في غرفة مظلمة مكبلة ع الأرض وترتجف من الخوف، دموعها تهبط كالشلالات. فاتحة عينيها ع وسعهما لعلها ترى بصيص نور في تلك العتمة. لا يأتِ في رأسها سوى صوت أبيها يصرخ. تهز رأسها بقوة لعلها تنفض تلك الأصوات.
في الظلام، أطفال تولد وأخرى تموت، أحلام تبني وأخرى تتهدم، شجاعة تنكسر وخوف يتجلى. ماضي قاسٍ وخوف مميت. برد قارص غير موجود. أصبحت ترى أطياف لأناس غير موجودين حولها. والدتها ملقاة ع الأرض تنزف من أثر الضرب والمرض. تلفذ أنفاسها الأخرى وهي تتمنى أن تحتضن ابنتها ولو لآخر مرة.
أقدام تتحرك أمامها، حذاء أسود يركل الأم بقوة، فينْزِف من فمها. ثم يخرج السر الإلهي لخالقه، وتترك شجن لذاك العذاب وحدها. لا تدري هل سترى والدتها اليوم أم غدًا. أغمضت عيونها بقهر وألم، لا تملك سوى البكاء. سلبوا منها الحرية والشجاعة وحق الاعتراض، وتركوه للخوف والفوبيا المميتة، خوف من الظلام، من الظلم، الألم، التخلي، الخذلان. وتلك الأصوات لا تتوقف. تريد الصراخ، لكن حتى هذا الحق سلبوه منها. لم تجد سوى أن تهرب من الواقع البشع.
*** ارتدى مسعود قميص نبيتي ع سروال أسود. هندم شعره، نظر لنفسه بغير رضا. لا يريد الذهاب وقلبه يرفض تلك الفكرة تمامًا. لا يستطيع تخيل سارة زوجة له. أمسك زجاجة العطر، نظر لها فتذكر ذاك اليوم عندما أتت جميلة له في الليل وأمسكت عطره المفضل. تعالت أنفاسه، ضغط ع الزجاجة بقوة، يحاول محو صورتها من مخيلته. رش القليل ع قميصه ثم وضعها مكانها. ارتدى حذاءه وخرج من الشقة. نظر لدرج المؤدي لشقة سارة، يعيد التفكير في كل شيء حدث.
قطع تفكيره خروج سوسن من شقتها وع وجهها علامات الحزن. حاولت أن تبتسم، لكن تلاشت ابتسامتها عندما خرجت جميلة مرتدية ملابسها. حاولت التكلم بطبيعية. "بتعملي إيه يا جميلة؟ قالت وهي ترتدي حذاءها. "هروح معاكم، سارة صاحبتي وأبيه مسعود زي أخويا، مش هسيبه في يوم زي ده." "بس يابنتي دي رؤية مش خطوبة." "حتى ولو ياماما، برضوا هحضر، مانا زي أخته."
تحرك أمامها ثم اتبعوه. توقف أمام الشقة ثم رن الجرس. ثوانٍ وفتحت والدة سارة. رحبت بهم بحرارة، أدخلتهم الصالون وكان بانتظارهم والد سارة. جلسوا جميعًا وكان الهدوء سيد الموقف. حتى قطعته سوسن. "طبعًا سبب جيّتنا معروف." "تونروا ي أم جميلة." "إحنا قولنا نكون عيلة، وربنا يجعل الود بين الأولاد. يقعدوا مع بعض ويتكلموا، وإن شاء الله يكون فيه توافق بينهم." قاطعتها جميلة.
"طبعًا ياعمي، أنت عارف إن أبيه مسعود قرب يقفل الـ 35 وبنتك 19، أكيد حضرتك مش معترض ع فرق السن الكبير بينهم." قرصتها سوسن بخفوت. تحمحم والد سارة. "طبعًا عارف يابنتي، ومدام فيه توافق يبقى السن مش مهم." "إزاي مش مهم؟ فيه فرق ثقافة وتعليم، أبيه واخد شهادة هندسة معماري بس مش بيشتغل بيها خالص، وبنتك تعليمها إيه؟ كان فخذ جميلة قد اسود من قرص سوسن لها، وهي لم تبالِ أبدًا بالألم الجسدي بقدر ألم قلبها. ضحك والد سارة باحراج.
"دا ياحبيبتي كلام كبار، متتعبيش راسك بيه." "طبعًا طبعًا، القرار الأول والآخر لحضرتك، بس بتمنى إن بنتك متجبرش مسعود إنها تكمل دراستها، يعني حضرتك قعدتها من التعليم، ملناش دعوة إحنا." "لا لا ياعمري، لو سارة عاوزة تكمل أنا معنديش مانع خالص." نظرت له جميلة بغضب. "لأ عندك، مش هتخاف انت عليها أكتر من أبوها." "جميلة اسكتي خالص، متتدخليش في الكلام ده." طفح بها الكيل، فصرخت في وجهه بغضب.
"لأ أدخل، حضرتك مهندس ورايح تاخد واحدة أولها مش لاقي يكملها تعليمها." عم الهدوء المكان بعدما ضرب مسعود جميلة ع وجهها بغضب. نظرت له وشفاهها تنزف. هل وصل به الأمر لضربها؟ نطق من بين أسنانه وعيونه حمراء كالدم. "انزلي تحت ومش عاوز أشوف وشك أبدا." خرجت من الشقة بغضب وهي تبكي من الألم أضيف لقائمة آلامها الكبيرة. نظر مسعود لوالد سارة، فجميلة وضعته في وضع حرج.
"عمي والله أنا آسف جدًا، إن شاء الله لو حصل نصيب أنا معنديش أي مانع لأي طلب تطلبه سارة، وحضرتك عارفني وعارف سمعتي كويس، عمري ما عايرت حد بتعليم ولا مستوي، والقرار الأول والآخر لحضرتك." "واضح إن جميلة غيرانة مش كده." قالتها والدة سارة وهي تحاول تخفيف الوضع. "مبدئيًا، لو حصل نصيب سارة تبعد ع جميلة خالص." ابتلع لعابه بخجل. "طبعًا سارة ليها شقتها، ملهاش دعوة خالص بجميلة." "تعالي يام جميلة نطلع البلكونة نشم شوية هوا."
خرجتا لشرفة، ودخل والد سارة ليناديها. كانت تقف خلف ستار الفاصل بين الصالون وباقي الشقة. سمعت كل كلمة قالتها جميلة. زاد كرهها لها أكثر، وأصبح الأمر أكبر من شخص تتقاتل عليه فتاتين، فالآن كرامتها وكبرياؤها قد أهينوا على يد فتاة وضيعة لا تعرف للحياة عنوان. *** توقفت سيارة خالد أمام أحد الأتيليهات المشهورة. دخل بصحبة أورا. "إحنا بنعمل إيه هنا؟ "هنختار فستان ليكي." قال بحرج. "مش مهم فستان، يعني لو نخليها ع الضيق."
"هو أنا بتجوز الإنسانة اللي بحبها كل يوم؟ "خالد أنا مش بهزر، دي جوازتي التانية، هيبقي شكلي إيه وأنا لابسة فستان فرح." قبل يديها بحب. "هيبقي شكلك زي القمر." دخل واختار أكثر من فستان، أعطاهم للفتاة التي تعمل. "قيسيهم واطلعي وريني." "بس ي خالد ي حبيبتي، يلا متتعبنيش معاكي." دخلت غرفة تبديل الثياب، بينما هو جلس ع الأريكة. أمسك هاتفه ليتسلى قليلًا. جاءته رسالة. وعندما قرأها انتفض من مجلسه. أمسك هاتفه واتصل بأحد الرجال.
"يعني إيه فيه شبه لينا؟ انت اتجننت!؟ "خالد بيه... "متتقلش خالد زفت! "حضرتك حد بلغ إن الغواصين خطفوا السفينة اللي كانت تطلع البضاعة من البحر، ولأن السفينة كانت تابعة للجيش، فدي جريمة." "اتقلهم خليهم يعترفوا ع نفسهم، لكن شركتي متجيش في الموضوع ده. طلع البضاعة من المراكب وحط بضاعة غيرها لنا، ولو حد سأل قولوا إنكم منزلتمش حاجة من المراكب لسه، فاهم؟ "فاهم يابيه." أغلق الهاتف في وجهه وهو يتنفس بغضب. "حلو ي خالد."
هدأ عندما سمع صوتها. لانت عروقه. استدار لها بابتسامة زادت عندما رأى الفستان عليها. كانت جميلة جدًا، طلتها هادئة ومليئة بالجمال. اقترب منها، أمسك يديها ودارها بالفستان. أوقفها أمامه وقبلها. "جميل جدًا ي سمرتي." أخفضت رأسها بخجل. "عاجبك؟ هزت رأسها بالإيجاب. "تمام، غيري وهنشتريه." "مانحجزه؟ "الفستان اللي تلبسه سمرتي قماشته متجيش ع جسم أنثى بعدها."
دخلت لغرفة التبديل مجددًا. نظرت لنفسها في المرآة. كأنها لم تتزوج من قبل. لم ترتدي فستانًا مثله أبدًا. لم تعش تلك السعادة أبدًا. ارتجاف يديها وخجلها منه، كل شيء أصبح أجمل وأكثر من ذي قبل. عندما تزف لأكثر إنسان أحببته، لن تشعري بسعادة مثلها قط. يصبح لكل شيء جمال، حتى ذاك الأبيض الذي لا يزينه شيء، يصبح فستان أميرات فقط، لأنك ستزفين لأميرك. ***
يقف إلياس باحترام وبجانبه محاميه. وفي المقابل وجدي ومحاميه، وأمامهما القاضي والمستشارون. "يتم تأجيل القضية حتى صدور نتائج تحليل النسب. رُفعت الجلسة." خرج القاضي والمستشارون خلفه. نظر إلياس لوجدي بانتصار. اقترب منه. "كام يوم كده وهبقى ع اسمك، تخيل كده إلياس النجار هو مش نسب يشرف، بس أفضل من نسب غريب، وأبويا عايش." "إنت قلت الكدبة وصدقتها ولا إيه يابن المنصوري؟ قال باستفزاز. "تؤ تؤ، ابن النجار لو سمحت."
أمسكه وجدي من تلابيب قميصه. "هقتلك قبل ما تبقى ع اسمي يابن الحرام." نزع يديه ببرود. "لا لا يابويا، مينفعش تقول كده لوريثك. ابن الحرام ده هيورث إمبراطورية النجار باللي فيها." "ع جثتي." "ماهو ع جثتك فعلاً، الورث بعد ما يموت المورث. إنت بس شد حيلك واتكل بسرعة." خرج إلياس بهيبة وببروده المعتاد وترك وجدي يشتعل من الغضب. أوقفه المحامي. "إلياس بيه، محتاجين عينة دم من حضرتك."
"أهم حاجة تتعمل في معمل لا إنت ولا وجدي تعرفوا طريقه." "الحاجات دي بتبقى محمية جدًا يافندم، متقلقش." "تمام، يلا بينا." *** يحطم كل شيء يقع تحت يديه. خطفت للمرة الثانية من منزله، من حمايته. ستدمر أكثر، ستصبح مشوهة نفسيًا أكثر. يحاول علاجها، وبحركة واحدة من ذاك الحقير هادي، يرجعه لبداية المشوار وربما أسوأ. طرق الباب أحد العساكر ثم دخل. أدى التحية العسكرية. "هادي الحويني برا يافندم."
كان اسمه بمثابة رؤية إبليس أمامه. دفع العسكري وخرج من الغرفة راكضًا. يقف ببرود ويضع يديه في جيبه. انقض عليه كالأسد ع فريسته. لم يعِ أي شيء، أصبح يكيل له الضربات، والغضب والخوف يحركانه. جميع من في القسم يحاولون إبعاده عنه، لكنه لا يتزحزح أبدًا. لا يرى سوى عينيها، بكائها، صوتها، تترجاه أن لا يتركها. لم يستطع حمايتها، لم تكن بأمان معه أبدًا. فقد بسبب خطأ واحد يدمرها ويدمره. ليته لم يجعلها تعود لسيارة بمفردها.
فلتعد وهو لن يتركها أبدًا. أمسكه من تلابيب قميصه، والأخرى لا يظهر من وجهه شيء. صرخ في وجهه بغضب. "فينها؟ انطق، شجن فين؟ سحبوه أربعة عساكر، وفوق هادي، وهو يحاول الخلاص منهم والفتك به. صرخ به سيادة المشير. "ظابط أيوب، اتحكم في نفسك وإلا هتلاقي تصرف مش هيعجبك." نظر له أيوب وهو يحاول تمالك أعصابه. "خطف مراتي للمرة التانية، وحضرتك بتقولي اتحكم في نفسي!؟ "الأمور مش بتمشي كده أبدًا، ارجع ع مكتبك، مش هكرر كلامي مرتين."
"بس حضرتك... "الموضوع انتهى، حضرتك مسحوب منك قضية الملاهي." نفض يده من بين العساكر بغضب ثم تحرك لمكتبه. *** فتح باب غرفتها. لم تعد لها قوة للنظر حتى. تقدم منها ثائر وهو مشفق ع حالتها. حملها بين يديه وهو ينظر لوجهها المنهك. "سامحيني، ماليش خيار تاني، مقدرش أخلي أخويا يدخل السجن." "أنا مش هاذيكي أبدًا."
خرج من الغرفة ووضعها ع أحد الكراسي، لكنها كانت تميل لأحد جوانبه ولا تعي ما يحدث. حاول أن يجعلها تجلس، لكن جسدها ارتخى وسقطت في يده فاقدة الوعي. حملها ووضعها ع الأريكة. أزاح خصلات شعرها من ع وجهها. "لسه صغيرة ع كل ده، حسبي الله فيك ي هادي."
أحضر زجاجة ماء ورش القليل ع وجهها. فتحت عينيها بوهن، نظرت له ثم نظرت في السراب. لم يعد له قوة لتكمل، لم تعد تريد المقاومة، فليفعلوا بها ما يريدون. فلتمت أرحم من المقاومة مع سراب واهن لا يرى منه شيء.
انتهى ضميره بشدة، فهو ليس شخص يؤذي نملة صغيرة، فكيف بأنثى لم تتعد السن القانوني بعد. لم يجد حلًا سوى أن يكمل في هذا. فهادي قد وعده عندما تسقط التهمة عنه، سيتركها لحالها ولن يعترض طريقها أبدًا. فتح كاميرته وسجل ما علمه إياه هادي. انتهى من كل شيء. فحملها ووضعها ع فراشه، لن يتركها في تلك الغرفة مجددًا، حتى وإن كان هادي قاسٍ القلب، فثائر نصف رحمة الكون في قلبه. أعطى الـ DVD لأحد الخرس ليرسله لأيوب، ثم أعد حالة ليعود لأمريكا. نظر مجددًا لشجن. كانت مستيقظة لكنها صامتة، لا تتكلم ولا تصرخ كرد فعل طبيعي لأي أنثى مثلها. اقترب منها، مسح ع وجهها.
"حرام تعاني كل ده، إنتي متستاهليش أبدًا." نظر لها، ثم حسم أمره. *** تنفس نوح الصعداء عندما ابتعدوا عن المخزن بكثير. أمسكت وتين بداية الأنفاس. أغمضت عينيها ثم سحبته من ع فمها بسرعة. "آه دا سلخ جلد، الله يسِّلخ جلدهم." "خلصنا منهم الحمدلله ومعانا الدليل، المهمة نجحت." صفقت بيديها بفرح. "تاني مهمة ليا نجحت، أنا أنفع في الشغل ده." نظر لها بطرف عينيه، لكن سرعان ما تبدلت ملامحه لهلع. نظرت له وتين باستغراب. "فيه إيه ي نوح؟
"الفرامل مقطوعة." ضرب المقود بغضب. "عشان كده هربنا بسهولة، غبي غبي، مفهمتش إزاي إنها لعبة منهم. آآآه ياشلبي الكلب." نظرت له بخوف. "طب هنعمل إيه؟ "الأوتوماتيكي واليدوي ومبدل السرعة كلها بايظة، لعبها صح." "مفيش قدامنا غير حل واحد." نظر لوتين، فقد نسي أمرها. لن تخرج من تلك السيارة سليمة أبدًا، وليس لديه وقت للتفكير في حل آخر، فتلك منطقة سكنية، سيخرج أمامه أحد حتمًا ولن يستطيع تفاديه بتلك السرعة. صرخ بها.
"انزلي تحت الكرسي بسرعة وضمي راسك بين رجليكي كويس، فاهمة؟ نظرت له بخوف ودموعها تهبط. "إنت هتعمل إيه؟ "بسرعة ي وتين، مفيش وقت." صرخت فيه ببكاء. "لأ مش هعمل كده، إنت عاوز تنقذ، طب وانت؟ قال بهدوء. "أوعدك إن إحنا الاتنين هنكون بخير وهنطلع سالمين، بس اعملي اللي قلته بسرعة، أرجوكي." "أنا خايفة." "متخفيش، كل حاجة هتكون كويسة."
فعلت مثلما قال، ثم قام بالعودة للرواء. توقفت إطارات السيارة بقوة عندما غير المسار، وهو تعدى الـ 170. حاول جاهدًا جعل السيارة لا تنحرف عن الطريق، لكن سرعتها العالية وتدمير كامل لنظام الإطارات والتحكم بها لم يساعدوه أبدًا، فانحرفت السيارة ع الرصيف، فارتفعت من جانب واحد واستقرت ع جانبها الآخر، ثم توقفت وهي تخرج دخان كثيرًا.
اجتمع السكان حول السيارة، محاولين إخراج من بداخلها بسرعة. وصلت سيارات الإسعاف. أخرجوا وتين، فهي كانت في الجانب السليم. وضعوها ع الناقل وطبيبة تفحصها. سحبوا نوح بأعجوبة من السيارة، وضعوه ع الأرض. فتحت وتين عينيها، نظرت حولها بضعف. سقطت عيونها ع نوح النائم أرضًا ينزف من كل مكان، والأطباء يحاولون إنعاش قلبه يدويًا. انسابت دموعها بضعف وهي تراهم يبتعدون عن نوح. أغمضت عينيها ودخلت في سواد عميق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!