بعد أن ألبس حذيفة هنآء الشبكة، استأذن وغادر ليحتفل مع رفاقه. فعلم بمغادرة صهيب لأمر طارئ، اطمأن عليه وأكمل احتفاله مع باقي الرفاق. لم تستطع ندى اللحاق بسدرة لأنها لم تجد تاكسي لتلحق بها. "نحن لسنا في فيلم عربي، أي حد عايز يلحق حد يطلع وراه جري فيلاقي التاكسي جاهز، قال! فوقوا يا جماعة، أنا بتخلق على الطريق ومبلاقيش مواصلات. الكوتشي بيلزق في الرصيف من كتر الركنة."
قبل أذان الفجر بساعتين، كان حذيفة يقف في غرفة حياء كالعادة لإيقاظها لصلاة القيام. "حياااااااااااااااااااااااء، يااااااا حياااء قوم يا جعفر يا أخويا، القيام هيفوتنا." وكأنه يخاطب تمثالاً حجرياً من زمن بعيد، أو إله حديدية صدئة، لم تستجب. هزها برفق، لم تستجب. هزها بعنف، لم تستجب. صرخ وذهب وأتى وجاء وراح وصعد ونزل وتشقلب، ولم تستجب بعد! "لازم أعمل زي كل يوم، كوباية المايه لازم تنزل ترخ على دماغك اللي فيها بطاطس دي."
ذهب للمطبخ سريعاً، ملأ الكوب واتجه لغرفتها، فهو لا يريد أن تضيع الصلاة عليها. يتذكر أنه ذات مرة لم يوقظها، قاطعته ليومين، وهذا ما لا يطيقه، فهي مؤنسه وأخته وبئر أسراره. "حسناً، ربما تجعله يكاد يشق ثوبه للديل أحياناً، ولكن، تظل حياء، صغيرته." سكب الماء على وجهها. انتفضت حياء صارخة: "بغراااااااق! الحقوناااااااي يا أباااااااا الحج! البحر بيقلب.... قاطع صراخها ضحك حذيفة عالياً عليها. نظرت له ببلاهة
للحظات ثم هتفت بنعاس: "طفيت ع البسلة يا زوز؟ "يخربيت البسلة اللي كل ما تصحي تسألي عليها، بسلة إيه يا هبلة، يلا القيام فاتنا." استعادت وعيها وركضت للوضوء. بعد دقائق، كانت تقف بين يدي الله خاشعة قائمة. وضعت قلبها بين يدي الله. وعلى الجهة الأخرى، كان حذيفة يستقبل القبلة ويحمد الله على ما آتاه، ودعا أن يسعده الله ويجعله سبباً لسعادة زوجته، ثم دعا لأصدقائه. رجل أحب الله فأقام ليله ولم يكن من الغافلين.
غادر حذيفة بعد أن انتهى من القيام برفقة والده للمسجد. التقى بوالد زوجته ومعتصم. رفع معتصم الأذان، ثم طلب الناس من حذيفة أن يُقِم الصلاة ويأُمهم بمناسبة عقده. وافق حذيفة وصلى بهم. رتل القرآن بصوته الرخيم العذب، بكى وأبكى المصلين. صوته من الجنة وخشوعه زاد الجمال جمالاً.
قُضيت الصلاة وانتشروا لبيوتهم وأشغالهم ومصالحهم. صلاة الفجر تخلو من المنافقين، فتجدها ساكنة، قريبة للقلب وتوثق العهد. "صلوا الفجر يا جماعة عشان تكونوا في ذمة الله." بكت هنآ وهي تستمع لصوت حذيفة، فبيتها قريب من المسجد. تفاجأت بحلاوة صوته! حكت لها حياء عن صوته كثيراً، لكنها لم تتخيله بهذا الجمال!
مضى الوقت وتجهزت كلاً من حياء وهنآ للذهاب للجامعة، فاليوم هو يوم العملي لهم. "والتمريض مينفعش تغيب في العملي. اللي يغيب يوم العملي دا يبقى واكل ناسه، مش باقي على الدنيا، أو ابن عميد المعهد أو الكلية، غير كدا لا يجوز." مرت حياء على هنآ وذهبتا لجامعتهما. استيقظ صهيب على رنين هاتفه. وجده اتصالاً من المستشفى، فأجاب وعلم بخطورة حالة دادة فاطمة، فانتفض وأيقظ سدرة، وذهبا للمستشفى.
أنهى حذيفة محاضراته واتصل بهنآ، وكانت تلك المرة الأولى لهما فيها يتحدثون عبر الهاتف. "كلبشت" هنآ يد حياء وضغطت عليها. استغربت حياء موقفها وتساءلت عن سبب توترها، ولكن زال استغرابها وحل محله ضحكة أخفاها نقابها بمجرد أن وجدت اسم حذيفة. أجابت هنآ بثبات ذائف: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." "وعليكم السلام والرحمة، عاملة إيه يا هنايا، ازيك وإزي العيال." تبسمت هنآ
ضاحكة من قوله وأجابت بخجل: "الحمد لله كويسة، إنت أخبارك إيه." "مش حلو من غيرك والله." "بطل سهوكة يا زوز وعيب كدا، البونيه لسه أول مرة تدخل دنيا وأنت كدا هتوقف قلبها وبدل ما تدخل دنيا هتدخل في الحيطة." كان هذا صوت هادمة اللذات ومفرقة الجماعات. "أكيد عرفتوها، حد ياخدها ويدي لنا بدالها كيس برسيل؟ "أعوذ بالله من الخبث والخبائث، بتطلعي إمتى يا بومة." "من أي حتة وفي أي وقت يا زوز." "إنتي بتضحكي كدا في الشارع يا حياء!
إنتي مست... "أنا في المسجد يا حذيفة، اهدي متقلقش." تنهد براحة، فهو يغار على عرضه وأهل بيته، وخصوصاً حياء وضحكة حياء، فضحكتها تطرب الآذان وتلفت الانتباه رغم رقتها. "تمام، أنا جاي عليكم علشان هنتغدى بره، أنا استأذنت من حمايا ووافق. بلّغ سِت أطاطا اللي كل ما أبصلها تتكسف دي." "هي سمعاك أصلاً." "أنا اطاطا يا حذيفة! ربنا يسامحك ومش رايحة في حتة." ضحك بملء فاه على طفوليتها وأكملوا حديثهم. ***
أمام غرفة العمليات، تنظر هناك للباب البعيد. خلف هذا الباب تقبع والدتها الروحية، مربيتها، كفلتها بعد كفالة الله لها. ربتها رغم ضيق حالها، صبرت عليها، أنفقت على تعليمها ودراستها، وهي الآن تُختبر بها. عانت شعور اليتم منذ سنين، والآن يتكرر الأمر ببعض الاختلافات. يتكرر المشهد، لكن الألم واحد! الفراق شعور لا يُطاق، لا يُحتمل، يضيق الصدر، فما بالك بفراق الأم؟! أقسى أنواع الفراق.
احتضن صهيب صغيرته، يمدها بالأمان، يبلغها بدون كلمات أنه هنا، أنه بجانبها، أنه لها. تشبثت سدرة بثياب أخيها كالطفل التائه. مرت ساعة، ساعتان، ثلاث وأربع، وهي تحترق بالخارج. هي من خلال دراستها تعلم أن تلك العمليات تأخذ وقت كبير. "عمليات القلب المفتوح، ربنا ما يكتبها على حد ويهون على أصحاب القلوب الرقيقة."
مر الوقت عليها دهراً. بعد ساعات، خرج أحد الأطباء من الغرفة. هرعت سدرة لهم تتعثر من سرعتها بثيابها الفضفاضة. تساءلت عنه بلهفة. نظر لها الطبيب ملياً ثم ابتسم مطمئناً معلناً عن نجاح العملية. تنفست الصعداء وهدأ جحيمٌ كان قد اشتعل بقلبها. ركضت لغرفة فارغة وخرت لله ساجدة، باكية، شاكرة، معترفة بنعمته وفضله. الآن هي علمت الله حق علم. علمته، ستير (ستر معاصيها) ، ممهل (أمهلها وهي تحت جناح المعصية ولم يقبضها عاصية) ، جابر
(جبر قلبها ورد لها أخاها) ، قادر، رحيم (رجع لوالدتها روحها وردها لها) . علمته بكل أسمائه فقد من الله عليها. دخل صهيب عليها واحتضنها وقبّل رأسها. بلغها بقرار الطبيب عن أنه لابد لفاطمة أن تدخل العناية المركزة حتى تستقر حالتها، فوافقت لأنه بدراية بذلك. "ممرضة بقا." مرت الأيام وتحسنت حالة الدادة فاطمة كثيراً.
أصر صهيب على نقلها لفلته التي كان قد جهزها ليتزوج بها، ولكن لم يسكنها لأنها كانت باردة، خالية عليه وحده. وهو بحكم مهارته في سوق الأعمال قد نجح وبأكتساح وجنى ثروة كبيرة، لكنها لم تسكن قلبه وملء قلبه بالله. رفضت فاطمة في البداية، لكن مع إصرارهم وافقت.
في الساعة الرابعة عصراً، كان صهيب وسدرة يتجولون في المول ينتقون ملابس لسدرة ودادة فاطمة. أشارت سدرة على محل ودخلت، وانتظرها صهيب بالخارج. دقيقة، اثنتين، ثلاث، عشر دقائق، ربع ساعة لم تخرج سدرة. دخل صهيب للمحل وجدها تقف بجانب أستند الملابس. ذهب تجاهها وأمسك يديها مقترباً منها قائلاً: "يلا يا وردتي علشان اتأخرت ولس... قاطعه صوت سدرة من خلفه تنادي بأسمهم، فتصنم موضعه، فإذا كانت هذه سدرة فمن تلك؟! "صهييييب."
خرج صهيب من صدمته، نفض يدها وهي نفضت يده كأن لدغتهما عقربة. "إيه اللي حصل دا يا حياء؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!