كان يوسف يقف ساندًا على سور السطح وينظر إلى إلياس وحور. الجاهل في نظرات العين سيتبين أن حور غير مرتاحة وخائفة، تنظر إلى إلياس ثم إلى أي شخص يعبر أمامها، الأهم ألا تبقى بمفردها معه. نور جالسة مقابل إلياس، مكورة وجهها بين يديها بتعب، وبجانبها خالد وأمامه أوراق. توترت أورا من نظرات خالد، فوقفت ونزلت إلى الأسفل، ثم اتبعها خالد. دخلت المطبخ، ساندة يديها عليه وهي تحاول تمالك نفسها.
أفاقت على أنفاسه على رقبتها. التفتت لتجد خالد يغمض عينيه ويتنفس بعمق. ابتلعت لعابها وحاولت استجماع قوتها. "أنتِ" لم تكمل كلامها، فشدها إلى حضنه بتملك، ويده تتخلل شعرها. قال بخفوت وألم: "12 سنة بعيدة عني، إزاي طاوعك قلبك؟ إزاي؟ "كل ليلة بحلم بيكي، بدور عليكي جوة البلد وبرة، وإنتي في سينا مفكرتيش فيا أبدًا؟ "قدرتي تتجوزي وتعيشي حياتك، طب وأنا؟ وحياتي اللي واقفة عليكي." لم تستطع سوى البكاء، تبكي على عمره وعمرها الضائع.
ابتعد عنها وأمسك وجهها بكلتا يديه. "نسيتيني؟ نسيتي حبنا ووعودنا؟ "نسيتي كل حاجة بسهولة كدا؟ بس أنا منستش ومش قادر أنسى." "ليه لازم نهرب؟ أنا بحبك وإنتي بتحبيني، ليه منعش اللي باقي من عمرنا سوا؟ ليه نفضل نرفض واحنا عاوزين بعض؟ قالت من بين دموعها: "مقدرش، مقدرش أعيش معاك، ده حرام، أنت أنت بتشتغل في حاجات... وضع إصبعه على فمها.
"هسيب كل حاجة عشانك إنتي، وافقي وأنا هبعد عن كل حاجة، كفاية تعبت من بعدك عني، قلبي تعب، أنا محتاجك وإنتي محتاجاني، راحتنا في حضن بعض." اقترب من وجهها أكثر وقال بخفوت: "أقولك إيه أكتر؟ القدر جمعنا تاني، جمعنا صدفة مكانش عاملين حسابها، كفاية ي أورا، كفاية ي سمرة، كفاية." امسكت كفه بضعف. "أنا تعبت أوي في بعدك، كنت بتعذب وأنا على اسم حد غيرك، فكرت إنك نسيتني ونسيت حبنا، فكرتك عشت حياتك ونسيتني."
"مقدرتش أنسى والله مقدرتش، كل ليلة بحلم بيكي في حضني، كل يوم بصحي أدور عليكي، بستنى نفطر مع بعض زي ما كنا بنعمل من 12 سنة قبل ما تفرقنا الحياة." نظر في عيونها. "تعالي نبدأ من الأول، أنا خالد طفل يتيم وإنتي... ضحكت بخفة. "أورا." "أورا اسم غريب، هسميكي سمرة لأنك سمرة." زمت شفتيها بتمثيل. "يعني أنا وحشة؟ "هه، لا، إنتي سمرة وحلوة أوي زي الوردة البيضة، حلوة زي القمر كدا، بصي فوق هتشوفيه." "إنت هنا من إمتى؟
"معرفش، من زمان، وإنتي؟ "نقلنا النهارده لأنهم هيهدوا بيتنا." "عادي، بيتي هو بيتك، وكمان خلينا نكون أصحاب." اقترب من وجهها وقال بحنية. "كفاية صحبة، خلينا أحباب، موافقة؟ هزت رأسها بحب وخجل. طبع قبلة رقيقة على شفتيها. "هنرجع سوا وهعملك أكبر فرح فيكي يا مصر، خلاص سمرتي هترجعلي." ابتسمت بخجل. ***
دخل أيوب عيادة الطبيب النفسي، وفي يده شجن. تنظر لتلك العيادة الغريبة، ليس بها أناس كثيرون، لكنهم غريبي الأطوار، جالسون بصمت. أحدهم يهز قدميه بعصبية، وأخرى تلف شعرها على يديها بقوة ثم تتركها وتمسح عليه بحنو. أما الآخر، فينظر إلى إصبعه الفارغ من أي خواتم، وتنزل دمعة يمسحها ويبتسم، ثم يعيدون نفس الكرة. "إحنا... إحنا بنعمل هنا؟ قالتها بخوف وهي تنظر حولها. ربت على يديها بحنو. "متخافيش، هنعمل فحص سريع ونمشي."
سجل اسمها ثم جلسا بجانب بعض. دقائق مرت، ثم انكمشت شجن في أيوب بخوف عندما سمعت صوت صراخ أنثى من الحجرة. وبعد ثوانٍ، تخرج إحداهن ساندة على زوجها، شعرها مبعثر ويبدو عليها التعب. صدح صوت الممرضة وهي تنادي باسم شجن. امسكت بيد أيوب. "يلا نمشي، أنا مش عاوزة أدخل." "خمس دقايق وهنمشي، أنا معاكي." دخلا الغرفة ورحب بهم الطبيب الشاب. "دكتور تميم." صافحه. "أيوب والمدام شجن." أومأ لها الطبيب بابتسامة ودودة، فلم تعكره سوى نظرة خوف.
أخذها وجعلها تتسطح على الشازلونج. "قبل جبينها." "دقيقة وجايلك." جلس أمام الطبيب وشرح له حالة شجن. وقف الطبيب وتقدم من شجن، جلس على الكرسي أمامها. "مدام شجن، ممكن تعرفي عن نفسك؟ "إيه؟ قالت بخوف. "يعني مثلاً اسمك واسم والدك، درستي إيه وبتحبي إيه." أشار لها أن تبدأ. "اسم... ي شـ. جن... مش متعلمة، مش... مش بحب حاجة." كانت تتكلم بخوف ورهبة كبيرة وهي تنظر لأيوب تارة وتميم تارة أخرى. تعرق جبينها بغزارة. نظر تميم إلى أيوب.
"مش قدامنا غير التنويم المغناطيسي." أومأ له بموافقة. "غمضي عيونك واسترخي خالص." فعلت مثلما يقول، فقام وجلس مكانه أيوب. بدأ بكلام معها بحنو وعفوية، وحتى هدأ تنفسها تمامًا واسترخت عضلات جسدها. "تمام ي شجن، إنتي دلوقتي في مكان ضلمة، هيبدأ النور يفتح بالتدريج، ممكن تقولي إنتي فين دلوقتي؟ "في بيتنا، في أوضتي." "شايفة إيه؟ "شايفة طفلة بتبكي، أقرب منها؟ "لا، خليها، شوفيها هتعمل إيه."
"قاعدة بتبكي، باصة على الباب، بعدين فتح بابا الباب، مسكها ضربها." "ليه ضربها؟ "عشان... عشان قالتله متضربش ماما." "وبعدين؟ "طلع وقف النور، الأوضة ضلمة أوي، هي مش بتحب الضلمة." "النور هيفتح تاني، شايفة إيه؟ "ماما حضنة بنت وبتتباكي، وبعدين... وبعدين." "وبعدين ي شجن؟ "فضلت تكح ونزل دم، أغمي عليها، خدوه الجيران وسبوني لوحدي." "وبعدين؟ "حصل ماس كهربائي والبيت ولع." "وبعدين؟
"البنت محبوسة في النار، مش عارفة تطلع، مفيش حد سامع صوتها." "وبعدين؟ "أغمي عليها من الدخان." "النور هيفتح تاني، شايفة إيه؟ "بابا ماسك البنت وبيضربها عشان حرقت البيت." "وبعدين؟ "حد اتصل بيه وقاله إن ماما ماتت." "وبعدين؟ "حبسها في الأوضة الضلمة ليومين لحد ما اتجوز." "وبعدين؟ "مفيش غير ضلمة، مفيش نور تاني." "ركزي ي شجن، شايفة حد أو في نور بعيد؟ "في حد بيقرب مني، مش شايفة شكله كويس." "ركزي وهو هيبان، شايفة مين؟ "شايفة!!
شايفة!!! أيوب." "مين أيوب؟ "جوزي، خدني، طلعني من الضلمة." "هيديكي لضلمة تاني؟ "لا، هو قلي لأ." "تمام ي شجن، لما صوتي يختفي، فتحي عينيكي." فتحت عيونها. ثم عدلت من جلستها. أشار تميم لأيوب، ثم جلسوا ليتحدثوا، وشجن تنظر لهم. *** أنهى مسعود عمله، ثم صعد لشقة جميلة. طرق الباب، فتحت والدتها. احتضنته بحب. "أخص عليك، كدا أشوفك صدفة زي الغريب." "حقك عليا يا أمي، الشغل كان كتير، وهو أنا بيبقى في شغلي بركة من غير ما أشوفك."
قبل يديها. "جاي عشان أشرب أحلى كباية شاي من إيد أحلى سوسن، قولي ي بت ي سوسن، الناس تكبر تعجز وإنتي تكبري تحلوي." ضربته على كتفه. "الكلام دا تقوله لعمرو دياب مش ليا." "متابعة إنتي آخر الأخبار." "يلا ادخل ي حبيبي ونتكلم لصبح." "أوعي تكوني جايبالي عروسة، مانا عارف الدخلة دي ي سوسن." "طبعاً، جايبالك عروسة وأحلى ميت مرة من قبلها." "آه عليكي، إنتي هتموتي وتخلصي مني؟ شفتك وإنا بقول إمتى تتجوز وأخلص منك ي مسعووود."
"هو أنا أقدر؟ بس نفسي أشوف أحفاد قبل ما أموت." قال بضحك. "جوزي جميلة، أنا مالي بمشاكلكم العائلية دي." "تدخل هي كلية بس وأنا هجوزها على طول وأرتاح." تبدلت ملامح مسعود بسرعة. دخلت سوسن لتعد الشاي. بدأ في هز قدميه بتوتر. "دي قعدة لها سنة وتدخل كلية... لا لا، أكيد بتهزر، مش معقول يجوزها بسرعة كدا." خرجت جميلة من غرفتها، وهي تجهل وجود مسعود. أشار لها أن تجلس أمامه. "في حاجات لازم تتغير ي جميلة." "زي؟ أشار إلى شعرها.
"الحجاب مثلاً." "مش هلبسه." "ليه؟ "مش حباه." "جربتيه؟ نظرت له. "في حاجات بنرفضها من قبل ما نجربها، عادي." أغمض عينيه يحاول تمالك نفسه. "الموضوع منتهي، لبسك وشعرك كله هيتغير." قالت بانفعال. "إنت مين أصلاً عشان تتحكم فيا في البس إيه وملبسش إيه؟ "صوتك ميعلاش." "أنا حرة، كل واحد حر في حياته، مش كدا؟ قال من بين أسنانه. "إنتي بتناقشي في إيه؟ قلت الموضوع منتهي، يعني منتهي، فاهمة؟ "لا والف لا، فيه حوار في الموضوع."
"على أوضتك، ولو شفتك برا عتبة الشقة دي بشعرك هخليكي تبكي عليه." ضربت الأرض بقدمها بغضب، ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب بقوة. "مش عارفة أنا حبيت فيك إيه، قولي حبيت فيك إيه بس." خرجت سوسن من المطبخ بالشاي. "هي جميلة طلعت؟ "طلعت واتخانقنا ودخلت تاني." "ليه بس يابني." "شعرها، كفاية كدا، دلعنا بما فيه الكفاية ولازم حسم شوية." "خايفة أقفل عليها تقولي لو كان أبويا عايش مكنش عملي كدا، خايفة تفتحلي جرح قديم."
"إحنا بنعمل اللي هو كان هيعمله وإنتي عارفة كدا." حاول تغيير مجرى الحديث. "يلا اقعدي ووريني العروسة اللي هنرفضها النهارده." *** استأذنت نور وذهبت لأحد الغرف لترتاح قليلاً. تسطحت على الفراش تنظر للسقف بتعب. "هترجعي تعملي إيه؟ مش فاهمة." "هتاخدي... شفت ف شفت ف شفت، ولو بعتي نفسك برضوا هيطلب فلوس، مش هيسيبك في حالك." "لازم تبعدي عنه، تروحي مكان ميقدرش يلاقيكي أبداً." "بس فين؟ هتروحي فين؟ فتح الباب بهدوء ثم أغلق.
نظرت له ثم انتفضت من الفراش. "إنت بتعمل إيه هنا؟ إنت اتجننت؟ وضع يده على فمها. "اسمعي كويس، لو قلتي لحور أي كلمة من اللي حصل هخفيكي من على وش الأرض، فاهمة؟ نظرت في عينيه بقوة. "عينك دي هخزقها، متعصبنيش." لم تنزل عينيها عنه. "جايبة الغرور دا منين؟ أنا أقدر أكسرك وأكسر عينك لبقية عمرك، خافي مني." عضت يده بقوة فابتعد عنها. "اسمعني، إنت مش واحد زيك على آخر الزمن يهددني، إنت سامع؟ إنت مش عارف بتتكلم مع مين؟
أنا الدكتور نور منير." "أبو النوانير؟ "واحد حيوان زيك ميرفعش عينه فيا، إنت سامع؟ "لااااا، لااااا، دا هبت منك أوي، إنت شكلك متعرفيش بتتكلمي مع مين." "بتكلم مع واحد حيوان." احمرت عيناه من الغضب، أمسكها من كتفيها وألقاها على الفراش. "غرورك دا لازم يتكسر دلوقتي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!