تجاوز الحزن موهبة لم أتمتع بها يومًا. رأيت الكثير ممن استطاعوا تجاوز أحزانهم ببراعة. منهم من كان يسكب حزنه فوق أوراقه على هيئة حروف امتزج حبرها بالدموع، ومنهم من كان يراوغ حزنه بين طيات الكتب دافنًا إياه بين صفحاتها، وآخرون ألقوا بآلامهم في عمق الليل بين السجود والركوع. بينما أنا كنت أعيش حزني كاملاً للحد الذي جعل شفائي منه أقرب إلى المستحيل.
الشر حولنا دائماً، ولكن لن يستطيع أذيتنا أو المساس بنا إلا إذا أعطيناه الفرصة لذلك. احتمالية هذا الاعتقاد كبيرة، ولكن في كثير من الأحيان يكمن الخير في جوف الشر أو ما كنا نعتقده شرًا، ولكن لم يكن سوى ابتلاء لا يتطلب منا سوى الصبر عليّ والرضا بالقضاء والقدر.
تململت جنة في نومتها وكأنها شعرت بشعاع حاد مسلط عليها ينفذ إلى داخل أعماقها. مصدره عينان تجوبان ملامحها بسخط وحقد كبير. تتمنى لو أن لها الخيار لكانت الآن مدهوسة تحت أقدام شاحنة ضخمة تمزقها لأشلاء حتى تتأكد من عدم نجاتها. هكذا كانت تنظر إلى جنة.
التفتت لرؤية ذلك الشخص الماثل على الجهة الأخرى لمخدعها، ولكنها تفاجأت حتى جحظت عيناها حين رأت ساندي، أكثر الناس كرهًا لها، وذلك لعلاقتها السابقة بحازم والتي انتهت ما أن وقع بحب جنة. هكذا أخبرها ذات يوم، وهنا تفهمت جنة السبب وراء نظرات السخط والكره الشديد التي كانت تناظرها بها تلك الفتاة. في البداية كانت تغضب، ولكن بعد ذلك أصبحت تتجاهلها ولا تهتم بها. ولكن السؤال: لماذا هي هنا الآن؟
وكأن سؤالها ارتسم على ملامحها، لذا ظهرت ابتسامة ساخرة على شفاه ساندي، ولكن لم تصل أبدًا ل عينيها التي كان الحقد يغلفها، وقد تجلى ذلك في نبرتها المسمومة حين قالت: "أخيرًا السندريلا صحيت! كان التهكم يغلف حديثها، ولكن نبرتها كانت مرعبة، خاصةً ل جنة التي كانت في وضع لا تحسد عليه. ولكنها حاولت التماسك قليلاً وهي تقول مستفهمة: "أنتي هنا بتعملي إيه؟ زادت ابتسامة ساندي أكثر، وازدادت قتامة عيناها الخضراء وهي تقول ساخرة:
"جايه أطمن عليكي وأتأكد أنك لسه عايشة.. عشان بصراحة كنت هزعل أوي لو موتك مكنش على إيدي.." جفلت جنة من حديث تلك المجنونة التي لا تدري لماذا ألقت بها الأقدار في طريقها. ولكنها حاولت الصمود وأن لا تظهر خوفها الكبير منها، لذا قالت بقوة واهية: "أنتي مجنونة! إيه اللي أنتي بتقوليه دا؟ أنتي فاكرة إنك كده بتخوفنيني؟ ساندي بلهجة ساخرة: "لا بخوفك إيه لا سمح الله.. أنا بس بعرفك إن نهايتك دي هتكون على إيدي."
قالت جملتها الأخيرة بقسوة شديدة وهي تشير بيدها مغلقة قبضتها بقوة. بدون أن تشعر، ارتدت جنة للخلف بذعر لم تستطع إخفاءه. فابتسمت ساندي بسخرية قبل أن تقول بنبرة خافتة مهددة: "متخافيش أوي كده مش هموتك دلوقتي. لسه بينا حساب طويل لازم يتصفى." كانت ترتجف رغماً عنها، فما مرت به في الساعات الماضية لم يكن سهلاً، حتى تأتي تلك المجنونة لتزيد من معاناتها أكثر. وقد تجلى ضعفها في نبرتها المستنكرة حين قالت: "حساب إيه؟
أنا مفيش بيني وبينك حاجة. وبعدين أنا ارتبطت بحازم بعد ما سبتوا بعض. يعني لو فاكرة إني خدته منك تبقي غلطانة." لا تعلم لماذا كانت تقول هذا الكلام تحديدًا في ذلك الوقت، ولكنها كانت تريد الإفلات من بين براثن تلك المقيته التي طالعت خوفها بتسلية، قبل أن تقول وهي تشدد على كل حرف تتفوه به: "أنا وحازم عمرنا ما سبنا بعض." قطبت جنة جبينها وقد بدا الرفض على ملامحها، لتناظرها ساندي بتشفٍّ قبل أن تقول بنبرة كشفرات حادة مزقت قلبها:
"أقولك دليل صغير.. بأمارة شقة المعادي وإلى حصل! ياترى فاكرة ولا نسيتي. عموما لو نسيتي أنا هفكرك وهعرف كل الناس حقيقتك الزبالة." ازداد ارتجاف جسدها حتى أصبح انتفاضًا تزامنًا مع هطول العبرات من مقلتيها. وظهر الرعب جليًا على ملامحها التي شحبت فجأة، وقد أرضى مظهرها هذا غريمتها كثيراً، فنصبت عودها ورسمت ابتسامة سعيدة شامته تتنافى تمامًا مع الحزن الدامي الذي يسكن قلبها، ولكنها كانت تتجاهله بقوة، ارتسمت بصوتها حين قالت:
"فضحتك هتبقى على كل لسان. هخلي الناس كلها تعرف قذارتك. هتتمني الموت ومش هتطوليه غير لما أقرر أنا." عند انتهاء جملتها، سمعت قفل الباب يدور. وأطلت فرح عليهاما لتصدمها حالة جنة التي كان الموت مرتسمًا فوق ملامحها. فهرولت فرح إليها وقد تفرقت نظراتها بين شقيقتها وتلك الغريبة التي تتشح بالسواد في لباسها وعلى ملامحها. فلم ترتح أبدًا لها، لذا قالت بصوت قوي وهي تحتضن جنة بين ذراعيها: "مالك يا جنة؟ في إيه؟ ومين دي؟
ألقت استفهامها الأخير وعيناها ترتسم بهما التحدي وهي تنظر إلى تلك الغريبة، والتي قالت ساخرة: "أنا صاحبة جنة الأنتيم." أجابتها فرح بفظاظة: "بس أنا أعرف أصحاب جنة كلهم، وأنتي مش منهم." ساندي بتهكم: "واضح! واضح إنك تعرفي أصحابها كلهم. عموما أنا هسيب جنة تقولك أنا مين. أبقي عرفيها يا جنة، وأوعي تخبي عنها حاجة أبدًا. دي برضه أختك الكبيرة!
أطلقت جملتها الأخيرة في تحدٍ واضح لعينا جنة التي كانت ترتجف داخل أحضان شقيقتها، تتابع انسحاب ساندي التي تلونت ملامحها بالغضب الشديد الممزوج بحزن دامي وهي تتوجه إلى باب الغرفة، مغلقة إياه بقوة، انتفض لها جسد جنة. التي أدارتها فرح لتواجهها وهي تقول بترقب: "مين البنت دي يا جنة؟ شعرت فرح بأن تلك الفتاة تبتز شقيقتها بطريقة ما، وقد صح ظنها حين سمعت صوت جنة الخالي تمامًا من الحياة وهي تقول:
"دي أكتر واحدة بتكرهني في الدنيا." ***
كانت تجلس خلف مقود سيارتها وهي تنظر أمامها بضياع، وعيناها يتساقط منها الدمع كالمطر، وقلبها الملتاع يتمنى لو يتوقف عن الخفقان حتى يريحها من ذلك الألم الدامي. فقد شهدت اليوم على فراق حبيبها الذي اختار قتلها بسكين الغدر وهو على قيد الحياة بتفضيله أخرى عليها. ولكنها كانت تمني نفسها كذبًا بأنه حتمًا سيعود إليها بعد أن يمل من تلك الفتاة التي لم تكره أحد مثلها أبدًا. ولكن ما حدث لم يكن في الحسبان. فمنذ أن علمت خبر موته،
شعرت بأنها على وشك الجنون. فأخذت تصرخ بهستيريا حتى ارتاع من حولها وحاولوا تهدئتها بشتى الطرق، ولكن هيهات. لم يستطع أي شيء إيقاف جنونها سوى معرفتها بأن تلك الفتاة كانت معه. فهو فضلها عليها بحياته، وحتى عندما اختار الموت اختار أن يموت بجانبها.
حينها انتابها هدوء قاتل دام لساعات، قبل أن تتوجه إلى مشفى والدها، والذي كان يرقد به معذب فؤادها الراحل وغريمتها التي تنوي جعلها تدفع ثمن كل هذا العذاب الذي عاشته وسيظل يحيط بها طوال حياتها. تذكرت حديث الطبيب المسؤول عن حالة حازم، الذي وصل إلى المشفى بحالة خطرة للغاية، وقد أخبرها الطبيب بأن حازم كان مخمورًا ومتعاطيًا لنسبة كبيرة من المخدرات. وفوراً استغلت هذا لصالحها. عودة لوقت سابق:
خرجت من المرحاض بعد أن قذفت كل ما في جوفها، وقد كان هذا تعبير جسدها عن الحزن الذي اغتالها دون رحمة. فتفاجأت بسالم وسليم، أشقاء حازم، يخرجون من غرفة الطبيب المسؤول عن حالة حازم، وقد كانت إمارات الدهشة والصدمة تغلف وجوههم. فأخذ الأخوان ينظران إلى بعضهما البعض بعدم تصديق، وطال صمتهم إلى أن قطعه سليم الذي قال باستنكار: "بقي معقول إلى سمعناه دا. حازم أخويا كان مدمن! ظل سالم على صمته لثوانٍ قبل أن يعيد سليم الحديث قائلاً
بنبرة أعلى وأكثر خشونة: "إزاي؟ أنا مش قادر أصدق. أكيد الكلام دا فيه حاجة غلط! قطع سالم صمته وقال بلهجة جافة مريرة: "لأ صح. والدليل إننا رايحين ندفنه دلوقتي." اهتزت نبرته حين اختتم حديثه، لتخرج صرخة غاضبة من فم سليم الذي قال بغضب: "ليه يا حازم كدا؟ ليه تعمل في نفسك وفينا كدا؟ سالم بلهجة متألمة: "دي آخرة الصاحبة السيئة." التمعت الوحشية في عينا سليم الذي زمجر بغضب: "لازم أعرف مين ابن الحرام اللي وصل أخويا للحالة دي."
حينها تدخلت هي قائلة بلهجة ثابتة لا يشوبها أي تأنيب ضمير، فهي فرصتها الذهبية للنيل من غريمتها والأخذ بثأرها: "أنا عارفة مين وصله لكدا." التفتت الرؤوس تناظرها بنظرات متفحصة، سرعان ما تحولت لمستفهمة. فتقدمت إليهم بأقدام تكاد تلتف حول بعضها من شدة الضغط، ولكنها وصلت بسلام وهي تناظرهم بعينان ثابتة يغزوها خطوط حمراء تحكي عن مدى الأنهار التي ذرفتها. ولكن سالم تجاهل هيئتها المبعثرة وملامحها الشاحبة، قائلاً بخشونة:
"أنتي مين؟ أجاب سليم بدلاً عنها: "دي زميلة حازم في الجامعة. أنا مش فاكر اسمك بس شفتك معاه قبل كده." هزت ساندي رأسها بموافقة قبل أن تقول بصوت متحشرج: "اسمي ساندي، كنت صاحبة حازم وزميلته في الجامعة." عند ذكرها لاسمه، فرت دمعة هاربة من طرف عيناها تخبرهما بأن القصة لم تكن مجرد صداقة أو زمالة. تحدث سالم قائلاً بفظاظة: "هاتي اللي عندك! جفلت من لهجته الفظة، ولكنها حاولت الثبات قدر الإمكان وهي تجيبه قائلة بقوة:
"جنة.. جنة هي السبب في إدمان حازم." لم تهتز ملامح سالم، بل ظل يناظرها بغموض، بينما خرج استفهام غاضب من جانب سليم الذي قال: "جنة دي اللي كانت معاه في الحادثة؟ ساندي بتأكيد: "أيوه هي." سليم بحنق: "قولي اللي عندك كله مرة واحدة." كان غضبه مخيفًا، وقتامة عيناه تبعث الرهبة بداخلها، ولكنها أبدًا لن تتراجع، لذا قالت بثبات:
"حازم اتعرف على جنة دي من حوالي أربع شهور، وقتها رسمت عليه دور البنت البريئة الخجولة لحد ما قدرت تجذب انتباهه ووقعته في حبها. وبعدها حازم اتغير من ناحيتنا ومبقيناش نشوفه زي الأول. كان بيقضي وقته كله معاها وخلته يقطع علاقته بينا. وبالصدفة اكتشفنا إنها تعرف وليد الجلاد، وده أكتر واحد بيكره حازم. ولما قلتله مصدقنيش وفكر إني بكرهها. ومن مدة قريبة بدأ يبان إنه مش على طبيعته لحد ما اكتشفت إنها جرته لسكة الإدمان."
أنهت قصتها الوهمية، والتي بها أحداث يشوبها بعض الصدق، وهي تناظرهم بثبات اهتز قليلاً أمام نظرات سالم الغامضة. ولكن أتت زمجرة سليم لتجعل الاطمئنان يغزو قلبها بأن خطتها سارت بشكل صحيح. انتفضت كل خلية به غاضبة، تلعن تلك الشيطانه التي تسببت في هلاك أخاه، وهدر بقسوة: "الحقيرة.. نهايتها هتكون على إيدي." أنهى جملته واندفع كثور لا يرى أمامه، بينما ناظرها سالم مطولاً قبل أن يقول بنبرة جافة بها تهديد مبطن: "متأكدة من كلامك ده!
ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة قدر الإمكان: "وأنا هكذب في حاجة زي كده ليه؟ احتدمت عيناه قبل أن يقول بلهجة فظة متوعدة: "أنتي أدرى." اهتزت نظراتها وكذلك نبرتها حين قالت بارتباك: "تقصد إيه؟ سالم بلهجة قاسية تشبه قساوة عيناه حين قال: "ادعي ربنا يكون كلامك صح عشان لو طلعتي بتكذبي..!!!
لم يكمل جملته، بل ترك المهمة لعينيه التي أجادت بث الذعر بقلبها الذي انتفض الآن، عائدًا بها إلى الوقت الحالي وهي ترتعب من بطش ذلك الرجل الذي أعطت كل الحق لحازم في أن يخاف منه، فهو يبعث الرهبة في النفوس. ولكن لا يهمها، فهي ستنفذ خطتها وستأخذ بثأرها مهما كلفها الأمر. ***
لم يُخلق الكمال أبدًا على الأرض، فهي دار فناء خُلقنا بها لنشقى ونمر باختبارات عديدة حتى نستحق الفوز بالجنة. وبالرغم من أن قلوبنا لم تشتهِ العذاب أبدًا، إلا أنه كُتب على أولئك الذين اتخذوا من العشق مذهبًا، فظنوا بأنه طريقهم إلى الجنة. وقد تناسوا بأن العذاب والعشق وجهان لعملة واحدة، فما العشق إلا عذاب لذيذ يستقر في أعماق القلب الذي يضخه إلى سائر أنحاء الجسد، فتشعر بالنشوة التي تمنحك شعورًا عارمًا بالسعادة كالإدمان تمامًا. تعلم أنه هلاكك، ولكنك ترفض التعافي منه.
صباحًا كان الوضع هادئًا، خصوصًا من جانب جنة التي اتخذت الصمت منهجًا منذ البارحة. وإن حاولت فرح الحديث معها، تصطنع النوم حتى تهرب. لا تعرف إلى أين قد يوصلها ذلك الهروب، ولكن لم تكن تملك خيارًا آخر، فما تواجهه أكبر بكثير من قدرتها على التحمل. امتثلت بهدوء لأوامر الطبيب بضرورة تناولها الطعام والأدوية بانتظام حتى يشفي جسدها. فودت لو تسأله: فهل يوجد دواء للروح المعذبة حتى تشفى، أم ستظل جريحة متألمة لبقية حياتها!
كانت فرح تشعر بالاختناق من هذا الصمت المحيط بهما، والذي يتنافى مع كل هذا الضجيج في رأسها. فبلحظة انقلبت حياتهما رأسًا على عقب، ولا تعلم ماذا عليها أن تفعل. وشقيقتها بقدر ما تشفق عليها، فهي غاضبة منها وبشدة، ولكن لا تستطيع الحديث، فحالتها لا تحتمل شيئًا آخر. كان الهدوء من أهم الصفات التي تميزها، والآن هي تمقته. تريد الشجار، الصياح، تريد أن تجلس وسط ضوضاء كبيرة حتى تلهي، ولو قليلاً، عن الضوضاء التي تكاد تنخر عقلها.
زفرت بقوة قبل أن تلتفت إلى شقيقتها قائلة بنبرة هادئة نسبيًا: "أنا هروح أجيب حاجة سخنة أشربها من الكافتيريا. أجيب لك معايا؟ هزت جنة رأسها بالرفض وهي تقول بنبرة مبحوحة: "لا شكرًا مش عايزة، أنا هحاول أنام شوية." أومأت برأسها وتوجهت إلى الخارج وهي تحاول أن تتنفس بشكل منتظم وتهدئ من توترها قليلاً حتى تستطيع التفكير بروية. ***
كان سليم يطالع الجياد بنظرات ضائعة وملامح باهتة كبهوت كل شيء حوله. فرائحة الموت تحيط به في كل مكان، والحزن ينخر أرجاء جسده، ولا طاقة له برؤية أحد ولا الحديث مع أحد. ولكن، هو مجبر على الوقوف بين الجموع ليأخذ واجب العزاء الذي كان ثقيلًا عليه كثقل شاحنة ضخمة تمر فوق قلبه. فللآن عقله لا يستوعب ما حدث وفقدانه أخاه. ولكن مشهد الناس من حوله يذكره بفاجعته الكبرى التي يحاول تناسيها بشتى الطرق حتى يستطيع التنفس بسهولة، ولو لثوانٍ.
شعر بيد قوية تسقط فوق كتفه، فعرف صاحبها على الفور. فقد كانوا ثلاثة أضلاع لمثلث العائلة التي تعتمد عليهم كليًا. والآن فقد المثلث أحد أضلاعه، فاختل توازن الضلعين الآخرين، ولم يتبق لهما سوى الاستناد على بعضهما البعض حتى لا يسقطا ويسقط معهم الجميع. تحدث سالم بهدوء لا يشعر به أبدًا: "الهروب عمره ما كان حل يا سليم." فطن سليم إلى ماذا يرمي أخاه، فأخذ نفسًا طويلًا قبل أن يقول بنبرة متحشرجة:
"مش هروب يا سالم، أنا بس بحاول أفهم. أنا واقف وسط الناس مستني يطلع من أي مكان ييجي يقف جنبنا زي ما اتعودنا نكون جنب بعض إحنا التلاتة." أطبق سالم جفنيه يحارب دموعًا تقاتله بضراوة حتى تظهر للعلن. فقلبه لم يعد يتحمل ذلك الألم الرهيب الذي يعصف به، ولكن، هو مجبر على التماسك في حين انهيار الجميع من حوله. لذا أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بتأثر: "دا قضاء ربنا وقدره وإحنا مؤمنين بالله." سليم بقله حيلة:
"لا إله إلا الله. أنا مش معترض والله بس مش قادر أصدق. عقلي مش مستوعب." سالم بفظاظة: "عشان كده بتغلط يا سليم! ازداد عبوس ملامحه وهو يقول باستفهام: "تقصد إيه؟ سالم بتقريع خفي: "اللي حصل في المستشفى غلط، ومينفعش يتكرر تاني! زفر سليم بحدة قبل أن يقول بعنف مكتوم: "غلط! وإلي حصل لحازم على إيدها كان صح! سالم بخشونة، وقد اسودت عيناه من الغضب: "مفيش حاجة من اللي حصلت كانت صح! بس مينفعش نعالج غلط بغلط أكبر." سليم بحنق:
"يعني أخويا يموت بسببها وأسيب الهانم تعيش حياتها عادي." سالم بنفاذ صبر: "إيه عرفك إنها السبب في اللي حصل له؟ سليم باندفاع: "البنت اللي قالت... قاطعه سالم بعنف: "تعرف منين إنها مبتكذبش. معاها دليل؟ شفت بعينك اللي يخليك تصدقها! زفر سليم بحدة ولم يجب، ليواصل سالم حديثه الصارم: "إحنا مش ظالمة يا سليم. لازم نتأكد قبل ما نخطي أي خطوة. أرواح البني آدمين مش لعبة في إيدنا."
ازداد غضبه من حديث أخاه، فصورتها المدمرة لازالت عالقة بذهنه منذ البارحة، والظنون تتقاذفه بكل الجهات. فتارة يشعر بشفقة خائنة تتسلل إلى قلبه تجاهها، وتارة يشعر بأنه يود لو يذهب يحطم رأس تلك الحقيرة التي تسببت في فاجعتهم. لذا قال بهياج: "و هنتأكد امتى وإزاي؟ وعلى ما نتأكد هنعمل معاها إيه؟ سالم بغموض: "كل شيء بأوانه. وخليك متأكد إني مش هسيب تار حازم ولو بعد مليون سنة." أوشك سليم على الحديث، فأوقفه سالم بنظرة
محذرة وهو يضيف بصرامة: "هتبعد عن طريق البنت دي ومش هتتعرض لها أبدًا. وده قرار غير قابل للنقاش." ابتلع سليم غصة صدئة بداخله، وأجبر نفسه على الإيماء بالموافقة. فلن يدخل في صراع مع شقيقه لأجلها، وسينتظر ليتأكد من تورطها، وحتى يقمع ذلك الرجاء الأحمق بداخله الذي يطالبه بعدم أذيتها. ***
في المشفى تحديدًا أمام الباب الرئيسي، شاهدت فرح العديد من الصحافيين يقفون أمامه وكأنهم ينتظرون وصول أحدهم. فارتعبت من أن يكون الأمر يخص شقيقتها. وقد استرجعت حديث ذلك المتعجرف عن اهتمام الصحافة بشؤونهم، فأخذت تدعو الله بداخلها بأن يكون حدثها خاطئًا، وألا يكون أولئك الأوغاد يريدون مقابلة شقيقتها حقًا.
وصلت إلى غرفة شقيقتها بالأعلى، فوجدت فتاة محجبة ترتدي ملابس فضفاضة تتنافى مع وجهها المزين بشكل متقن، وكانت تترجى الحرس حتى يسمحوا لها بالدخول، وهم يرفضون بشدة. فاقتربت منهم قائلة باستفهام: "في إيه؟ فتحدث أحد الحراس قائلاً باحترام: "الآنسة مصرة تقابل جنة هانم." ارتفع أحد حاجبيها حين سمعت لقب "هانم" الذي أضافه بعد اسم شقيقتها، وقد لمست اهتمامًا أثار اندهاشها من ذلك المغرور. ولكنها تجاهلت شعورها ونظرت
إلى الفتاة قائلة بشك: "أنتي مين؟ وعايزة تقابلي جنة ليه؟ ارتبكت الفتاة لثوانٍ قبل أن تقول بتأثر: "أنا روان صاحبة جنة، وعرفت بالحادثة اللي حصلتلها وجيت جري عشان أطمن عليها، وهما مش راضيين يدخلوني." ناظرتها فرح بتقييم قبل أن تقول بجفاء: "بس جنة محكتليش عنك قبل كده." الفتاة بثبات: "يمكن عشان لسه متعرفين على بعض من قريب." هزت فرح رأسها قبل أن تقول باستفهام: "وإنتي عرفتي اللي حصل لجنه إزاي؟ أجابتها بهدوء:
"اتصلت على موبايلها فردت عليا الممرضة وقالتلي اللي حصل." بدا عذرًا معقولاً، ولكنها لا تعلم لماذا لم ترتح لتلك الفتاة، فقالت لها بتهذيب: "شكرًا على سؤالك وإنك كلفتي نفسك وجيتي لحد هنا، بس جنة للأسف نايمة ومش هتقدر تقابلك دلوقتي." الفتاة بحزن: "يا خسارة.. كان نفسي أشوفها وأطمن عليها أوي. طب ممكن أبص عليها حتى وهي نايمة وأخرج على طول." احتارت فرح في أمرها كثيرًا، ولكنها وافقت على مضض لتتخلص منها، فقالت بملل:
"تمام. اتفضلي." فتحت باب الغرفة ودلفت للداخل، تتبعها الفتاة التي ما أن رأت جنة حتى ارتسم حزنًا زائفًا على ملامحها وهي تقول بتأثر مصطنع: "يا حبيبتي يا جنة. دي شكلها متبهدل أوي." شاهدت دموع الفتاة التي تساقطت على خديها، ولم تجبها، بل ظلت تناظرها وكأنها تخترقها من خلف ستار نظارتها. طال تأملها وطال صمت الفتاة، والتي انحنت قبل أن تقول بخفوت: "ممكن لو سمحتي أدخل الحمام أغسل وشي؟ ابتسمت فرح ابتسامة بسيطة وقالت بود:
"طبعًا. طبعًا اتفضلي." توجهت الفتاة إلى الحمام، والذي كان يقابل سرير جنة. فما أن دخلت حتى أخرجت آلة تصوير صغيرة نوعًا ما مخبئة بين ملابسها الفضفاضة. وقامت بمواربة باب المرحاض بمساحة كافية لعدسة آلتها حتى تلتقط صورة جنة النائمة بعمق، مبعثرة الهيئة. ما أن التقطت صورتين، حتى فُتح الباب فجأة على مصراعيه وظهرت فرح التي علمت بأن هذه الفتاة تخبئ شيئًا ما. وقد صدق ظنها، فقامت بجذب آلة التصوير بعنف من بين
يدها وهي تقول بغضب مكتوم: "كنت شاكة إنك وراكي حاجة.." جفلت الفتاة من ما حدث وأخذت توزع نظراتها بين فرح ويدها الممسكة بآلة التصوير الخاصة بها. ولكن قطع نظراتها يد فرح التي امتدت تجذبها من يدها بعنف، تجرها إلى الخارج. والفتاة تتوسل إليها حتى تتركها وتعطيها الكاميرا الخاصة بها. وما أن وصلوا إلى الخارج، حتى دفعتها فرح بقوة وهي تصرخ بغضب:
"أنتي بني آدمة معندكيش إحساس ولا دم. وصلت بيكي القذارة إنك تلعبي على مشاعر الناس عشان تكشفي سترهم." حاولت الفتاة التقرب من فرح وهي تقول من بين بكائها: "أنا والله مقصدتش. أرجوكي اديني الكاميرا بتاعتي." هنا تدخل أحد رجال الحراسة قائلاً لفرح باحترام: "عن إذنك يا فرح هانم، اتفضلي أنتي وإحنا هنتعامل معاها."
تفرقت نظرات فرح بين عينا الفتاة المتوسلة والدمع يتقاذف منها، وبين الرجل الذي حتمًا سيخبر سيده وقد يؤذي هذه الحمقاء، وهذا ما لا تريده. لذا، قالت فرح بصرامة: "أنا هحل الموضوع." وجهت أنظارها إلى الفتاة متابعة بتقريع: "أنا هعدي اللي حصل ده عشان عواقبه هتكون وخيمة عليكي، وفي المقابل هاخد الكارت بتاع الكاميرا.. وأياكي أشوف وشك هنا تاني." أوشكت الفتاة على الحديث، فأوقفتها فرح قائلة بحدة:
"ولا كلمة، وإلا هديهم الكاميرا ومش هتشوفيها تاني." أطرقت الفتاة برأسها، في حين أن فرح قامت بإخراج الكارت من آلة التصوير وأعطتها إياها مرفقة بها نظرات محتقرة. قبلتها الفتاة بحنق مكتوم وتوجهت إلى الأسفل. "فرح هانم! التفتت فرح على نداء أحد الحراس، وقد ضايقها هذا اللقب الذي كان يرفقه مع اسمها، فقالت بصرامة: "اسمي آنسة فرح، بلاش هانم دي لو سمحت." أومأ الرجل برأسه وأعطاها الهاتف وهو يقول باحترام: "الباشا عايزك."
لا تعرف لماذا شعرت بالتوتر حين أخبرها بأنه يريدها، وازدادت دقات قلبها. ربما لأنها كانت متأكدة من أنها ستخوض شجارًا معه كعادتهم، أو لسبب آخر ربما لا تعرفه. لذا، حاولت سحب أكبر قدر من الأكسجين بداخلها حتى تستعيد بعضًا من هدوئها، الذي تجلى في نبرتها حين أجابت: "ألوو."
من البداية وهو متحير في أمر تلك المرأة، لديها كبرياء قوي لم يره مسبقًا في امرأة تحمل همومًا أقوى بكثير من طاقتها. يكاد يجزم بأنها تشتهي الانهيار، وحينما تكون على حافته تتراجع وتعيد هيكلة بنائها لتقف شامخة من جديد. وتلك القناعة التي لم يصدقها في البداية، ولكن، هو الآن في طريقه للإيمان بعصاميتها التي تدعيها. أتاه صوتها الهادئ من الهاتف لينفض تلك الأفكار من رأسه وهو يقول بفظاظة:
"متتصرفيش تاني من دماغك. أنا مش سايب الرجالة اللي عندك دول صورة! جفلت من لهجته الفظة، ولكنها حاولت استفزازه إذ قالت بتعالٍ: "مبتصرفش غير بدماغي. وبالنسبة لرجالتك قلتلك مش محتاجينهم، وأظن دلوقتي أنت اتأكدت." تضمنت لهجته سخرية مبطنة، ولكنها شعرت بها من مغزى كلماته حين قال: "اتأكدت فعلاً! لولا الرجالة اللي مش عاجبينك دول مكنتش البنت اللي صعبت عليكي دي هتمشي غير وهي واخده الفيلم حتى لو على جثتك!
تعلم بأنه قد يكون محقًا، فهي على الرغم من عفوها عن تلك الفتاة، ولكنها لمست الحنق والبغض في نظراتها. ولكنها أبت التراجع إذ قالت بعنفوان: "قلتلك قبل كده وهقولها تاني، أنا أقدر ادافع عن نفسي وعن أختي كويس." سالم بتهكم تجلى في نبرته حين قال: "وماله، هشوفك هتعملي إيه مع جيش الصحفيين اللي واقف تحت!
اقشعر بدنها للحظة وهي تتخيل نفسها تقف في مواجهة كل هؤلاء الملاعين أمثال تلك الفتاة معدومة الضمير، فحتمًا سيسحقوها تحت أقدامهم في سبيل الوصول إلى مبتغاهم. تحدث سالم بتقريع خفي وتهكم جلي: "بالظبط زي ما اتخيلتي. عشان كده اسمعي الكلام من سكات لحد ما نشوف هنتصرف إزاي! اغتظت من حديثه وغروره وتعجرفه، ولكن لفت انتباهها كلمته الأخيرة في: ماذا سيتصرفون؟ ما المشترك بينهم حتى يقول تلك الكلمة؟
وهي تدرك بأن كلماته البسيطة والتي يمكن أن تعد على أصابع اليد لا يمكن أن تخرج جزافًا. لذا همت بسؤاله عن ما يعنيه، ولكنها تفاجأت بذلك المتحذلق يغلق الهاتف في وجهها. فأغمضت عيناها وقد تمكن الغضب منها للحد الذي جعلها تود لو تطحن عظام الهاتف بين يديها. ولكن صوت ضوضاء قادمة من الأسفل أخرجها من بؤرة الغضب تلك، لتتفاجأ بعد ثوانٍ بجيش الصحفيين الذين كانوا ينتظرون بالأسفل، والآن يهرولون تجاهها. فلم تشعر بنفسها سوى وهي تدخل إلى غرفة شقيقتها بلمح البصر، وتقف مستندة بظهرها على الباب الذي توقعت أن يتحطم فوق رأسها بأي وقت، فاغمضت عيناها بشدة حتى هدأت تلك الضوضاء في الخارج، وقد أيقنت بأن الحراس قد صرفوهم. وهنا، دونًا عنها، حمدت ربها كثيرًا لوجودهم في الخارج.
شعرت بالحرج للحظات وهي تتخيل وجه ذلك المغرور يناظرها بتشفي قائلاً: «أين شجاعتك الواهية؟ زفرت بحدة وأخذت تلعنه بداخلها هو وعائلته أجمع. ولكنها توقفت ما أن رأت سرير شقيقتها فارغًا، فتوجهت على الفور إلى المرحاض لتستمع إلى صوت المياه الآتي من الداخل، فارتخت قليلاً. ولكنها ظلت تقف أمام الباب لا تعلم السبب، ولكن كان قلبها ينذرها بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث.
مرت دقائق قليلة وما زال صوت المياه بالداخل، فحاولت النداء على شقيقتها ولكنها لم تتلق إجابة. لذا، لم تستطع منع نفسها من فتح باب المرحاض لتجحظ عيناها بصدمة وهي تراها ملقاة فوق أرضية المرحاض، غارقة بدمائها. ***
بعد مرور ساعة، كانت فرح تقف أمام غرفة العمليات تحتضن كتفيها بذراعيها، مستندة على الحائط وحدها، وعبراتها تتقاذف من مقلتيها بصمت، عاجزة عن الحراك. فمنذ أن رأت مظهر شقيقتها غارقة بدمائها، حتى ظلت تصرخ بقوة إلى أن أتى الحراس والأطباء الذين قاموا بنقل «جنة» على الفور إلى غرفة العمليات لمحاولة إنقاذها. بينما هي ظلت تقف أمام الغرفة تنتظر خروجها سالمة، وعقلها يرفض أي رواية أخرى قد تخلو منها.
كانت ترتجف، لا تعلم بردًا أم خوفًا، ولكن هذه اللحظة هي الأكثر ضعفًا في حياتها. لطالما كانت قوية لا تهاب شيئًا، فمنذ وفاة والدها أصبحت هي عمود عائلتهم الصغيرة والمتصرفة بكل أمورهم. ولكنها الآن تشعر بنفسها عاجزة، ضعيفة، هشة. ترتجف بصمت، وقلبها يتضرع إلى الله أن ينقذ شقيقتها، فبدونها لن تستطيع العيش لحظة واحدة.
كان يأكل الأرض بخطواته وهو يتوجه إلى غرفة العمليات للاطمئنان على تلك الغبية التي لا تزيد الأمور إلا سوءًا. فما أن أخبره رجاله بما حدث، حتى هرول إلى المشفى للاطمئنان عليها. وللحق، كان هناك شعور بالقلق يتسلل بداخل قلبه على تلك التي تدعي قوة لا تملكها، ولكن، كان يتجاهل هذا الشعور نافيًا عن نفسه أي شبهة اهتمام بها. ليتفاجأ ما أن رأى ذلك الجسد الصغير الذي بدا لطفلة في العاشرة من عمرها، تقف وحيدة خائفة تحتضن جسدها بيدين
مرتعشتين، وأقدام للحظة شعرت بأنها غير قادرة على حملها. فأسندت رأسها على الحائط خلفها، وانزلقت ببطء حتى افترشت الأرض من تحتها ورأسها ملقى للخلف. فكان مظهرها المنهار هذا جديدًا كليًا عليه. فقد عهدها دائمًا قوية، صلبة، وبرغم معرفته بأن صلابتها ما هي سوى جدار تخفي به وهنها، إلا أن مظهرها هذا، ولسبب غير معلوم، قد آلمه.
وبعث في نفسه شعور بعدم الراحة، فتوقف بمنتصف الرواق وقد انتابه التردد الذي قلما يزوره. ولكن، هو حقًا لم يكن يعلم هل يتقدم لمواساتها وهو دور لا يتقنه أبدًا، أم يتراجع ويتركها. ولكن، شعر بالرفض لتلك الفكرة بقوة. لذا، تقدم بخطوات سلحفية إلى حيث تجلس، وكلما كان يقترب أكثر كلما يتضح مظهرها المزري والذي لم يعهده أبدًا. توقف أمامها وقام بإخراج إحدى المحارم الورقية يمدها إليها وهو يقول بنبرة هادئة رزينة: "آنسة فرح!
جفلت عندما شاهدت المنديل الورقي الممدود إليها، وعلى الفور عرفت لهجته التي، ولأول مرة، كانت خالية من أي تهكم وسخرية، بل لمحت بها شيئًا من التعاطف، والذي لقي صداه بعينيها. التي حين ارتفعت إليه ارتسم بها الضعف للحظة، قبل أن تلقي به جانبًا وتهب من مكانها متجاهلة يده الممدودة أمامها، وقامت برفع رأسها تناظره بشموخ قائلة بلهجة متحشرجة: "إيه اللي جابك؟
عادت القطة لتهاجم مرة ثانية، وقد راق له ذلك، فقد أغضبه وربما آلمه مظهرها المنهار، لذا رؤيتها تحاول التوازن هكذا أراحته قليلاً. فعادت لهجته لجفائها السابق حين قال باختصار: "مش شغلك." ارتفع أحد حاجبيها الجميلين واتسعت غابتها الخضراء من وقاحة ذلك الرجل. فخرج الكلام منها غاضبًا تغلفه السخرية: "يمكن عشان اللي جوا في أوضة العمليات دي أختي! تجاهل سخريتها وغضبها المتقد في نظراتها وقال بفظاظة:
"إيه اللي حصل عشان تعمل في نفسها كده؟ للحظة ظهر الألم الممزوج بالحيرة على ملامحها، ولكنها أتقنت إخفاءه حين أجابت ببساطة: "معرفش! أنا كنت بره ودخلت ملقتهاش وسمعت صوتها في الحمام ولما اتأخرت دخلت أشوفها لقيتها.." توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها، وابتلعت ألمها الذي يشق قلبها لنصفين بمهارة. ليفهم ما ترمي إليه فقال باستفهام: "حصل بينك وبينها حاجة؟
خرج الطبيب في تلك الأثناء وطمأنها على حالة جنة التي تم إنقاذها بأعجوبة، وأخبرها بأنه سيتم نقلها إلى غرفتها بعد نصف ساعة. فخرجت منها زفرة ارتياح قوية، وحمدت ربها كثيرًا. لتأتيها نبرته الصارمة حين قال: "مجاوبتنيش. حصل حاجة بينك وبينها تخليها تفكر تنتحر؟ رفعت رأسها تناظره بغموض قبل أن تقول مستفهمة: "حاجة زي إيه؟ سالم بترقب وعيناه لا تحيد عنها: "شديتوا في الكلام مثلاً! فرح باختصار: "لأ! سالم محاولاً الضغط عليها أكثر:
"اومال هي هتحاول تموت نفسها كده من الباب للطاق؟ أغضبتها لهجته وطريقته معها، وكأنه يستجوبها، لذا قالت بعنف مكتوم: "بصراحة معرفش." استمر بإستفزازها قائلاً بهدوء: "مش المفروض انتي أختها الكبيرة وبتعرفي كل حاجة عنها! أرادت إيلامه كما آلمها، لذا قالت بتهكم: "زي ما أنت أخو حازم الكبير برضه، والمفروض إنك كنت عارف عنه كل حاجة!
اسودت عيناه وازداد عبوس ملامحه الخشنة تزامنًا مع أنفاسه الحادة التي كانت تتخلل الصمت الدائم. الذي قطعه حديثها المتألم حين قالت: "أنا كنت عارفة كل حاجة عن أختي فعلًا. كانت بالنسبالي زي الكتاب المفتوح لحد ما أخوك دخل حياتنا وقلبها وخلاها لأول مرة تكذب وتخبي. (تابعت حديثها بلهجة مريرة ونبرة أشبه بالانهيار) كل المصايب اللي حصلتلنا كانت بسببكم. لو كنت تنازلت عن غرورك وسمعت مني مكناش زمانا وصلنا للي وصلناله دلوقتي!
لو كانت النظرات تقتل لكانت خرّت صريعة في الحال. ولكن، وبالرغم من مظهره المظلم، كانت لهجته خافتة ولكن مخيفة. حين قال: "وإيه اللي وصلتي له؟ أختك برغم كل حاجة إلا إنها معاكي وفي حضنك. مدفنتيهاش بإيدك تحت التراب مثلًا." أغمضت عيناها بألم جلي لم تقدر على إخفائه، وودت لو تخبره بأن يكون الإنسان على قيد الحياة، فهذا لا يعني أنه بخير. ولكن، ابتلعت غصة مريرة قبل أن تقول بجفاء:
"ربنا يرحمه. وأيًا كان مين غلط، فخلاص اللي حصل حصل والموضوع انتهى. وأتمنى إن معرفتنا ببعض تنتهي هنا زي ما كل حاجة انتهت."
ارتفع أحد حاجبيه من كلماتها التي كانت ستارًا لشيء تخفيه. فأخذت نظراته ترتكز على ملامحها يحاول ثقب أغوارها. ولم يفت عليه اهتزاز حدقتيها، والتي لم تفلح نظارتها الطبية في إخفاء تعابيرها بالكامل. ولكن، بنهاية المطاف أومأ برأسه دون حديث. لتتراجع دون وداع، ملتفتة للجهة الأخرى مطلقة ساقيها للريح لتحملها بعيدًا عنه. ولكن، توقفت بمنتصف طريقها على صوته الحاد ولهجته الخشنة حين قال: "دايمًا للقدر آراء بتخالف أمنياتنا وتوقعاتنا!
توقفت للحظة تستوعب جملته، فشعرت بخطواته القادمة تجاهها. وما أن أصبح بقربها حتى سمعت صوت أنفاسه الحادة، فالتفتت لتجد أنه أصبح على مقربة كبيرة منها، حتى شعرت بحرارة كبيرة منبعثة من جسده إلى جسدها الذي تجمد فجأة عندما سمع لهجته الفظة حين قال: "خليكي فاكرة كلامي ده كويس." قوست حاجبيها في حركة مستفهمة، بادلها هو بابتسامة ساخرة تجلت في نبرته حين قال: "كملي هروب. خلينا نشوف هتوصل لحد فين! ***
كان يسارع الريح للخروج من هذا المكان. كانت خطواته غاضبة لا ترى أمامها، تتمنى فقط لو بإمكانها انتشاله من تلك البقعة التي تضم أنفاسها. تلك اللعينة التي البارحة فقط أقسم على أن يذيقها الويلات ويجعل من حياتها جحيمًا. ولكن، هو الآن سبب في نجاتها، وكأن ذنبه السابق لا يكفيه لتأتي مهمة إنقاذها، وهي من تلوثت يداها بدم أخيه. أي قدر هذا الذي جعله حاملًا لنفس فصيلة دمها الملوثة!
لم يستطع تجاوز صدمته حين هاتفه أخاه الأكبر ليأمره بلهجة لا تقبل الجدال بأن يتوجه إلى المشفى للتبرع بالدم. وحين سأله، أجابه بمنتهى الهدوء بأنها قامت بمحاولة انتحار وجاري الآن إنقاذها. أي إنقاذ هذا الذي يتحدث عنه؟ فلتحترق في الجحيم تلك التي تسببت بفاجعتهم الكبرى. أغضبه كونه لم يستطع معارضة أخاه الذي كان موقفه محيرًا بالنسبة له، ولكن، كالعادة، غامضًا ولم يقل سوى جملة واحدة زادت من حيرته أكثر: "هتعرف كل حاجة في وقتها!
"اللعنة على هذا الوقت الذي سيظل يتعذب حتى يحين قدومه." هكذا أخذ يلعن وهو يدير محرك سيارته التي اندفعت بسرعة جنونية كجنون صاحبها. *** بعد مرور ثلاث أشهر.. ترجلت الفتاتان من السيارة لتقف فرح تتطلع إلى المبنى الشاهق أمامها وهي تقول بعدم فهم: "إحنا رايحين فين يا جنة؟ ناظرتها جنة بعينان جامدة لا حياة بها، وملامح مرهقة لا روح فيها. ثم التفت تنظر أمامها وهي تقول بخفوت: "هتعرفي جوا."
لم تجادل «فرح» كثيرًا، بل توجهت خلف شقيقتها التي فاجأتها حين دخلت إلى إحدى عيادات طب النساء. والتي لصدمتها كانت خالية تمامًا إلا من ممرضة بدا وكأنها تنتظرهم. فما أن وصلوا حتى أدخلتهم إلى الطبيبة التي كانت تناظرهم بارتباك خفي تجلى في رجفة يدها حين رفعتها لتسلم على فرح التي جلست بهدوء تنقل نظرها ما بين الطبيبة وشقيقتها التي أخيرًا تحدثت قائلة بثبات ظاهري: "أنا حامل يا فرح!
برقت عيناها وقد أوشكت على الخروج من محجريها حين سمعت جملة «جنة»، والتي تابعت الحديث من بين دموع صامتة تجري على وجنتيها: "وجاية النهارده عشان أنزله! مر بعض الوقت قبل أن تستطيع «فرح» الحديث، والذي بدأ ثقيلًا على شفتيها، فقد كانت تطالع شقيقتها بعدم تصديق. فهل تلك الفتاة الجالسة أمامها هي الطفلة البريئة التي ربتها طوال عمرها؟ هل ما يحدث معهم حقيقة بالفعل أم كابوس مرعب ستستيقظ منه في أي لحظة؟
نظرت إلى الطبيبة التي فهمت ما تريد، فتعمّلت بإجراءها مكالمة مهمة وخرجت. ليأتي صوت «جنة» التي قالت برجاء خفي في صوتها المبحوح: "متسكتيش أرجوكي يا فرح." خرج الكلام منها باردًا، مصابًا بخيبة أمل كبيرة ارتسمت على ملامحها الحزينة: "عيزاني أقول إيه؟ أنا مش مصدقة إنك قاعدة قدامي بتقولي الكلام ده؟ «جنة» بإنفعال: "ولا أنا يا فرح قادرة أصدق. بس ده أمر واقع ولازم نتصرف قبل فوات الأوان! اشتعلت مقلتاها غضبًا،
فهبت من مكانها تقول بقسوة: "نتصرف! تعرفي إنك حامل وتخبي عني وتجبيني لحد هنا على ملا وشي وتحطني قدام أمر واقع وتقوليلي نتصرف! ارتجفت من مظهر شقيقتها الغاضب، فقالت بضياع: "أنا عملت كده عشان عارفة إنك عمرك ما هتوافقي. قولت أحطك قدام الأمر الواقع وأشيل أنا الذنب." فرح بصراخ: "أي ذنب بالظبط يا جنة؟ أنتي بقيتي غرقانة في الذنوب من ساسك لراسك." جنة من بين انهيارها: "طب إيه الحل؟ أنا تعبت أوي يا ريتني مت وارتاحت."
فرح متجاهلة تلك النخزة في صدرها قائلة بلهجة حادة: "أي حل في الدنيا هيبقى أحسن من إنك تقتلي روح ربنا كتب لها الحياة جواكي." جنة بألم: "يموت دلوقتي أحسن ما يموت ألف مرة لما ييجي الدنيا دي ويلاقي نفسه من غير أب. عارفة الناس هتبصله إزاي؟ كان حديثها مؤلمًا على تلك التي كانت ترتجف داخليًا، ولكنها أبت أن تظهر ذلك، فقالت بصوت قاتم:
"أنا هسأل محامي وهعرف إيه الإجراءات اللي مفروض تتاخد، وأكيد الورقة اللي معاكي دي هتثبت إن الولد ابن حازم." ارتجف جسدها حين تذكرت توعد ذلك الرجل «سليم الوزان» بأن تلاقي الجحيم على يديه. وحينها هبت من مقعدها تقول بلهفة:
"أنتي نسيتي أخواته يا فرح، دول ممكن يفكرونا طمعانين فيهم ويبهدلونا. ده غير الفضايح.. أنا مش قادرة أنسى شكل سليم ده وهو بيهددني. أنا مبنامش من وقتها. مش عايزة أي حاجة تربطني بالناس دي. أرجوكي يا فرح سيبيني أتخلص من الحمل. ده الحل الوحيد." عند إنهاءها جملتها، وجدت الطبيبة تدخل من باب الغرفة وسألتها أن كانت مستعدة. فلم تستطع «فرح» الإجابة، وكأن حواسها كلها توقفت عن العمل. لتجيب جنة بنبرة مهزومة: "آه مستعدة."
أمرتها الطبيبة بلطف أن تذهب للغرفة الأخرى حتى تتجهز، فاقتربت من شقيقتها تمسك بيدها قائلة بتوسل: "أرجوكي سامحيني يا فرح. مقدامييش حل غير ده." لم تجب فرح، بل تتقاذف الدمع من مقلتيها مصطدمًا بنظارتها الطبية يحجب عنها الرؤية. فشَدَّت «جنة» من قبضتها فوق كفوفها وقالت برجاء: "هستناكي جوا. عايزة تكوني جنبي."
خرجت جنة تاركة فرح في موجة من الانهيار، والتي قطعها فجأة هاتف قال بإصرار في أذنها أن من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا. وأن ما يحدث جريمة نكراء. عند هذا الحد توقفت فجأة تمسح عيناها وهي تقول بتصميم: "لازم أمنع الجريمة دي فورًا." وتقدمت نحو الباب بلهفة تفتحه، لتتجمد الدماء في عروقها حين وجدت ذلك الجسد الضخم يسد عنها الطريق، وتلك العينان التي كانت سوداء قاتمة توحي بأن صاحبها على وشك ارتكاب جريمة قتل. فخرجت
الحروف من فمها مهتزة: "سالم! كانت نظراته محتقرة، ولهجته ساخرة تعج بالقسوة والعنف: "مش قلتلك إن القدر دايمًا له رأي تاني عكس ما بنتمنى." يتبع .......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!