شماتة كما توقعت، ولكنها تجاهلت كل شيء وقالت بنبرة جافة. "نعم! خرجت نبرة صوته لينة بعض الشيء، ففاجأته بقدر ما فاجأتها. "جنة عندها حق. أوعي تزعلي منها."
لاحت ابتسامة ساخرة على ملامحها تتنافى مع لهجتها المريرة حين قالت. "بتدافع عن جنة قدامي! ده يوم المعجزات بقى! استعاد سالم ملامحه الجامدة وقست لهجته قليلًا حين قال. "أنا مبدافعش عنها بشخصها، لكن كلامها صح. الموضوع المرادي أكبر منك." فرح بمرارة. "بجد! عمومًا مش زعلانة عشان عارفة إنها هترجع لي في النهاية بعد ما تاخدوا اللي انتوا عايزينه منها." قطب جبينه وازداد عبوس ملامحه قائلًا بعدم فهم.
"يعني إيه ناخد اللي إحنا عايزينه منها! فرح بقسوة. "ابن أخوك! مش ده اللي جابك ورانا لحد الدكتورة؟ وطبعًا أكيد كنت مراقبنا قبلها عشان كده عارف مكان بيتنا كويس! طبعًا أخوك الله يرحمه طلع له طفل من تحت الأرض، وأنا عاذراك، ده حقك إنك تتمسك بيه. لكن مصير جنة إيه بعد كده؟ أقولك أنا، هترجع تاني مكان ما جت وتقضي بقيت حياتها تتعذب على ضناها اللي انتوا هتاخدوه منها."
ضاقت عيناه واسودت ملامحه من حديثها الذي صدمه كثيرًا، فقال باستنكار غاضب. "انتي إزاي متخيلانا بالبشاعة دي؟ فرح بغضب. "لأ ده أنا متخيلالكوا أكتر من كده." سالم بحدة. "ليه؟ إيه السبب؟ صرخت بقهر. "عشان مشفتش منكم غير كده. أخوك من أول ما دخل حياتنا بوظها ودمر أختي وحول حياتنا لجحيم، وأخوك التاني فجأة لقيناه داخل علينا عمال يهدد ويقل أدبه
وبمنتهى البجاحة بيقول: هعلمكوا الأدب. مشوفتش منكم حاجة واحدة بس كويسة تخليني آمن على أختي معاكوا." "طب ما تجربي إنك تقربي أكتر، يمكن تغيري رأيك! لا يعلم كيف غافلته الكلمات لأول مرة بحياته، وخرجت مندفعًة من بين شفتيه، فصدمته بقدر ما صدمتها! في البداية ظنت أنها تتوهم، ولكن لا. فقد اخترقت كلماته سمعها، حتى أن قلبها ارتجف رغمًا عنها. تري ماذا يقصد بتلك الجملة؟ هل يشير إلى نفسه؟ فهي ذكرت شقيقيه بينما لم تأتِ على ذكره!
"مفهمتش! تقصد إيه؟ هكذا تحدثت بخفوت. "أقصد إن كلامي مكنش على جنة بس." هكذا أجاب بعدما استعاد ملامحه الصارمة ولهجته الخشنة، وتجاوز عن ذلته محاولًا إنقاذ هفوته التي لا يعلم كيف حدثت؟ لم تفهم ما يقصد، وكان عقلها توقف عن العمل، فسألته بخفوت. "تقصد إيه؟ وصل إلى نقطة معينة من الحديث كان يريدها في أعماقه، والآن قد حان وقتها، لذا قال بتمهل. "قصدي إنك تيجي معاها."
برقت عيناها من حديثه، ولوهلة شعرت بالصدمة تجتاح كيانها، فعجزت عن الرد لثوانٍ، في حين أن عيناه كانت تبحر فوق معالمها المصدومة وشفاهها المرتعشة، فاستغل فرصة تبعثرها بهذا الشكل، وقال بعتاب ماكر. "أكيد مش هتسيبي أختك وهي في الظروف دي وسط ناس متعرفهاش! نجحت كلماته في زرع الأشواك بصدرها، وقد تجلى ذلك على ملامحها، فتابع ليصب النار على البنزين.
"مهما كانوا الناس كويسين وهي عاملوها حلو، أكيد هتكون محتاجاك. بالرغم إنها عمرها ما هتقدر تطلب منك ده! كان محقًا ومقنعًا للحد الذي جعلها لا تستطيع أخذ أنفاسها وهي تتخيل شقيقتها تعاني وسط هؤلاء البشر ولا تجد أحدًا يدافع عنها أو تبكي على صدره! انقبضت ملامحها حين مر ببالها هذا الخاطر، وآلمها قلبها كثيرًا، وقد شعر هو بذلك، ولام نفسه بشدة على إضفاء المزيد من الوقود إلى خزان أحزانها، ولكن عزمه على شيء ولن يتراجع عنه أبدًا.
"انت طلعتلي منين؟ كأن سؤالها غريبًا، وقحًا، وغير متوقع، والمثير للدهشة أنه أثار بداخله رغبة قوية في الضحك، ولكن حافظ على رزانته وتعقله قائلًا ببساطة. "قدرك! "الأسود! قصدك قدري الأسود." زادت رغبته في الضحك حين سمع إجابتها ولهجتها التي تعج بغضب مكتوم، ولكن مارس قوة كبيرة كي لا ينفجر أمامها ضاحكًا، واكتفى بأن يقول مؤنبًا. "استغفري ربنا. عيب واحدة مؤمنة زيك تقول كده!
خرجت الكلمات من بين أسنانها مع زفير قوي حملته كل ما بداخلها من غضب من هذا البغيض! أجل، هذا هو الوصف الملائم له. "أستغفر الله العظيم... خرجت جنة تحمل الورقة بين يديها وسلمتها إليه، بينما فرح توجهت كالإعصار إلى الداخل، وما كادت تدلف إلى غرفتها حتى تجمدت في مكانها حين سمعت صوته الخشن وهو يقول بنبرة عالية قاصدًا أن تصل إليها. "بعد بكرة العربية هتيجي تاخدكم وتطلع بيكم عالمزرعة بتاعتنا في إسماعيلية. جهزوا نفسكوا."
قطبت جنة حاجبيها قبل أن تقول باستفهام. "نجهز نفسنا! هو حضرتك تقصد مين؟ أجابها وعيناه مثبتة على تلك التي عادت أدراجها للخارج تحذره من فعلته النكراء التي ينوي عليها، فوجدت نظراته المتحدية ونبرته الصارمة حين قال. "إنتي وفرح! ماهي مش هتقدر تسيبك لوحدك في الظروف دي." تبدلت ملامحها على الفور لفرحة لا تستطيع وصفها، وقالت بذهول. "انت بتتكلم بجد؟ لم يقطع تواصلهما البصري، بل قال بتسلية وعيناه تتحداها أن تستطيع الرفض.
"أهي عندك، اسأليها! التفتت جنة للخلف فوجدت فرح تقف خلفها وعيناها يتقاذف منها الجمر، ولكن من فرحتها لم تلاحظ شيئًا، فاندفعت تجاهها تحتضنها وهي تقول بتوسل خفي. "صحيح الكلام ده يا فرح؟ انتي موافقة تيجي معايا؟ أرسلت عيناه إليها جملة صريحة لم تخطئ أبدًا في فهمها. "هل يمكنكِ الرفض؟ اشتدت يدها حول شقيقتها، بينما ابتلعت غصة غاضبة شكلت ألمًا هائلًا في منتصف حلقها، قبل أن تقول من بين أنفاسها. "موافقة!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!