دخل المنزل، ولأول مرة، لم تستقبله تلك التي كانت بمثابة أمه وابنته وصديقته. نظر لذاك الركن البعيد، هناك خصيصاً نهرته هنآ عندما ارتدى ملابس صيفية في جو شتوي، وهناك ترجاها أن تُعد له وجبة فرفضت وولّت ظهرها، ثم سرعان ما رمقته بطرف عينيها وزفرت وهرولت للمطبخ لتعد له ما يسد جوعه. وهناك قام بصفع مؤخرة رأسها لأنها ارتدت قميصه المفضل. وهنا، على الأريكة في المنتصف، ساعدته على فهم ما استصعبه في دروسه.
وهناك على أول باب غرفته، فاجأته بأن ألقت نفسها بأحضانها احتماءً من والدتهم عندما أبدلت ملح الطعام بالسكر وتلفت الطعام. غامت عينا معتصم بدموع حارة لفراق رفيقته. آه لو يعلم حذيفة ما بصدره الآن لحملها على أكف الراحة، وتوّجها ملكة لقلبه. دخل معتصم وتوضأ وصلى ركعتين ليرتاح قلبه، ثم نام.
"أصعب أنواع الفراق هو فراق الأشقاء، ليس هيّناً والله. تودّع رفيق عمرك لبيت غير البيت. مهما اختلفنا وتشاجرنا، تأكد يا رفيق الروح أنك ها هنا في القلب تسكن." حياء، حيوية، قطتي. تململت حياء على أثر هذا الهمس. عفواً؟! هذا الصوت تحفظه عن ظهر قلب. هذا... نفضت حياء وقالت وهي تتطلع حولها: حذيفة. التقفها حذيفة بين أحضانه، شدد من احتضانها. انتحبت حياء وتشثبت بأحضان رفيق العمر، من يناصفها في الدم.
"ويا صغيرتي، لو تعلمي أنكِ تحركين بي مشاعر الأب قبل مشاعر الأخوة." هدّأها حذيفة وظل يربت على ظهرها حتى استكانت. حذيفة بمرح: لا، ده أنا غالي أوي بقى ومأثّر. هنآ من خلفه بتذمر مصطنع: كلبشتي في أخوكي ونسيتي هنون. قفزت حياء من أحضان حذيفة واحتضنت هنآ التي بادلتها الحضن بسعادة. حياء بإحراج: معلش يا هنآ على عياطي امبارح وإني ضايقتكم، كان غصب عني. صفعتها
هنآ على كتفها قائلة بمزاح: من امتى الأخلاق العالية دي يا جعفر يا أخويا. توسعت عينا حياء على وسعها وخرجت النيران من أذنيها والدخان من أنفها، صارخة بغضب: حذييييييفه، هو لحق يبهدل عليكي؟ وربي ما هسيبك يا هنآ الكلب. فزعت هنآ وصرخت راكضة، وتعالت ضحكاتها ومن خلفها حياء تلقي الشتائم عليها وعلى زوجها. ضحك حذيفة وغامت عيناه بلمعة الفرح، فهذا سيناريو من أجمل السيناريوهات التي رسمها لنصف قلبه والنصف الآخر.
جلست هنآ بإرهاق وبجانبها حياء، وجلس حذيفة مقابلهم بجانب والده ووالدته التي لم تنفك تحتضنه وتقبّله، وهنآ تحتضنها. "يتقالها ماما مش يا حماتي الست الكيوت دي." حياء باستغراب: إيه اللي جابكم؟ قذفها حذيفة بمخدة المقعد قائلاً بغيظ مضحك: الملافظ سعد يا جعفر. ضحكت هنآ والحاج صالح، أما الحاجة أمينة فكادت أن تفتك بها بنظرات فتاكة. حياء بتصحيح: مش قصدي، قصدي لسه بدري وإنتو عرسان وكده.
هنآ بتفهم: الساعة 10 يا حياء، واتعودي على كده بقى لأننا قررنا نقعد معاكم على طول. لمعت الأمل في عيني الحاجة أمينة، واستفسرت حياء عن قصدها، فوضح حذيفة بفخر بزوجته: هنآ عرضت عليا إننا هننزل كل يوم الصبح ونطلع شقتنا على النوم. قفزت حياء بسعادة. احتضنتها الحاجة أمينة بسعادة: بنت أصول يا هنآ والله. سعد الحاج صالح لقرارهم كثيراً. رن جرس الباب، وكانت عائلة هنآ. احتضنها معتصم حضنًا حارًا، وتلقوا التهاني والسلامات.
كانت سِدرة متجهة لجامعتها وكانت على عجلة من أمرها. حااااااااااسبي يااااااا أنسة. ولكن كان الأوان قد فات، فقد صدمتها السيارة. هشام بمزاح: لا، وأول ما شاف عروسته نسينا الوغد. معاذ مكملاً: أول حاجة قالها بعد ما خرج: وسّع ياض منك ليه. واطي أوي ذيفوا ده. صهيب بحزم مصطنع: اكتم يا باف. منك ليه محدش يجيب سيرة الصعلوك التاني وهو مش موجود. وانفجروا ضاحكين. تذمر حذيفة الذي كان يهاتفهم فيديو كول على تليفون هشام.
قاطع مزاحهم رنين هاتف صهيب برقم سِدرة، فأجاب على الفور. صهيب بمرح: وحشتك صح؟ مجهول: حضرتك صاحبة التليفون دا عملت حادثة، ونقلوها المستشفى. هوى قلبه، شُل تفكيره. لا، لن يفقدها مرتين. لن يعيش مرارة الفقد مرة أخرى. هب صهيب فزعًا وقال بصوت مضطرب: مستشفى إيه؟ هب معاذ وهشام الجالسين على نفس الطاولة في المقهى المفضل لديهم عندما سمعوا حديثه. خرج مسرعاً من المقهى وخلفه معاذ وهشام. حذيفة صارخًا
بهشام: افهملي مين اللي تعبان ومستشفى إيه، وقولي عشان أحصلكم. هشام بموافقة: حاضر. وصل صهيب للمستشفى وصف سيارته بإهمال، حتى إنه لم يغلق بابها، وركض للداخل. وصل بعده معاذ وهشام، وركض هشام خلفه، وتولى معاذ مهمة صف السيارات بنظام. سألوا عنها وأخبرهم الممرض بالاستقبال أنها بالدور الثاني بغرفة الأشعة. "اسمعني تحية من هنا لحد هناك للجيش الأبيض يا ابني." بينما في الأعلى، سِدرة بقرار قاطع: محدش هيلمسني ومش هكشف رجلي.
دخل صهيب كالأعصار، وعادت له الحياة بعدما استمع لصوتها ووجدها أمامه. سِدرة بتذمر: بوب كويس إنك جيت، الراجل دا عايز يك... ركض لها واحتضنها كأنها إكسير مضاد للدغ سام. عاد معدل ضربات قلبه منتظمًا كما كان. تفهّمت سِدرة حالته وربتت على ظهره بابتسامة لم يُظهرها نقابها. دلف معاذ ووقف بجوار هشام، ثم دقائق ودلف حذيفة ومعه حياء التي فزعت لسماعها ما حل بصديقتها، وأكدت عليها هنآ أن تحدثها لتطمئنها على سِدرة.
صهيب بهدوء: بتزعقي ليه؟ الدكتور بتذمر: زوجة حضرتك مش راضية تخليني أكشف عليها ولا حتى تكشف رجلها نشوف لونها أو نفحصها أو نخيط الجرح اللي فيها. سِدرة بحسم والألم بادٍ بصوتها: ده أخويا، ومستحيل حد غريب عني يلمسني أو أكشف رجلي. صهيب بهدوء: لو ممكن حضرتك تجبلنا دكتورة. حياء بحمحمة وإحراج: ممكن أنا أشوف الجرح محتاج خياطة ولا لأ. نظر لهم الطبيب باستفهام، فأكمل حذيفة مادًا
يده للطبيب بمصافحة: معاك دكتور حذيفة، وهما الاتنين كلية تمريض. تبدلت ملامح الطبيب لسعادة: زملاء في المرمطة يعني. أكيد طبعًا المكان مكانكم. اتفضلوا معايا بره لحد ما صاحبتها تفحصها. "بيعجبني في مجتمع الجيش الأبيض إننا لما نعرف حد زميل بنقوم بالواجب، وده حصل معايا." خرجوا وبقيت معها حياء لتفحص الجرح وتُنظفه وتُطهره وترى إن كان بحاجة للخياطة أم لا. تنحنح الطبيب ثم طلب أن يتحدث مع صهيب على انفراد.
ذهب صهيب معه لدقائق ثم عاد. استفسر حذيفة سبب استدعائه، فأجاب صهيب بتذمر: بيقول عايز رقمي عشان يجي يشرب معايا الشاي. هشام بحذر: وأنت اديته رقمك؟ صهيب بلا مبالاة: آه. هشام بعصبية لا تبرير لها: وأنت فاهم معنى كلامه إيه. تعجب صهيب ومعاذ، بينما ابتسم حذيفة بخبث. صهيب بتعجب: أيوا فاهم، وإنت متعصب ليه. هشام باندفاع وحسم: عشان محدش هيتجوزها غيري. "حاجة آخر قمر الله الوكيل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!