ذهب إلياس لمكانه المعتاد الذي يشعره بالراحة. ألقى بسجادة على الأريكة بعدما أخذ زجاجة كحول. فتحها وتجرع منها بنهم. أبعدها عن فمه ثم أرجع رأسه للخلف. قال بغباء: "إلياس وجدي النجار نسب وسخ صحيح". تجرع باقي الزجاجة وألقاها على الأرض بغضب فتحطمت تمامًا. قال بدرامية: "كل الناس مشيوا، حتى انتي يا اختي". "يقطع الحب وسنينه، ما كان الواحد عايش من غير هم، جتهم الهم". دخل خالد بغضب للمنزل، لم يكن يعلم بوجود إلياس.
أمال إلياس رأسه للخلف ونظر لخالد. "تعالى في حضن أخوك يا فواز". ذهب خالد وأخذ زجاجة كحول ثم جلس قبالت إلياس. "البيه مروق على نفسه ومش داري بالمصيبة اللي كنا هنقع فيها". قال بسخرية: "هاا نقع؟ هو إحنا بنطلع من المصايب عشان نقع فيها؟ غنيلي اتحفني، حصل إيه جديد؟ "الحكومة عرفت إن الغواصين كانوا خاطفين السفينة". "و؟ بغضب: "وكنا هنروح في خبر كان، وأخواتها هيعملوا معانا الجلاشة". "و؟! "إلياس متعصبنيش".
"مش أنت حليت الموضوع خلاص؟ "مفيش زفت اتحل، لو الخبر نزل في الجرايد حتى كإشاعة، أورا هتروح مني". "يابني ما فيه غيرها". أراح ظهره على الأريكة ونظر للسقف بحزن. "مش يوم ما ألاقيها تسبني تاني يا إلياس، طب وقبل كدا كانت الظروف، مش هستحمل لو سابتني بإرادتها". "متقلقش، الخبر هيتبدل". تجرع خالد من زجاجته دون النظر لإلياس. "إزاي؟ "مين بلغ عن السفينة؟ "رجالتنا بيقولوا واحد مساعد كابتن اسمه... اسمه عمر". "هام
وعاجل: مقتل مساعد كابتن السفينة المخطوفة". "كدا هتوديني في داهية أكتر". "يابني افهم، كدا هنبعد العين عننا". "إلياس ارجوك، لو عندك عقل فكر فيه، سيب المهمة دي عليا وأنت خليك في محاكم الأسرى". "على قولك، أطلع من قضية لقضية، شفتلك النهارده سجينة قتلت زوجها، بس إيه حكاية". نظر له بقرف: "يخربيت ذوقك". أخذ إلياس زجاجة في يده وجلس بجانبه. نظر له خالد: "هتشرب كل دول؟ "أيوه". "يابني أنت بتموت من واحدة".
"سبني أنسى اللي أنا فيه يا عم". رفع خالد كتفيه باستسلام: "براحتك". كان هادئ في غرفة الاستجواب. يضع قطن على جبينه. وأمامه سيادة المشير يحقق معه بنفسه. وأيوب يراقبه بعين صقر من وراء الحاجز الزجاجي. يود لو يفتك به، أن يفصل رأسه عن جسده. ولكن قبل هذا أن يعيد شجن له مجددًا. كان هادئ يعلم جيدًا أن أيوب يراقبه من خلف الحاجز الزجاجي. فكان ينظر له بابتسامة نصر. وعيونه تقع على عيون أيوب كأنه يراه أمامه.
والآخر يكاد يشتعل من الغضب. وجه له سيادة المشير كلامه: "وحضرتك كنت فين يا أستاذ هادئ؟ "كنت في شغل طبعًا، معروف إن أنا مشرف عام، وتقدر تتصل بالشركة اللي أنا شغال فيها وتسألهم". "حضرتك اختفيت أسبوع كامل". "فعلاً، لأن فرع الشركة اللي كنت بأشرف عليه في سوهاج، وأنت عارف المسافة بين القاهرة وسوهاج 7 ساعات قطر وأكتر من 7 عربية". "بس فيه شهود بتأكد إنك كنت خاطفها". "زي مين مثلاً؟ "الظابط نوح ومدام وتين مراته".
"الظابط نوح، أنا ما سمعتش عن الاسم ده قبل كده ومعرفوش أصلاً". "بس ده ما يدلش إنك ما خطفتهاش". "يا سيادة المشير، أنا كنت قاعد في بيتي وفجأة يتم القبض عليا بتهمة قتل، وبعدين خطف، مش واخد بالك إن كده أوفر". "إحنا مش هنلعب هنا، أنت عارف كويس أنت هنا ليه، وليه كنت أول مشتبه فيهم". قال بغضب: "أنا اتحاكمت على جرايمي واتغيرت تمامًا، وده ما يديكمش الحق إنكم تبهدلوني كده، وأنا أعرف كويس القانون".
"اهدأ يا أستاذ هادئ، ده تحقيق مش حكم". "أنا هطلع من هنا ومش عاوز سيرتي تيجي في أي حاجة تخصكم نهائي، أنا تبت عن الطريق ده وبعيش حياة عادية، عن إذنك". وقف ليرحل. أوقفه صوت سيادة المشير الغاضب: "اقف عندك، أنت مش عارف تتكلم مين اللي قدامك، سيادة المشير، ولازم تحترم وجودي غصب عنك". استدار إليه: "اعذرني يا سيادة المشير، اللي عندي قلته". كان سيخرج لولا فتح له العساكر الباب.
"حد باعت الرسالة دي لسيادة الظابط أيوب وهو مش موجود في مكتبه يا فندم". "ماشي يا ابني". أخذ منه الجواب. أشار لزجاج فهو يعلم أن أيوب خلفه. خرج أيوب من غرفة المراقبة ودخل الاستجواب. جلس هادئ على المقعد وهو يراه يفتح الجواب. أخرج الدي في دي. نظر لسيادة المشير باستغراب. "هات اللابتوب وافتحه، يمكن حاجة تخص القضية". أحضر أيوب اللابتوب ووضعه على الطاولة. فتح الدي في دي، ففتح أمامه فيديو لثائر.
تغير شكله ببعض الميكاب، لكنه لا يزال به شبه كبير من هادئ، من يراه من بعيد يظن أنه هادئ. في الفيديو ثائر جالس أمام الكاميرا وخلفه شجن فاقدة للوعي على الأريكة. دقق أيوب النظر في الفيديو ثم نظر لهادئ. أيقن أن هناك فرق بينهما ولعبة ذكية. بدأ ثائر الفيديو: "لم يعرف عن نفسه سوى أنه اختطفها لأن زوجها رجل غني ويريد فدية وقدرها خمسة ملايين جنيه مصري ليطلق صراحها". انتهى الفيديو وأغلقت النافذة المنبثقة من الدي في دي.
نظر سيادة المشير لأيوب: "شكلها قضية خطف عادية يا سيادة الظابط". نظر أيوب لهادئ الجالس بارتياح كبير. "ممكن توضيح للفيديو؟ أشار هادئ لنفسه باستغراب: "أنا؟ أصبح يدور حوله: "حضرتك مش ملاحظ الشبه الكبير اللي بينك وبينه؟ قال باستفزاز: "مخلوقين من نفس القالب". ضرب أيوب الطاولة بغضب: "إحنا مش بنهزر هنا، احترم نفسك". ضرب هادئ الطاولة وهو ينظر في عيون أيوب بغضب: "حضرتك مش قادر تحميها، دي مشكلتك أنت (أكمل بسخرية)
يا سيادة الظابط". أمسكه من تلابيب قميصه. فتدخل سيادة المشير وفصل بينهم. "إحنا آسفين على سوء الفهم ده، تقدر تمشي". نظر له أيوب بصدمة: "يمشي؟ يروح فين؟ رفع يده أمام أيوب بمعنى اصمت. نظر له هادئ بانتصار. لم يفهم نظرته تلك سوى أيوب المشتعل من الغضب. تحرك هادئ وخرج من القسم كلها متوجهًا إلى مكان ثائر. هو يعلم. من المفترض أن يكون ثائر في طائرة أمريكا وشجن أصبحت له بمفردها في المنزل. تأكد أن لا أحد يتبعه.
وصل للفيلة، دخل وهو يشعر بنشوة انتصار غريبة. لا يوجد أحد سوى هو وشجن في الفيلة. تحرك بهدوء وارتياحية إلى الطابق الأعلى. فتح الغرفة التي كانت بها شجن مسبقاً. فلم يجدها. "طيبة قلبك دي هتوديك في داهية يا ثائر، أكيد سبتها في أوضتك أو أوضتي". مشي بخطوات هادئة وهو يغني: "شقط حبيبتك منك يا عم، امسح رقمها وخلي في دم". خلع قميصه وألقاه على الأرض. مئة سيناريو في عقله ونهايتهم هي سعادته. خلع حزامه وألقاه على الأرض كذلك.
فتح باب غرفة ثائر بهدوء. نظر في الغرفة بدقة فلم يجدها. "آه حبيب أخوه مش عاوز يتعبني خالص، أكيد حطها في أوضتي". اقترب من عطور ثائر. نظر لكثرتها: "بيحب البرفان أوي". أخذ أحدها ورش القليل عند رقبته. وضع الزجاجة مكانها. لفت نظره هاتف ثائر وتحته ورقة. فتحها بلامبالاة. لكن تبدلت ملامحه للغضب عندما قرأ ما فيها. ضرب بيده جميع عطور ثائر. أوقعها على الأرض وتحطم نصفها.
"ماشي يا ثائر، والله لأنـدمك، خليت أخوك عدوك وأنت مش قد العداوة دي، اشرب". خرجت سارة وجلست قبالت مسعود. استأذن والدها ثم خرج لشرفة هو كذلك. كان مسعود يتصبب عرقًا ويهز قدميه بتوتر ظاهر. لا يعلم من أين يبدأ الكلام. تحمحم بحرج: "آنسة سارة أنا". انفجرت سارة في البكاء التمثيلي ببراعة. قالت من بين دموعها: "أنا سمعت كل كلمة قالتها جميلة".
"أنا مش عارفة عملت إيه عشان تقول عليا كده، لو مش بتحبني بتصاحبني ليه وتمثل عليا الطيبة وتقول عليا كل الكلام الجارح ده". نظر لها بحزن: "جميلة اتغيرت أوي في الفترة الأخيرة، وأنا بعتذرك نيابة عنها". "لو سمحت يا أستاذ مسعود، مش عاوزة اعتذار، كل اللي عاوزاه إنها تبعد عني خالص، أنا مش هستحمل تسوء سمعتي في المنطقة، والبنت ملهاش إلا سمعتها". قال مدافعًا عن جميلة: "مستحيل جميلة تعمل كده".
نظرت له بغضب: "جميلة هزقتني وهزقت أبويا في بيتي، وما زلت تعمل كده؟ اللي تحرج واحد قد أبوها تعمل أكتر من كده، وأنا مش هخاطر بكده". "أنا جبتها تعتذر منك، وإن شاء الله لو حصل نصيب، أنتِ مش هتختلطي بيها أبدًا". نظرت له ومثلت المسكنة: "أنت لسه عاوز تتجوزني؟ تحمحم بتوتر: "يعني لو حصل قبول بينا، أكيد هتجوزك". مسحت دموعها: "أنت إنسان كويس أوي يا أستاذ مسعود". "ممكن تصلي استخارة وأنا كمان، وإن شاء الله يجعل بينا قبول".
دخلوا جميعًا وجلسوا قليلاً ثم استأذن مسعود وسوسن ورحلا. توقف مسعود أمام شقة جميلة. "ممكن تنادي جميلة". "أنا آسفة يا ابني على اللي عملته، أكيد هي حست بالغيرة عليك، سامحها". "سوسن، أنا هتكلم معاها شوية، ممكن تناديها". دخلت سوسن بحزن وبعد دقائق خرجت جميلة. كانت تنظر بعيونها المنتفخة من أثر البكاء في عيون مسعود بقوة. نظر لخدها المتورم والاحمر بشكل واضح. جعل صوته حازمًا: "اللي قلتيه فوق ده مينفعش".
"إحنا كل حاجة بينا انتهت". نظر لها باستغراب كبير، عن ماذا تتحدث أصلاً؟ لا يوجد شيء بينهما حتى ينتهي. قال بسخرية: "والله ده على أساس فيه حاجة بينا؟ (أمال قليلاً لها) الحاجة الوحيدة اللي مفروض تنتهي هي تخيلاتك الفارغة". "أنا مش عاوزة أعرفك تاني، أنت أنت (قالت بخفوت) مش راجل". نظر لها باستخفاف: "والله لو قد كلامتك دي قوليها بصوت عالي مش زي الفار". نظرت له بقوة: "اللي إيده على بنت يبقى مش راجل".
أمسك معصمها بغضب: "واللي أنتِ عملتيه فوق ده ينفع؟ "آه ينفع، لما تبقى إنسان أعمى البصر يبقى ينفع، فيها إيه زيادة عني؟ قال من بين أسنانه: "فيها كتير، أول حاجة مش بتعاير حد على مستوى ولا تعليم، وأنتي لولايا كان زمانك أسوأ منها". ضربته كفًا ولاه وجهه الجهة الأخرى. "وحضرتك بتعايرني بصرفك عليا، يبقى القلم ده تستحقه". ولته ظهرها: "متزعلش، أنت اللي علمتني اللي يعاير حد بحاجة يستحق الضرب".
دخلت شقتها وأغلقت الباب بقوة في وجهه. أما هو فلم يفق من الصدمة بعد. صحيح أن يديها صغيره ولم تؤلمه حتى قليلاً. لكن رجولته لن تسمح له أن تضربه أنثى. وضع يده على خده. نظر في الصالة الفاصلة بين الشقتين وتأكد أن لا أحد رآها. دخل شقته بسرعة ثم غرفته. نظر لنفسه في المراة لوهلة وهو يتذكر كف جميلة. لفت نظره حمرة خفيفة على خده. اقترب من المراة، مسح بإصبعه عليها. ثم شم رائحته. إنه أحمر شفاه.
ضحك بخفة، لقد خططت لكل هذا ووضعت أحمر شفاه على يديها حتى يصبح خده بلون خدها. ألقى بجسده على الفراش وهو يضحك بقوة على تفكيرها الطفولي. أمسك هاتف وبعث لها رسالة: "اللي عملتيه مش هيعدي بالساهل، وفيه طرق كتير تخلي الخدود تحمر يا جميلة". وضع الهاتف بجانبه ونظر للسقف الغرفة وهو يفكر في طريقة للانتقام. أكلت القليل من مثلجاتها ثم نظرت ليوسف. "تصدق أنا عمري ما مشيت في الشارع بالليل أبدًا، أو بالاصح عمري ما طلعت من البيت".
ضحك وقال: "مع يوسف كل حاجة متاحة". نظرت له باستغراب: "يوسف مين؟ "ده اسمي التاني، أصلي باسمين يوسف وياسر، بس بحب يوسف أكتر". "فعلاً يوسف أحلى. كنت بفكر لو خلفت ولد هسميه يوسف، اسم حلو ومليان جمال". جلسوا على الكورنيش ينظرون للبحر. "شكله يخوف بالليل". "على حسب اللي معاك". "مش فاهمه". "أي حاجة بتخوفك بتبقى عادية لو معاك شخص بتحس معاه بالأمان". نظرت للبحر مجددًا وابتسمت: "فعلاً". طلت بجانب فمها بالمثلجات.
أخرج منديل من جيبه. ومد يده ليمسحه. فرجعت للخلف بخوف. "متخافيش، مفهوش مخدر، حتى شوفي". قرب المنديل من أنفه واستنشقه. قالت بحرج: "يعني بقيت عندي فوبيا من المناديل". ابتسم على كلامها ثم مسح جانب فمها. "حلو الآيس كريم؟ قالت بخجل: "أيوه جدًا". نظرت له ثم قالت: "تصدق أنت كنت بخاف منكم، يعني أنتوا كرِجال كنت بكرهكم وبخاف منكم جدًا، بس" نظرت لمثلجاتها بخجل: "أنت أول واحد يعاملني بحنية من غير ضرب ولا صوت عالي".
"المفروض كلنا نأمل الإناث كده، لأنكم صنف حساس ورقيق بتتكسروا بسرعة، يعني معاملة قابلة للكسر". "ياريت كل الرجالة زيك، مكنش ده حالي وحال كتير زيي". فتحت عيونها بتعب. نظرت لسقف الغرفة الأبيض ثم للممرضة التي تعلق لها المحلول. "نـ.. ـو... ح". نظرت لها الممرضة: "حمد الله على السلامة يا مدام وتين". "نو... ح فين؟ "أستاذ نوح... أنا هنادي الدكتورة لحضرتك". خرجت قبل أن تتحدث وتين. نظرت للسقف مجددًا ثم انسالت دموعها بضعف.
"كل ده... ببـ... سببي". دخلت الطبيبة وفحصت الأجهزة. ثم التفتت لوتين: "حضرتك معندكيش إصابات خطيرة، بس خلع في الكتف اليمين وإصابة طفيفة في الجبين". "نوح فين؟ حصله إيه؟ "أستاذ نوح... هو في العمليات من تلات ساعات ولسه مخرجش، لما يطلع هنبلغ حضرتك". "حالته حالته إيه؟ عامل إيه؟ "إصاباته خطيرة، وخصوصًا حصلت إصابة في الدماغ، الجزء الخلفي، والأطباء عنده". رن هاتف الطبيبة. ردت على
المكالمة ثم نظرت لوتين: "تمام يا مدام، أستاذ نوح خرجت من العمليات، بس هيكون تحت المراقبة حتى يفوق، ويعدي الـ 24 ساعة الجاية على خير". "ينفع أشوفه؟ "للأسف مينفعش غير لما يفوق ونطمن عليه، عن إذنك". خرجت الطبيبة. حمدت وتين ربها كثيرًا لأنه حمى نوح لها. ودعت أن تمر الـ 24 ساعة القادمة بخير.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!