بعد انتهاء مراسم الحنة، اصطحب صهيب حذيفة ومعاذ وهشام ومعتصم ليناموا الساعات القليلة المتبقية في شقته التي أمر بتنظيفها للاستعداد غداً لمراسم الفرح. وكعادة معظم بيوتنا الريفية، لا تنام العروس في بيت أبيها تجنباً للضوضاء، لأن بطلوع النهار تبدأ مراسم الطهي والغناء والضيافة واستقبال الأقارب من شتى البلاد، فتذهب لتنام في بيت أحد أقربائها من ذات المنطقة.
فذهبت هنا لخالتها الساكنة في نفس الحي بمنزل يبتعد عن منزل الحاج محمد بشارعين. خالت هنا: تعالي يا هنونة، أنا جهزت لك أوضة عشان ترتاحي. يلا نامي، ربنا يتمم لك بخير يا بنتي ويسعدك ويرزقك الذرية الصالحة. هنا بإرهاق: الله يبارك لك يا خالتو، تسلمي لي يا رب. ثم توضأت واستقبلت القبلة، تؤدي ركعتي قيام ليل وركعة وتر، لأن جسدها لن يعينها على القيام قبل الفجر لصلاة القيام كما اعتادت، لأنها مرهقة.
انتهت، ثم قرأت وردها ودعت الله الهداية والسعادة وأن يبارك لها فيما رزقها. توجهت للسرير. خطر ببالها أنها كانت تتمنى ما هي به الآن، يجب عليها حمد الله، فله الحمد. ابتسمت بفرحة عارمة. ثم أعلن هاتفها عن وصول رسالة، فوجدت أنها من رفيق الروح. فتحتها وزادت ابتسامتها اتساعاً عندما قرأت محتواها: «وما كنت ممن يدخل العشق قلبه.. ولكن، من يبصر جفونك يعشق.» ردت بمشاكسة: نام يا ذيفو، أنا تعبانة وعايزة أنام.
كان ينتظر رسالة تجيب رسالته عشقاً، ولكن اغتاظ من رسالتها. حذيفة بغيظ: أبو شكلك يا شيخة. انفجرت هنا ضاحكة من قوله، ثم أغلقت هاتفها وغطت في سبات عميييق تأهباً ليوم غد، يوم عمرها. نامت حياء وسدرة معاً في غرفة حياء، واتخذ الجميع أماكن مناسبة للنوم. أشرقت الجوناء بدفئها على ضواحي القاهرة، في يوم يحمل الفرحة والسرور لقلوب البعض، وبدايات جديدة للبعض الآخر. صهيب لهشام: جهزت الفطار يا أتش.
هشام بفخر: جهزت كل حاجة، يكش يطمر في لحمكم. معاذ بضحكة: بقيتي ست بيت شاطرة يا بيضة. هشام بغيظ: بلاش أنت يا ضنا، مش عايز أذيك وأنت على وش جواز. صهيب بملل: خلصتوا؟ يلا نصحّي عريس الليلة. توجهوا جميعاً لغرفته. هشام بصوت مرتفع: حذيفااااااااه. يا ذيفووووو. معاذ بصوت أعلى: قووم ياااا ذيفوووو. صهيب بصراخ: يلااا يا عرييييس. حذيفة بصراخ وغيظ: في حد يصحّي حد كدا يا ضنا منك ليه، قطعتولي الخلف يا بهايم.
معتصم بضحك: لا أنا حقّي أنبّه أختي بقا. وعلى ذكرها، سرح حذيفة بهيام فيمن سلبت دقات القلب وثبات الروح. صهيب بلكمة خفيفة على كتف حذيفة: لا فوق كدا، قدامنا مشوار طويل. حذيفة بغيظ وهو يدلك مكان لكمته: شكلك هتكسحني ومش هلحق أعمل حاجة. ضحكوا جميعاً، ثم اقتربوا منه جميعهم. رجع حذيفة في سريره للخلف قائلاً بخفوت: إيه يا جدعان بتقربوا كدا ليه، مالكوا؟ ابعد يا ضنا.
لم يستمعوا له، بل اقتربوا وجذبوه، ثم حملوه على أيديهم وسط صراخهم وضحكاتهم، وتوجهوا للصالة للفطور. تناولوا الفطور في جو من المزاح والضحك والصراخ. استيقظت هنا على طرق على باب غرفتها، ثم دخول خالتها قائلة بعجالة: يلا يا هنا، حياء رنت ومستنياكي تحت بيتكم عشان تمشوا على الكوافير، وأنا همشي عشان ألحق أساعد مع الستات بحاجة، أصل الطباخ ييجي يا بنتي.
قامت هنا، وصلت الضحى، ثم ارتدت ملابسها وذهبت للقاء حياء، فوجدت سيارة بانتظارها. بداخلها حذيفة وحياء وسدرة. فعلمت أنها سيارة هشام وحذيفة من سيُوصلهم ثم يعود للشباب. أوصلهم حذيفة ورجع للشباب، فتوجهوا للحلاق، ثم توجهوا للمكوجي لكيّ بذلاتهم. مضى الوقت بسرعة، فتوجهوا لمنزل حذيفة، وخاصة لغرفته.
في البيوتي سنتر، فور أن وصلت هنا، أُقيمت الاستعدادات على قدم وساق. فهنا مكان الشعر، وهنا الماسكات، وهنا الحمام المغربي، وهنا قسم الميك آب. ولكن أصرت هنا على أن تضع لمسات خفيفة في وجهها يضاهي البدر ليلة التمام، لا يحتاج لتلك الألوان. ارتدت الفتيات فساتينهن ونقاباتهن. فكانت حياء ترتدي فستاناً من اللون اللافندر الجميل، فكان مغطى من الخارج بطبقة من الدانتيل المنفوش، وخمار ونقاب بنفس اللون، فكانت جميلة للغاية.
وارتدت سدرة فستاناً من اللون النبيتي بنفس التصميم، وكانت كحورية فرت من مياه البحر. بعد أن أنهت الميكب أرتيست مكياج هنا، تقدمت منها حياء وسدرة. نظرت لها حياء بدموع، رفيقتها تتوج ملكة اليوم لأخيها. لطالما أحبت تلك الفتاة الطيبة بصدق، رقيقة القلب بحق، هي هنا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. اقتربت حياء منها وعيناها مليئة بالدموع. حياء ببكاء: مبارك يا هنون. هنا بدموع: عقبالك يا حيائي. وبكوا في أحضان بعضهن البعض بفرحة.
صرخت الميكب أرتيست بهن لترتدي النقاب. انتهى حذيفة من ارتداء بدلته السوداء الكلاسيك، وكان تحتها قميص أبيض. اتجه له هشام ممسكاً بالشراب، ارتداه، فوجد معاذ يتقدم له بالحذاء. ارتدى جزمته ثم استقام. صفف شعره بطريقة جذابة، ثم التفت لرفاق الدرب. نظر له أصدقاؤه بسعادة، سعادة لو وُزعت على أهل الأرض لأغدقتهم. بينهم صداقة بروابط صلبة، أصدقاء كل حين، لا يتغيرون. حين الضيق يسندوه، وحين الفرح يقفوا لظهره كالبنيان المرصوص.
ابتسم لهم بامتنان، ثم فتح ذراعيه، فقفزوا لأحضانه بضحكات عالية وصراخ. احتضنه هشام مباركاً: مبارك يا زوز. معاذ بعناق صادق: مبارك يا ذيفو، ربنا يتمم لك بخير يا حبيب أخوك. اقترب منه صهيب ثم احتضنه طويلاً. ثم همس له: افتكر النبي كان بيعامل زوجاته إزاي وعاملها بالمثل، ربنا يرزقك خيرها يا شريك. ربت حذيفة على ظهره وعيناه على هشام ومعاذ، يحمد الله كثيراً على تلك الصحبة الصالحة.
يراوده الآن سؤال: لولاهم بعد الله، من كان ليقف لجوار؟ من كان ليسنده؟ الحمد لله على صحبة لا تزول. ابتعد عن صهيب، ثم ثبت أنظاره عليهم قائلاً: يمكن ما عندي أخوات ولاد من صلبي، بس عندي أنتم، أخوات من روحي. مش بينا شكر، بس شكراً لكل حاجة بتعملوها علشاني. قفزوا لأحضانه بضحكات مرة أخرى، ثم توجهوا للبيوتي سنتر. فكان معاذ مع هشام بسيارته، وصهيب كان مصرّاً على أن يزف حذيفة بسيارته، فركب بجانبه بسيارة صهيب المزينة بطريقة جميلة.
في البيوتي سنتر، ارتدت هنا نقابها بعد أن احتضنتها سدرة، ثم جلست بانتظار حذيفة. نصف ساعة حتى وصل حذيفة للبيوتي سنتر. جهزوا المكان لاستقباله. دخل لصالة الاستقبال، فوجد هنا مولّية ظهرها. اقترب منها ثم حمحم، فالتفتت له. تيبس في محله، كُتمت أنفاسه، فقد أطلت له هنا بغير النقاب. أي جمال هذا بحق الله؟ سبح الله بسره على إبداعه بخلق براءة كهذه. اقترب منها مقبلاً ما بين عينيها ثم يديها، ونظر لها مطولاً.
صرخت حياء بعجالة: يلاااااا، مش وقت سهوكة، هنتأخر ع الفوتوجراااااااااااافر. انتفض حذيفة وهنا من أماكنهم. نظر لها حذيفة بغيظ سرعان ما تحول إلى غمزة إعجاب قائلاً بصفير: ده إيه الجمال ده يا بطل حياتي أنتِ. خجلت حياء، وضحكت هنا، وتبسمت سدرة. ارتدت هنا نقابها الأبيض، ثم ارتدت كاب أبيض، وأنزلَت البيشة على عينها لئلا يرى عينيها أحد بمستحضرات التجميل تلك.
خرجوا من البيوتي سنتر واستقلوا السيارات. فجلست هنا وحذيفة وبجانبهما حياء، وجلست سدرة بجانب صهيب بالمقعد الأمامي، ومعاذ وهشام ومعتصم بسيارة هشام. واتجهوا لمكان التصوير الذي ستقوم به فتاة، لأن هنا ستزيل الكاب وتبقى بنقابها فقط، وعيناها ستكون ظاهرة بزينتها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!