نظر له سراج ولم يتحدث، بل ذهب مباشرة إلى فتحي وخلفه منصف ولؤي. كان فتحي يأمر العاملين وهو يقف بهيبة وشموخ، ويفرض سيطرته على هذا وذاك كونه كبير الحارة. وكان أهل الحارة غير راضين عما يحدث ويشعرون بالغضب منه، وجملة واحدة هي الوحيدة على أفواههم: "أين جعفر ليوقفه عند حده؟ وبينما هو يأمر هذا ويتكبر على ذاك، اقترب منه سراج ومعالم وجهه لا تنم على خير، وهو يقول بغضب: "فتحي!
التفت إليه فتحي. ولم ينتظر سراج، ولكمه بقوة أسقطه أرضًا. تألم فتحي بشدة وهو يضع يده على وجهه، بينما اقترب فتوح وهو يقول بأسلوب سوقي: "إنت اتجننت يا سراج ولا إيه؟ شكلك محتاج تتأدب." أمسك سراج يده قبل أن تمتد عليه، وهو ينظر له قائلاً بغضب: "محدش محتاج يتأدب هنا غيرك يا فتوح."
لكمه في وجهه جعل الآخر يختل توازنه ويعود عدة خطوات للخلف وهو يضع يده على وجهه. وبلمح البصر، انقلبت الحارة رأسًا على عقب. وجاء رجال فتحي ووقفوا أمام سراج ومنصف ولؤي، الذين كانوا ينظرون لهم بغضب وكراهية. نهض فتحي وهو ينظر لسراج وقال ببرود واستفزاز: "شوف مين بقى بيرد ويبجح... هو لحق يعلمك قلة الأدب ولا إيه.. على رأي المثل الطيور على أشكالها تقع.. وانتوا الاتنين فيكوا من بعض. جاء سراج كي يقترب منه، منعه لؤي
الذي قال وهو ينظر لفتحي: متردش عليه يا سراج.. الأشكال اللي زي دي مينفعش ننزل لمستواها. اقترب فتوح وهو يقول بأسلوب سوقي: طب ما براحة على نفسك كدا يا نجم عشان منزعلش من بعضينا. نظر له سراج بغضب شديد، فلم يستطع تمالك نفسه ولكمه بقوة في وجهه وهو يقول بضيق وغضب: طب غور بوش أمك دا عشان أنا مش بالعك. اقترب فتحي منه وهو يقول: الله الله الله.. دا القطة بقت بتخربش والأسد طلع له صوت.
سراج بسخرية: والاتنين مبيردوش على نباح الكلب، تخيل. صرخ فتحي فجأة بعلو صوته وهو يقول بغضب شديد: لا يا حلو لو هو مقويك فمش قدام فتحي.. روح قوله يا ننوس عين أمك لو دكر تعالى واجه سيدك وش لوش. سمعه عبر الهاتف الذي كان بيد لؤي، والذي هاتفه وفتح مكبر الصوت بعدما سمع كل ما قاله فتحي، قائلاً بحدة: طب لم نفسك يا فتحي عشان مجيش أدغدغ المحل كله عليك.
ضحك فتحي وهو يقول: الله عاش من سمع صوتك يا جعفر، إيه يا راجل مش ليك أهل تسأل عليهم برضه. تحدث جعفر بغضب وقال: أقسم بالله يا فتحي لو ملمتش الدور واحترمت نفسك لزعلك. ضحك فتحي وقال بخبث: بقولك إيه يا جعفر ليك عندي أمانة تخصك مش ناوي تاخدها ولا إيه. عم الصمت المكان للحظات قبل أن يقطعه جعفر قائلاً بهدوء مميت: قصدك إيه. فتحي بابتسامة: هسيبك تفهمها لوحدك، ويا ريت تظهرها عشان منتجهش لطريق أنا وانت مش عاوزين نوصله يا جعفر.
أغلق جعفر الخط وهو ينظر أمامه بشرود، ومالت لون عيناه للون الداكن وهو يتوعد لفتحي بعدما فهم مغزى حديثه، بينما قال فتحي: لينا لقاء تاني يا.. حلو. تركه ودلف لمحلّه مرة أخرى، بينما نظر سراج لأثره نظرة لا تنم على خير. في مكان آخر. كان جعفر يسير في إحدى الأسواق وهو لا يفهم شيئاً، فحدث نفسه قائلاً: إيه دا كله، هما عاملين الحاجة بربع التمن دا، الناس مقطعة بعض.
وقف وهو ينظر حوله وهو يتذكر طلبات بيلا، فذهب لرجل بائع الدجاج وهو يرى سيدة بعقدها الرابع وهي تتشاجر مع الرجل بطريقة سوقية، فأنزل نظارته الشمسية قليلاً ونظر لها بقرف، وعندما شعرت هي به نظرت له بمعالم وجه لا تنم على خير، وأسرع هو وقام برفع نظارته مرة أخرى وهو ينظر حوله. انتشلت الحقيبة من الرجل وهي تقول بقرف: هات جتكوا القرف.. رجالة عايزة الحرق كلها. ذهبت السيدة ونظر لها جعفر مرة أخرى بقرف،
ثم سمع الرجل يقول: متشغلش بالك يا باشا، أصلها مطلقة تلات مرات فحاطة العيب على اللي اتجوزتهم.. تقول إيه جورجينا في نفسها. ابتسم جعفر وقال: أنا خوفت تطلع موس من بوقها تعورك. الرجل بابتسامة: لا متقلقش، متقدرش تعمل حاجة، عارف أتعامل مع الأشكال اللي زيها.. المهم تطلب إيه. جعفر: بص أنا مبفهمش في حوار السوق دا والأسعار والكلام دا كله، أنا عايز فرخة ومتنضفة كويس جداً عشان المدام متعلقنيش. ضحك الرجل وهو يقول: عنيا يا باشا.
دلف الرجل، وابتسم جعفر وهو يعيد تذكر طلباتها مرة أخرى، فنظر حوله حتى رأى بائع الأسماك، وسريعاً تذكر الأربع سمكات اللي طلبتهم منه بيلا، وابتسم وهو يحرك رأسه ويقول: شكلها هتعلمني الأدب من دلوقتي، وأنا اللي كنت فاكرها هادية وهبلة.. أنا اللي طلعت أهبل في الآخر. مر القليل من الوقت وجاء الرجل مرة أخرى وهو يمد يده بالحقيبة له قائلاً: اتفضل يا باشا. أخذها جعفر وهو يقول: حسابك كام. الرجل بابتسامة: خلي عنك يا باشا.
جعفر بمجامله: ربنا يخليك. الرجل: خمسين جنيه. مد جعفر يده بالنقود ومن ثم توجه لبائع السمك. وقف وهو ينظر للسمك ولا يعلم أي واحد يجلب، فجميعهم نفس النوع، فنظر للرجل وقال: بعد إذنك يا أخينا. نظر له الرجل وقال: أؤمر يا باشا. جعفر بتساؤل: هو مش كلهم سمك بلطي بردوا، إيه الفرق. الرجل: السعر يا باشا. جعفر بتساؤل: طب بكام. أخبره البائع بالأسعار ثم تركه في حيرة من أمره وهو لا يعلم ماذا يجلب. نظر للسيدة التي كانت تقف وتقوم
باختيار السمك وهو يقول: بعد إذنك هو أنهي أحلى. نظرت له وهي تقول: خد من اللي باخد منه دا، لا هو غالي ولا هو رخيص، خليك في النص مع أي بياع. صمت جعفر لبرهة حتى سمع السيدة تقول: شكلك أول مرة تنزل سوق. جعفر: وآخر مرة إن شاء الله. ضحكت السيدة بخفة وقالت: ليه بس، دا الراجل هو اللي المفروض ينزل مش الست، دا يبختها بيك والله، شكلها مسيطرة جامد. جعفر بخفوت: دي بتسخن بس.
السيدة بابتسامة: شكلك ولد جدع وابن أصول، خدها نصيحة والله يا ابني الراجل اللي يساعد مراته وينزل يجيب طلبات البيت وايديه في إيدها دا أنا بستجدعه قوي وهو دا الراجل الصح، أنا مربية ابني على كدا لحد ما بقى زيك كدا بينزل يجيب ويعمل ويشيل عن مراته لو تعبت، ونصيحة تانية أوعى تخلي بياع يضحك عليك عشان بيستغلوا اللي مش عارف أي حاجة في أي حاجة، لا تجيب غالي ولا قليل، هات في النص، خير الأمور الوسط، أصل هنا استغلاليين، خلي بالك، خليك ناصح وفاصل معاه.
شرد جعفر بحديثها قليلاً حتى قاطعه رنين هاتفه، أخرجه من جيبه وأجاب قائلاً: عاجبك كدا، أنا واقف عامل زي العبيط مش عارف أي حاجة في أي حاجة. بيلا: ليه يعني، الناس كلها حواليك بتشتري. جعفر: المشكلة في الأسعار، أنا مش عارف أجيب إيه. حركت رأسها بقله حيلة
وهي تنظف المنزل قائلة: ليه يا جعفر، متجيب السعر الوسط والحاجة الصابحة مش البايتة البهتانة دي، هيضحك عليك ويديهالك بسعر قليل، خليك أنصح منه وفاصل كدا، أومال عمال تقول جعفر البلطجي اللي ليه هيبة ومحدش بيضحك عليه في الحارة، كل دا كان مجرد كلام ولا إيه. صق على أسنانه بغيظ شديد وهو يقول: البركة في سعتك. بيلا بابتسامة: آه دبسها فيا بقى، بقولك إيه يا جعفر إنجز عشان ألحق أعمل الأكل. جعفر: خلاص يا بيلا اقفلي، أنا هتصرف.
أغلق معها، ونظرت هي للهاتف بابتسامة وهي تقول: اتقل عليا يا ابن جميلة إن ما خليتك تلف حوالين نفسك وتحس بالمسؤولية مبقاش أنا. بعد مرور الوقت. عدة طراقات ورنين على باب المنزل، تليها تقدم بيلا التي فتحت الباب ورأت جعفر واقفاً ويحمل حقائب كثيرة للغاية في يديه، وأخرى على رأسه، واثنين يعقدهما ببعضهما ويضعهما على كتفيه. عندما رأته بهذه الهيئة ظلت تضحك وهي لا تصدق ما تراه، بينما
نظر هو لها بضيق وقال: هتدخليني ولا هتفضلي واقفة بتضحكي كدا كتير. أفسحت له الطريق وهي مازالت تضحك، فدلف هو بضيق وأغلقت الباب خلفه وتقدمت منه. وضع هو الحقائب على الطاولة ووقفت هي بجانبه وهي تضحك قائلة: شكلك فظيع بجد، فكرتني بستي، يخربيتك. نظر لها وهو يقول بغيظ: اسكتي خالص، أنا مش طايقك بسبب المرمطة اللي شفتها بسببك. ضحكت أكثر وهي تضع يدها على بطنها وأدمعت عيناها
من كثرة الضحك قائلة: عشت وشوفتك بتتمهرمط يا بيضة، لازم تشيل مسؤولية بقى. صق على أسنانه بقوة وهو ينظر لها قائلاً: بتضحكي. وضعت رأسها على كتفه وهي تضحك. مر القليل من الوقت وهدأت، نظرت له وقالت وهي تمسح دموعها: أول مرة أضحك بالشكل دا بجد. نظرت له وقالت بابتسامة: عارف بقالي كتير مضحكتش بالطريقة دي. حرك رأسه برفق وهو يقول: مرة ومش هتتكرر تاني. ضحكت بخفة وقالت بمرح: يختي جميلة كبرتي وشيلتي مسؤولية.
جعفر: أنا يتقال لي جميلة، أنا عارف إن هيبتي في ذمة الله، معاكي باينة من أولها. بيلا بابتسامة: خلاص وريني جبت إيه يا اللي منيم الحارة من المغرب. نظر لها بطرف عينه، وابتسمت هي وهي تنظر له، فحرك رأسه بقله حيلة وهو يبتسم بخفة ويقول: أدي الفراخ. بيلا: قلت له. قاطعها جعفر وهو يقول: مليته القصيدة اللي قولتيها لي، متقلقيش. بيلا: هنشوف. جعفر: وأدي الأربع سمكات اللي طلبتيهم. نظرت بيلا لما بداخل
الحقيبة وقالت بابتسامة: براڤو عليك، طلعت شاطر. حرك شفتيه يميناً ويساراً وهو يقول: شاطر أه بلا وكسة، الست اللي كانت واقفة بتشتري جنبي هي اللي نقتهملي وقعدت تنصح فيا. نظرت له قائلة: سحبت كلامي. ابتسم وجعلها ترى ما جلبه حتى قالت فجأة بتذكر: الكنافة يا جعفر والله لو نسيتها لزعل. أخذ الحقيبة التي كان يخبئها خلفه وهو يقول بابتسامة: مقدرش على زعلك يا جميل. ابتسمت برضا وقالت بسعادة: بجد تسلم لي، أنا مش عارفة أقولك إيه.
ابتسم بخفة وقال: أنا جعان جداً أنجديني بقى عشان مش قادر. بيلا بابتسامة سعيدة ومرح: عنيا يا جميل. أخذت الأغراض ودلفت للمطبخ بحماس تحت نظراته وابتسامته وهو يقول بداخله: والله ما حد جميل هنا غيرك. في منزل فايزة. فايزة بابتسامة: تعرفي يا هناء. نظرت لها هناء، بينما أكملت فايزة قائلة: الواد جوز بنتك قمور أوي ما شاء الله عليه. ابتسمت هناء،
بينما قالت فايزة: آه والله تحسيه كدا ليه هيبة ولايقين على بعض، ما شاء الله ربنا يخليهم لبعض ونفرح بيهم قريب ونشوفك تيتا صغننة كدا. تحدثت هناء بداخلها وهي تقول بحسرة: تيتا آه، طيبة أوي يا فايزة، متعرفيش اللي فيها. جاء بسام وهو يقول: أنا رايح الشغل يا ماما، محتاجة حاجة. نظرت له فايزة وهي تقول بابتسامة: لا يا حبيبي سلامتك. نظر لخالته وهو يقول: عايزة حاجة يا خالتي. هناء بابتسامة: خلي بالك من نفسك يا بسام.
بسام بابتسامة: عنيا، عن إذنكم. خرج من المنزل تحت نظراتهما، وبعدما خرج نظرت هناء لفايزة وهي تقول: عاوزين نفرح بيه قريب، خليه يتلحلح شوية. فايزة: والله يا هناء لسه مجاتش، بدعيله يرزقه بواحدة تتقي ربنا فيه. هناء بابتسامة: هتيجي يا هناء، متقلقيش، بسام محترم وربنا شايله رزقه. فايزة: يارب يا هناء.. المهم هتعملي إيه في موضوع فارس.
هناء: مش عارفة يا فايزة والله، سيباها على ربنا.. عارفة اللي مستغرباه، متصلش بيا يجى بقاله شهر، لا قال فين مراته وبنته، مفيش، تقوليش ما صدق. فايزة: غلطان يا أختي، أول مرة يعني يعملها، دا كان بيتصل لو اتأخرتي دقيقة واحدة. هناء بقله حيلة وحسرة: كان بقى. أثناء حديثهما قاطعهما صوت رنين هاتفها، فنظرت للهاتف ورأت أخاها عبد المعز، أخذت الهاتف وهي تنظر للاسم بتعجب، فقالت فايزة: مالك، في إيه.
نظرت لها هناء وهي تقول: أخوكي عبد المعز بيتصل. فايزة: طيب شوفيه. أجابت هناء وهي تقول: الو.. الحمد لله.. لا في إيه.. في منزل جعفر في الحارة جلست مها أمام والدتها وهي تقول: "كلتي يا ماما؟ جميلة: "الحمد لله." صمتت مها قليلاً وهي لا تعلم كيف ستخبرها بشيء كهذا، ولكنها حاولت أن تهدأ. نظرت لوالدتها وقالت: "بقولك إيه يا ماما." نظرت لها جميلة، فقالت مها بتوتر: "أنا... أنا... أنا شفت جعفر." نظرت
لها جميلة وهي تقول بصدمة: "شفتيه فين؟ قصت عليها مها ما حدث بالتفصيل دون أن تذكر زواجه. وعندما انتهت قالت: "وبصراحة هو قالي عرفيها ومتخبيش عليها حاجة، وأداني مبلغ يعني نمشي بيه نفسنا، وقالي لو علاج أمك خلص هاتيهولها ومتقلقيش، دي فلوس حلال. قالي أنا عمري ما هاكلكوا بالحرام، كل الفلوس دي حلال، وأنا بصراحة مصدقاه." جميلة: "ومجاش يشوف أمه ليه؟
مها: "بصراحة هو مش عايز حد من الحارة يعرف إنه جه، حتى قابلته على ناصية منصف بعيد عن الناس. قالي مش عايز حد يعرف إني جيت، معرفش ليه، بس هو قالي كدا. وبيقولك اتطمني وخذي علاجك أول بأول ومتهمليش نفسك عشان ميزعلش." شعرت جميلة بالحنين تجاهه وهي تقول: "ربنا يخليك ليا يا ابني وميحرمنيش منك ولا من حنيتك عليا." ربتت مها على يدها وهي تقول: "يلا بقى خدي علاجك وبلاش تهملي فيه."
حركت رأسها برفق، فنهضت مها وهي مبتسمة وذهبت كي تجلب لها دوائها. في منزل جعفر دلف جعفر المطبخ ورأى بيلا تعد الطعام، فأقترب منها وهو يقول: "ريحة الأكل فظيعة، أنا جوعت أكتر على فكرة." أبتسمت بيلا وقالت: "خلاص قربت أخلص." جلس جعفر على المقعد وهو يقول: "أتمنى تكوني مرتاحة." أجابته بهدوء وهي تقول: "الحمد لله، كل اللي يجيبه ربنا كويس." كان سيتحدث، ولكن أوقفه عدة طرقات متتالية على الباب ورنين متواصل. نظرت
بيلا له وهي تقول بقلق: "إيه ده؟ في إيه؟ نهض وهو يقول بجهل: "مش عارف." خرج، وخرجت ورائه. أقترب هو من الباب وفتحه، ووجد هناء تقف وتبكي بشدة. نظر لها وهو يقول بصدمة: "مالك يا خالتي؟ في إيه؟ أقتربت بيلا سريعاً ورأت حالة والدتها الصعبة هذه وقالت بصدمة: "ماما مالك؟ في إيه؟ أقتربت منها هناء واحتضنتها وهي تبكي أكثر، فمسحت بيلا على ظهرها وهي تحاول تهدئتها. بينما دلفت فايزة خلفها وهي تنظر لها بحزن شديد. بعد مرور الوقت
جعفر بصدمة: "يعني إيه الكلام ده يا خالتي؟ انتِ متأكدة؟ حركت رأسها برفق ودموعها تسقط على خديها بغزارة. فنظر لبيلا التي كانت شارده والدموع متحجرة في عينيها، فمسح على وجهه وهو لا يصدق ما سمعه ولا يعلم ماذا عليه أن يفعل، فهو في صدمة. لحظات من الصمت قطعتها بيلا وهي تقول بشرود: "اتطلقي يا ماما." نظر لها جعفر وكأنه لا يصدق ما تفوهت به. بينما توقفت هناء عن البكاء وأبتعدت عنها بهدوء وهي تنظر لها بهيئتها تلك. فنظرت
لها بيلا بدموع وهي تقول: "أيوه، اللي أنا قلته صح... اتطلقي منه." جعفر: "بس يا بيلا." قاطعته بيلا بأنفعال وهي تنظر له قائلة: "مفيش بس يا جعفر، الخيانة مفيهاش بس." نظر للأسفل مرة أخرى وصمت. بينما قالت بيلا: "يعني متجوز بقاله خمس شهور على ماما وهي متعرفش حاجة، وبيتعامل عادي جداً. ولما كان بيتأخر ويبات بره كان بيتحجج بالشغل، اللي أنا كنت بصدقه زي الهبلة... الخيانة يا جعفر مفيهاش معلش ولا افهميه...
أنا من رأيي تروحي وترفعي عليه قضية خلع." تحدث جعفر بحدة خفيفة وهو ينظر لها قائلاً: "لا يا بيلا وألف لا، تفكيرك غلط، انتِ كده بتتصرفي بطريقة غلط." بيلا بحدة: "على الأقل هيطلقها من غير شوشرة وعناد."
جعفر: "لا، المفروض تروح وتجس نبضه، تتأكد أكتر. لو اتلجلج في الكلام واتوتر هتفهم إن اللي اتقالها ده صح. تاخد التليفون بحجة إنها عايزة تكلم أختها، أي حاجة، وتفتش بنفسها. لو الكلام ده صح تواجهه وتطلب الطلاق مباشر. لو رفض هنتجه للطريق اللي بتقولي عليه، لكن نتيجه على طول للطريق ده أنا شايفه غلط." نظرت بيلا لوالدتها بدموع واحتضنتها وهي تربت على ذراعها بمواساة وهي تقول: "متزعليش، حقك عليا أنا."
بكت هناء أكثر، فشعر جعفر بأنه يجب أن يفعل شيئاً. لا يستطيع الجلوس هكذا وهو يرى هناء بهذه الحالة المحزنة. نهض وخرج للشرفة وتركهما. وضع الهاتف على أذنه قليلاً ثم قال: "ركز معايا كويس أوي في اللي هقوله." في الحارة كان سراج واقفاً وهو ينظر حوله، حتى أقترب منه منصف وهو يقول: "عرفت هنعمل إيه؟ سراج بهدوء: "عارف." منصف: "مش عايزين لخبطة يا سراج... لؤي زمانه خلص دلوقتي وجاي."
لحظات وأقترب لؤي وهو يقول: "أنا عملت اللي عليا، الدور عليكوا." نظر منصف لسراج الذي فهم نظرته وتحركا وتركا لؤي ينظر لهما. في منزل جعفر دلفيت بيلا إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها، وتقدمت من جعفر وهي تقول بهدوء: "نعم." نظر لها وقال: "خليكي جنبها ومتسبيهش لحظة واحدة، وأنا هتصرف." بيلا بتساؤل: "هتعمل إيه؟ جعفر: "هتصرف." بيلا: "أيوه هتتصرف إزاي يعني فهمني، متسبنيش كده." نظر لها وقال: "هتعرفي بعدين."
تركها وخرج، فخرجت هي خلفه وكان هو متجهاً لباب المنزل، ولكن أوقففته بيلا وهي تقول: "استنى، مش هتاكل." حرك رأسه نافياً وخرج. نظرت لأثره وهي لا تعلم لما انقلب كل شيء هكذا رأساً على عقب في ثانية واحدة. عادت لوالدتها مرة أخرى ورأتها مازالت تبكي بصمت، فقررت أن تكمل إعداد الطعام كي تجعلها تأكل، ولكي يأتي جعفر من الخارج أيضاً ويتناول طعامه. في الحارة أقترب سراج من فارس وهو يقول: "أزيك يا عم فارس."
نظر له فارس وهو يقول: "أزيك يا سراج." سراج: "الحمد لله... كنت محتاج منك طلب." فارس: "طبعاً قول." سراج: "بصراحة أنا رصيدي خلص وكنت محتاج أكلم أمي عشان أقولها إني هبات بره في الشغل عشان متقلقش عليا." أعطاه الهاتف وهو يقول: "طبعاً خد كلمها، ولما تخلص أنا في المحل عند عمك عبده ابقى هاتهولي." حرك سراج رأسه برفق وهو ينظر له ويرى يبتعد عنه. نظر لهاتفه وفتح الهاتف ودلف على الواتساب، ولكن يحتاج إلى الرقم السري.
زفر سراج بضيق وهو يقول: "هعرفه منين أنا دلوقتي."
كتب أسم بيلا ولكنه كان خاطئ، كتب أسم أكرم ولكنه كان خاطئ أيضاً. لم يعد لديه سوى أسم هناء الذي كان خاطئ أيضاً. زفر وهو ينظر حوله ولا يعلم ماذا عليه أن يفعل كي يفتح معه من جديد. رأى سميحة وهي تقف مع فارس وتضحك بمياعة كعادتها، فلا يعلم لما وجد نفسه يكتب أسمها. ولحسن حظه فتح معه، لم يصدق نفسه. حاول سريعاً إيجاد أي شيء وظل يبحث ويبحث حتى رأى صورتها، فدلف للمحادثة بينهما ونظر بها للحظات قبل أن يصدم وتتسع عيناه
بصدمة وهو يقول بعدم تصديق: "سميحة مرات فارس." في مكان آخر مهجور كان جعفر يدور حول نفسه بهدوء وهو يفكر ويحاول ربط الأحداث ببعضها البعض. سمع صوت هاتفه يعلنه عن اتصال من سراج فأجابه قائلاً: "إيه يا سراج... أنا في المكان بتاعنا اللي بنتقابل فيه دايماً، تعالي." أغلق معه مرة أخرى وهو ينظر أمامه بشرود ونظرة تحمل العديد والعديد خلفها ولا تنام على خير أبداً. بعد مرور الوقت
دلف سراج وأقترب من جعفر الذي ألتفت إليه ونظر له قائلاً: "عملت إيه؟ وقف سراج أمامه ومد يده بهاتفه وهو يقول: "شوف بنفسك." أخذه منه جعفر ونظر به وهو يرى المحادثة التي بينه وبين سميحة، التي ما إن رأى أسمها نظر لسراج وهو يقول بتعجب: "سميحة! سراج بهدوء: "متستغربش، كمل." أكمل جعفر وهو يقول: "أنا مش فاهم حاجة." سراج: "فارس متجوز سميحة في السر." نظر جعفر له وأتسعت عيناه بصدمة وهو يقول: "إزاي... انتِ متأكدة؟
حرك رأسه برفق وهو ينظر له، فقال جعفر بأنفعال: "إزاي سميحة متجوزة؟ سراج: "إنتِ متأكدة إنها متجوزة؟ صمت جعفر فجأة وتحولت معالم وجهه للدهشة وهو يقول: "قصدك إيه؟ مسح سراج على خصلاته وهو لا يعلم ماذا يقول. ونظر لجعفر الذي فهم نظرته ومسح على وجهه وهو يقول بصدمة: "أنا مش مصدق، لو اللي في دماغي صح تبقى كارثة كبيرة." سراج: "الكارثة دلوقتي أنه متجوزها في السر من غير ما حد يعرف." شرد جعفر وهو ينظر للجهة الأخرى،
بينما قال سراج: "بتفكر في إيه؟ العاشرة والنصف مساءً في منزل جعفر تحدثت هناء وهي تنظر لبيلا بهدوء قائلة: "جعفر مرجعش لحد دلوقتي ليه يا بيلا؟ اتطمني على جوزك." نظرت لها بيلا بهدوء، ثم مدت يدها وأخذت هاتفها ونهضت بهدوء وخرجت للشرفة وهي تضع الهاتف على أذنها للحظات قبل أن تسمع صوته يجيبها. فتحدثت قائلة بصوت هادئ: "انتِ فين؟ اتأخرت أوي." أجابها قائلاً: "جاي دلوقتي." بيلا: "ماشي."
أغلقت معه وهي تنظر أمامها بهدوء بعدما شعرت بنبرة صوته التي تخفي خلفها الكثير والكثير. خرجت لوالدتها التي نظرت لها وقالت: "إيه رد عليكي؟ حركت رأسها برفق وهي تقول: "آه، هو قالي إنه جاي دلوقتي." حركت رأسها بتفهم وقالت: "يرجع بالسلامة." سمعت فايزة صوت رنين هاتفها، أخرجته من الحقيبة وهي تنظر لشاشة الهاتف التي كانت تضيء بأسم بسام، فأجابته بهدوء وقالت: "إيه يا بسام... أنا عند بيلا أنا وخالتك...
لا مفيش حاجة، كله زي الفل، متخافش، كنا بس بنزورها والوقت سرقنا... انتِ روحت ولا لسه... طيب يا حبيبي خلي بالك من نفسك... مع السلامة." أغلقت معه ونظرت لبيلا وهناء وقالت بأبتسامة: "بسام بيسلم عليكوا." هناء بتساؤل: "هو روح ولا إيه؟ فايزة: "آه، ملقاش حد فينا فقلق، قالي إنه جاي ياخدنا." نظرت بيلا لهناء بهدوء وقالت: "ماما... روحي مع خالتو، وأنا هشوف جعفر لما يرجع عمل إيه."
أخفضت هناء رأسها بحزن، بينما هي وقفت بجانبها وربتت على كتفيها بحنان ومواساة. في الصعيد عزيزة: "يا مريم جولتلها يا عبد المعز." عبد المعز بضيق: "كان لازم تعرف يا عزيزة إني مش هسيبها أكده وإني عارف وساكت أكده، أنا غلط." عزيزة بقلق: "وبعدين حوصل إيه؟ عبد المعز بجهل: "معرفش يا عزيزة، من وجتها وهي قافلة تليفونها وبيلا مبتردش." عزيزة بحزن: "كان مستخبيلك فين كل دا بس يا هناء؟
عبد المعز بجدية: "لازم أتصرف، إني مهسيبهاش أكده مهما حصل. دي مهما كان خيتى، لازم أقف جارها." عزيزة: "ربنا يسترها وتعدي على خير، بالذات بعد اللي حصل آخر مرة." دلف صلاح من الخارج وهو يقول: "سلام عليكوا." رد كل منهما السلام، بينما نظر لهما صلاح وهو يقول: "في إيه يا بوي؟ عزيزة: "شفت اللي حصل يا صلاح." شعر صلاح بالقلق فقال: "خير، حد جرب من الأرض ولا إيه؟ قصت عليه عزيزة ما حدث تحت صدمته وعدم تصديقه.
نظر لوالده وهو يقول: "حوصل ميته الكلام ده يا بوي؟ عبد المعز: "من وقت قريب أكده." صلاح بعدم رضا وضيق: "وه يعني عارف حاجة زي كده يا بوي وساكت ليه؟ عبد المعز: "جواز بيلا واللي حصل معاها خلاني مجدرش أقولها حاجة زي كده يا صلاح، عمتك تروح فيها." مسح صلاح على وجهه، بينما سمع والدته تقول: "تاكل يا ولدي." نظر لها وقال: "ياريت ياما، إني جعان جوي على لحم بطني من الصبح." نهضت عزيزة وهي تذهب للمطبخ قائلة: "من عينيا يا ضنايا."
جلس صلاح أمام والده الذي نظر له وقال: "جول يا صلاح، أخبار الأرض إيه؟ نظر له صلاح وقال: "متجلجش يا بوي، كل حاجة زينة وواد الهواري مجربش منيها واصل." عبد المعز بأطمئنان: "زين... عاوزك تاخد بالك زين يا ولدي، هو وعياله مش ساهلين." أبتسم صلاح وقال: "متجلجش يا بوي، الأرض في إيد أمينة." أبتسم عبد المعز وهو يقول: "وأني واثق فيك." في منزل صغير يطل على الأراضي الزراعية في القرى الفقيرة
كانت أزهار جالسة على الأريكة البسيطة وتضع يدها اليسرى على رأسها، وبجانبها النافذة مفتوحة وصوت صرصور الحقل هو الذي يسمع. أقتربت منها ميادة وجلست أمامها على الأريكة وهي تقول: "مالك يا حزينة؟ حاطة يدك على راسك كيف اللي شايلة همها وهم الدنيا على راسها أكده." تحدثت أزهار بهدوء وقالت: "سيبيني في حالي يا ميادة، أبوس يدك، إني منقصه." ميادة: "مالك يا بت؟ في إيه؟ نظرت لها وقالت: "مفيش... مخنوجه كالعاده، إيه الجديد؟
ميادة: يا بت فكي شوية، انتِ من ساعة ما جيتي، بقى لك أسبوعين وأكثر وأنتِ أكده. لم تتحدث أزهار، فقالت ميادة: طب جوليلي، حوصل إيه؟ أنتِ ساكتة من ساعتها وأني سيباكي براحتك. ألمعت عينا أزهار وهي تقول: وحشني أبويا يا ميادة، جيت أشوفه.
زفرت ميادة وقالت: بصي يا أزهار، أني عارفة زين إنك معوزاش تتكلمي، لأن دي حياتك أنتِ وجوزك، ومينفعش حد يتدخل. بس يا بت، الناس لازم تعرفي إن كيف ما في حاجات بنعديها، في حاجات مينفعش نعديها واصل. وأنتِ الوحيدة اللي لازم تبجي عارفة إذا كانت ينفع تعديها ولا لأ. سقطت دموع أزهار بحزن، ومن ثم بدأت تبكي. فنظرت لها ميادة وهي تقول بحزن: طب وبعدين يا أزهار؟ هتفضلي أكده. أبوكي قلقان عليكِ، وجالي خش شوفيها، جايز تحكيلك. تحدثت أزهار
وهي تبكي بقلة حيلة قائلة: أني تعبت جوي يا ميادة، ومبقتش قادرة أتحمل. ربتت ميادة على يدها وهي تقول بتهدئة: استهدي بالله أكده، وجوليلي حوصل إيه. هو صلاح مزعلك للدرجادي؟ أزهار ببكاء: جوي يا ميادة. ضمتها ميادة لأحضانها وهي تربت على ظهرها بحنان ومواساه وهي تقول: أهدي طيب، وكل حاجة هتتصلح، صدقيني... أهدي. في منزل جعفر. عدة طرقات على الباب، يليها رنين الجرس. ذهبت بيلا وفتحت الباب ورأت بسام أمامها، والذي
نظر لها وقال بابتسامة: أزيك يا بيلا؟ ابتسمت بيلا وقالت: الحمد لله، اتفضل. دلف بسام واتجه لوالدته. وأغلقت بيلا الباب وذهبت خلفه، ولكنها توقفت بعدما سارت خطوتين وعادت للباب مرة أخرى، والذي دق من جديد. فتحته وكان جعفر أمامه. ابتسمت بخفة وقالت: حمدلله على السلامة. دلف جعفر وهو ينظر لبسام قائلاً بهدوء: الله يسلمك. أغلقت بيلا الباب وتقدمت منه وهي تقول: مالك وقفت ليه؟ نظر لبسام، وفهمت نظرته،
فقالت بخفوت: دا بسام ابن خالتي فايزة، اللي قاعدة دي. حرك رأسه بتفهم ودلف، وهي خلفه. واقترب منهم وهو يقول: مساء الخير. نظرت لهناء وقالت بابتسامة خفيفة: مساء النور، حمدلله على السلامة. ابتسم جعفر بخفة وقال: الله يسلمك. نظر لبسام الذي كان يقف بجانب والدته. فحمحمت بيلا وقالت: جعفر، دا بسام ابن خالتي فايزة، ودا جعفر جوزي يا بسام. حرك بسام رأسه برفق، ومد يده له وهو يقول بهدوء: اتشرفت بمعرفتك.
نظر جعفر ليده الممدودة للحظات، ثم مد يده وحرك رأسه برفق. وقال بعدها وهو ينظر لهم: عن إذنكم. تركهم ودلف للغرفة وأغلق الباب خلفه. بينما نظروا هم لأثره بتعجب. ثم نظرت هناء لبيلا وهي تقول بخفوت: جوزك ماله؟ حركت كتفيها بجهل، وشعرت بنظرات بسام. فأعادت خصلة خلف أذنها وقالت بهدوء: عن إذنكم.
تركتهم وذهبت للغرفة وأغلقت الباب خلفها تحت نظرات بسام التي كانت تتابعه. اقتربت بيلا منه وجلست أمامه على الفراش، وهو كان شارد الذهن. مدت يدها ووضعتها على يده، جعلته يستفيق على لمسة يدها. نظر لها وقالت هي بتساؤل: مالك؟ في إيه؟ حرك رأسه برفق وهو يقول: مفيش حاجة. بيلا بتعجب: يعني إيه مفيش حاجة؟ عاوز تقنعني أنا بالكلام ده؟ زفر جعفر وقال: خالتي أخبارها إيه دلوقتي؟ فهمت بأنه يتهرب منها، فقالت: الحمد لله، شوية كدا وشوية كدا.
حرك رأسه برفق. فقالت بيلا بعدما نظرت له قليلاً: جعفر، مالك بجد؟ أنا أول مرة أشوفك كدا. نظر لها قليلاً ثم قال بضيق: أنا جعان وعايز أرتاح، ممكن؟ نظرت له قليلاً ثم قالت بهدوء: حاضر يا جعفر. تركته وخرجت تحت نظراته التي تتابعه. نظرت لها هناء وقالت: كويس إنك جيتي، أنا همشي أنا وخالتك بقى. حركت رأسها برفق وقالت: هبقى أطمن عليكِ كمان شوية، خدي بالك من نفسك. حركت رأسها برفق وهي تنظر لها بابتسامة.
بينما قالت فايزة: هو جوزك ماله يا بيلا؟ هو مدايق من وجودنا؟ نفت سريعاً وهي تنظر لها قائلة: لا خالص يا خالته، هو بس جاي تعبان ومش قادر طول اليوم برا. حركت رأسها بتفهم وقالت: سلامته يا حبيبتي.
توجهوا للباب وخرجوا بعدما ودعتهم بابتسامة وأغلقت الباب خلفهم. دلفت للمطبخ وبدأت بتسخين الطعام لجعفر، والعديد من الأسئلة تدور برأسها، تبحث عن إجابة مقنعة، ولكنها لا تستطيع التوصل لإجابة. دلف للمطبخ وجلس بهدوء على المقعد بعدما بدل ملابسه، وهو يستند بمرفقه الأيمن على الطاولة وبيده على رأسه. بينما هي نظرت له وحركت رأسها بقله حيلة وعادت تنظر للطعام مرة أخرى. حتى انتهت ووضعت الصحون على الطاولة أمامه وكوب ماء، وجلست أمامه وهي تضع يدها اليمنى على خدها الأيمن وتنظر له بهدوء. بينما بدأ يتناول
الطعام بهدوء وهو يقول: مش هتاكلي؟ نظرت له وقالت: كلت خفيف، خالتي كانت قاعدة وأنا كنت محرجة، وكمان ماما كانت بتعيط كل ما تفتكر. أزاح الصحون نحوها وهو يقول: كُلي معايا عشان مبحبش أكل لوحدي. حركت رأسها برفق وبدأت بتناول الطعام معه بهدوء وهي صامتة، لا تود أن تضغط عليه، ستتركه حتى يتحدث من تلقاء نفسه. بعد مرور يومان. دَلفت بيلا الغرفة وهي ترى جعفر يرتدي قميصه وقالت: مش هتفطر؟
تحدث وهو يغلق أزرار قميصه قائلاً: لا، افطري انتِ. بيلا: في إيه يا جعفر؟ متغير بقالك يومين ومبتتكلمش معايا. تحدث جعفر وهو مازال يوليها ظهره قائلاً: مفيش. عقدت يديها أمام صدرها وقالت بعدم رضا: والله انت شايف إن مفيش حاجة. زفر جعفر بنفاذ صبر وهو يأخذ أغراضه ويخرج من الغرفة تحت نظراتها التي كانت تتابعه، قائلة: طب هتتأخر النهارده؟ تحدث وهو يخرج من المنزل قائلاً: لا.
أغلق الباب خلفه، تاركاً إياها تنظر لأثره بهدوء. أعادت خصلاتها للخلف وهي لا تعلم ما حل به وماذا يخفي عنها. سمعت صوت رنين هاتفها يعلنها عن اتصال من هنا. اقتربت من الطاولة وماتت بجزعها وأخذت الهاتف وأجابتها قائلة: أيوه يا هنا. هنا: فاضية أجى أقعد معاكي شوية ولا جوزك موجود؟ بيلا بهدوء: لا مش موجود، لسه نازل، تعالي. هنا: ماشي، ساعة بالكتير وأكون عندك. بيلا: ماشي.
أغلقت معها وعقدت يديها أمام صدرها بهدوء وهي تفكر ماذا ستفعل حتى تصل هنا. في مكان آخر. اقترب سراج منه وهو يقول: قالب وشك كدا ليه يا جعفر؟ جلس على المقعد بجانبه، بينما كان جعفر ينظر أمامه بهدوء. فتحدث سراج وقال: بقولك إيه، أنا على أخرى، قسماً بالله، تكه كمان وهخلص على فتحي. جعفر: بقولك إيه... أنا عايز أنتقم. نظر له سراج وهو يعتدل بجلسته ويقول: إيه دا؟ من مين وليه؟ جعفر: عايز أصفّي حسابي مع عصفورة.
سراج: يادي النيلة، هو لسه بيهوش عليك؟ ثنى جعفر يد القميص الخاص به، وهو يكشف عن تلك الندبة التي سببها له عصفورة وتركت أثر على ذراعه، قائلاً بعدما احتلت عيناه: هصفّي حسابي معاه من الأول... للآخر... وأعرفه إزاي يهدد جعفر. سراج: أفهم من كدا إننا المفروض نجبهولك على المكان بتاعنا اللي بنتقابل فيه؟ جعفر بابتسامة ونظرة لا تنم على خير: ومين قال إنكم هتجيبوه؟ أنا اللي هطلع الطلعة دي. في مكان آخر.
_يا معلم عصفورة، وبعدين يا معلم؟ بقالنا كتير حالنا واقف كدا، ما تتصرف يا معلم. نفخ الهواء من رئتيه وهو يمسك سيجارته ويضع قدم فوق أخرى وقال بابتسامة حتى ظهرت أسنانه الصفراء البشعة: ومين قالك إني مبتصرفش؟ نظر له وهو يقول: اتقل تاخد حاجة حلوة ونضيفة. _في حاجة معينة في دماغك يا معلم ولا بتسكتني؟ ضحك عصفورة وهو يقول: لا عيب عليك، فيه واحدة في دماغي، متقلقش. وعشان تعرف إن أنا مبكدبش عليك، هثبتلك.
أخذ هاتفه وكتب عدة أرقام، ثم وضع الهاتف على أذنه قليلاً وهو ينتظر حتى أجابه، قائلاً بابتسامة واسعة: حبيبي قلبي، وحشتني. أعتدل جعفر بجلسته واحتلت عيناه وهو يزمجر قائلاً: وحش ما يلهفك ويريحنا منك. ضحك بملء فاهه وهو يضع قدم فوق أخرى ويقول: ليه كدا بس؟ دا أنا حتى حبيبك، ترضاها عليا؟ جعفر بغضب مكتوم: وعلى عيلتك كلها. عصفورة بابتسامة: مش مهم، مش موضوعنا، خلينا في الأهم... سمعت إنك اتجوزت... ومش أي واحدة... واحدة جامدة.
صرخ جعفر ونهض كالإعصار وهو يقول: اخرس ومتجبش سيرتها على لسانك الزفر ده عشان مقطعهوش. ضحك عصفورة وهو يقول: إيه يا مان؟ مالك دمك حمى فجأة كدا ليه؟ براحة مش كدا. تحدث جعفر بصوت خشن واحتلت عيناه أكثر وهو يصق على أسنانه قائلاً: وربي وما أعبد، لو ذكرتها تاني، عندي استعداد أدَفنك حي، وانت عارفني كويس... أظن مش محتاج أفكرك بعلامتي اللي معلمة في وشك. ضحك عصفورة وقال: وأنا مش محتاج أفكرك يا مان بعلامتي اللي معلمة على دراعك.
نظر عصفورة للرجل الخاص به بابتسامة، وفهم الآخر مراده وأبتسم هو الآخر بشر. فتحدث عصفورة وهو يقول: حبيت أصبح عليك بطريقتي... وخلي بالك من ممتلكاتك... لحسن تضيع. أغلق دون أن يعطيه فرصة للرد. وضحك هو والرجل الخاص به بعدما فهم ما يخطط إليه رئيسه. بينما على الجهة الأخرى، أنزل جعفر الهاتف وهو ينظر أمامه بهدوء بعدما فهم معنى حديثه. اقترب منه سراج وهو يقول: في إيه يا جعفر؟ مين كان بيكلمك؟
نظر له جعفر نظرة حادة يغلفه هالة من الهدوء، وهذا ما يسمونه بـ "الهدوء ما قبل العاصفة". في منزل الحاج حسني. كانت أزهار تنظف المنزل الصغير البسيط وحدها بعدما خرج الحاج حسني وميادة منذ ساعة. استقامت بوقفتها وهي متعبة وتمسح على جبينها وهي تنظر حولها. كانت النافذة مفتوحة على مصراعيها والباب مغلق. رأت صباح تقف تنظر لها من النافذة وهي تضع صينية كبيرة على رأسها وتقول بابتسامة: صباح الورد عليك يا جميل. نظرت
لها أزهار وقالت بابتسامة: صباح الفل... جاية منين أكده؟ صباح: كنت بجيب عيش، ما أنتِ عارفة، عقبال ما بجيبه يكون الظهر أذن. ويادوبك جبته وجبت فطار، وعديت على البت سمر، جبت منها حزمتين جرجير. أه صحيح يا بت يا أزهار، جبت من الواد اللي بجولك عليه اتنين كيلو لبن. أزهار: بجدي يا بت؟ هو فين طيب؟
صباح: هتلاقيه جاي على هنا، متجلجيش، بيعدي على كله. خدي لك اتنين كيلو، دا لبن جاموسي حلو جوي، ومعاه سمنة بلدي زينة، جربيها في الوكل وهتدعيلي. أزهار بابتسامة: عنيا. صباح: هلحق أروح بجى عشان أشوف حالي وأبجي تعالي. ذهبت وهي تقول جملتها الأخيرة. فأبتسمت أزهار وقالت بصوت عالٍ قليلاً: عنيا يا بت سيد.
دَلفت للمطبخ البسيط للغايه وأخذت الملوخية وخرجت. وضعت الطاولة الخشبية المستديرة وجلست على الأرض ووضعت الملوخية وبدأت بتقطيفها كي تقوم بطبخها على العشاء وهي تشاهد التلفاز. في منزل عبد المعز. _بت يا بهيرة، تعالي شوفي أبوكي عاوز إيه. جاءت بهيرة وهي تقول: أيوه يا بوي. عبد المعز: اعمليلي كوباية قهوة يا بهيرة. بهيرة: حاضر. ذهبت بهيرة وخرج عبد المعز وهو يجلس بالخارج كعادته وهو يفكر في أمر شقيقته. في منزل جعفر.
كانت هنا وبيلا تتحدثان مع بعضهما. هنا: مش عارفة بجد، بس تعرفي، هو جدع أوي وحاسة إن مش دي الشخصية الحقيقية بتاعته. بيلا بعدم اقتناع: يا سلام. هنا: اه والله، وبكرة تقولي هنا قالت... المهم مش انت بتقولي إنه مدايق وانت مش عارفه من إيه وبيتعامل معاكي بطريقة غريبة. حركت بيلا رأسها برفق فقالت هي بحماس: أنا هقولك تعملي إيه. في منزل جعفر بالحارة. عدة طرقات متتالية على الباب. ذهبت مها وقالت: مين؟
فتحت الباب ورأت جعفر أمامها. ظهرت ابتسامة واسعة على ثغرها وهي تقول بسعادة: جعفر. احتضنته بسعادة وبادلها هو عناقها بابتسامة. نظرت له بابتسامة وقالت: ادخل، إيه المفاجأة الحلوة دي؟ دلف جعفر وأغلقت الباب خلفها. نظر هو لها وقال بصوت خافت: أمك فين؟ مها: في أوضتها. في غرفة جميلة. دلفت مها لجميلة التي قالت بتساؤل: مين اللي بيخبط يا مها؟ دلف جعفر وهو يقول بابتسامة: أنا.
نظرت له جميلة وهي مصدومة. أقترب هو منها وجلس أمامها على الفراش. سقطت دموعها وهي تنظر له واحتضنها هو وهو يربت على ظهرها بحنان. قالت هي بدموع: كنت فين يا جعفر كل ده؟ معقولة هونت عليك عشان تسيبني وتمشي كده؟ ربت على ظهرها وهو يقول: حقك عليا يا حبيبتي. أبتعد عنها ومسح دموعها بأطراف أصابعه بحنان. قالت هي بدموع: حمدلله على سلامتك يا حبيبي. مها بابتسامة: شوفتي بقى حب يعملهالك مفاجأة وجه؟ جميلة بابتسامة: أحلى مفاجأة والله.
نظر جعفر لمها وهو يقول: يلا يا بت انتي روحي اعمليلي كوباية شاي. نظرت له مها وقالت: طب مش عاملة حاجة. نظر لوالدته وهو يقول: يلا يا مها عشان مقوملكيش. شعرت مها بالضيق، فضربته بكتفه وركضت للخارج مسرعة. نظر لأثرها وهو يقول بضيق: ولما بقوملها بتزعل. ضحكت جميلة بخفة وقالت: سيبك منها وقولي كنت فين كل ده، وإيه اللي حصل؟ زفر جعفر وهو ينظر للأسفل بهدوء وهو لا يعلم ماذا يقول لها. قالت هي: إيه يا جعفر، في إيه؟
نظر لها جعفر وهو يقول: مفيش حاجة. نظرت ليده ورأت خاتم الزواج. تزامنًا مع استرداد حديثه قائلًا بهدوء: أنا اتجوزت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!