الفصل 6 | من 23 فصل

رواية في قبضة الاقدار الفصل السادس 6 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
30
كلمة
7,580
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

تسمرت جنة في مكانها لدي رؤيتها لكلًا من مؤمن وعدي، أصدقاء حازم، الذين شهدوا على ذلك العقد اللعين التي تمنت لو أنها لم توقع عليه أبدًا. ولكن قدرها المظلم أجبرها على هذه الجريمة النكراء، والتي تدفع ثمنها الآن.

لم تحبهم أبدًا، وخاصة عدي. ولا تعلم لماذا شعرت بالرعب لرؤيتهم هنا تحديدًا في ذلك المكان الذي لم تختر أبدًا المجيء إليه بإرادتها، وإنما كان جزءًا من عقابها الذي فرضته على نفسها. وللأسف طال شقيقتها، التي لاحظت امتقاع وجهها وذلك الخوف الممزوج بصدمة قوية، وتجلى بوضوح في عينيها.

ولم تقتصر الصدمة عليها فقط، فما أن رآها الشابان حتى تسمرا في مكانهما وأخذا يتبادلان النظرات دون حديث. وعلى الرغم من أن الأمر استغرق ثوانٍ وجيزة، إلا أن تلك العيون الصقرية كانت تتابع كل شيء يحدث بصمت تام وترقب. قطع ذلك الصمت المخيم على الأجواء صوت أمينة، الذي تحول للحنان وربما الضعف، يتنافى مع جمود وبرود نبرتها في استقبال الفتاتين، حيث قالت بود: "مؤمن وعدي، إيه المفاجأة الحلوة دي؟

استيقظ الاثنان من غفوتهم، وكل يعتريه مشاعر مختلفة، منها الندم وتأنيب الضمير والكره أيضًا. وتوجها إليها لتمتد يدها تعانق كلًا منهما بود، بادلوها إياه بصدق، وإن كان مؤمن الذي زاد من عناقها طويلًا حبًا وألمًا واعتذارًا صامتًا لا يقدر على التفوه به. حاولت جنة ابتلاع الغصة بداخل قلبها حين سمعت صوت أمينة وهي تدعو الجميع للدخول، فأمسكت يد شقيقتها التي ضغطت عليها بلطف في محاولة لبثها أمانًا كانت في أمس الحاجة إليه.

بعد مرور أكثر من عشرين دقيقة، كان الجميع في غرفة الجلوس يحتسون القهوة بصمت تام. قطعه سالم حين قال موجهًا حديثه إلى فرح، التي كانت تتجاهله كليًا: "يالا عشان ترتاحوا، أكيد تعبتوا من السفر! برقت الأعين وملأها استفسار صريح لم يفشل في فهمه، ولم يستطع عدي تجاوزه، فقال بصدمة: "يرتاحوا؟ هما هيقعدوا هنا ولا إيه؟

ارتعشت كفوف جنة، التي كانت تحارب الإغماء من فرط توترها، ورغمًا عنها رفعت رأسها تطلعه بنظرات بدت محتقرة، وأوشكت أن تجيبه لولا تدخل سالم، الذي قال ساخرًا: "إنت شايف إيه؟ من فرط صدمته، لم يلاحظ تلك الحقائب التي أنزلها السائق من السيارة، ولكن بعد أن استعاد بعضًا من هدوئه، مرت الأحداث على عقله لينتبه لما يحدث حولهم، فسقط قلبه رعبًا بين ضلوعه. ولكنه حاول تجاهل خوفه وقال بنبرة بها تهديد مبطن وهو ينظر إلى جنة، التي كانت

تمثل القوة وهي تناظره: "غريبة! معقول دا يا جنة! لم يعطها الوقت للرد، إنما جاء صوته باردًا ونظراته غامضة حين قال: "وإيه الغريب في كدا؟ كان تركيزه منصبًا كليًا على جنة، التي لم تستطع أن تبقي عيناها المحتقرة أمامه أكثر من ذلك، فتجاهلته ونظرت أمامها. ففسر تصرفها هذا على أنه خوف، أشعره بالراحة قليلًا، ليجيب سالم وهو يضغط على كل كلمة يتفوه بها: "يعني بصفتها إيه هتقعد هنا؟

لاحت ابتسامة ساخرة على جانب شفتيه، وقد وصل إلى مبتغاه، فقال بقوة وبنبرة خشنة: "جنة مرات حازم الله يرحمه، وأم ابنه، وطبيعي يكون مكانها هنا بعد موته." التفتت الأعناق تناظره بصدمة، وتسارعت الأنفاس تحت نظراته الثاقبة المسلطة عليهم بقوة، وخاصة حين أضاف بتهكم: "معقول يا عدي تكون نسيت! دانتا الشاهد الأول على جوازهم!

وكأن أحدهم سقط بمطرقة قوية فوق رأسه في تلك اللحظة، وتنبه أنه الآن يقف أمام خصم صعب لا يستهان به، ولا يمكن الوقوف أمامه، وبأن هلاكه قد يكون على يديه. ولم تسعفه الكلمات في الرد عليه، فأضاف سالم بترقب موجهًا حديثه لمؤمن، الذي كان يجلس صامتًا لا يمتلك القدرة على الحديث: "ولا إيه يا مؤمن!

لحسن الحظ، جاء دخول أمينة إلى الغرفة الذي أنقذهم من مأزق. فقد استأذنت منهم للذهاب إلى المطبخ لتأمر العاملين به بعمل وليمة احتفالًا بمجيء أصدقاء الحبيب الراحل. وما أن أطلت عليهم حتى قالت بحبور: "نورتونا يا ولاد." تحدث مؤمن بلطف: "دا نورك يا ماما أمينة. طمنيني عليكي عاملة إيه دلوقتي؟ أمينة بلهجة حزينة: "الحمد لله.. الحمد لله على كل حاجة." فأضاف مؤمن بصدق: "وحشتينا، قولنا نيجي نشوفك." أمينة بود:

"دي أحسن حاجة عملتوها، متتخيلوش زيارتكوا دي ردت روحي إزاي."

كان الحديث يدور أمام فرح، التي كان داخلها يغلي من الغضب من أولئك البشر الذين لا يملكون أدنى إحساس بالذوق. فقد كانوا يتجاهلون وجودهم تمامًا، وكان كل الترحيب منصب فوق هذين الشابين، والتي لم ترتح لهم وشعرت بخوف شقيقتها منهم. وقد أيقنت بأن العيش هنا لن يكون سهلًا أبدًا، وأن الأيام القادمة ستكون شاقة على كلتيهما. ولكنها كانت تقمع تلك الأفكار بعقلها خلف ستار من اللامبالاة، بينما كان هو يقتنص تعبيراتها بين الفينة والأخرى وهو يشعر بما يعتريها، ولكن لم يتفوه بحرف. إلى أن قاطع حديثهم الممل دخول سليم إلى باب الغرفة، فتنبهت جميع حواسها وشعرت بأنها تختنق، فقد كان تنفس الهواء ذاته مع ذلك الشخص البغيض يُغضبها، وقد أتتها رغبة قوية في الهرب حتى لا تراه أبدًا.

امتدت يدها للكوب الموضوع على الطاولة أمامها لترتشف منه بعض قطرات من الماء حتى تبلل حلقها الذي جف، تزامنًا مع ظهور ابتسامة ساخرة على جانب شفتيه إثر ملاحظته لفعلتها، وقد تأكد من أنه يخيفها تمامًا كما أراد. "سليم، كنت عايز أتكلم معاك شوية!

كانت هذه الجملة التي ألقاها عدي، فهبطت فوق قلبها كسوط من نار جلد ما تبقى لها من ثبات، فاهتز الكوب بين أصابعها وسقط ليتحول إلى أشلاء جرحت قدمها، ولكنها لم تشعر بشيء، فقد اعصر قلبها قبضة قوية، فهي تعلم عدي جيدًا وكم هو وضيع، وأيضًا ذلك الرجل الذي يستمتع باتهامها شتى الاتهامات دون أن يؤرقه ضميره لثانية واحدة. ترى أي حديث سيجمع بينهما! هبت فرح لمساعدة شقيقتها، وصرخت أمينة في إحدى الخادمات حتى تأتي للملمة الزجاج المنثور،

وهي تقول بجمود: "مش تخلي بالك؟ حدقتها فرح بنظرة نارية، ثم قامت بانتزاع إحدى المناديل الورقية من العلبة أمامها ومسحت قطرات الدماء التي انبثقت من جرحها الذي لم يكن غائرًا. فاقترب منها سالم ليطمئن عليها قائلًا باختصار: "إنتِ كويسة؟ هزت جنة رأسها، فيما التفتت فرح تناظره بغضب كبير لم تكبح نظراتها في إخفائه، وتجلى في نبرتها حين قالت بجفاء: "جنة محتاجة ترتاح شوية، السفر كان مرهق عليها! هز رأسه دون حديث، فيما

تحدثت أمينة قائلة بجفاء: "الغدا الساعة تلاتة، اعملوا حسابكوا! لم تجبها أي من الفتاتين، بل إن فرح لم تنظر إليها وكأن الحديث غير موجه إليهم، فيما قال سالم بفظاظة: "يالا عشان أوريكوا المكان اللي هتقعدوا فيه."

كان الغضب يُغلف لهجته، ولكنها لم تلحظ ذلك، فقد كان غضبها يمنعها من رؤية تلك النظرة الحادة التي حدج بها والدته، وخرج دون أن يتفوه بحرف، بينما تبعته فرح، ومن جانبها جنة، التي دون إرادتها حانت منها نظرة إلى ذلك الذي يراقب ما يحدث باستمتاع، وكأنه كان يتوقع أنها ستنظر إليه. فعندما التقت نظراتهم، حاول جاهدًا أن يحمل نظراته أكبر قدر من الاحتقار، مما أدى إلى إتقاد الغضب بداخلها، وشعرت بمدى خطأها حين اتخذت ذلك القرار الغبي في المجيء إلى هنا.

وصلوا إلى باب الفيلا، والتفت إليها سالم قائلًا بخشونة: "جهزنا لكوا الملحق عشان تعيشوا فيه، لحد ما تاخدوا عالناس اللي في البيت و... قاطعته فرح بجفاء: "معتقدش إننا هناخد على حد من اللي في البيت، لأنهم من الأول مش متقبلين وجودنا، ومن الواضح إنك أجبرتهم يتعاملوا معانا زي ما أجبرتنا إننا نيجي هنا." سالم بفظاظة: "مين اللي قالك الكلام ده؟ فرح بغضب: "مش محتاجة حد يقولي، باين أوي عليهم إنهم متضايقين من وجودنا."

سالم وهو يقوم بفتح باب الملحق قبل أن يقول بلهجة صلفه: "مدام محدش قال حاجة، يبقى وفري علينا استنتاجاتك! غضبت من وقاحته وخشونة نبرته، ولكن هذا لم يكن جديدًا عليه، وما أوشكت على الحديث حيث قاطعتها كلماته الجامدة: "مش محتاج أقولك حافظي على نفسك." كانت نظراته موجهة إلى جنة، ثم تحولت إليها قائلًا بفظاظة: "وياريت متشغليش نفسك باستنتاجات وهمية ملهاش أي تلاتين لازمة!

ازدادت شعلة غضبها وتجلى ذلك بنظراتها الحارقة وملامحها المستعرة، وقد لون الاحمرار وجنتها، فذلك المتعجرف قد تخطى كل حدوده معها، ولن تتهاون أبدًا معه وستُريه مع أي شخص قد عبث! استدار إلى الخارج وهو يقول بنبرة آمرة: "بعد ما ترتاحي من مشوارك، تعالي عشان نتكلم! جاءته نبرتها قوية توازي نبراته: "هدخل جنة ترتاح وأجي. عشان نتكلم!

قالت جملتها الأخيرة من بين أنفاس ساخنة ملتهبة جراء غضبها القاتم، وقد كان ذلك الصراع يدور أمام جنة، التي لم تكن في أحسن حالاتها، لذا فضلت التزام الصمت. حين رافقتها شقيقتها إلى أقرب غرفة قابلتهم، حتى أنها لم تنتبه إلى معالم الغرفة حولها، بل ارتتمت فوق السرير وهي تطلق تنهيدة قوية خرجت من جوفها، سمعتها فرح بوضوح، فدثرتها بالغطاء جيدًا قبل أن تضع قبلة حانية فوق جبهتها بثتها فيها جرعة من الحنان كانت في أمس الحاجة إليها.

بينما التفتت متوجهة إلى باب الغرفة وهي تهيئ نفسها لحرب دامية لن تخرج منها مهزومة أبدًا ككل حروبها معه. بالخارج وجدته يجلس بكل هدوء على أحد المقاعد ينفث دخان سجائره الذي شكل خيوطًا رفيعة من الدخان حوله، بينما نظراته كانت تطالع اللاشيء أمامه. كان كمن يبدو غارقًا في تفكيره. حين أطلت عليه، فأخذت تناظره لثوانٍ. كان وسيمًا بدرجة كبيرة توازي تسلطه وغروره الذان، وكأنهما خُلقا معه أي في تكوينه. استفاقت من شرودها

على نبرته الساخرة حين قال: "خلصتي! جفلت من سخريته، فقد ظنت أنه غير منتبه إلى تحديقها فيه، ولكن اتضح لها بأنها هي التي لم تكن منتبهة. لذلك تنحنت بخفوت قبل أن تقول بثبات: "خلصت إيه؟ ارتفع أحد حاجبيه قبل أن يقول يتهكم: "يعني لما لقيتك مركزة أوي، قولت أكيد بتشبهي عليا! ماهو مش معقول تكوني معجبة بيا مثلًا!

برقت عيناها من كلماته المستفزة والتي استنكرتها بشدة، إلا من خفقة مجنونة تعثرت بقلبها، ولكنها حاولت أن تظل على ثباتها واتباع نفس أسلوبه، إذ قالت بسخرية: "مغرور أوي! ابتسم بهدوء قبل أن يقول بتريث: "عمومًا، الغرور أفضل من التصنع! حاولت مراوغته، فغمغمت بخفوت: "مفهمتش تقصد إيه؟ جاءت لهجته قوية وكانت نظراته مسلطة عليها بصورة أربكتها: "إني أكون مغرور أفضل من إني أكون شخص متصنع بعيش دور مش دوري وبتتقمص شخصية غير شخصيتي!

شعرت بأنه لا مفر من مواجهته حتى لا يظن أنها خجلة أو تخشاه، لذا قالت بقوة: "لو بتتكلم على يوم ما جيت لك الشركة، فعلى فكرة بقي في اليوم ده أنت فاجأتني ومدتنيش وقت كافي إني أجهز، وكان لازم نتكلم في أسرع وقت قبل ما تسافر، فإضطريت إني آجي على أي وضع! لم تفسر نظراته، ولكن ملامحه كانت أكثر لينًا حين قال بابتسامة شائكة: "طب كويس، فكريني أفاجئك على طول بعد كدا!

دائمًا ما ينجح باستفزازها. كلماته البسيطة ومعانيها الغامضة التي تثير بداخلها شعورًا من الاضطراب، فضاق عيناها المستعرة وقالت بجفاء: "ياريت بلاش كلام بالألغاز ونتكلم بصراحة! كان يستشعر غضبها وتمنى لو أنه يغضبها أكثر، فقد كان يروقه ذلك، ولكن حافظ على ملامحه الجامدة، إذ قال بلامبالاة: "الألغاز أنتِ اللي محاوطة نفسك بيها، أما أنا شخص واضح وصريح! هزت رأسها وقد لاحت ابتسامة ساخرة على ملامحها قبل أن تسترجع ملامحها الجامدة،

وهي تقول بجفاء: "تمام. يبقى خليني أتكلم أنا كمان بوضوح. لما جيت وطلبت مني أن جنة تيجي تعيش معاكوا، سألتك بصفتها إيه؟ قلت لي مرات حازم وأم ابنه." توقفت عن الحديث منتظرة منه أن يعقب عليه، ولكن ظل صامتًا، لذا تابعت بغضب مكتوم: "الظاهر إن أنت بس اللي شايف كدا، وباقي الناس اللي في البيت ليهم رأي تاني؟ أجابها باقتضاب وبملامح صارمة: "سبق وقلت لك، وفري استنتاجاتك لنفسك! فرح بغضب:

"دي مش استنتاجات، دي حقيقة عشناها النهاردة من ترحيبهم بينا اللي كان شبه مش موجود أصلًا." لم تتأثر ملامحه، إنما قال بفظاظة: "بيتهيألي إنك بالذكاء اللي يخليكي متتوقعيش أفضل من كدا! حدقته بلوم قبل أن تقول بجفاء: "بالعكس، لو أعرف كدا مكنتش جيت! سالم بتقريع خفي: "عشان تحكمي على الأمور صح، حطي نفسك دايمًا مكان اللي قدامك! فرح باختصار: "بمعنى؟ سالم بفظاظة:

"افتكري رد فعلك كان إيه لما عرفتي اللي حصل، وقيسي عليه ردود أفعال اللي حواليكي! للحظة اعترفت بأنه يملك الحق فيما يقوله، فما حدث لا يسهل أبدًا استيعابه، وقد أغضبها ذلك، ولكنها أبدًا لن تتحمل طريقتهم في التعامل حتى يتقبلوا تلك الحقيقة المرة، لذا قالت باستفهام مستنكر: "والمفروض إننا نتحمل الأسلوب ده لحد ما يتأقلموا!

كان يعلم بأنها تعطيه الحق في حديثه، ولكنها لن تفصح أبدًا عن ذلك، فملامحها الغاضبة خير دليل. فقام بخنق ضحكة كانت على وشك الظهور وحافظ على صرامة ملامحه وهو يقول: "أدي كل واحد فرصته أنه يستوعب اللي بيحصل حواليه، وخصوصًا إن محدش هيتعرضلكوا بأي أذى! فرح باستنكار: "ماهو واضح! خرجت زفرة خشنة من جوفه قبل أن يقول بنفاد صبر:

"التحفظ مش قلة ذوق ولا إهانة. أنتوا لسه متعرفوش ببعض عشان كدا قررت إنكوا تقعدوا هنا في الأول لحد لما تتاقلموا." قاطعته إذ قالت ساخرة: "حلو! في رأيي ده أكتر قرار صح أخدته من يوم ما اتقابلنا! ارتفع أحد حاجبيه قبل أن يقول بسخرية: "دا لو حطينا رأيك بعين الاعتبار أصلًا! هل أهانها للتو؟ برقت عيناها وهي تناظره وقد تجمدت ملامحها بغضب كبير جعل محصول الطماطم الطازج ينبت فوق خديها، مما جعله يقول بتخابث:

"في رأيي أن الزي التنكري ده مش لايق على شخصيتك! ياريت ترجعي لطبيعتك أفضل! قال جملته وتوجه إلى الباب بهدوء وغرور يلتصق به دائمًا، فأوقفه صوتها الغاضب حين قالت: "دا لو حطينا رأيك بعين الاعتبار أصلًا! كان يعطيها ظهره، لذا أطلق العنان لابتسامة قوية شقت ثغره من تكرارها جملته التي نجحت في إشعال غضبها الذي يخلق لذة خاصة بداخله، ولكن سرعان ما محاها قبل أن يقول بتخابث: "قريب أوي هيبقى رأيي الأول والأخير يا فرح!

لم تستمع من كلماته سوى اسمها، فما أن همت بسؤاله حتى خرج مغلقًا الباب خلفه، تاركًا إياها تتلوي بنيران الغضب من ذلك المغرور القاسي الوسيم! ***************** كانت تناظره بغضب كبير تجلى في عينيها الجميلة، التي ما أن فتحتهم حتى وجدت ذلك الضخم يعبث بأشيائها، فلم تستطع الصمت، بل صرخت بأعلى صوتها قائلة: "حراميييييي!

اخترقت الكلمة مسامعه، مما جعله يتجمد بمكانه لثوانٍ قبل أن يلتفت إليها، فوجد نمرة غاضبة على وشك الفتك به، وقد تناقض مظهرها الآن بمظهر القطة الضائعة التي كانت تبدو عليه قبل أن تفقد الوعي! التفت يناظرها بجمود قبل أن يقول بصوت قوي خشن: "دا مين الحرامي معلش! أجابته بقوة تجلت في عينيها التي توسعت بشدة بسبب الغضب: "الحرامي اللي واقف يفتش في شنط الناس بكل بجاحة." ما هذه الوقاحة؟

جمالها الخارجي يتنافى تمامًا مع لسانها السليط، الذي سيكون أكثر من سعيد حين يقطعه لها. تلك الوقحة تنعته بالسارق بعد أن حملها كل تلك المسافة ولم يدعها تسقط بين الناس! "احترمي نفسك واعرفي أنتي بتتكلمي مع مين! حلا بانفعال: "أنا محترمة غصب عنك! احتدم الصراع بينهم، وكانت الأعين ترسل شرارات نارية قادرة على إشعال النيران في المكان من حولهم. لذا تدخلت إحدى العاملات في محاولة لتهدئة تلك النظرة الغاضبة:

"يا بنتي إيه اللي بتقوليه ده. مين بس اللي حرامي ده؟ ياسين بيه راجل محترم! حلا دون تفكير: "ماهو واضح أنه محترم! بدليل إنه كان بيفتش في شنطتي.." حاول ابتلاع غضبه الذي إن أطلقه سيحرقها دون أدنى شعور بالذنب، لذا أطلق تنهيدة خشنة غاضبة قبل أن يقول وهو متوجهًا نحو باب الغرفة: "أنا هخرج قبل ما أرتكب جناية! همت بأن تجيبه، ولكن كان قد اختفى، فتدخلت العاملة قائلة بتوبيخ:

"إيه اللي أنتي هببتيه ده. بقي ده جزاء الجدع إنه لحقك قبل ما تقعي وسط الخلق! تنبهت حلا لحديثها، فالتفتت تقول باستفهام: "إيه؟ لحقني إزاي يعني؟ قصت عليها السيدة ما حدث، فشعرت بمدى غبائها وتهورها الذي دائمًا ما يوقعها في المشكلات. وسقطت على الكرسي خلفها بتعب، ووجدت عيناها تقع على حروف ذلك الاسم المدون على اللوحة أمامها: "ياسين وفيق عمران! أخذت تردد الاسم بين شفتيها بخفوت وهي تنظر أمامها بشرود. قطعه صوت

نفس السيدة وهي تقول بنصح: "اسمعي مني، روحي اعتذري له. أنتي قليلة أدبك عليه جامد والراجل معملكيش حاجة." خرج الكلام منها حادًا وهي تقول بنفي قاطع: "ده مين ده اللي أعتذر له؟ نجوم السما أقرب له. قال أعتذر قال! كان يقف أمام إحدى ماكينات صنع القهوة ينتظر أن تنضج قهوته وهو يتنفس بحدة من تلك الجميلة سليطة اللسان، التي تتحول بلحظة من قطة ناعمة إلى نمرة مفترسة! "أنا آسفة!

أخرجه من شروده صوت انطبع في مخيلته منذ أن وقع على مسامعه أول مرة. وعلى الرغم أن رقته حاليًا تتنافى مع قوته سابقًا، ولكن تعرف إليه، وعلى الفور ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيه، حاول قمعها قبل أن يلتفت يناظرها بجمود، وكأنه لم يسمع حديثها. ممسكًا بكوب القهوة الخاص به، يناظرها بتفحص من رأسها حتى أخمص قدميها دون حديث. وقد أغضبها تفحصه هذا، فلعنت نفسها أنها أقدمت على ذلك الاعتذار السخيف وقررت تصليح خطأها. لذا التفتت تنوي المغادرة، لتتوقف بمكانها

حين استمعت لنبرته الصارمة: "استني عندك! توقفت بمكانها وأخذت نفسًا قويًا قبل أن تلتفت تناظره بغضب مكبوت، بينما كان هو مستمتعًا بمظهرها، ولكن كان يحافظ على جمود ملامحه. حين اقترب منها بخطى سلحفية، بينما عيناه لم تحيد عنها، وما أن وقف أمامها مباشرة حتى قال بخشونة: "اسمك إيه؟ رفعت رأسها بشموخ قبل أن تقول بنبرة قوية ممزوجة بغرور لاق بها كثيرًا: "حلا. حلا منصور الوزان." لم يبدو وكأنه تأثر حين سمع حديثها،

بل تابع بنفس لهجته: "فرقة كام؟ أجابت بملل: "تالتة! ياسين بهدوء مستفز: "تخصصك إيه؟ حلا بنفاذ صبر: "فلسفة! آداب قسم فلسفة. ها، فيه أسئلة تانية؟ ياسين بلا مبالاة: "لا. تقدري تمشي! كان يطالعها بينما يرتشف من قهوته بهدوء أغضبها، فكل ما صدر من ذلك المتعجرف يُغضبها، حديثه واستجوابه، وأيضًا تجاهله لاعتذارها الذي جاهدت كثيرًا حتى تخرجه. لذا تمنت في لحظة أن تحرق القهوة لسانه اللاذع، لعله يخرج عن طور البرود المستفز هذا.

أخرجها من شرودها تجاوزه لها وخروجه دون أن يتفوه بحرف، فوبخت نفسها بشدة كيف أنها كانت تقف بجمود تطالعه كالبلهاء. وهكذا كان حالها حين دخلت إلى إحدى القاعات حتى تحضر أولى محاضراتها وتذهب إلى البيت، علها تنهي ذلك اليوم الذي لم تكن بدايته تبشر بالخير أبدًا!

جلست على إحدى المقاعد بعيدًا عن الجميع، ولم تكد تستقر في مقعدها حتى تفاجأت بذلك الضخم المتعجرف يدخل من باب القاعة ويقف خلف الطاولة الكبيرة وهو يناظرهم، وتحديدًا هي، قائلًا بنبرة بها الكثير من التحدي المغلف بخبث يطل من عيناه: "أهلاً بالطلبة الجداد اللي انضموا لجامعتنا. أحب أعرفكم بنفسي، أنا الدكتور ياسين وفيق عمران!!

برقت عيناها من هول ما يحدث معها، وودت لو أن الأرض تنشق وتبتلعها في تلك اللحظة، فهذا المتعجرف هو دكتور إحدى المواد المقررة عليها لهذا كان يستجوبها، وهي كالبلهاء أجابته بمنتهى الصراحة! ********* أخيرًا انتهت الزيارة، واستقل كلًا من عدي ومؤمن السيارة وانطلقوا عائدين إلى القاهرة. وما أن غادرت السيارة أبواب المزرعة حتى انفجر عدي قائلًا بغضب: "شفت بنت ***** لعبتها صح إزاي؟ وقدرت تضحك عليهم زي ما ضحكت على حازم الله يرحمه!

ناظره مؤمن بغضب حارق قائلًا بتقريع: "بطل استعباط وكلام أهبل، كلنا عارفين مين ضحك على مين." عدي بانفعال: "تقصد إيه يا مؤمن؟ وضح كلامك! مؤمن باحتقار: "قصدي أنت عارفه كويس يا عُدى! كفاية اللي حصل لحازم، فوق بقى من غفلتك دي، إحنا ممكن نكون مكانه في أي وقت! عُدى بنفاذ صبر: "بطل حكم ومواعظ وفكر معايا. إزاي قدرت تضحك عليهم بالشكل ده؟ ناظره مؤمن بحنق قبل أن يقول مستنكرًا: "تضحك على مين؟ أنت عبيط! دا سالم الوزان!

محدش يقدر يضحك عليه، وأكيد لو عنده شك ولو واحد في المية إنها كذابة مكنش جابها تعيش وسطهم." ثم أعطاه نظرة حانقة محتقرة وهو يقول بتقريع: "معلقتش على موضوع الحمل يعني! أنت اللي شجعت حازم إنه يعمل عملته دي صح! تراجع عدى للخلف ونظر أمامه قبل أن يقول بلامبالاة: "مشجعتش حد، كل حاجة كانت بمزاجها. وبعدين زيها زي أي واحدة حازم مشي معاها وسابها. بس دي طلعت حويطة أوي وعرف تلعبها صح!

كانت جملته الأخيرة تحمل حقدًا من نوع خاص، فهمه مؤمن على الفور، فقال بتوبيخ: "بطل افتري وظلم، أنت أكتر واحد عارف إنها مش زي البنات دي، وأنت السبب في كل العك اللي حصل ده! عودة إلى ما قبل ستة أشهر.

توجه الثلاثي مؤمن وعدي وحازم إلى إحدى القاعات لحضور محاضرة لذلك الدكتور اللزج الذي جعلهم يرسبون في مادته للمرة الثانية، فأصبح لزامًا عليهم أن يحضروا جميع محاضراته حتى يتسنى لهم النجاح بها. فهذه سنتهم الأخيرة ويريدون للخلاص حتى يشق كلًا منهما طريقه نحو الحياة.

اتخذ كل واحد منهم مقعدًا ينتظرون مجيء الدكتور الوغد كما أسموه. وما هي إلا ثوانٍ ودلف إلى القاعة، وما أن وقعت عيناه عليهم حتى رماهم بنظرة مُتهكمة، واتخذ مكانه حتى يستعد لبدء المحاضرة التي مر منها قرابة العشر دقائق، والثلاثي قد بلغ الملل بهم لذروته. ولكن ما أن سمعوا طرقًا على الباب الذي انفتح بعد سماح الدكتور للطارق بالدخول، والذي لم يكن سوى فتاة جميلة بشعر أسود حريري وعينان تضاهيه سوادًا، تناقض كثيرًا مع بياض بشرتها

التي يتوسطهم التفاح الشهي المنثور فوق خديها الحمران كلون شفتيها تمامًا. فقد كانت جميلة فاتنة بجسد صغير، ولكن به أنوثة قاتلة تظهر على استحياء في ملابسها التي لم تكن جريئة فتفصل قوامها الممشوق، ولا فضفاضة فتخفيه، ولكنها كانت على قياسها وأظهرت مدى جمالها الخارق. وعندها حبس الثلاثة أنفاسهم لدى رؤيتها، وقد كانت تعتذر من الدكتور بخجل على تأخرها، وقد سمح لها بالدخول، وما هي إلا دقائق حتى انخرطت معه في المحاضرة وصارت تناقشه

بجرأة ولباقة. ولم تكن تعلم بأن هناك ثلاث أزواج من العيون تقتنص جميع حركاتها إلى أن انتهت المحاضرة. فخرجت جنة مع أصدقائها تضحك هنا وتبتسم هناك وتشاقس هذا وتمازح ذاك، غافلة تمامًا عن كل ما يحاك حولها من مؤامرات تسببت في هدم حياتها!

كان أول المتحدثين هو عُدى، الذي قال بإعجاب صريح وقح: "واد أنت وهو شايفين الصاروخ اللي أنا شايفه ده! أجابه مؤمن بإعجاب لم تخفيه عيناه: "شايف! إلا شايف، دا اللي ميشوفش الجمال ده يبقى أعمى! تحدث عُدى متأثرًا بمظهرها: "أنا لازم أروح أتعرف عليها! هنا تحدث حازم الصامت منذ بدأ الحديث، وقال بنبرة قاطعة: "البت دي تلزمني! وجه عدى أنظاره الغاضبة إليه وقال بحنق: "وليه بقي إن شاء الله؟ مانا كمان معجب بيها." ناظره

حازم بغرور وقال بتكبر: "عدى يا حبيبي متحطش نفسك في مقارنة معايا عشان أكيد هتطلع خسران." أنفعل عدى وقال بحدة: "على أساس إنك اللي مفيش منك اتنين يعني ولا حاجة! حازم بفظاظة: "بالظبط كدا. وأظن أنت جربت تدخل في منافسة معايا قبل كدا وشوفت النتيجة." شعر عدى بنصل حاد يخترق أعماق قلبه وكبرياؤه، ولكن أبي الانهزام أمامه إذ قال بعنفوان: "بيتهيألك ساندي، أنا اللي سيبتهالك بمزاجي. عشان مكنتش بتفرق معايا."

أوشك حازم على الرد، ولكن تدخل مؤمن، الذي كان يشاهد صراعاتهم المستمرة، فقال بتسلية: "لا بقولكوا إيه، متصدعوناش بمقارناتكوا دي. دلوقتي البت عجباكوا أنتوا الاتنين، يبقى نشوف مين فيكوا اللي هيقدر يوقعها." راقت الفكرة للثنائي الأهوج، الذي نُزعت من قلوبهم كل معالم الرحمة، لذا خرجت الموافقة من بين شفتيهم، أتبعها عدى قائلًا بتخابث: "ومش بس كدا، دانا لو علقتها هاخد منك العربية الجديدة بتاعتك، زي ما انت خدت عربيتي قبل كدا!

ابتسم حازم بسخرية قبل أن يقول بحماس: "موافق! أما أنا بقي لو كسبت الرهان، ودا متوقع طبعًا، هخليك... ولا بلاش، لما أكسب الرهان أبقى أقولك وقتها! "اتفقنا.. استنوني هنا وشوفوا هعمل إيه؟ كان المتحدث عُدى، الذي اندفع تجاه جنة، التي كانت تتحدث مع إحدى صديقاتها. وما أن اقترب منها حتى قال ليجذب انتباهها: "لو سمحتي، ممكن كلمة؟ التفتت جنة إليه قائلة بتحفظ: "في حاجة؟ عُدى باحترام مزيف:

"أنا شفتك وأنتي بتتناقشي مع الدكتور، وبصراحة أسلوبك كان سلس ومنمق، فلو مكنش يضايقك، كنت عايزك تشرحيلي كذا حاجة واقفة قدامي! كان مظهره العابث يتنافى مع حديثه المُنمق، وأيضًا تلك الوقاحة المنبعثة من عيناه جعلتها تعرف الهدف الأساسي من حديثه المخادع هذا، لذا طالعته بتهكم قبل أن تقول بلهجة قاطعة: "أنا هنا طالبة زيي زيك، غير مؤهلة إني أشرح لحد، فلو عايز تستفيد فعلًا، أنت ممكن تروح للدكتور وتتكلم معاه. عن إذنك."

أنهت حديثها والتفتت تكمل حديثها مع صديقتها، فانتابه غضب حارق تجاهها، ولكن حاول ابتلاعه قبل أن يرقق لهجته قليلًا وهو يقول: "طب ولو قولتلك إني حابب أتعرف عليكي و... قاطعته جنة بنبرة صارمة: "متعرفش! ولو سمحت تمشي من هنا عشان مناديش على حرس الجامعة وأعملك مشكلة." احتدمت لهجتها كثيرًا في جملتها الأخيرة، وقد وصل حديثها إلى مسامع كلًا من مؤمن وحازم، الذي ناظره بشماتة وهو يعود أدراجه خائبًا، بينما خرج الكلام ساخرًا

من بين شفتي مؤمن حين قال: "ياه، عالحلقة! دي غسلتك وشطفتك ونشرتك." حدجه عُدى بنظرة حادة، بينما كانت عيناه تناظر حازم، الذي قال بتشفٍّ: "قلبي عندك يا ديدو، بس أنت كدا كدا خسران يا صاحبي من البداية. لكن أوعدك حقك عندي. شوف واتعلم." أنهى كلماته وتوجه إليها بعنجهية وغرور دائمًا ما يلازمه، وما أن توقف بقربها حتى سمع صديقتها تناديها باسمه "جنة". احتار للحظات، أهو اسم أم وصف؟ ولكن وصل إلى نتيجة واحدة أنه ينطبق عليها كثيرًا.

اقترب منها قبل أن يقول بخشونة وهو يناديها: "جنة! تسمرت بمكانها من فرط صدمتها، فمن أعطى ذلك المغرور الحق في مناداتها بتلك الطريقة التي توحي بأنهم أصدقاء قدامى! التفتت تناظره بغضب حاولت إخفاءه حين قالت بجفاء: "أنت تعرفني؟ جاءها رده حين قال بتأكيد: "مانا جاي هنا عشان أعرفك! اغتظت من وقاحته وغروره، فوقعت عيناها على صديقه الذي وبخته للتو، فأشارت إليه وقالت مرتفعة قليلًا: "أنت! ناظرها عُدى بصدمة تحولت إلى سعادة

غامرة حين سمعها تقول: "ابقى قول لصاحبك الكلمتين اللي لسه قايلهم لك عشان واضح إنه مبيسمعش! ألقت كلماته مرفقة بنظرات ساخطة مُحتقرة لذلك الذي جحظت ملامحه من فرط الصدمة، فهي أول فتاة تقف أمام وسامته وغروره الذان يجذبان أنظار الفتيات إليه دون أي عناء منه، وقد كانت أول من كسر تلك القاعدة، حيث تركته وذهبت وهي تتهادى بمشيتها، بينما هو كان يحترق من الغضب، لتأتيه كلمات عُدى المتشفية: "والله ولقيت اللي تديك على دماغك يا وزان!

لا وتقولي حقك عندي يا صاحبي. وشوف واتعلم. دانتا اللي اتعلم عليك وبالأوي كمان. بالشفا يا كبير! أيقظت كلماته وحوش الغضب والكبرياء بداخله، والذان تحولا إلى رغبة هوجاء في تلقينها درسًا لن تنساه، لذا خرجت الكلمات من فمه متوعدة حين قال: "الرهان لسه مخلصش! هدفعها تمن كلامها ده غالي أوي." (أخذ نفسًا حارقًا قبل أن يقول بنبرة قاتمة تشبه قلبه) "البت دي هتكون في سريري قبل نهاية الترم ده. وبكرة تشوف! *****************

حتى أن أصابعهم العشرة لن تكفيهم ليأكلوها ندمًا على ما فعلوه بنا!! نورهان العشري ✍️🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

استيقظت من غفوتها الطويلة فوجدت أن الظلام قد حل، فأخذت تتلفت حولها في محاولة لتعرف على هذا المكان الجديد كليًا عليها. وبعد لحظات كانت استعادت ذاكرتها، فأخذت نفسًا طويلًا قبل أن تنهض بتكاسل تنوي الخروج من تلك الغرفة لرؤية شقيقتها، والتي كانت تأخذ حمامًا ساخنًا. فشعرت بالاختناق وأرادت استنشاق بعضًا من الهواء النقي، فتوجهت إلى الحديقة الخلفية لذلك الملحق، وأخذت تتمشى قليلًا إلى أن جذب انتباهها صوت صهيل الخيل الذي كانت

تعشقه كثيرًا. فأخذتها قدماها إلى ذلك المبنى البعيد نسبيًا عن مكانها، ولكنه كان داخل حدود المزرعة، وهذا طمأنها قليلًا. وبعد دقيقتين من المشي، وجدت نفسها أمام ذلك السور الذي به ساحة كبيرة لترويض الخيول، وعلى الناحية الأخرى كانت هناك الكثير من الحظائر التي يقبع بها الخيول، فتوجهت إليها لتقع عيناها على أجمل شيء رأته بحياتها، وهي تلك الفرسه الجميلة التي كانت تشبه الثلج في بياضه، وكان شعرها كثيفًا رائعًا يعطيها جاذبية

كبيرة إلى جانب عيناها الفاتنة. فوقعت جنة بعشقها من أول نظرة، وامتدت يدها تتحسس

جبينها برفق وهي تقول بحنو: "أذيك عاملة إيه يا جميلة؟ أنا جنة! أنتي اسمك إيه؟ أخذت الفرس تحرك رقبتها تفاعلًا مع لمسات جنة الناعمة، والتي ظلت تمسد خصلاتها بحنان قبل أن تقول برقة: "انتي جميلة أوي.. تعرفي إنك أجمل حاجة حصلتلي النهاردة. أصلي متعرفيش أنا يومي كان سيء أوي. وكنت بتمنى يعدي بأي شكل." أمسكت قطعة من الجزر ووضعتها في فم الخيل، ويدها الأخرى تدغدغ رقبتها بحنو وهي تقول بحزن دفين:

"حياتي كلها أصلًا بقت سيئة لدرجة بتمنى إن الست شهور اللي فاتوا من عمري يكونوا كابوس. كابوس وهصحى منه ألاقي حياتي لسه جميلة وهادية زي ما هي! خرج صهيل الفرسه أمامها ليشق السكون المحيط بها، فابتسمت جنة برقة قبل أن تقول بخفوت: "انتي حاسة بيا صح! أحيانًا غلطة واحدة ممكن تدمر حياة بني آدم أو تخليه يتمنى الموت كل لحظة! بس الأسوأ من كدا إن الظروف تعانده وحتى الموت تصعبه عليه! زفرت ثاني أكسيد الحزن العالق بقلبها قبل أن تقول

من بين قطراتها المتساقطة: "وحشتني ماما أوي. مع إني مش فاكرة ملامحها بس صوتها لسه في وداني. بالرغم من إن فرح عمرها ما خلتني أفتقد حد ولا أحس إني يتيمه، بس حاسة إن لو كان ماما وبابا موجودين كانت حياتنا هتبقى غير كدا! على الأقل كانوا هيقفوا جمب فرح، ومكنتش هبقى مضطرة أشيل الحمل كله لوحدها كدا! تعرفي إني نفسي أعتذر لها بس مش قادرة. أي اعتذار في الدنيا يكفر عن ذنبي وغلطي!

صمتت لثوانٍ تحاول كفكفة دموعها التي تنساب بغزارة من بحرها الأسود الحزين، قبل أن تقول بعفوية: "نسيت أقولك مش أنا هجيب بيبي.. تعرفي إني طول عمري بحبهم أوي ونفسي يكون عندي واحد. يمكن الطريقة اللي جه بيها كانت وحشة أوووووي بس أنا واثقة إنه هيعوضني عن....

اختنقت لهجتها بالحديث وأسندت رأسها على السياج أمامها تحاول قمع ذكريات كفيلة بجعلها تنهار في تلك اللحظة، وظلت على حالها لدقائق، قبل أن تسمع صوت صهيل الخيل بقوة وكأنها ترحب بأحدهم، فالتفتت لتُصدم عندما وقعت عيناها على آخر شخص في العالم ترغب برؤيته، والذي كان يطالعها بجمود وعينان يقطر منها الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال: "بتعملي إيه هنا؟ حاولت سحب أكبر كمية من الأكسجين بداخلها قبل أن تقول بهدوء:

"زي مانتا شايف. بتفرج عالخيل! "استأذنتي قبل ما تيجي هنا؟ كانت نبرته حادة كنصل سكين اخترق قلبها، ولكنها جاهدت حتى تظهر بمظهر الثبات الذي حاولت أن تتحلى به وهي تجيب باختصار: "لا! تحركت شفتيه بسخرية قبل أن يقول باحتقار: "كنت هستغرب لو قولتي غير كدا!

كان الاحتقار في نبرته يُغضبها ويُضفي المزيد من الحزن على قلبها، لذا تجاهلت حديثه وتحركت تنوي المغادرة، فما أن مرت بجانبه حتى استوقفتها قبضته القوية التي أمسكت برسغها توقفها عن الحركة، فالتفتت تناظره، والتقطت الأعين في صراع غريب من نوعه على كليهما، وصل دويه إلى صدمهم. فقد كانت ترتجف وقلبها إثر نظراته النارية وعيناه التي لا تهدأ أبدًا، وقد كان هو الآخر يشاطرها التخبط، وهناك نبضة قوية تعثرت بداخل قلبه وهو يناظر بحرها الأسود اللامع الذي يتخلله حزن ممزوج بخوف كبير حاولت إخفاءه ولم تنجح!

دام الصمت لثوانٍ بينما العيون كانت تتحدث بلغة يصعب على كليهما تفسيرها، ولكن كان هو أول من قطع هذا الحديث الشائك، إذ قال بلهجة صارمة: "المكان ده خاص بأصحاب البيت اللي أنتي مش منهم ولا عمرك هتكوني منهم أبدًا! وقبل ما تفكري تدخلي لازم تستأذني! حاولت الحديث، ولكن أوقفها حين قال بغضب: "وإياكِ تخرجي في وقت متأخر زي ده لوحدك، عشان عيب!

ولو أنتي متعرفيش العيب هعلمهولك. في رجالة بتشتغل هنا في الأسطبل وفي كل مكان حواليكي، وميصحش يشوفوا أرملة حازم الوزان بره في الوقت ده. التسيب والانحلال اللي اتعودتي عليهم دول تنسيهم أنتي في بيت ناس محترمين؟

رغمًا عنها انهار قناع القوة التي كانت تحتمي خلفه جراء نبرته المحتقرة ولهجته المهينة، وتساقط الدمع من مقلتيها بغزارة، وقد صدمه مظهرها كثيرًا للحد الذي أشعره بشعور غريب من الألم والندم معًا، وخاصة عندما سمع صوتها الذي جاهدت حتى تخرجه من بين شفتيها المرتعشتين: "خلصت!

لم يجيبها، إنما أومأ برأسه وعيناه لا تحيد عنها، فقامت بجذب ذراعها من بين قبضته وهرولت إلى حيث يقع الملحق الذي تقطن به هي وشقيقتها، وقد كانت شهقاتها تشق سكون الليل المحيط بهم، وقد كان يراقب انهيارها ورحيلها بقلب متألم. فهو بحياته لم يكن شخصًا ظالمًا برغم غضبه، إلا أنه كان مسالمًا حنونًا ذا قيم ومبادئ، ولكن الانتقام شوه الرؤية لديه وجعله كالأعمى لا يرى أمامه إلا من شعور بعدم الراحة وصل إلى حد الألم أحيانًا الذي يؤرقه ليلاً حين يتذكر حديثه معها وطريقته الفظة والمحتقرة!

زفر بحدة وقرر الذهاب إلى الجراج الخاص بهم ليمارس هوايته المفضلة والوحيدة التي تنجح في جعله يفرغ شحنات غضبه. وأثناء مروره بالملحق الذي تقطن به توقف لثوانٍ وألقى نظرة على أحد النوافذ، قبل أن ينطلق في وجهته، وما أن خطى خطوتين حتى سمع صراخًا قادمًا من هناك جعل كل خلاياه تضطرب ودب الذعر في جميع أوصاله، فهرول إلى هناك وقام بالطرق بقوة على الباب الذي انفتح وأطلت فرح المرتعبة، وفجأة تجمدت الدماء بعروقه حين وقعت عيناه على تلك الملقاة أرضًا وأسفلها بقعة من الدماء..

يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...