قالوا: أين مسكنها ومن هي؟ قلت: مسكنها السماء. قالوا: من رأيت أحب شمساً؟ قلت: عليّ قد نزل القضاء. إذا عقد القضاء عليّ أمراً، فليس يحلّه إلا القضاء. قيل لي في إحدى المرات وما زال تعوّضه حلاوة الأيام. فنظرت إليه قليلاً وأنا أتساءل: أهذا كان محباً في إحدى الأيام، أم أنه لا يعرف شيئاً عن ما يسمى الحب؟ فقمت بالنظر بعيداً وتركته يهذي بكلمات حمقاء مثله. وشردت أنا أستعيد ذكرياتي السعيدة رفقة من طالبها قلبي وكان لها خير رفيق.
"والشاكي لشاكيه ممتلئ بالندوب السوداء." طرفين عاشا ليلة مؤلمة، فيها تذوقت مرارة الحب قبل أن أنال حلاوته. كل واحد منهم يعيش نفس الألم النفسي، فقد فشلا في امتلاك حبيب يكون لهما خير رفيق. كانا يتلهفان كي يجربان حلاوته، ولم يكونا على علم بأنهما سيتذوقان مره.
كان "جاد" يجلس داخل غرفته مغلقاً الباب بالمفتاح، بعد أن لم يترك فرصة واحدة لأي فرد من أفراد عائلته للاطمئنان عليه. محملًا بالهموم وكأنه ابن الخمسين وليس العشرين في مرحلة الشباب والحيوية مثلما يقول البعض. فاليوم يعلن فشله حتمًا حينما لم يستطع الحصول على الفتاة التي أحبها ووجد نفسه، وبنى أحلامه ومستقبله وحياته بالكامل معها. كلما تذكر الأضواء المعلقة وأصوات الزغاريد العالية التي حتى الآن ترن في أذنيه، يشعر بأنه سيجن بالتأكيد لا محالة.
مسح بكفيه على وجهه محاولاً تناسي الأمر، ولكنه القلب لا يستطيع أن ينسى حتى وإن تناسى العقل. زفر بعمق وهو يشعر أنه سيفقد عقله. فالفتاة الوحيدة التي رأى بها مواصفاته التي كان يبحث عنها ورأى نفسه معها، تؤخذ منه الآن وهو يقف عاجزًا لا يعلم ماذا عليه أن يفعل. تعالت الطرقات على باب غرفته بشكل عالٍ، يليها صوت والدته التي قالت بنبرة هادئة: "جاد، أنت لسه صاحي يا حبيبي؟
عايزة أتطمن عليك، رجعت متأخر وطلعت على أوضتك على طول ومقولتش حاجة." أستمع إلى نبرة صوتها التي لم يخف بها بهجة الخوف عليه. ولذلك حاول تماسك نفسه، ونهض متجهًا نحو الباب يفتحه بهدوء. ليراها تقف وبيدها صينية معدنية يعتليها بعض الصحون الزجاجية المليئة بالطعام الشتوي الساخن. إن تغير الكوكب لن تتغير "وجيدة"، وستظل تخشى عليه وكأنه طفل صغير. لجت بعدما ابتعد عن طريقها لتضع الصينية على الطاولة قائلة:
"أكيد جاي على لحم بطنك وجعان، قولت أجهزلك العشا عشان تاكل وترتاح. رغم إني حاسة إنك مش مرتاح وفيك حاجة من ساعة ما جيت من بره... مالك يا حبيبي؟ أنت كنت عند "يوسف"، المفروض ترجع مبسوط عشان أنا عارفة إنك بتحبه وبتحب تروح تقعد معاه هناك في الحارة. بس المرة دي شايفة راجع زعلان أوي ومضايق كأن حد قالك حاجة أو عمل حاجة ضيقتك، مش كده برضوا؟
أنهت حديثها متسائلة وهي تنظر إليه، ترى تهرّبه منها ومحاولة الاحتفاظ بوجهه الجامد. فالأمر الذي كان سيبدأ الكفاح فيه، انتهى قبل أن يبدأ. ابتلع غصته وقال بنبرة جامدة محتفظًا بثباته: "ماما، مفيش أي حاجة، أنا كويس." "كداب يا جاد، كداب وكدبك باين في عينيك اللي فضحتك ومبينة حزن الدنيا كله فيها. عينيك بيقولوا عكس ما أنت بتقول. احكيلي، مش أنا حبيبتك وبير أسرارك؟ مش عايز تحكيلي ليه؟ مش يمكن تلاقي الحل عندي وترتاح؟
اتكلم، متبقاش واجع قلبي أنت ومحمود. أنا مبقدرش أشوف حد فيكم زعلان. تعالى يلا اقعد، سمي الله وابدأ كل يا حبيبي واحكيلي زعلان من إيه." أنهت حديثها وهي تجذبه معها برفق، تحسه على الجلوس. ليخضع هو إليها دون أن يعترض. لترافقه هي حينما جلست بجانبه تنظر له قائلة: "يلا، أنا سامعاك حتى لو هتقول كلام عشوائي مش مرتب، هسمعك. المهم تخرج الكركبة اللي جواك وتعيد ترتيبها من أول وجديد."
دام الصمت في المكان قليلاً بعد حديثها، هي تنتظر الاستماع إليه، وهو يفكر كيف يبدأ الحديث معها وإخبارها بما يؤلم قلبه ولا يترك عقله لحظة واحدة. لحظات مرت عليهما، قطعها "جاد" الذي تحدث بنبرته الرجولية دون أن ينظر إليها قائلاً: "فاكرة لم جمعتك أنت وبابا ومؤمن عشان أقولكم على القرار اللي خدته؟
"أيوه، وساعتها قولتلنا استنوا يومين وهتعرفوا. واليومين خلصوا وأنت متكلمتش فحاجة ولا لمحت بحاجة تفهمنا أنت ناوي على إيه من غير ما تقولنا." نظرت إليه بعدما أنهت حديثها الهادئ، ليأتيها الرد منه حينما أكمل بنفس النبرة قائلاً:
"خدت قرار إني أخطب. لقيت البنت اللي كنت بدور عليها. بس للأسف بعد ما لقيتها، في حد سبقني وراح يطلبها. كنت رايح النهاردة عشان أتكلم مع "يوسف" وأقوله عشان يفيدني، لأنه أكتر واحد عارفها. بس لقيت نور متعـ ـلق وصوت زغاريد جاي من عندهم. وقتها شفت "منصف" وقالي إن هي جالها عريس وقاعدين قعدة تعارف واحتمال كبير الموضوع يمشي لأن العريس ميعيبهوش حاجة. وقتها أنا مسمعتش أي حاجة تاني بعدها وخدت بعضي ومشيت من غير ما "يوسف" يعرف حتى."
تفاجأت "وجيدة" كثيرًا بحديثه، مما جعلها تنظر إليه مصدومة لا تصدق ما تسمعه. لم يرفع عينيه من على أرضية الغرفة، فهو الآن في أقصى مراحل ضعفه بعدما أفصح لها عن الحقيقة دون أن يخبيء شيئًا عنها. فهو لم يعتاد على ذلك. أما عنها، فقد كانت مندهشة وحزينة في نفس الوقت لأجله. نظرت إليه وقالت متسائلة: "البنت دي تبقى مين وشوفتها فين؟
"تبقى أخت مرات "يوسف" التوأم. كل ما بروح بتكون هناك، ومع الوقت لقيتني حبيتها. بس بعد اللي حصل النهاردة اكتشفت إن الحب طعمه مر أوي، مش زي ما كنت أعرف عنه. بيتذوق فشكله الحلو في الأول يشد البني آدم ويوريه حلاوة الدنيا وقد إيه هو أحلى حاجة في الدنيا. بعدين يقلب وشه ويوري الواحد مرارته ويظهر على وشه الحقيقي. أنا سمعت النهاردة صوت قلبي وهو بيتكسر 100 حتة يا ماما وفضلت عاجز مش عارف أخد قرار."
آلمها قلبها كثيرًا وهي تستمع إلى حديثه المؤلم ذاك، ترى ضعف ولدها وحزنه وانكساره لأول مرة. جذبته إلى أحضانها، ضامته ممسدة على خصلاّته وظهره صعودًا ونزولًا برفق، تقوم بمواساته بعد أن تجمّع الدمع في مقلتيها. شدّت من عناقها إليه وقالت بنبرة حزينة تواسيه:
"مش من نصيبك يا جاد. مش نصيبك يا حبيبي، لو كانت ليك كانت جتلك على طول. متزعلش، خير ربنا على طول بيجبلنا الخير. أرضى وقول الحمد لله وأدعي لها ربنا يسعدها ويعوضك ويرزقك ببنت الحلال بحق لا إله إلا الله يا جاد يا ابن وجيدة، أنت ومحمود ابن زينات. هوّن على نفسك يا حبيبي وأنسى. وطالما هو كويس، هي أكيد مش هترفضه. مفيش واحدة عاقلة هترفض واحد كويس ومليان مميزات."
"بس عادي، مترفضش عشان اللي بيحبها وعايزها. أنا بحبها ومش قادر بجد أبعد ولا أنساها. كل ما بروح مكان بشوفها، حتى وأنا نايم بشوفها. أنا مش عايز غيرها هي. أنا لقيت نفسي معاها ومش قابل بغيرها وحاسس إن جوايا نار مش عارف أطفيها."
هكذا ردّ عليها "جاد" وقلبه يحترق لأجل حبيبه الضال ولم يعد يجده بعد أن كان أمامه على مدار اليوم. وكأنه كالخيل الحر الذي يركض في ساحة الميدان المحترقة هربًا من مصير محتوم ينتظره، مصير الموت حرقاً. شدّ من عناقه إلى والدته وكأنه يود نقل جميع آلامه وأوجاعه لها، أو ينتظر تضميد جراحه الغائرة.
مسّدت هي على خصلاّته بحنو، ثم لثمت رأسه قبلة حنونة دون أن تتحدث، ولكن قلبها يؤلمها على ولدها فلذة كبدها الذي لأول مرة تختفي بسمته المرحة منذ أن كان طفلاً صغيرًا ويحل محلها الحزن والألم. أما عن "مؤمن"، فقد كان يقف على أعتاب الغرفة يسمع حديثهما سويًا مندهشًا. شرد قليلاً بينه وبين نفسه ليقول بنبرة هادئة متسائلة: "جاد أخويا بيحب أخت مرات يوسف؟ يعني يوسف لسه ميعرفش الليلة دي، معقولة؟
ابتعد عن غرفة أخيه وهو يعبث في هاتفه ليبدأ بمهاتفة ابن عمه الذي ينتظر مكالمة منه الآن للاطمئنان على هذا الفتى الذي جعل القلق يساور قلبه منذ أن ذهب حتى هذه اللحظة. لحظات واستمع إلى صوت ابن عمه الذي قال بنبرة رجولية متسائلة: "وصل ولا لسه؟ "وصل بقاله شوية." هكذا أجابه "مؤمن" بنبرة هادئة ليأتي قول ابن عمه عبر الهاتف حينما قال متسائلاً: "وإيه الأخبار، كويس ولا؟ ابتلع "مؤمن" غصته بتُقل وأجابه بنبرة هادئة قائلاً:
"لأ مش كويس خالص. لأول مرة أشوف جاد أخويا مكسور أوي كدا من سنين. قاعد يتكلم مع ماما جوه وعرفت إنه اتصدم من العريس اللي جه لأخت مراتك النهاردة، تقريبًا كان مخطط يرتبط كلام مع أخواتها. من الآخر أخويا بيحبها، بس العريس اللي جه دا سبقه. أيًا كان، لو ربنا هيكملها على خير وتتخطبله، أتمنى متقولش لـ جاد أي حاجة لأنه مضايق جدًا وماما مش عارفة تسيطر عليه."
ابتسم "يوسف" على الجهة المقابلة بعدما استمع إليه، ليدوم الصمت بينهما لحظات، ثم قطعه حينما قال بنبرة هادئة: "اطمن، الموضوع مش هيتم. بس ياريت متعرفش جاد حاجة دلوقتي. أنا هقوله بطريقة تانية لمّا ييجي المرة الجاية. أكرم ونادر مش مرتاحينله وفيه عرق الخيانة، فهيستنوا الأسبوع دا ويردوا عليهم بالرفض. بس أهم حاجة جاد لازم يعرف أي حاجة دلوقتي مهما حصل يا مؤمن، سامعني؟ وخليه يفتح تليفونه عشان أكلمه."
"حاضر يا چُو، زي ما تحب. بس بالله عليك متطولش عليه، أنا قلبي موجوع عليه ومش قادر أشوفه بالحالة دي." أتاه قول "يوسف" حينما قال بنبرة هادئة: "متقلقش، أنا عارف هعمل إيه كويس. كدا كدا لاحظت في القعدة على "كايلًا" إنها مش قابلة العريس وقعدة غصب. أديني وقت بس أظبطها وأشوف "كايلًا" هتقول إيه لـ "بيلا". مسافة ما أتأكد هكلم جاد أجيبه هنا، واللي فيه الخير يقدمه ربنا إن شاء الله." "تمام يا چُو، وأنا واثق فيك."
أنهى مكالمته مع ابن عمه، زافرًا بعمق. التفت ينظر إلى غرفة أخيه قليلاً، ليذهب إلى غرفته مقررًا المجيء في الصباح الباكر للاطمئنان عليه، حتى لا يضغط عليه الآن ويزيد الطين بلة. "وغريب الأمس بدأ يكون حبيبًا اليوم."
كانت في الأمس غريبة عليه، والفتاة المسببة إليه كووارث عديدة سواء في حياته العملية والشخصية معًا. يجلس على فراشه يفكر بها وبزيارتها لهم في الغد بعدما اعتذرت لهم في المرة السابقة على عدم المجيء لأسباب شخصية. أخذ هاتفه يعبث به قليلاً ليولج على صفحتها الشخصية على التطبيق الشهير "فيسبوك"، حيث يعتبره بيته الثاني. صفحتها مليئة بأبيات شعرية وورود ملونة وصور لأماكن أثرية قديمة تتمتع بالطراز الإسلامي القديم.
بدأ يتصفحها كما اعتاد دون سبب معلوم. فمؤخرًا بدأ ينجذب لها بعدما رأى تغيرها فعليًا على أرض الواقع نصب عينيه. أصبحت تشغل حيز تفكيره ولا تتركه سواء في واقعه أو منامه. توقف فجأة أمام إحدى منشوراتها التي قد قامت بنشرها مؤخرًا يقرأها بعينيه، ليبتسم بهدوء حينما أنهى قراءتها. لينسى نفسه ويقوم بالتفاعل برمز القلب دون أن ينتبه أنه تفاعل لمنشورها هي.
وهذا ما يحدث مع محب مثله، لا يدري ماذا يفعل، فقط ما تحركه هي مشاعره نحو الطرف الآخر دون أن ينتبه إلى نفسه. فقد أصبح محبًا، ماذا ينتظره غير ذلك؟ تخطى هذا المنشور وبدأ يشاهد البقية بوجه مبتسم. لبعض الوقت حتى جاء صوت زوجة أبيه، والتي كانت تقف على أعتاب الغرفة تشاهده بوجه مبتسم. حينما علمت ما يجعل هذا الهدوء يسيطر عليه، انتفض في جلسته مغلقًا الهاتف سريعًا، تاركًا إياه معتدلًا في جلسته بعدما أصابه التوتر الشديد.
فيما ولجت هي بخطى هادئة مبتسمة الوجه، تتابعه بنظراتها الماكرة حتى جلست أمامه على طرف الفراش، واضعة الكوب على سطح الطاولة قائلة: "شايفة إن في حاجة غلط فيك اليومين دول، متغير وعلى طول ماسك موبايلك ومبتسم. يكونش خير اللهم اجعله خير، الموضوع في واحدة وأنا معرفش." تفاجأ من حديثها لينظر إليها مذهولًا، ليرى نظرتها الماكرة مصوبة نحوه، ترميه نظرات تحمل الشك في طياتها. ابتلع غصته بتروٍ ونظف حلقه وهو يتلاشى النظر إليها قائلًا
بنبرة متوترة: "لا مفيش حاجة من الكلام دا، أنا مبفكرش في الموضوع دا خالص، وغير دا كله ملقتش لسه البنت اللي بحلم بيها، لسه بدري على الكلام دا. ولا تكونيش بقى عايزة تخلصي مني؟ أنهى حديثه وهو يقوم بقلب الطاولة عليها، ناظرًا إليها ليرى المكر مازال يحتضن عينيها، ليأتي قولها حاضرًا:
"لا يا حبيبي كلكم بتقولوا كدا فالأول، بعدين تشوفوا واحدة تجيبكم الأرض تبدأوا تتغيروا واحدة واحدة، وهو تطلب جواز فجأة، أصلها جت فجأة. شايفني عبيطة يا بشير ولا إيه؟ هتضحك عليا بكلمتين، دا أنا أكتر واحدة فاهمة الدنيا دي وعارفه نظرة البني آدم لم تتغير. صارحني وقولي مين دي اللي واخدة عقلك بالمنظر دا ومخليك هتتجنن كدا؟
حسنًا، لقد تم كشفه توًا، لا مفر للهروب بعد الآن. ترقبت ردود أفعاله، فيما ابتلع هو غصته بتروٍ وقال بعدما حاصرته هي ببراعة شديدة، غير سامحة إليه بالفرار منها: "آه الموضوع في واحدة زي ما قولتي، وشكلي كدا وقعت رسمي بعد ما قولت مستحيل أوصلها ولا تجمعني بيها صدفة تاني، شوفتي الإنسان والزمن بقى بيتغيروا إزاي؟ اتسعت بسمتها ترتسم على ثغرها حينما صدق حدسها، لتعتدل في جلستها قائلة بوجه مبتسم ونبرة حنونة:
"طب اعتبرني زي ماما واحكيلي، ووعد سرك في بير محدش هيعرف بيه مهما حصل." "مينفعش تقارني نفسك بماما، لأنك مينفعش تتحطي في مقارنة معاها." هكذا جاءها رده فجأة دون سابق إنذار، حينما انطفأت لمعة عينيه واختفت بسمته الجميلة، وحل الوجوم وجهه. تفاجأت من هذا التحول الجذري الذي رأته أمام أعينها في لمح البصر، لتسأله بنبرة هادئة حنونة قائلة: "ليه يا حبيبي بتقول كدا؟ دي أمك."
"لا مش أمي، وأنا متشرف إنها تكون أمي أصلًا. متستحقش أصلًا يتقال عليها أم. هي لو أم بجد مش هتطلق من أبويا وتسيبني وتمشي وأنا لسه عيل صغير عنده ٥ سنين مش واعي إيه اللي بيحصل بين أبوه وأمه. مشيت وهي سايباني وراها عمال أعيط وأصرخ عشان متسيبنيش لحد ما صوتي اتنبح وتعبت. مسئلتش على ابنها ولا تعرف عنه حاجة من ساعتها. أنا كبرت واتربيت مع أبويا طول السنين دي من غير أم، مع إني كنت محتاجها أوي في حياتي. كنت بخاف أنام لوحدي بليل على سريري في الضلمة، وعشان مكانتش موجودة كنت باخد هدومها القديمة أحطها على جسمي وحواليا وأحضن المخدة على أساس إنها هي.
أنا تعبت أوي في حياتي، وأوقات كتير أوي بابا كان بيسيبني ويمشي بالأيام والأسابيع وأنا أفضل قاعد بين أربع حيطان مرعوب وخايف ومش حاسس بالأمان. مفكرتش تسأل عليا ولو مرة واحدة بس تطمن عليا، بالعكس كأنها مصدقت. ودلوقتي رجعت بعد ٢١ سنة تسأل عني؟
هو أنا هكون قاعد تحت أمرها وقت ما ترجع وتاخدني بالأحضان هتلاقيني بحضنها ومبسوط منك مش إني فرحت بس كان بعد فوات الأوان ورغم كل ده طعنتني ووجعتني ولأول مرة أشوف بابا يعمل حاجة صح في حياته عشاني كان عنده حق لما بعدني عنها هي سافرت واتجوزت واستقرت جيت بس عشان تخلص ضميرها مش أكتر مكانتش مجيتها دي حب ليا فيا رجوعها وجعني أوي وحسسني باليتم بجد أنا تعبان أوي وقلبي واجعني مليش غيركم ألجأ له.
أنهى حديثه وانخرط في البكاء بعدما لم يستطع التماسك أمام زوجة أبيه التي ذكرته بجروحه القديمة التي ترفض أن تلتئم وكأنها تعهدت على ملازمته طوال الحياة دون أن تفارقه. أما عنها فقد سقطت عبراتها على صفحة وجهها بعدما استمعت إلى حديثه الذي آلم قلبها ولامس روحها لتقوم بجذبه داخل أحضانها تعانقه بحنو، تدفئ أحضانها ممسدة على ظهره برفق، وقد استحقرت والدته كثيراً في هذه اللحظة، فكيف تأتيها الجرأة لترك شاب كـ "بشير" شاباً كهذا غيرها تتمناه لها، كيف لها بالفعل أن تتركه وترحل بهذه السهولة والبساطة وكأنها لم تفعل شيئاً.
ضمها هو بعدما تركها تعانقه باكياً داخل أحضانها بعدما عادت جروحه تنزف من جديد بعدما حاول وحارب لداواتها. شدد من عناقه إليها محاولاً أن يشعر بأي مشاعر أمومية منها تجاهه، فقد افتقر لتلك المشاعر ولذلك هو لا يعلم كيف تكون. مسحت هي بكفها على خصلته السوداء وظهره بحنو لتزيل عبراتها بكفها الحنون الآخر، محاولة التماسك قدر المستطاع، ليأتي صوتها الباكي حينما قالت في محاولة منها لتصليح الأمور قليلاً:
"حقك عليا أنا يا حبيبي صدقني هي اللي خسرت مش أنت. هي خسرت شاب زي القمر زيك محترم ومتربي وملتزم دينياً وجدع ورجل يعتمد عليه. خسرت شاب زي القمر ما يتعوضش صدقني. وأنت كسبت عيلة وعزوة تعوضك عنهم. ربنا بياخد منا حاجة ويدينا الأحسن منها على طول. وأهو ربنا عوضك بأخوات وأم تانية ليك. مش أنت بتعتبرني أمك برضوا ولا إيه."
أنهت حديثها ممازحة إياه، تنتظر جوابه الذي لم يتأخر حينما رفع رأسه ينظر لها بعينين باكيتين لترى بسمة صغيرة ترتسم على ثغره مجاوباً إياها بما أسعد قلبها حينما قال: "أنت أحسن منها وتستاهلي إني أقولك أمي بجد. من ساعة ما شوفتك وشوفت معاملتك ليا وأنا حبيتك أوي ومؤخراً اتعلقت بيك. ببقى بصراحة نفسي أناديك بيها بس بخاف."
"تخاف من إيه يا عبيط بالعكس دا أنا هفرح جداً، كفاية إني هيكون عندي شاب تاني مع "أكرم" يبقى ابني زيك زيهم بالظبط في كل حاجة. تقدر تناديني ماما من النهاردة وأنت من النهاردة ابني. أي حاجة تحصل معاك أو تكون مضايقاك أو محيراك تيجي تتكلم معايا وأنا هسمعك ونحلها سوا مع بعض. متخبّيش عني حاجة خالص وهتلاقيني جنبك على طول، فأي وقت تحتاجني فيه. اتفقنا يا حبيبي."
ابتسم إليها أخيراً وهو يطالعها بعينين ملتـ ـمعتين، يؤكد على حديثها بإيماءة صغيرة من رأسه، ليعاود معانقتها من جديد وهو يشعر بدفء لم يسبق له أن شعر به من قبل. شعر بحنان الأم الذي افتقره منذ الصغر، لأول مرة في حياته، حتى حينما عانق والدته لم يشعر بهذا الدفء والحنان الذي يشعر به الآن مع زوجة أبيه، وكأنها تعاند الجميع مهما حدث ستظل هي الأولى في كل شيء. مهما تعدد عليها نساء أخريات تظل هي الأولى.
تذكر أخيه "نادر" وتذكر كيف تكون حالته الآن بعدما قص عليه كل شيء. حدث بينه وبين والدته ليشعر أنه يشبهه كثيراً في هذه الحياة. تردد كثيراً في التحدث معها وإخبارها عن وجود زوجة ثالثة وابن آخر غيره من أخرى، ففي الأخير هو أخيه الصغير، ورؤيته إليه في هذه الحالة يؤلم قلبه كثيراً. ابتعد عن أحضانها ونظر لها مبتسماً، لتأخذ هي الكوب الساخن تمد يدها به إليه قائلة:
"بص بقى أنا عاملة حبة حمص الشام طعمه سكر خالص واثقة إنه هيعجبك. كل شتا في التوقيت دا بالذات بعمله وبجمع الحبايب كلهم عندي ونقضي يوم مع بعض. فبكرة إن شاء الله ناوي أجمعكم ونقضي اليوم مع بعض." ابتسم "بشير" لها وشعر أنه الوقت المناسب لإخبارها بعدما رفض "أكرم" إخبارها بشيء كهذا خوفاً عليها، وقد كلفه في الأخير بهذه المهمة الصعبة التي شعر بصعوبتها الآن. ابتلع غصته بتروٍ وابتسم قائلاً:
"أكيد طعمه لازم يبقى سكر كفاية إن أنت اللي عاملاه يا ست الكل. بس بصراحة أنا كنت محتاج أتكلم معاكي في موضوع يعني بس خايف." "خايف من إيه يا حبيبي أتكلم عادي على طول، إيه اللي يخوفك." أخذ نفساً عميقاً داخل صدره ثم زفره بتروٍ وأجابها بنبرة هادئة قائلاً: "لأن بصراحة يعني الموضوع ممكن بشكل كبير يضايقك." "يضايقني ليه بالعكس أتكلم وأنا هسمعك."
هكذا أجابته بوجه مبتسم تطمئنه حتى يتحدث، ليشعر بالتوتر قليلاً قبل أن يأخذ القرار ويحدثها قائلاً:
"بصراحة الموضوع هيضايقك واحتمال يزعلك وأنا عارف كدا كويس. بصراحة مش هكدب عليك، أنا وأنت وأخواتي عارفين إن بابا كان بتاع جواز كتير. آه ربنا قال مثنى وثلاث ورباع بس يكون في سبب قوي ومقنع عشان يتجوز، بس هو تقريباً مكانش عنده سبب للجواز كل شوية سواء أتجوز عليك أو على أمي. بس هو الحقيقة راح أتجوز على أمي. معرفش دا طبع ولا حب في الستات مش عارف بصراحة، كل ما كنت أجي أدور على سبب ملاقيش. يمكن في الآخر ده فيه الله أعلم، المهم
التالتة اللي أتجوزها على أمي جايبة شابين. واحد منهم جه بعد ما حصلت بينهم مشكلة وشبه يعني وقفت له كل حاجة عشان تجبره يرجع وهو مش راضي. أول ليلة باتها في مسجد "رمزي" عشان ميعرفش أي حاجة هنا ومبيحبش يكون تقيل على حد حتى لو مش مبين. بعدين "بيلا" عرفت وزعلت جداً. هو جه قبل كدا ليها هو وأخوه وساعتها يعني "يوسف" شد معاهم عشان مكانش يعرف وشافهم غرب عن أهل الحارة."
"هو بأمانة يعني تحسيه غلبان أمه ست جبروت جاية عليه على حساب ابنها الصغير. "بيلا" خدته عندها كام يوم مكاني لحد ما الراجل اللي هيأجر منه الشقة يرجع، بس بدأت أفكر أديله مفاتيح شقتي يقعد فيها مؤقتاً لحد ما يلاقي حل. مش عارف أتصرف. وشكله بيقول إنه مش عايز يرجع تاني، زهق وشايل حمل تقيل أوي فوق كتفه وساكت بقاله 3 سنين. ومحبتش أعرفك برضوا كدا أو كدا هتعرفي...
"أكرم" عرف وطلع جدع وناخده بالأحضان. إحنا في الآخر كلنا أخوات من أب واحد واتظلمنا كلنا وأدينا في النهاية سند لبعض."
دام الصمت بعدها لوقت لا يعلمه هو. تلقت الحديث وأستمعت إليه حتى انتهى وهي لم تتحدث أو تقول شيء، مما جعل الخوف يتسلل إلى قلبه بسبب صمتها ذاك والذي لا ينذر سوى بشيء واحد فقط يخشى حدوثه. أما عنها، فلم يكن الأمر جديداً عليها، بل توقعت حدوث ذلك وتوقعت مجيء هذا اليوم، وإن لم يكن غداً فسيكون بعد غد. لم تعد تتألم كما حدث في السابق، فهذا طبع به لم يكن سيتغير وهو على قيد الحياة. عادت بذاكرتها ليلة أمس حينما رأت شاباً غريباً يجلس معهم في الجلسة التعريفية وحينها تعجبت وجوده ولم يخبـ ـرها أحدهم.
ولكن كان يشبهه بعض الشيء. كان يشبه "فارس" في معالم وجهه وطريقة تحدثه وإنصاته لمن حوله. ابتلعت غصتها بتروٍ، ثم نظرت إليه وقالت بنبرة هادئة للغاية وبسمة ارتسمت على ثغرها تعجب "بشير" كثيراً: "هو اللي كان قاعد جنبك امبارح." حرك رأسه برفق يؤكد على حديثها، لتظل هي محتفظة بابتسامتها قائلة: "خلي "بيلا" تجيبه معاها بكرة وهما جايين. مينفعش ميجيش." "أنت مش زعلانة بجد ولا مضايقة من وجوده."
هكذا سألها "بشير" مترقباً وهو ينظر لها متعجباً وخائفاً من بسمتها وهدوئها ذاك، ليأتيه ردها المتعقل حينما وضعت كفها على ذراعه تنظر إليه بوجه مبتسم قائلة: "أنت قولتها بعضمة لسانك يا "بشير" وأنت بتتكلم. أنتوا في الآخر أخوات من أب واحد وسند لبعض. مش ذنبكم اللي حصل، أنتوا أخوات ولازم تحبوا بعض وتقفوا جنب بعض. وهو ربنا يسامحه بقى عند الله تجتمع الخصوم... مش عارفه أسامح."
حزن كثيراً لأجلها حينما رأى بريق عينيها وحزنها الذي عاد يحومها، ليعتدل في جلسته، ثم مد كفيه وأزال عبراتها بإبهاميه عن صفحة وجهها بحنو، ومن ثم لثم جبينها قبلة حنونة وضمها إلى دفء أحضانه قائلاً بنبرة حزينة لأجلها:
"ولا تزعلي نفسك، أنت زي القمر وحنينة وتتحبي والله. وهو خسرك وخسر ولاده وخسر كل حاجة. حقك عليا أنا مش عايزك تفضلي زعلانة كدا، وإن شاء الله ربنا هيعوضك خير وبكرة تقولي "بشير" قال. لو جه عريس توافقي على طول، أديني بقولك أهو عايزك مبسوطة ومرتاحة عشان أنت طيبة وتستحقي كل خير. تمام يا قمورة."
أنهى حديثه مبتسم الوجه وهو ينظر إليها، فيما رأى هو بسمتها تتسع على ثغرها وهي تنظر إليه، لترى بسمته تتسع على ثغره وهو ينظر لها. صفعته برفق على ذراعه معنفة إياه قائلة: "بس يا واد استحـ ـي شوية جواز إيه دلوقتي خلاص فات الأوان." "إيه!! فات الأوان بجد والله، أنت شايفة كده؟ لا لا كده أزعل. نظرت إليه مبتسمة الوجه لتراه ينظر لها بطرف عينه بوجه مبتسم ثم ضحك ضحكات خفيفة وضمها إلى أحضانه ممسدًا على ذراعها برفق دون أن يتحدث.
أما عنها فكانت تضع رأسها على صدره مبتسمة الوجه وهي تفكر في حديثه إن حدث بالفعل. فبعد موت زوجها لم تعد تريد الزواج، فقد أرهقت روحها، ولكن لا أحد يعلم ماذا يخبئ لنا القدر. عاد الفتى يدافع عن مملكته مكشرًا عن أنيابه. لأول مرة تذهب في رحلة استكشافية لتلك الحارة التي يعيش بها أخوها الصغير. فبعد أن جاءت وساحها شعرت بأنها تعيش سعيدة للمرة الأولى منذ سنوات.
تبدو صغيرة ولطيفة، فهي قد ورثت جمال أمها وقد أوقعت العديد من الرجال في مصيدة حبها. ولكن لم تقبل بأي واحد منهم واستقلت بحياتها، فجميعهم يريدون أن يتزوجوا بها فقط لجمالها الساحر لا أكثر من ذلك. صدح رنين هاتفها يعلو داخل حقيبتها يعلنها عن اتصال هاتفي. توقفت على جنب الطريق وأخرجته لترى أخاها من يهاتفها. شعرت بنبضات قلبها تعلو داخل قفصها الصدري وهي ترى اسم أخيها يتراقص على شاشة هاتفها للمرة الأولى في حياتها.
شعرت بالعديد من المشاعر تداهمها، السعادة، والحزن، والتوتر. العديد من المشاعر تتخبط بداخلها، فلم تكن تتوقع أن تصل إلى هذه المرحلة في يوم من الأيام. الـ ـمعت مقلتيها بالعبرات وهي تنظر إلى اسمه، ولوهلة شعرت أنها تريد أن تبكي. بالحق تريد أن تبكي، فما تشعر به الآن خارج عن إرادتها. ولكن في النهاية هي ترى نفسها أسعد فتاة على وجه الأرض في هذه اللحظة. انتهت المكالمة وعاد فورًا يهاتفها لتنظر هي إلى شاشة هاتفها مجيبة
إياه بنبرة باكية قائلة: _أيوه يا "يوسف". أتاها صوته مندفعًا حينما شعر بالخوف عليها بعدما لم تجبه في المرة الأولى قائلًا بنبرة حادة: _في إيه يا "عليا" مبترديش عليا ليه؟ مش قايلك أول ما أتصل بيك تردي عليا على طول عشان مخافش عليك. مردتيش ليه؟ أبتسمت حينما استمعت إلى نبرته الحادة والمندفعة حينما شعر بالخوف عليها عندما لم تجبه. أخذت نفسًا عميقًا وقالت بنبرة باكية: _مفيش حاجة، أنا كويسة أهو ورديت عليك.
ألتزم الصمت للحظات حينما جاءه نبرتها الباكية لتبدأ السيناريوهات العديدة تتلاعب في رأسه ليقول بنبرة هادئة حذرة مترقبًا ردها: _أنت معيطة؟ حد ضايقك أو جه جمبك؟ نفـ ـت حديثه فورًا حينما قالت بنبرة سريعة ترتـ ـعـ ـد حديثه: _لا لا خالص مفيش حاجة. _"عليا" متكدبيش عليا، لو حد عـ ـملك حاجة قوليلي، مفيش نملة عـ ـايشة هنا معرفهاش. قولي وأنا أجيب أمـ ـه تحت رجلك يعتذرلك قدام الكل. هكذا جاوبها بنبرة حادة ليأتيه حديثها حينما قالت
بوجه مبتسم ونبرة هادئة: _لا صدقني محدش جه جـ ـنبي. كل الحكاية إني أول ما شوفت أسمك على الموبايل حسـ ـيت بمشاعر غريبة، هي حلوة بس لوهلة لقيتني بعيط وحـ ـاسة نفسي بحلم مش قـ ـادرة أصدق لسه إن بقى ليا عيلة وأهل وأخ يخـ ـاف عليا... مشاعر بعـ ـيشها لأول مرة. تفهم حديثها ولذلك هـ ـدأ نوعـ ـًا حينما استمع إلى هذا السبب ليأتي ردّه متنافيـ ـًا مع حديثها قائلًا: _قوليلي أنتِ فين دلوقتي؟
نظرت هي حولها تبحث عن علامة مميزة تخبره من خلالها موقعها لترى ورشة صيانة سيارات لتقول: _أنا جنب ورشة عربيات، مكتوب عليها ورشة "حودة". _خلاص عرفت أنتِ فين. ٥ دقايق وأكون عندك، أوعي تتحركي مـ ـن مكانك، سمعاني؟ أبتسمت حينما استمعت إلى لهجـ ـته الآمرة والحادة بعض الشيء لتجيبه منصـ ـاعة له قائلة: _يلا ماشي، أنا هفضل مكاني مش هتحـ ـرك بس متتأخرش.
أنهـ ـت حديثها وكذلك المكالمة معه مبتسمة الوجه فيما كان هو يبتاع بعض الأغراض لزوجته بعدما رفض ذهابها لجلبهم وقد أراد الاطمئنان عليها. حينها قام بتغيير مسار سيره لمقابلتها، فهي مازالت تجهل الطرق ولذلك خشي عليها أن تكون قد ضلت الطريق. كان منضبطًا في ميعاده، فبحلول الدقيقة الخامسة كان يقترب منها على بعد سنتيمترات. رأته من بعيد ولذلك أبتسمت له حينما رأته قد ظهر أمامها.
أما عنه فلـ ـم يستطع أن يبخل عليها بابتسامته ولذلك أبتسم لها ليقترب منها الخطى الفاصلة، معانقًا إياها بحنو. كانت سعيدة بهذا العناق الحنون ولذلك بادلته إياه قائلة بنبرة سعيدة: _حضنك حلو أوي يا "يوسف". اتسعت بسمته ليجاوبها بنبرة هادئة قائلًا: _مش هبخل عليك بيه. أهم حاجة تكوني مبسوطة وسطنا. أبتعدت عنه قليلًا وهي تنظر إليه بابتسامة مشرقة لتجاوبه دون أن تكذب عليه قائلة: _مبسوطة أوي إني رجعت وسطكم تاني...
بس أتمنى مامتك متكونش كرهاني، يعني شعورها هيغلبها وهتفتكر الماضي. حرك رأسه ينفي حديثها هذا مطمئنًا إياها قائلًا: _لا متخـ ـافيش، بالعكس هتحبك وهتعـ ـاملك كأنك بنتها بالظبط، هي طيبة وقلـ ـبها كبير وأبيض، وخصوصًا لما تعرف إنك سبب نجاتنا وإحنا صغيرين. الحاجة دي هي الوحيدة اللي عمري ما هنساهالك يا "عليا" مهما حصل. لولاكِ كان زماني أنا و "مها" ميتين. أنتِ نقية من جواكِ يا "عليا" وأنا عارف كده كويس.
سعدت كثيرًا بحديثه ذاك ليظهر ذلك على تقسيمات وجهها ولمعة عينيها لتعاود معانقته من جديد قائلة بنبرة سعيدة: _متتصورش كلامك دا بيفرحني قد إيه وبيخليني طايرة من الفرحة، وأنا واثقة إنها طيبة وهتقبلني. أبتسم من جديد وقال بنبرة هادئة متسائلًا: _طب إيه مش ناوية تروحي بقى ولا هتفضلي فالشارع كده كتير؟ _عايز الصراحة ولا بنت عمها؟ هكذا أجابته مراوغة إياه مبتسمة ليرفع هو حاجبه الأيمن عاليًا وهو يطالعها بطرف عينه قائلًا:
_بتتشاوقي معايا بالكلام؟ لا لا تبقي لسه متعرفنيش... قولي الصراحة. أجابته بنبرة حماسية وهي تنظر إليه مبتسمة الوجه قائلة: _بصراحة عايزة أتمشى شويه كمان، حبيت المكان وعندي شغف ألف شوية. لو وراك حاجة روح عشان معطلكش. رـ ـمقها نظرة ذات معنى لتنظر إليه قليلًا حتى تلاشت بسمتها حينما طالت نظراته الغير مفهومة. بدأت تشعر بالتوتر من نظراته الحادة المصوبة نحوها ليأتيها قوله حينما قطع هذا الصمت قائلًا:
_عايزني أسيبك كده لوحدك وأروح أشوف مشاغلي اللي هي أهم منك؟ شيفاني إيه إن شاء الله عشان أسيب حريم بيتي كده وأروح أنا عشان أقضي مشاغلي. لولا إنك مش عارفاني لسه كنت وريتك الوش التاني. نظرت إليه بتوتر دون أن تتحدث لتراه يشيح ببصره بعيدًا عنها زافرًا بعمق بعدما استفزه حديثها العفوي كثيرًا. دام الصمت بينهما قليلًا لمدة لا يعلمانها، هي تلعب بأصابع يدها وهو ينظر بعيدًا. دام ذلك أيضًا قليلًا قبل أن يعاود هو النظر إليها.
تحدث بنبرة هادئة قائلًا: _الفكرة إني بغـ ـير على أهل بيتي وهنا ناس كويسة وفي عالم ضـ ـالة عايزة الحرـ ـمـ ـة. مقـ ـبلش يتقال كلمة مش تماـ ـم كدا أو كدا مـ ـن أي حد فيهم لأنهم ما بيصدقوا يمسكوا حد مـ ـن طرفي يضايقوه. تعالي هنتمشى سوا. أنهى حديثه مبتسم الوجه ناظرًا إليها. فيما اتسعت بسمتها مثلما كانت من قبل تزين ثغرها. وقبل أن يتحركا اشتدت الرياح الباردة من حولهما لتضم "عليا" نفسها بعدما شعرت بصقيع الرياح من حولها.
نزع "يوسف" چاكيته الثقيل الأسود لتحاول هي منعه قائلة: _متقلعش يا "يوسف" هتاخد برد. لـ ـم يعرها أي أهمية ونزع چاكيته ومد يده به لها قائلًا بلهجة آمرة: _امسكـ ـه ومتجادلش معايا عشان أنا عنيد. نظرت إلى يده الممسكة بچاكيته ثم نظرت إليه تراه ينظر لها بهدوء. ترددت كثيرًا ولكن في النهاية أخذته منه وارتدته قائلة: _مش هتبقى سقعان كده؟ حرك رأسه ينفي حديثها مبتسمًا ليشر إلى كنـ ـزته الثقيلة التي يرتديها قائلًا:
_أنا متدفي من غير الجاكيت. أبتسمت كذلك ثم تحركت معه تسير في أرجاء المكان تشاهده من حولها بوجه مبتسم بعدما تولى هو شرح تفاصيل المكان إليها لتتابعه وتستمع إليه دون ملل، فكيف تمل منه وهي تشتاق لسماع المزيد والمزيد منه!!
كانت مبهورة بالمكان من حولها وأحبته كثيراً، وأحبت المكوث به بعدما استمعت إلى أخيها. أخذها وذهبا إلى العديد من المتاجر الخاصة بالملابس والأحذية والإكسسوارات النسائية لتبدأ هي بمشاهدة المكان من حولها مبتسمة الوجه. توقفت تشاهد بعض الإكسسوارات بوجه مبتسم، ووقف هو بجوارها يتابعها قائلاً بتساؤل: "في حاجة عجبتك ولا إيه؟ حركت رأسها برفق وقالت مبتسمة الوجه: "بتفرج بس."
تركها تشاهدهم ليقوم بإخراج محفظته الجديدة التي أهدتها إليه مؤخراً، ليرى أن نقوده كثيرة هذه المرة بعدما أخذ مبلغاً بسيطاً من نقود أبيه التي تركها لهما في الأخير. فبعد أن كانت الثروة مقسمة عليه هو وشقيقته الصغيرة، اليوم عادت الأخرى التي يكون لها حق أيضاً بها. شرد قليلاً بينه وبين نفسه يفكر كيف سيقوم بتقسيم هذه الثروة على ثلاثتهم، حتى انتشله صوتها حينما قالت بوجه مبتسم تشهر بإحدى الاكسسوارات الفضية التي نالت إعجابها:
"الله بص يا يوسف حلوة إزاي السلسلة دي، رقيقة أوي مش كدا." ابتسم إليها بعدما رأى السلسلة التي نالت إعجابها ليبدي برأيه كذلك حينما قال: "حلوة أوي فعلاً، لايقة عليكِ تصدقي." "بجد؟! نطقت بها بحماس وعادت تنظر إليها ليأتيها رده حينما قال بنبرة هادئة: "اعتبريها بتاعتك." نظرت إليه بعدما جاءها صوته الهادئ لترى البسمة تزين ثغر الآخر الذي كان ينظر إليها. جاء صوته من جديد حينما قال:
"دي هدية صغيرة مني ليكِ، شوفي بقى إسورة حلوة معاها." كانت لا تصدق ما تسمعه منه، لينظر هو إلى صاحب المتجر قائلاً بنبرة هادئة: "بعد إذنك هناخد السلسلة دي."
اقترب الرجل منهما بوجه مبتسم ليبدأ يوسف يطوف بعينيه على جميع السلاسل الفضية من حوله ليبتاع واحدة كذلك لزوجته وشقيقته الصغرى. سقطت عيناه على سلسلة فضية تحمل قلباً صغيراً مصنوعاً من الفص الأحمر اللامع، وأول من خطرت على عقله شقيقته الصغرى فيبدو أنه صنع خصيصاً لأجلها هي. نظر إلى صاحب المتجر ثم أشار نحو السلسلة تلك وقال: "بعد إذنك ممكن أشوف دي؟ "آه طبعاً لحظة واحدة."
نطق بها الرجل بوجه مبتسم ثم ذهب كي يجلبها له أسفل نظرات عليا إليه، والتي قالت متسائلة: "الله ذوقك حلو أوي يا يوسف، بس دي لمين؟ "مها، هتليق عليها أوي." هكذا جاوبها بوجه مبتسم ونبرة حنونة وهو يأخذها من الرجل ليرى أنها تليق بها بالفعل، ولذلك لم يتردد ونظر إلى صاحب المتجر قائلاً: "وهاخد دي كمان."
عاد يطوف من جديد بين السلاسل ينتقي واحدة لزوجته الحبيبة التي تحملت معه الظروف العصيبة وقدمت الجميع من المساعدات معه، ولم تشكو يوماً. ولذلك أراد أن يهديها شيئاً يكون مكافأة لها على صبره وتحملها طوال تلك السنوات. ظل يبحث ويبحث عن سلسلة مميزة بينهم حتى سقطت عيناه على واحدة، فلم يتردد في جلبها. سلسلة فضية لامعة تحمل أول حرف عربي باسمه "ي"، هكذا كان الحرف، على الرغم من أن الحرف ينتسب لاسم "يمنى" كذلك، ولكن اسمه يحمل أول حرف كذلك،
ولذلك أشار تجاهها وقال: "ودي كمان بعد إذنك واللي جنبها." الرابعة بالتأكيد ستكون لوالدته الحبيبة، حيث حملت أول حرف من اسم أبيه الحبيب. الاثنتين مميزتين ونالتا إعجابه بشدة. قام الرجل بتجميعهم ووضع كل واحدة في علبتها الخاصة، وكذلك الإسورة الذي اختارته عليا بناءً على طلب يوسف لها، ليتحدث الرجل بوجه مبتسم قائلاً: "شكل الحبايب كتير ربنا يباركلك فيهم." ابتسم يوسف بسمة هادئة وقال: "أغلى حاجة فحياتي، يستحقوا عيني كمان."
"ربنا يباركلك فيهم ويحفظهم يا بختهم بيك والله، وعشان خاطرك وخاطرهم هعملك خصم عليهم ربنا يباركلك فحياتك وفلوسك ويديك على قد نيتك." ابتسم يوسف ثم نظر إلى شقيقته التي كانت فخورة به وسعيدة في نفس الوقت بتلك الهدية التي أهداها إليها. خرجا سوياً من المتجر ليقول متسائلاً: "نفسك فأي حاجة تانية؟ حركت رأسها تنفي حديثه قائلة بنبرة هادئة: "لا كفاية السلسلة والإسورة الحلوة دي، تعيش وتجيبلي يارب."
حاوطها بذراعه الحنون ونظر لها بوجه مبتسم دون أن يتحدث. ذهبا إلى المنزل وولجا إلى الداخل ليرا كلاهما الجميع حاضر والضحكات تتعالى، وقد حضر كذلك عمه عماد وكذلك رابح للمرة الأولى له. ترك شقيقته وذهب يرحب بوالدته وعميه مبتسم ويضحك، وقد وقفت هي مكانها تنظر إليهم من بعيد والحزن يأكلها حية على ما هي عليه الآن. وبعد الترحيب وتبادل بعض الأحاديث عاد لها من جديد يحاوطها بذراعه مبتسم الوجه لتنظر إليه وترسم سريعاً بسمة زائفة على ثغرها.
نظر يوسف إلى والدته التي كانت على علم بما حدث مع هذه الفتاة التي على الرغم أنها الأكبر بين أخوتها ولكن معالم وجهها تدل على صغرها. اقتربت منهما بخطى هادئة وبسمتها مرتسمة على ثغرها أسفل نظرات الجميع إليها، وخصوصاً عليا التي نظرت إلى أخيها بتوتر، ليطمئنها على الفور بتواجده. وقد وقفت شاهي أمامها تنظر لها مبتسمة لتبتسم إليها عليا في المقابل دون أن تتحدث، لتسمع الأخرى تشكرها وتمن لها قائلة:
"أنا عارفة إنك خايفة مني وخايفة من التعامل معايا بس أنا أطيب من كدا بكتير، أنتِ كنتِ آه صغيرة وواعية إيه اللي بيحصل حواليكِ ورغم سوادها نقاءك مسامحلكيش تنفذي كلامها وأنقذتي أخواتك الصغيرين منها ودي حاجة أنا حبيتها فيكِ عارفة ليه؟
عشان مفكيش عرق الخيانة والغدر زيها، طيبة زي أبوكِ بس فالآخر ده قدر وإحنا لازم نقبله سواء حلو أو لا، لأن اللي بعديه أكيد خير. أخواتك بيحبوكِ وأنتِ كبيرتهم بالسن، بس شخصية بقى في يوسف ابني عامل كبير بالبلطجة على الكل هنا ميغركيش الحنية والاحترام اللي بيعاملك بيهم شوية وهيقلب زي ما عمل معايا كدا، بس مفيش فطيبة قلبه وحنيته على اللي حواليه مهما حاول يبين كل الوحش اللي جواه، هيفضل طيب. أنتِ مش لوحدك أنتِ معاكِ عيلة كاملة
دول واللي هناك عيلة أبوكِ، دول عمامك أنتِ منا أوعي تفتكري إنك لوحدك أبداً مهما حصل، وزيك زي الواد الشحط دا والبت الحلوة اللي هناك دي، متناديليش غير بأسمين اتنين تختاري اللي تحبيه. لو عايزة تقوليلي ماما أنا معنديش مانع بالعكس هفرح أوي، ولو عايزة تقوليلي شاهي عادي أنا ست مسالمة جداً، بس أوعي تتبلطجي زي الواد دا، يقوم باه عليكِ تبقي نسخة مصغرة منه هزعل أوي."
أنهت حديثها بخوف من حدوث الأمر جعلت الجميع يضحك عالياً من حولها على تقاسيم وجهها التي كانت تتبدل بين الحين والآخر كتغيير نبرات صوتها كذلك. ابتسمت لها عليا وحركت رأسها تنفي ظنونها تلك قائلة بنبرة مهزوزة: "أنا حبيتك أوي يا ماما شاهي." عانقتها شاهي في الحال متأثرة بعدما لمعت العبرات في مقلتيها قائلة بنبرة مهزوزة كذلك: "وأنا بحبك يا قلب شاهي، أحلى واحدة لحد دلوقتي تقولي شاهي وتطلع منها زي السكر كدا."
عانقتها عليا كذلك مشددة من عناقها لها دون أن تتحدث، وقد سقطت عبراتها على صفحة وجهها حينما شعرت بكم تلك المشاعر التي تجتاحها في هذه اللحظة. أما عن يوسف، فكان سعيداً وبشدة لأجل شقيقته، وقد نظر إلى عميه ليتحرك عماد أولاً مرحباً بابنة أخيه معانقاً إياها، لتشعر عليا أنها كانت تعيش في بلد غريبة عنها بين أناس غرباء لا تعلمهم ولا يعلمون عنها شيئاً. وحتى عادت الآن شعرت بدفء لم تشعر به من قبل منذ أن تتمت، ولذلك وجدت هويتها أخيراً بعد سنوات بينهم.
وبعد الترحيبات منهم إليها بابتسامة تباطلت بينهم، اقترب يوسف من شقيقته الكبرى أولاً، وبحكم أنها الأكبر من مها أمام الجميع، ومد كفه بالحقيبة الصغيرة إليها قائلاً بوجه مبتسم بعدما ومض جفنه الأيسر لها بخفة قائلاً: "دي مني ليكِ يا كبيرتنا بمناسبة رجوعك لينا." ابتسمت هي وأخذتها منه بعدما فهمت مقصده، ليشير لها قائلاً: "افتحي وشوفيها."
أخرجت العلبة من الحقيبة وفتحتها أسفل نظرات الجميع، وأكثرهن فضولاً من الفتيات، ليظهر العقد الفضي والإسورة المرافق إليه على شكل فراشة زرقاء اللون. شهقت مها حينما رأته لتقول بإعجاب شديد: "الله شكلها حلو أوي، دي زي ما تكون معموله ليها مخصوص."
في هذه اللحظة نظرت عليا إلى أخيها الذي نظر إليها مبتسم الوجه، لتعانقه أمام الجميع شاكرة إياه من صميم قلبها. عانقها بحب أخوي مبتسماً، ثم لثم رأسها بحنو وابتعد عنها ليتوجه إلى شقيقته الصغرى التي كانت ترافق زوجها ليعطيها حقيبة أخرى قائلاً بوجه مبتسم: "ودي عشان الشقية اللي جننتني معاها من زمان." أخذتها منه بوجه مبتسم وحماس شديد، وبدأت تخرجها أمام الجميع، ومن ثم بعدها فتحتها لتشهق بتفاجؤ قائلة بسعادة طاغية:
"الله يا يوسف دي عشاني؟ حرك رأسه برفق إليها لتعانقه هي سريعاً بسعادة كبيرة وهي تشكره قائلة: "يا حبيبي ربنا يباركلك فيك وتعيش وتجيبلي يا أحلى أخ فالدنيا كلها." أنهت حديثها ومن ثم لثمت وجنته قبلة حنونة، وشددت من عناقها إليه، ليلمس هو على رأسها بحنو قائلاً بنبرة حنونة: "ويباركلك فيكِ يا نور عيني، وأعيش وأفرحك يا حبيبتي."
تركها ثم اتجه إلى والدته، ولكن قبل ذلك لمح عدم تواجد زوجته ليرى طيفها نحو المطبخ، ولذلك توقف فجأة واعتذر منهم وذهب إليها. أما عنها، فقد ولجت إلى المطبخ تمسح عبراتها بكفها، لا تعلم ما حدث، ولكن شعرت بالغيرة حينما رأت عليا تحتضنه وكذلك مها بعدما قدم لهما الهدايا. شعرت به يقف خلفها يحاوط ذراعيها بكفيه، يليها صوته الذي خرج هادئاً يقول: "مالك يا حبيبتي أنتِ كويسة؟
تماسكت نفسها سريعاً وقامت بإزالة عبراتها سريعاً بكفها لتلتفت إليه تنظر له، لينظر هو إلى عينيها الباكيتين ليتفاجئ هو حينما رآها، ليترك الحقيبتين من يديه وهو يجهل سبب بكائها، ليمد كفيه يزيل عبراتها عن صفحة وجهها بحنو قائلاً: "في إيه ليه العياط طيب حد زعلك فحاجة؟
ومن جديد لم تجبه، لترتمي داخل أحضانه تبكي، ليحاوطها هو بذراعيه يضمها إلى دفء أحضانه ممسداً على ظهرها بحنو، جاهلاً ما حل بها، وكل ما فعله في هذه اللحظة أنه حاول تهدئتها قدر المستطاع حتى يعلم ما حدث ويستطيع معالجته في الحال. "وظننت أنني لا أبالي بهن حولي." "لأجد نفسي أشعر بالغيرة عليه من جميع السيدات." كانت عينيها تلمع في الظلام، ورائحة البخور تتصاعد من غرفتها. "هل أنتِ متأكدة أن هذا هو المكان؟
" سأل بصوت خافت، وكأنه يخشى أن يوقظ شيئًا ما. أومأت برأسها، وابتسمت ابتسامة غامضة. "أتيتُ لأجلك، يا جعفر." اقترب منها، وقلبه يخفق بشدة. "ماذا تريدين مني؟ "أريدك أن تعود." "أعود إلى أين؟ "إلى ما كنت عليه." نظر إليها، وشعر بحيرة تملؤه. "لكنني قد تغيرت." "أعلم." "لم أعد ذلك الرجل." "لا يهم." "ماذا تقصدين؟ "يهمّني أن تعود." صمت، ولم يعرف ماذا يقول. "لقد انتظرتُ طويلاً." "لمن؟ "لك." مدت يدها، ولمست خده.
شعر بقشعريرة تسري في جسده. "لا يمكنني." "لماذا؟ "لأنني لا أريد." "هل أنت متأكد؟ "نعم." "حسنًا." وقفت، وابتسمت مرة أخرى. "سأذهب الآن." "إلى أين؟ "إلى حيث ينتمي جعفر." ثم اختفت في الظلام، تاركةً إياه وحيدًا في غرفته. نظرت إلى الباب، وشعر بأن شيئًا ما قد تغير. لم يعد جعفر البلطجي، ولم يعد جعفر الرجل الذي كان. لقد أصبح شيئًا آخر. شيئًا لا يعرفه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!