أبلَغَ عزيزاً في ثنايا القلبِ مَنزِلهْ أنّي وإنْ كُنتُ لا ألقاهُ ألقاهْ وإنْ طَرفي موصولٌ برُؤيتِهْ وإنْ تَباعَدَ عن سُكنايَ سُكناهْ يا ليتَهُ يَعلَمُ أنّي لستُ أذكُرُهْ وكيفَ أذكُرُهُ إذ لستُ أنساهْ إنْ غابَ عنّي فالرّوحُ مَسكَنُهْ مَن يَسكُنُ الرّوحَ كيفَ القلبُ يَنساهْ تَنّوِينْ.
اللعب مع الكبار ليس سهلاً، فليس كل من قرر الولوج إلى هذه اللعبة كان كبيرًا. لعبة كبيرة ابتَلَعَت الجميع في جوفها ووضعتهم أمام الواقع لمواجهة ما ينتظرهم. منهم من لعبها بذكاء وحكمة، ومنهم من اتخذ حقارته سلاحًا ذو حدين. فلم تكن جميع الوجوه بريئة، ولم تكن جميعها طيبة. فكان المكر صفة مؤكدة وأساسية في حياتهم. فكيف يجتمع الشمال مع الجنوب في هذه اللعبة الدنيئة التي حكمت على الجميع المواجهة وتلقي المصير المنتظر؟
"فعل بسيط وفكرٌ دنيء يكلف الكثير. فلا تقوم باستفزاز الأسد حتى لا تكون فريسته." هكذا كانوا بني البشر على مر الزمان والعصور. أفعالهم حقيرة وفكرهم دنيء ونفوسهم أمارة بالسوء. فإن قرر الشيطان أن يتولى أمر بني آدم وتلقى الاستسلام له، فسلامٌ على الدنيا. هكذا كانوا هم، فعلهم بسيط، وفكرهم دنيء يكلفهم الكثير. فلا عزاء على من قام باستفزاز الأسد، فقد اختار أن يكون فريسته.
صمتٌ سيطر على المكان بشكل مرعب بعد أن قام "حافظ" بصفع ولده. كانت الصدمة حليفة الجميع، وعلى رأسهم ولده الذي تلقى الصفعة. وعن "حافظ"، فقد كان يطالعه بغضب شديد ليقول بنبرة حادة أشبه بسن السكين الحاد:
"القلم ده تمن وساختك اللي غرقان فيها ولسه بتغرق لحد دلوقتي ورافض الأيادي تتمـدلك عشان تشـدك وتساعدك. متبقاش عارف إنك كدا وتشـد حفيدي معاك. متبقاش زي الحية السامة اللي بتبـخ سـمها ومستنية مفعوله يشتغل عشان تاكل فريستها. أنت سيبت نفسك تغرق فبحر الفساد وأنا مديتلك إيدي وأنت رفضت تطلع وعجبك موجه فمتجيش دلوقتي تشد غيرك وتجبـ ـره على حاجة هو مش عايزها."
أنهى حديثه ثم طاف بعينيه بينهم ينظر في وجوههم جميعًا مستشعرًا بالتقزز الشديد نحوهم. نظر إلى زوجته هنيئة، والتي كانت السبب الرئيسي في هذا الفساد كله. أصبحت عجوزًا وكأن عمرًا أضيف إلى عمرها الحقيقي، فهذا كان ثمنًا لأفعالها الدنيئة. فقد كانت سببًا في مقتل أحبهم إلى قلبه. ماذا تنتظر منه الآن؟ تحدث مجددًا بنبرة حادة وهو ينظر لهم جميعًا قائلًا:
"متستنوش مني شفقة، متستنوش مني حب ومعاملة حلوة. أنا شيلت إيدي منكم من زمان أوي، من أول ما حرّضتي ابنك الكبير اللي كانت تربيته ما شاء الله ميتشرفش بيها على قتل أخوه الصغير هو ومراته. استغليتي كرهه ودسيتي سـمك فودانه لحد ما الواد قتل ٣ أرواح مع بعض."
رأى صدمتها بادية على معالم وجهها حينما استمعت إلى حديثه. فماذا سينتظر من مجرمة مثلها، سيكون التمثيل سهلاً عليها. ولكي يؤكد إليها أن ما سمعته كان صحيحًا، أعاد قوله مؤكدًا إليها صحة ما سمعته قائلًا بنبرة ساخرة وموجوعة في نفس الوقت: "إيه اتصدّمتي كدا ليه؟ آه ٣ أرواح كانوا ممكن يكونوا ٤ بـ "سعيد". "فردوس" كانت حامل لأبنك قتلهم، وماتت وهي متعرفش إنها حامل. شوفتي الوجع؟
مبانش كل دا إلا بتقرير الطب الشرعي. طب حفيدك الوحيد اللي كانت روحه فيهم مفكرتيش فيه ثانية بس بينك وبين نفسك. مصعبش عليكي وأنا راجع بيه متكسر وخايف وعمال يعيط ويقول عايز بابا وماما. قلبك دا متحركش بالغلط طيب؟ مش معقولة بجد معقولة محستيش بأي حاجة؟ مندّمتيش؟ مخوفتيش؟ متوجعتيش؟ ضميرك محركيش؟ طب أنتِ إيه؟ دا أنا لحد دلوقتي محروق على "هشام" و "فردوس". أنتِ إزاي عايشة كدا عادي كأنك معملتيش حاجة؟
أجابته بنبرة حادة قاسية دون أن ترمش لها جفن، تتحداه وتقف أمامه الند بالند قائلة: "لا أنا مندّمتش. أنتِ عارف كويس أوي إني بكره البنت دي أوي وأطيق العمى ولا أطيقها، وبرغم كل دا برضوا جوزتهاله ومشيت وراه وخليته يعمل اللي هو عايزه وإحنا ملناش رأي في كل حاجة. أنتِ شريك معانا يا "حافظ" وأنتِ مش حاسس. أنتِ السبب يا "حافظ" عشان وافقت عليها من الأول."
صُدِّمَ "حافظ" حينما استمع إلى حديثها ذاك، والذي بالتأكيد قد جعله يجن جنونه حينما رآها تقوم بتوريطه كذلك معهم في ذاك الحادث. ليفقد السيطرة على نفسه ويصرخ بها قائلًا: "أنتِ اتجننتي؟ أزاي تتهـ ـميني بحاجة زي دي؟ أنا أقتل أبني ليه؟ هو أنا عديم الإنسانية زيك؟ دا أنا روحي كانت فيه وأنتِ والسفاحين دول خدتوها مني." "خلاص بقى مات من سنين والتاني حصل له. عايز إيه تاني مش فاهم، فكنا من السيرة دي بقى أنتِ مبتتعبش!!
هكذا صاح ابنه به بنبرة حادة وهو ينظر له نظرات حادة غير راضية كلما ذكرت تلك اللحظات وذكر اسم أخيه وزوجته أمامه. فيما نظر له "حافظ" لا يصدق ما يراه ويسمعه في هذه اللحظة. ولكن كانت تلك لحظات الشيطان. فبلحظة لم تكن في الحسبان قام "حافظ" بصفع ولده بعزم قوته للمرة الثانية أسفل نظرات الصدمة من زوجته التي خشيت على ولدها منه. ولذلك اقتربت منه تقف أمامه في مواجهة "حافظ" الذي أصبح كالثور الهائج.
"أنت شكلك اتجننت يا "حافظ" فعلًا بحق وحقيقي. إحنا إزاي مفكرناش ندخلك مصحة."
هكذا ردت عليه بعدما رأت فعله الهوجائي. لينظر هو إليها في هذه اللحظة بعينين يكسوهما الحمرة وصدره يعلو ويهبط بعنف وصوت أنفاسه مسموعة. وقبل أن يتهور للمرة الثانية وتكون هي صاحبة النصيب الأكبر في هذه اللحظة، كانت هناك يد تمنعه من التهور وإكمال وصلة الجنون تلك والتي قد تم التخطيط لها من قبل تلك الحية وهذا الضبع الجائع. وقف "سعيد" في مواجهة جدته، فرضًا سيطرته وحمايته لجده الحبيب الذي كان بمثابة عائلته بأكملها.
يطالعه بنظراته الحادة كأنها سهام تلقى دون توقف على العدو. فأكثر ما يبغضه أن يقيم أحدهم بإيذاء هذا الحبيب، وإن كان عن طريق الخطأ. رشّقها بنظراته هنيئة، ثم أعطى عمه النصيب منها، وقد ظهر شخصيته الحاقد تجاههم. ظهر غضبه وحقده تجاههم على تعبيرات وجهه ونظراته وانفعالات جسده وعضلات وجهه. تحدث بنبرة حادة تملؤها القسوة وهو ينظر لهما قائلًا:
"إن كان في حد مجنون هنا ومحتاج يدخل المصحة بجد، فهيكون أنت يا خرفانة. جدي لسه بعقله وأنصح منك وعقله يوزن بلد كاملة. الدور والباقي عليكي يا عجوزة يا أم ضهر محني يا اللي بتاخدي نفسك بالعافية. أي كلمة هتقوليها لجدي لازم تكوني دارساها كويس وعارفة تأثيرها إيه عاللي قدامك." أنهى حديثه لها، ثم نظر إلى عمه الذي اعتدل في وقفته، واضعًا كفه مكان صفعة أبيه إليه. يرمي والده بنظرات ناقمة وحاقدة، ليعطيه "سعيد" نصيبه، قائلًا
بنبرة متوعدة:
"وأنت، متفتكرش إني ممكن أعملك حساب. أنت خسارة إن أي حد يكبرك ويقول عليك راجل أساسًا. والراجل اللي زعقت فيه دا من شوية وعليت صوتك عليه وعملت عليه راجل، هو اللي رباك وعملك بني آدم. أنت من غيره زي الجزـ ـمة اللي فرجلك دي ولا حاجة، واحد ملهوش قيمة. اصحك تفكر تعلي صوتك عليه مرة تانية ولا حتى تفكر بينك وبين نفسك. عشان مش هتلاقي رد غير مني أنا. ومنصحكش تجرب عشان هتتكدّر. أنا مش قليل الحيلة دا أنا متربي وسط 14 راجل فعيلة الدمنهوري، يعني الواحد منهم لو اتسـ ـاب عليك يبلعك. مسرح أسود بالصلاة على النبي يعني، وكلهم لو جاعوا في وقت واحد يبقى إنا لله وإنا إليه راجعون. ياريت الكلام يجيب فايدة بدل ما الإيد تجيب الناهية."
أنهى حديثه وهو يهدده بشكل مباشر وصريح، وهو ينظر له نظرة حادة متوعدة. لحظات والتفت ينظر إلى جده الذي كان يقف خلفه يطالعه بنظرة فخورة مبتسم الوجه وعينيه تلمع ببريق يعلمه هو جيدًا. اقترب منه الخطوة الفاصلة بينهما، ثم لثم رأسه بقبلة هادئة وعاد ينظر له من جديد قائلًا بنبرة هادئة مبتسم الوجه: "فاكرني معرفش إنك جاي هنا؟
دا أنا مراقبك يا عم، وقاري دماغك وعارف أمتى بتوديك وأمتى بتجيبك. وراك حتى لو عالحدود يا كبير، وجاهز أكتم أي واحد يقول فحـ ـقك كلمة متعجبنيش."
ابتسم "حافظ" له بسمة فخورة وسعيدة، دون أن يتحدث. فقد كانت الأعـ ـين نواطق في هذه اللحظة وتقول ما يعجز الفم عن قوله. غمز له "سعيد" بمرح وهو يبتسم له، ثم التفت إليهما مجددًا وقد اختفت تلك البسمة في لمح البصر، وظهر الوجوم والقرف في نظرته إليهم. نظر إلى جدته وقال بنبرة حادة، يأخذ بحق الغائب عن العين والروح:
"وأنتِ يا ست أنتِ، لو فكرتي تاني مرة تقولي كلام مش كويس فحـ ـق أمي، يمين بالله في ظرف 24 ساعة أكون جايب تاريخ أمك كله من أول ما اتولدت لحد ما اتدفنت. ولو مسكت عليها حاجة يمين بالله ما هعتـ ـقك وهسـ ـتلمك محتوى. ولو عندك دكر يقدّر يوقفني هاتيه عشان أزفهولك وألبسه الطرحة. آمين." أنهى حديثه السام وهو يرشقها بنظراته بتحـ ـدٍ سافر. لتقف هي الأخرى أمامه الند بالند، تتـ ـحداه بنظراتها. فمتى استسلمت هي أمام أحد، أو كُسِرت؟
يبدو أن كلاهما لا يعلمون شيئًا عن بعضهما البعض، ولذلك ها قد جائتهما الفرصة للتعرف على بعضهما البعض. التفت "سعيد" بعد أن رماها بنظرات مشمئزة، ليحاوط جده بذراعه الأيمن، ثم تحركا سويًا من المكان الذي كان أشبه بالسجن بالنسبة إلى "سعيد" الذي كان يريد أن يسرع في الخروج. خرجا بالفعل من محيط هذا المكان المقرف من منظور "سعيد" الذي وقف أمام جده حينما وصلا إلى سيارته. لينظر له قائلًا بنبرة هادئة:
"مكانش ينفع تيجي يا جدي. اللي عملته كان أكبر غلط." نظر له "حافظ" نظرة هادئة هنية، ثم قال بنبرة مماثلة: "مقدرتش أشوفك كدا وأفضل ساكت يا "سعيد". حسيت بقهرة متحـ ـملتش أشوف ضـ ـعفك وأنت مرمي فحـ ـضنها مش لاقي اللي يطبطب عليك ويحتوـ ـيك غيرها. حسيت إني لازم أعمل حاجة عشانك، مينفعش أفضل ساكت كدا كتير. كان لازم أخرصهم وأعرفهم إنك مش لوحدك ولا وحيد ومكسور الجناح. مبحبش أشوفك ضعيف ولا حد جاي عليك."
ابتسم "سعيد" له بسمة هادئة، وألـ ـمعت عينيه بوميض ساحر حبًا وعشقًا إلى هذا الحبيب الذي كان جيشه الوحيد الذي به ينتصر هو أمام أعدائه مهما كان عددهم وقوتهم. اقترب منه يفصل المسافة بينهما، معانقًا إياه بحب شديد لا يمكن أن يوصف. فيما بادله "حافظ" عناقه بعناق أكثر حنوًا، ماسحًا بكفه على ظهره برفق، مبتسم الوجه، فهو ما تبقى له من الأحباب الذين رحلوا، فليس مستعدًا لخسارته مهما كانت الظروف.
"أنت صحيح بطولك فضهري والدنيا بتحارب فينا وشوية تيجي معانا وشوية علينا. بس وعهد الله أنا ما بحس بالأمان والقوة غير في وجودك جنبي. أنت جيشي يا جدي اللي بتقوى بيه." هكذا أخبره "سعيد" دون أن يبتعد عن عناق هذا الحبيب الذي ابتسم وشـ ـعر بالسعادة تغمر قلبه، ليجاوبه بنبرة هادئة قائلًا:
"وهفضل فضهرك العمر كله يا حبيبي. مش هتخـ ـلى عنك مهما حصل عشان أنا بحس بالوحدة وأنت مش جنبي. أنت الحاجة الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا دي وهدية ربنا ليا بعد أبوك وأمك. أنت زي الكنز بالنسبة لي، صعب أفرط فيه." شدد "سعيد" من عناقه له هنيهة، ثم ابتعد عنه، ينظر له مبتسم الوجه، ليقابله بسمة جده الذي كان لا يقل عنه شيئًا. ليـ ـربت على ذراعه برفق، قائلًا بنبرة هادئة:
"يلا، خلينا نمشي من المكان اللي شبه المآتة دا، مش طايق أفضل فيه دقيقة واحدة." وافقه "سعيد" القول، ليسأله بنبرة هادئة وهو ينظر له قائلًا: "هترجع عالقصر ولا هتتمشى شوية؟ جاوبه "حافظ" بنبرة هادئة قبل أن يفتح باب سيارته قائلًا: "عالقصر. نقعد سوا فالأوضة ولو "هند" حبت تقعد معانا، هاتها عشان متقعدش لوحدها، إفرض قعدتنا طالت."
ابتسم له "سعيد"، ثم فتح له باب السيارة مشيرًا إياه نحوها، ليفهم هو مقصده ويجلس على مقعد السائق، ليقوم "سعيد" يقفل الباب، ثم انحنى بنصفه العلوي قليلًا، ينظر له قائلًا بنبرة هادئة: "لا وأنت الصادق يا جدع، على الله أتحرك وهتحرك وراك دلوقتي. نوصل القصر على خير ونشوف الحوار دا مع بعض." أدار "حافظ" محرك السيارة، ونظر إلى حفيده بوجه مبتسم، ليجاوبه بنبرة هادئة قائلًا:
"ماشي يا عم، موافق. أوعى بقى عشان الجو ساقعة وأنا عايز أشغل التكييف."
استقام "سعيد" في وقفته، مشيرًا إليه مبتسم الوجه، ثم تركه وذهب إلى سيارته، وهو يتابع جده الذي كان ينتظره. اتسعت البسمة على ثغر "سعيد" الذي يعلم أن جده يخشى من أن يذهب إليهم مجددًا، ولذلك قرر الانتظار. جلس على مقعد السائق وأدار محرك السيارة، ثم تحرك من ساحة هذا السجن القاتل، مشيرًا إلى "حافظ" الذي تحرك خلفه، عائدين إلى القصر مجددًا، بعد أن أتم "سعيد" مهمته تجاه جده وفعل اللازم. "إن كنت لا تأبى لتحذيرات الملك،
فحلالٌ عليك ضربة الملك الأولى." هكذا كانت فئةٌ معينةٌ من البشر. طائفةٌ لا تخشى أحدًا ولا تعبأ لشيء في هذه الحياة. كل ما تطمح له ملاذتها، حتى وإن كانت على حساب غيرها. هكذا كان هو حينما لم يأبَ لتحذيرات الملك من عدم المساس بالملكة خاصته. ولكن إن لم تكن مبالي، فحلالٌ عليك ضربة الملك الأولى.
كان يقف أمام المرآة المضيئة يهندم ملابسه الشتوية الثقيلة للاستعداد للرحيل. وحينما أتمم على مظهره وشـ ـعر بالرضا، التفت خلفه ليرى صغيرته مستلقية على الفراش الكبير، ويبدو أنها تلاعب نفسها منذ وقت قليل. ابتسم بسمة هادئة، ثم اقترب منها بخطى هادئة حتى وقف أمام الفراش، ينظر لها دون أن يتحدث، يرى حركاتها الطفولية الأحـ ـب إلى قلبه.
نظرت هي له هنيهة، ثم تعالت بسمتها على ثغرها باتساع، ثم بدأت تحرك يديها وقدميها في الهواء بتلهف شديد حينما ظهرت صورته أمامها. اتسعت بسمته على ثغره، لينحني قليلًا بجذعه العلوي، حاملًا إياها على ذراعه، مستقيمًا مرة أخرى في وقفته، يمسح بكفه الأيسر على ظهرها برفق، ثم اقترب منها، يلثم خدها الصغير بقبلة حنونة، وحادثها بنبرة هادئة حنونة قائلًا: "طالع حلو مش كدا؟
عاجبك شكلي أوي يعني. ما أنا هطلع لمين يعني يا قمرنا يا حلو أنت."
أنهى حديثه، ثم أنـ ـهل عليها بالقبلات الصغيرة المتتالية المتفرقة على شطري وجهها، لينال هو في المقابل الضحكات الرنانة الطفولية التي لم يبخل عليه بها. وأقبلت "ناهد" في هذه اللحظة، وأغلقت الباب خلفها، لتراه حاملًا صغيرته التي نظرت لها لثوانٍ معدودة، ثم اتسعت بسمتها على ثغرها الصغير بحماس حينما رأت والدتها أمامها. ابتسمت "ناهد"، ثم اقتربت منه بخطى هادئة حتى وقفت أمامه.
اقتربت من صغيرتها، تلثم شطر وجهها بحنو، ثم ابتعدت قليلًا، تنظر لها، ليراها كلاهما تبدي سعادتها بتلك القبلات التي تلقـ ـطها قبل قليل منهما. ابتسم "شريف"، ثم رفع كفه، يرتب لها خصلاتها الخفيفة الناعمة بحنو، ليصدح رنين هاتفها في هذه اللحظة، يعلنها عن اتصال هاتفي. تركتهما، واقتربت من الطاولة بخطى هادئة، ثم انحنت بجذعها العلوي قليلًا، تلتقطه، لترى أخاها هو المتصل.
تبدلت تعبيرات وجهها مائة وثمانون درجة حينما رأت اسمه ينير شاشة الهاتف، وفورًا عادت تلك الليلة تضرب رأسها مجددًا بعد أن حاولت وسعـ ـت لنسيانها بشتى الطرق. ولكن كانت في النهاية الحقيقة واضحة وضوح الشمس. فالماضي لا ينسى حتى وإن حاربنا لذلك. تلك كانت الحقيقة التي يرفض العقل تقبلها. التفت "شريف" ينظر لها بعدما طالت رنة هاتفها، ليسألها بنبرة هادئة قائلًا: "إيه يا "ناهد"؟ مردتيش ليه لحد دلوقتي؟
لم يتلقى الرد منها هذه المرة مثلما كان يتلقى الموافقة دومًا. ولذلك شعر أن ثمة شيء ما يمنعها من الإجابة، ولذلك تقدم منها بخطى هادئة حتى جاورها في وقفتها، ونظر إلى هاتفها ليجد المتصل أخيها. وفورًا علم لم أتصل الآن. نظر لها مجددًا، ثم مد يده اليسرى وأخذه منها، مجيبًا إياه دون أن يتفوه بحرف، منتظرًا جواب الآخر أسفل نظراتها المترقبة والمرتعبة. "بقيتي تطنـ ـشيني يا بنت أبويا وأمي؟
خلي بالك، ودا مش حلو عشانك. اسمعي بقى عشان ماخدش سكة مش لطيفة معاكي. المرة اللي فاتت جوزك نجـ ـدك مني. المرة دي يمين بالله لأقتـ ـلك بجد لو ما جبتيلي الفلوس. سامعة؟ اتقي شـ ـري، أنتِ مش قدي."
هكذا هددها أخاها بصراحة مباشرة دون أن يخشاها أو يخشى زوجها وما سيفعله به. فهذا الفعل متوقعٌ من مدمن مثله، يعيش على المواد المخدرة طيلة الوقت، والتي أتلـ ـفت عقله مؤخرًا وأطاحت به بعيدًا. نظر "شريف" إلى زوجته في هذه اللحظة، ليرى وجهها شـ ـحب وأصبح مكتسي باللون الأصفر خوفًا مما سيقوله إلى زوجها. تحدث بنبرة حادة مفاجئًا إياه قائلًا:
"تصدق خوّفتني وكشـ ـيت وحاسس بالرعب بعد تهديداتك العبيطة دي. تصدق بالله أنت ما راجل ولا تعرف عن الرجولة حاجة، بس معذور عشان أنتِ فالنهاية شماّم وكتر البودرة اللي بتشمها كل يوم كلّت دماغك خلاص، فقدنا الأمل فعلاجك. اسمع أنت بقى يا روح أمك، عشان أنا بعد كدا ما هسمي عليك لو فكرت تتصل بـ "ناهد" تاني وتخوفها وتهددها عالـ ـفاضي والمليان، وعهد الله وحلفان ما هرجع فيه أبدًا، لأكون مسلمك للبوليس بنفسي وتدخل السجن تتربى ويعلموك الرجولة، وبالمرة يعالجو. وبعدها بقى نشوف تهديد مين فينا هيمشي عالتاني. ولو قلبك واخدك أوي، تبقى تستجرى وتعتب عتبة القصر هنا عشان الرجالة هنا يوجبوا معاك أحلى واجب. آمين يا عم."
أزداد خوف "ناهد" أكثر حينما استمعت إلى حديث زوجها مع أخيها، والذي كان به صياغة التهديد والوعيد لها. ولذلك كان هذا رد "شريف" عليه. أغلق المكالمة دون أن يستمع إلى أي شيء آخر، وخصوصًا بعدما أنهى حديثه معه هو الآخر. نظر إلى "ناهد" التي كانت تنظر له بوجه شاحب والخوف يحتضن قلبها. ليتولى هو زمام الأمر حينما قال بنبرة هادئة:
"مش هيسكت بجد غير لمـ ـا يترمي فالسجن. متصل عشان يهددك كنوع من أنواع التخويف عشان تعملي اللي هو هيقول عليه. متخافيش، مش هيعمل حاجة ولا هيستجرى يقرب من هنا. ولو قلبه جابه أوي، وجه مش هيعرف يدخل، ويوريني هينفذ تهديداته المتخـ ـلفة دي إزاي. المكالمة أنا سجلتها عشان تكون دليل ضـ ـده، أوعي تمسحيها." أنهى حديثه محذرًا إياها من عدم مسح هذا التسجيل الذي أخذه ضده، ليتلقى الموافقة منها في الحال، ثم سألته بنبرة تملؤها الخوف
والقلق مما قاله أخاها: "طب هو قالك إيه؟ يعني المفروض إنه بيهددني أنا؟ قال إيه خلاك ترد عليه كدا؟ "مش لازم تعرفي قالك إيه." هكذا رد هو عليها، لتجاوبه هي في نفس اللحظة قائلة: "لا لازم أعرف، وأنت لسه قايل إنك سجلت المكالمة، يعني سهل آخد الموبايل وأسمع المكالمة."
عادت تتمرد وتـ ـعاند أمامه مجددًا. هكذا كانت هي، ولهذا هو أحبها. أطلق زفرة هادئة بعدما علم أن النقاش بينهما سيكون مستحيلًا، ولذلك قرر أن يقوم بتشغيل المكالمة مرة أخرى، ثم نظر لها بعدما قام بتشغيلها، لتستمع هي إلى حديث شقيقها الذي بالطبع أخافها بشدة وجعلها تخشاه أكثر من المرة السابقة. وحينما انتهى التسجيل، نظر لها نظرة ذات معنى هادئة، ثم قال: "عرفتي ليه مكانش لازم تسمعيها؟
أخوكي دا يستاهل كل حاجة ممكن تحصل له. كل اللي همه الفلوس عشان يشرب بيها ويتسلطن. قولتهالك قبل كدا يا "ناهد"، أخوكي واخدك البنك المركزي بتاعه مش أكتر. وأنتِ بتغلطي عشان بتديه. هو لو لقى الرفض منك في الأول، مكانش قرر يلجألك تاني. بس مرة بعد مرة اتعود. فإيدك تشيلي نفسك من الحوار دا، ولو هو مش هيجيبها البر، أنا عارف كويس المفروض أعمل إيه معاه."
ترقرق الدمع في المقل بعد أن استمعت إلى حديثه دون أن تتحدث. فيما ترك صغيرته على الفراش، ثم استقام واقفًا، ينظر لها، ليضمها إلى دفء أحضانه، معانقًا إياها، ماسحًا على ظهرها برفق، دون أن يتحدث، لتقوم هي بمعانقته، واضعة رأسها على صدره، دون أن تتحدث، فقد كان قلبها يؤلمها حينما تلقت الغدر من الحبيب الذي أصبح اليوم عدوًا لها.
ظلت تبكي لوقت لا تعلمه، فكانت تشعر بروحها تزْهَق، وقلبها ينزف بعدما كانت تظن بهذا الحبيب خيرًا لها. واقعٌ فرض علينا العيش به وتقبله مهما كانت الظروف العصيبة التي نمر بها. فهذه هي الحياة، وهؤلاء كانوا البشر. "هلّت السعادة وطرقت أبوابنا، وها هو الأمير يجاور أميرة أحلامه." تلك كانت الحياة التي حرـ ـموا منها، وتلك كانت سعادتهم بها.
اليوم هلّت السعادة عليهم وطرقت أبوابهم مثلما فعلت منذ أيام قليلة. وبرغم هذا كله، ها هو الأمير يجاور أميرة أحلامه.
كان القصر يعج بالزينة، وأضواء الفرح تتراقص على الجدران، بينما دوت الموسيقى الهادئة في الأرجاء، ممزوجة بصوت الضحكات والتبريكات بين الوافدين لحضور هذا الحفل. كان "ليل" الحفيد يشرف على كل شيء. وعلى الجهة الأخرى، كان "أحمد" يقف رفقة صديقه "عرابي" يتحدث معه مبتسم الوجه، ويمازح صغيره "سديم" الذي كان يشاكسه بين الحين والآخر بشقاوة طفل صغير. وبجهة أخرى، كان "حذيفة" يجاور زوجته وطفله، يلتقط صورة تذكارية معهما بوجه مبتسم، وعينين تلمعان بوميض ساحر.
وقف "عادل" بثوب أنيق، مبتسم الوجه، يكسوه القليل من التوتر والسعادة، وهو يراقب "ترتيل" تتهادى بفستانها الساحر أمامه، ووجهها يكسوه حمرة الخجل. اقترب منه "علي" يجاوره، وهو ينظر له بطرف عينه، مبتسم الوجه، يرى نظرة أخيه إلى حبيبة القلب، التي حينما قام بمناداتها، تلقى الجواب منها في الحال. نظر إلى "ترتيل" التي كانت ترافق صديقاتها، تضحك، وحمرة الخجل تكسو وجهها، ليعود بنظره إلى أخيه، الذي كان يركض خلفه أمس حينما كان صبيًا، والآن أصبح رجلًا يستعد لبداية حياة جديدة.
وضع "علي" كفه على كتف أخيه، مربتًا عليه برفق، تزامنًا مع همسه له قائلًا بحماس: "والله وجه اليوم اللي أشوفك فيه واقف مكسوف ومتوتر قدام اللي قلبك دقلها يا "عادل"." نظر له "عادل" في هذه اللحظة، وقال بحياء: "وليه الإحراج دا؟ دا أنا لسه بجرب أول مرة، طبيعي أتوتر وأحس إني مش أوي. على يدك معملتهاش قبل كدا." نظر "علي" إلى "ترتيل" في هذه اللحظة بوجه مبتسم، يراها تضحك مع صديقاتها، والحمرة تكسو وجهها، ثم قال:
"بس تعرف، البنت دي بتحبك على فكرة. شايف لمعة عينيها؟
لمعة حافظها أوي وعارف معناها. وشايف طيبة قلبها وبراءتها. هقولهالك وبكرة تقول "علي" قالها. "ترتيل" عاملة زي المهرة الأصيلة بالظبط. اتـ ـربت فبيت أصيل وعنيها شبعانة وعزيزة النفس. تبان إنها بت هشة وأي حد يقدر يدوسلها على طرف. بس ورا الوش البريء دا واحدة شرسة، متستناش اللي يدوسلها على طرف. أنت عرفت تختار صح. قلبك كان دليلك. وقع مع اللي يشبهله، وعشان كدا قرر ميسبهاش إلا لما تكون الونس...
مبسوطلك أوي. لقيت الشبيه اللي يشبهك."
أنهى حديثه وهو فخورًا به، ويشعر بالسعادة تغمر قلبه، وكأنه هو العريس وليس أخيه. نظر له "عادل" مبتسم الوجه، وقبل أن يرد على حديثه ذاك، منعه صوت المذيع معلنًا عن بدء مراسم الخطوبة. ولذلك اضطر "عادل" أن يترك أخيه، ثم تقدم بخطى هادئة من "ترتيل" التي تركت صديقاتها كذلك، وتقدمت منه، ليتقابلا سويًا في منتصف الطريق، يقفان أمام بعضهما. بدأت مراسم الخطوبة أسفل نظرات أخيه السعيدة، وبقية أفراد العائلة الذين كانوا يشكلون حلقة دائرية حولهما، يتابعون ويوثقون تلك اللحظة بهواتفهم.
كانت والدتها ووالدته معهما، نظرًا أنها مازالت أجنبية عنه. وقفت "لارين" بجوار "فرح" تحمل علبة المجوهرات. ليأخذ "عادل" الخاتم الخاص بـ "ترتيل"، معطيًا إياه إلى والدتها التي أخذته، ثم نظرت إلى ابنتها مبتسمة الوجه، ثم أمسكت بكفها الأيمن، ووضعت الخاتم في بنصرها. كانت "ترتيل" تنظر إلى "عادل" بوجه مبتسم خجول، ليمنحها بسمة هادئة تخبرها عن شعوره في هذه اللحظة. علت الزغاريد في المكان حينما أصبح خاتمه في إصبعها. اتسعت البسمة على ثغرها وهي ترى سعادة الجميع لهما، لتزداد سعادتها أكثر بهذا المشهد الذي لم تتوقعه قط.
أخذت "فرح" خاتم ولدها ذو اللون الفضي اللامع، لتنظر له مبتسمة الوجه، وعينين تلمعان فرحًا وسعادة لأجله. وضعت الخاتم في بنصره، لتعلو صيحات شباب العائلة والتصفيق العالي من حوله حينما تمت المراسم، لينظر إليهم من حوله مبتسم الوجه، والسعادة تظهر على تعبيرات وجهه. كان "علي" يقف في الخلف، يصفق بحماسة، سعيدًا لأجل أخيه، بعد أن تمنى أن يأتي هذا اليوم. عيناه تلمعان بوميض ساحر، والبسمة الواسعة ترتسم على ثغره، بعد أن تحقق هذا الحلم وجاء هذا اليوم الموعود.
ألتفت له "عادل" ينظر إليه بوجه مبتسم، وعيناه تلمعان، ليتقدم منه بخطى هادئة، تاركًا الجميع، ليقف قبالة أخيه الذي كان ينظر له مبتسم الوجه، والسعادة تظهر على تعبيرات وجهه، لأجل هذا الحبيب الذي يكون بئر أسراره. جذبه "علي" معانقًا إياه، مبتسم الوجه، وعيناه تلمعان، ليبادله "عادل" هذا العناق الأخوي الحنون، دون أن يتحدث. يكفي مشاعره ونظرة عيناه ولمعتها الخاصة.
"مبارك يا حبيبي. اليوم اللي أتمنيته ييجي أخيرًا عشان الصورة تكمل والفصل يبقى بطعم أحلى. بقيت راجل يا ضـ ـيع بعد ما كنت عيل إمبارح بجري وراك هنا وهنا." هكذا قال "علي" بنبرة غمرتها السعادة لأجل أخيه. ربت "عادل" على ظهره برفق، وقال بنبرة فرحة:
"الله يباركلك يا حبيب أخوك. الصورة مكملتش غير بفرحتك بيا ووجودك جنبي. لولاك أنا بجد مش عارف كنت هعمل إيه. أنت كنت جنبي في كل حاجة، حتى فأتفه حاجة مخليتش بيا ولا سبتني تايه مش عارف هعمل إيه. بالعكس، كان عندك حلول لكل حاجة. أنت أغلى حاجة فحياتي يا خويا."
اتسعت البسمة على ثغر "علي" الذي شد من عناقه إلى أخيه ردًا على حديثه. بينما كانت "ترتيل" تقف بالقرب منهما، تنظر لهما بوجه مبتسم، وقد غمرها شعور بالطمأنينة كدفء الشمس بعد ليلة باردة. ترى حب الأخوين إلى بعضهما، ليراودها شعور لذيذ، شعور ينذرها بالسعادة والراحة التي ستلقاها مع هذه العائلة الحبيبة التي رحبت بها بكل ود وحب.
كان الحفل منقسم لقسمين، قسم للسيدات وآخر للرجال، للمرة الأولى تقريبًا. وبرغم هذا، كانوا سعداء، وتعلو ضحكات الشباب في المكان، بعد أن بدأوا بممازحة "عادل" حينما بدأت مراسم الخطبة، وكيف كانت هيئته أمامها. وبالشق الآخر، مجلس السيدات، الذي كان يختلف عن مجلس الرجال بكل تأكيد. حيث كانت الموسيقى تعلو في المكان، والعروس ترقص بسعادة رفقة صديقاتها وفتيات العائلة. في مجلس الرجال.
كانوا جميعهم مجتمعين مع بعضهم، يتحدثون ويضحكون مع بعضهم، حتى حانت اللحظة التي خطط لها "علي" بدقة واحترافية. نظر إلى أولاد عمومته نظرة فهموها، ولذلك انسحبوا من هذا المجلس دون أن ينتبه لهم "عادل" الذي كان يشاهد الصور التي التقطها صديقه المقرب "عابد" لأفراد عائلته. نظر "حافظ" إلى "ليل" الجد، وقال بوجه مبتسم: "تصدق الخطوبة طلعت حلوة بالنظام دا. فكرتها هتبقى مملة." نظر له "ليل" الجد، وابتسم له، وقال:
""عادل" اللي قال عايزها منفصلة. وعشان الحريم ياخدوا راحتهم أكتر، أهي خطوبة بنت ناس، بدل الخطوبات بتاعت العيال الصايعة اللي مشافوش ترباية دول." ضحك "حافظ" عاليًا حينما استمع إلى حديثه، الذي قصد به أحفاده الكبار، ليجاوبه بنبرة ضاحكة قائلًا: "على رأيك. كل واحد على حسب ما يميل بقى يا "ليل"." جاوبه "ليل" بنبرة هادئة، وهو ينظر إلى حفيد أخيه، قائلًا:
"الواد "عادل" اتغير. لما خطب أول مرة، كان عندي إحساس إنه مش هيكمل. معرفش وقتها خطب ليه. بس التجربة دي كانت درس قوي ليه. عشان يتعلم إزاي يختار اللي عايزها بعد كدا. لمـ ـا سرّحت دلوقتي مع نفسي، لقيته نضج. في حاجة غيرته. بس كان للأحسن. الخير متعرفش مستنيك فين، ولا تعرف هتشوف إيه لحد ما توصله. بس اللي أعرفه إنه فالآخر هيلاقيه مستنيه في نهاية الطريق. يكافئه على المعافرة والمثابرة. ودلوقتي دي مكافئته."
نظر "حافظ" إلى "عادل" الذي كان يضحك على حديث ابن عمـ ـه "عز" الذي كان يشاركه هو وأولاد عمومته الضحك على ما يقال. ابتسم بسمة حنونة له، متمنيًا له السعادة والراحة فيما هو قادم. يجاوره "ليل" الذي كان يستمع لهم بوجه مبتسم، ويضحك عليهم. وبعد مرور القليل من الوقت.
انطلقت أصوات المحركات تعانق سماء الليل، معلنة عن احتفال غير تقليدي هذه الليلة. حيث اجتمع الأصدقاء وشباب العائلة على دراجاتهم النارية، مصطفين في صفوف منظمة أمام بوابة القصر الداخلية، والذي احتضن حفل خطوبة "عادل" و "ترتيل". كان المشهد مزيجًا بين الفخامة والحماس، حيث تزينت الدراجات بأشرطة ملونة وأضواء متوهجة، تضفي على الأجواء لمسة شبابية مجنونة.
خرج "عادل" من حديقة القصر الخلفية، التي كانت تزينها الأضواء الملونة والطاولات والمقاعد الخاصة بها لجلسة شبابية. يضحك وهو يلوح بيده لصديقه "عابد" الذي أطلق زمجرة محرك دراجته، قائلًا بحماس: "وقت الحفلة الحقيقي حضر. مستعد يا عريس؟ ضحك "عادل" وهتف بوجهه ضاحكًا له: "جاهز طبعًا."
قفز "علي" على دراجته الضخمة، مشيرًا للجميع بالانطلاق. ليندفع الموكب الشبابي على طول الساحة الواسعة الخارجية للقصر، تتبعه السيارات المزينة بالورود وأبواقها تصدح بألحان الفرح. بينما كانت "ترتيل" تقف رفقة الفتيات اللواتي خرجن إلى شـ ـرف القصر، يشاهدن هذا الاحتفال الشبابي المجنون. لم تعتد "ترتيل" على تلك الأجواء الصاخبة. كانت تراقب المشهد بدهشة وسعادة. رأت تقدم "عادل" من الدراجة النارية، أسفل صيحات الشباب المتعالية السعيدة والمشجعة له.
قفز على دراجته النارية، ثم نظر إلى أخيه الذي كان ينظر له مبتسم الوجه. غمز له بعبث، وكأنه يخبره أنه قد قطع وعدًا له وأوفى به اليوم. أمتـ ـن له "عادل" في هذه اللحظة، ومنحه بسمة صافية، وكأنه يشكره على تلك الليلة التي كانت بها نكهة مختلفة ولذة مجنونة كان هو صاحبها. ألتفت برأسه ينظر إلى "ترتيل" التي كانت تترقب ما سيحدث، فقد كان يتمنى أن يشاركها تلك اللحظة المجنونة.
ومع انطلاقهما، تعالت أصوات الهتافات، وأضاءت الألعاب النارية السماء، بينما كان "علي" يقود المجموعة بحماس، ملتفتًا نحو أخيه، قائلًا بصوت مرتفع وسط ضجيج المحركات: "كذا تبقى الحفلة على أصولها يا معلم."
ضحك الجميع، وتعالت أصوات الفرح، ليكون هذا الاحتفال ذكرى لا تنسى، محفورة في قلوب الجميع بروـ ـح الشباب والحرية، بلذة مختلفة تترك بصمتها حتى تظل ذكراها محفورة في عقولهم. ليلة مختلفة جعلها "علي" مميزة لأخيه الذي لم يتوقع أن يفعلها ويجعلها أسعد ليلة يراها. وفي بعض اللحظات المجنونة الخاصة بهم، أضافوا لمستهم الساحرة ببعض المزحات الصبيانية.
دوت صوت المفرقعات في السماء، تنيرها بألوانها المختلفة، من قبل الشباب، وعلى رأسهم "مينا" الذي أضاف لمسته الخاصة. وقف بجوار "ليل" الذي كانت نظراته محملة بالخبث والمكر. أخرج علبة المفرقعات من جيب سترته الكحلية، ثم قام بفتحها، وأخرج أول صاروخ، والبسمة الخبيثة تعلو ثغره. بينما أخرج "مينا" أول عود كبريت، ثم حرّكه بسرعة على أحد جانبيه، لتشعل النار. قرب "مينا" العود من الصاروخ لثوانٍ معدودة، ثم ألقاه "ليل" بالقرب منهم، وانتظر هو و "مينا" حتى يعلو صوت فرقعته.
الهواتف مرفوعة توثيقًا من قبل الفتيات لتلك اللحظة. لم ينبث ثوانٍ، وعلا صوت فرقعته عاليًا، ليجعلهم يشعرون بالذعر، ويركض كل واحد منهم في اتجاه مختلف ومعاكس. علت الضحكات في أرجاء المكان حينما رأوا ردة فعلهم تلك. أخرج "ليل" الثاني سريعًا، ومعه أشعل "مينا" عود الكبريت الثاني، ثم قرب "ليل" الصاروخ منه لثوانٍ، ثم ألقاه نحوهم، لتعلو ضحكته هو و "مينا" حينما رأهم يركضون بعيدًا عنه. ليصدح صوت فرقعته عاليًا للمرة الثانية على التوالي.
"إحنا فينا من كدا يعني؟ أبقى مديك الأمان وتخونـ ـي كدا!! هكذا تحدث "عادل" بنبرة عالية، مبتسم الوجه، ليجاوبه "ليل" بعد أن قام بإشعال الصاروخ الثالث، ثم ركض خلفه، ملقيًا الصاروخ نحوه، قائلًا بنبرة عالية ضاحكة: "مبارك على الخطوبة يا "عادل"، ودي هديتي ليك." دوى صوت فرقعة الصاروخ بعد أن ابتعد عنه "عادل" بمسافة وجيزة، لينظر له بوجه ضاحك مجيبًا إياه قائلًا:
"يا عم الله يبارك فيك وشكرًا على الغدر، أنت والواد الخبيث اللي معاك دا." أنهى حديثه قاصدًا "مينا" الذي أرسل له قبلة هوائية، ورفع كفه يلوح له شاكرًا إياه. اقترب "شهاب" منه في هذه اللحظة، واضعًا كفه في جيب سترته الرمادية، قائلًا: "تعالى، أنا هخليك تنتقم مـ ـنهم دلوقتي عشان تشكرني بعدين." نظر له "عادل" الذي قال مبتسم الوجه: "هتعمل حركة جدعنة بجد ولا هتغدر أنت كمان؟ نظر له "شهاب" بعتاب، ثم قال:
"أنت تعرف عني كدا برضوا يا "عادل"؟ عيب عليك يا ضـ ـيع، هعمل حركة جدعنة معاك." شعر "عادل" بمصداقيته، ولذلك أعطاه ثقته، وقال بنبرة هادئة: "هتساعدني إزاي بقى عشان أنا أتغفلت دلوقتي." أخرج "شهاب" كفه، ثم أمسك برأسه بكفه الأيسر، وأبتعد عنهم برفقته على مسافة وجيزة، ثم وقف ملتصقًا به، ومد كفه الأيمن له، قائلًا: "خد دول شوية بومب حكاية مش أي كلام يعني. اصطـ ـاد أبوهم واحد واحد، وأنا فضهرك، متخافش."
نظر له "عادل" بعدما أخذهم منه، ليراه ينظر له مبتسم الوجه، ولذلك جاوبه بامتنان: "حبيبي يا أبو الرجولة والجدعنة كلها." في هذه اللحظة، كان "ليل" و "مينا" يقفان خلفهما على مسافة وجيزة، دون أن يشعر بهما هذا الثنائي، الذي كان يخطط لرد الصاع اثنين. ألقى الصاروخ بالقرب منهما، ثم ابتعدا خطوتين للخلف، والبسمة الخبيثة ترتسم على ثغرهما. بينما ترقب "شهاب" لثوانٍ، ثم وصلت الرائحة أنفه، ليقول بنبرة خافتة: "في صاروخ ورانا."
نظر له "عادل" مترقبًا، بعدما وصلت الرائحة أنفه، ليسرع في الإمساك بيد "شهاب"، ثم ركض مبتعدًا به، تزامنًا مع فرقعة الصاروخ. توقفا، ثم التفتا لهما، ليرميهما "عادل" نظرة متوعدة. ابتسم الثنائي الآخر له بسمة خبيثة، وهما ينظران له نظرة ماكرة. اقترب "عادل" منهما بخطى هادئة في هذه اللحظة، وبرفقته "شهاب" متوعدًا لهما، قائلًا: "هي بقت كدا يعني؟ بتغفلوني."
وحينما اقتربا منهما، نظر "عادل" إلى ابن عمـ ـه نظرة متوعدة، ثم سارع بإلقاء هذا النوع من المفرقعات، المعروف في اللغة الدارجة باسم "بومب" عليه، ليعلو صوت فرقعته سريعًا حينما يلقى على أي شيء يلامسه. تفاجأ "ليل" الذي التفت بجسده إلى الجهة الأخرى، مبتعدًا عنه، يعلو صوته متفاجئًا بفعله. بينما نظر "مينا" مترقبًا إلى "شهاب" الذي نظر له مبتسم الوجه، والخبث يغلف عيناه، قائلًا: "أوعى تغدر أنت كمان. إحنا مفينـ ـاش من الكلام دا."
"متخافش. دا أنا عندي عرقين نسيت أقولك عليهم. أولهم الغدر، وتانيه الندالة." هكذا جاوبه "شهاب"، تزامنًا بإلقائه نحو "مينا" الذي ابتعد عنه، وهو يصرخ صرخات مضحكة، جعلتهم يضحكون عليها. وفي لحظة أخرى مجنونة، بدأوا جميعهم بإلقائه على بعضهم البعض، وصوت ضحكاتهم يعلو في المكان. هكذا كانت ليلتهم، وهكذا كانوا هم. "أمسية مميزة وفريدة من نوعها، وقلبين اجتمعا على الحب الصافي." كانت أمسية مميزة وفريدة من نوعها.
قلبين عاشقين واجتمعا على الحب الصادق. هكذا كانا هذا الثنائي منذ أن تلاقى، وحتى هذه اللحظة.
في أمسية هذا اليوم الهادئ، وبعد أن شارف اليوم على الانتهاء، كان "شهاب" يجاور "مريم" في غرفة المعيشة المضيئة بنور الشموع، بعد يوم ملـ ـيء بالتجهيزات والمشاغل لأجل أن تتم مراسم خطبة "عادل" كما كان يريد. كان الجو هادئًا، والأثاث المحيط بهم يبعث على الراحة في النفوس. كانت "مريم" تحمل كوبًا من الشاي في يدها، وكان "شهاب" مسترخيًا على الأريكة، واضعًا رأسه على فخذها، يشاهد التلفاز، مستمتعًا بلمسة كفها على خصلاته.
رفـ ـع كفه الأيسر ممسكًا بكفها ذاك، مقربًا إياه من فمه، يلثم باطنه بقبلة حنونة، ثم ضم ذراعها إلى دفء أحضانه، دون أن يتحدث، أسفل نظراتها المتعجبة وفمها الذي كان يعلوه بسمة هادئة حنونة. فجأة، رن هاتف "شهاب" الذي كان موضوعًا على سطح الطاولة أمامه. نظر إلى شاشته، ليجد إشعار وصول صور الزفاف الخاصة بهما. ابتسم "شهاب" بحماس، ثم اعتدل جالسًا، وسحب هاتفه من على الطاولة، وقال:
"الصور وصلت يا "ريما". أنا مش مصدق بجد إني هشوفها." تركت كوب الشاي جانبًا، ثم اقتربت منه تنظر إلى هاتفه، تتوقع كيف ستكون الصور، قائلة بنبرة خافتة: "تعتقد هتكون زي ما تخيلناها أنا وأنت من كام يوم."
نظر إليها "شهاب" بابتسامة رقيقة، ثم فتح الصور دون أن يجيبها، وترك الصور هي التي تتحدث عن نفسها. كانت الصور تظهر "مريم" في فستان الزفاف الأبيض، وهو يقف بجانبها مبتسمًا، يلمع في عينيه الحب والفرح. كانت اللحظة التي التقطت فيها الصور تتحدث عن نفسها، حيث كان كل شيء مثاليًا كما خططت. تحدث "شهاب" وهو يحدق في الصورة بعدما رأى طولها، قائلًا مبتسم الوجه:
"يا عيني يا عيني على طبق البسبوسة اللي واقفة جنبي، وأنا مكنتش واخد بالي منها. تعرفي؟ شكلك زي أميرات ديزني. أو أنتِ أحلى منهم كمان بمراحل. لو هما أميرات ديزني، فأنتِ أميرتي أنا وبس. عرفت ليه وقتها "شكري" قالي يا بختك، والكل هيص أول ما ظهرتي."
خفضت "مريم" رأسها إلى الأسفل، وابتسمت بخجل دون أن تتحدث. بينما نظر لها "شهاب" بوجه مبتسم، ثم اقترب منها، وهو يحاوطها بذراعه الأيمن، مشيرًا لها تجاه الهاتف، وهو يعبث بين الصور المرسلة له، قائلًا: "بصي، الصورة دي حلوة أوي. هنا بصراحة، أنا حسيت إني كنت فعلًا شايفك. الصورة حلوة وفيها روح حلوة. بس نظرتك حوار هنا."
أنهى حديثه مبتسمًا، وهو ينظر لها نظرة ذات معنى، ليراها تنظر بعيدًا عن مرآه، وهي تضغط على يديها بخجل. ليقوم هو بوضع كفه على كفيها، ضاغطًا عليهما برفق، قائلًا: "إيه أنتِ اتكسفتي ولا إيه؟ على فكرة أنا جوزك يا حلوة." أنهى حديثه متخا ـبثًا، وهو ينظر لها، مقتربًا منها، لتبتعد هي عنه. وفجأة، منعها هو، مقتربًا منها، يلثم خدها بقبلة خاطفة، تزامنًا مع قوله: "والله عـ ـيبة فيـ ـحقي."
عاد ينظر إلى الهاتف، لتظهر صورة أخرى غير تلك التي كانت موجودة، ثم همس لها بصوت أجهش: "طب بصي حلاوة الصورة دي بقى. أحلى حضن بعد حضن كتب الكتاب، وأحلى واحدة فحياتي." نظرت هي إلى الصورة أسفل نظراته، ليرى بسمتها بدأت تظهر على ثغرها رويدًا رويدًا، حتى أنارت عتمة الليل، وكأنها أشعة الشمس الذهبية التي تشق سكون الليل بعد ليلة عاصفة باردة. نظر إلى الصورة بوجه مبتسم، ثم قال: "كـ ـنا حلوين أوي، وأنتِ كنتِ زي القمر."
نظرت له "مريم" بوجه مبتسم، ثم همست له قائلة: "عشان عيونك حلوين بس يا حبيبي." وضع "شهاب" الهاتف جانبًا، ثم أخذ يدها برفق، مداعبًا أناملها بحنان. تحدث بنبرة هادئة، وقال:
"الموضوع مش فجمالك بس يا "ريما". الموضوع عن الطريقة اللي خليتي فيها اليوم حلو وميتنسيش. فاللحظة اللي كنتِ حاضنك فيها، بأكد فيها لعقلي إن اليوم دا حقيقي مش مجرد خيال ولا وهم بيرسمهولي. اللي أكدلي الدفا اللي حسيته وقتها. الحنية اللي قدرت توصل لقلبي. الهمسة واللمسة. فاللحظة دي كنتِ العالم كله بالنسبة لي." كانت "مريم" تنظر له بحب. لم تستطع أن تفعل شيئًا سوى أن تبتسم له. قالت بنبرة هادئة:
"وأنت كمان يا "شهاب". خليت اليوم دا أحلى يوم فحياتي. أنا كنت مبسوطة وطايرة من الفرحة بسببك." في هذه اللحظة، اقترب منها "شهاب" أكثر، ثم همس بصوت دافئ في أذنها، وقال: "أعتقد إن أفضل جزء فالصور دي كلـ ـها هي الذكريات اللي عملناها مع بعض فيها. كل نظرة، كل همسة، كل لمسة، كل دقة قلب عالية ونبرة حب صافية. وكل لحظة فيها هتفضل محفورة جوه قلبي."
أنهى حديثه بنبرة دافئة، ثم قبل جبينها بلطف، وابتسمت "مريم" تلك الابتسامة التي تعكس كل حبها له. جلسا معًا، يحدقان في الصور، بينما كانت اللحظات السعيدة تمر بينهما، وكأنها قصة حب لا نهاية لها. بينما كان "شهاب" ينظر إلى الصورة على الهاتف، وفي لحظة خاطفة، شعر قلبه ينبض بشكل أسرع. كانت "مريم" في الصورة كالزهرة التي أزهرت في أجمل فصل من فصول الحياة. فستان زفافها الأبيض كان ينساب برقة حول جسدها، كأمواج البحر الهادئة التي تتراقص على الشاطئ. تفاصيله تلتقط الضوء بلمسة ساحرة، وكأن كل خيط فيه يروي قصة من الجمال والنعومة.
لكن ما لفت نظره أكثر، كان وجهها الذي كان يزينه الخمار الأبيض، الذي أضاف لمسة من البساطة الأنيقة. كان الخمار يحيط برأسها، كأنما يحيط تاجًا من النقاء. وكل تفاصيله كانت تعكس طهارة وسحرًا لا يمكن مقاومته. ورغم أنه كان يغطي خصلاتها البنية، إلا أنه زادها جمالًا واحتشامًا.
أما عن وجهها، فكان لا يحتاج إلى الكثير من الزينة ليبدو رائعًا. تلك اللمسات الناعمة التي أضافتها كانت تكمل جمالها الطبيعي. فتلك اللمسات من أحمر الخدود الذي أضاء وجنتيها، ورموشها الطويلة التي كانت تتراقص مع كل همسة من الرياح، جعلت عينيها تتألقان أكثر، وكأنها نجمة في سماء ليل هادئ. كان يراقبها في الصور، ونظره يتسلل نحوها، يلامس روحها. نظرته كانت مليئة بالحب والإعجاب بها، ولم يستطع أن يمنع البسمة تعلو ثغره.
"أزاي واحدة تكون بالجمال والحلاوة دي كلها لوحدها؟ هكذا همس "شهاب" لها بصوت خافت، وكأن الكلمات لا تكفي للتعبير عن مشاعره. وعنها، فقد كانت تراقب ردة فعله بصمت، مبتسمة الوجه، ترى مدى حبه وعشقه لها، ليثبت إليها في هذه اللحظة أنه لم يكن معجبًا فقط بشكلها، بل هو مغرمٌ بروـ ـحها الحلوة التي بأبسط فعل وحركة جذبته نحوها.
أمسكت بكفه الدافئ، ووضعته على موضع قلبها، ليستشعر هو في هذه اللحظة بنبضاته العالية والمتسارعة أسفل راحته، يخبره كم هو مجنونٌ بها، ولا يريد سواه هو. نظر إلى عمق عينيها البنية، التي كانت تنظر إلى عينيه، ثم قرر أن يترك نفسه لأمواج البحر تحركه كيفما تشاء هي. اقترب منها بهدوء شديد، لتشعر بأنفاسه الساخنة على شطر وجهها الأيسر. قبـ ـل خدها برفق، ثم وضع رأسه على كتفها، محاوطًا إياها بذراعه، قائلًا بنبرة هادئة:
"أنا كنت تايه ومش لاقيني، لحد ما لقيتك. شاورتلهم وقولتلهم القلب هواها. هي دي وبس اللي شوفت نفسي فيها ووقعت ليها. أنا ليها وهي ليا. تقولي طلب أقولها عنيا." اضطـ ـربت نبضات قلبها بمشاعر عديدة متلاحمة، بعد أن استمعت إلى حديثه وشعرت بدفئه يحاوطها. علت البسمة ثغرها، لتحاوطه بذراعها الأيسر، تبدأ بمشاهدة بقية الصور معه، وبيدها الأخرى عادت تمسك كوب الشاي، وهي تهمس له بنبرة خافتة: "القلب وما يهوى يا حبيب عيوني."
هكذا كانت علاقتهما سويًا. هادئة، دافئة، لطيفة، آمنة. فهكذا كانت النفوس الطيبة حينما تلتقي بشبيهتها، تغلفهما السعادة والألفة. يعيشان سويًا أفضل لحظات حياتهما السعيدة، بعد ظلام الليل البارد الذي أسكن حياتهما. "الفتنة كانت كـ ـالطوائف في منظوره، وفتـ ـنته كانت حلالٌ بعيون حواء." أدمن الفتـ ـنة على يديها، وفي تلك اللحظة كانت فـ ـتنته حلالٌ. فكان عبدًا ضعيفًا لم يستطع السيطرة على قلبه أمام فتـ ـنته، وكانت هي عيون حواء.
في تلك الليلة الهادئة، كانت "روزي" تقف أمام المرآة في غرفة النوم، ترسم خطوط الكحل بعناية، في محاولة منها لإبراز جمال عينيها الفيروزية، لكنها لم تكن وحدها. فقد كان "ليل" مستلقيًا على الفراش، يراقبها بعينين ضيقتين، وهو يعبس بضيق واضح على تعبيرات وجهه، وقد جاء قوله المفعم بالضيق قائلًا: "أمتى هنبطل أم الكحل اللي هتـ ـخليني قريب أولع فكل الشركات اللي بتصدره." جاوبته بنبرة هادئة، مبتسمة الوجه، بعدما غمرتها السعادة حينما
رأت ضيقه من هذا الكحل: "تعرف يا حبيبي؟ طول ما أنت حاطط نقرك من نقره كدا، مش هبطل أحطه، غير لما تحبه، وتقولي كدا بنفسك، وأنت فكامل قواك العقلية." ضحك ساخرًا حينما استمع إلى حديثها، وجاوبها بنبرة باردة: "عشم إبليس فالجنة يا عمري. وبعدين أنا قولتلك الأخضر أحلى، حطيتي الأسود ليه؟
لم تجبه، واستمرت في إبراز عينيها، وهي ترميه بنظراتها الماكرة بين الحين والآخر، حتى رأته ينهض منتصبًا في وقفته، مقتربًا منها بخطوات واسعة، ممسكًا بالقلم الذي كان بيدها، محاولًا جذبه منها، بعدما اشتدت قبضتها عليه، وتجهم وجهها عبوسًا: "سيبه يا "ليل"، هتكسره. دا القلم رقم 110، أجيبه بسببك، لدرجة إن الراجل بدأ يشك فيا." "إن ما سبتي القلم يا "روزي" دلوقتي، هزعلك." هكذا جاوبها "ليل" بنبرة حادة، وهو يحاول أخذ القلم منها،
لتجاوبه هي بعناد قائلة: "مش هسـ ـيبه، ومش همـ ـسحه لحد ما تحبه غصب عنك." "مش هحبه، وهتمـ ـسحيه، وتحطي الأخضر. أنا طقت فدماغي بقى." هكذا جاوبها بعناد أكبر، ليتلقى العناد منها، ليمسك ذراعها، يجذبها نحوه، لتقف هي أمامه مباشرة، بعد أن فصل المسافة بينهما، وهو ينظر لها قائلًا: "يمين بالله ليتمـ ـسح، وهيتحط الأخضر."
أنهى حديثه، ثم جذّب القلم منها بعنف، ملقيًا إياه بعيدًا، ثم حاوطها بذراعه الأيسر، وهو ينظر ليرى التحدي قائمًا في نظرتها له. ابتسم هو لها، ثم قال بنبرة خبيثة: "مش هتمـ ـسحيه ها؟ كلمتي هتمشي، وهتحطي الأخضر اللي بحبه، وعندنا فيكي مفيش غيره هيتحط بعد كدا." أنهى حديثه، ثم جذّب محرمة من على سطح الطاولة، وأحكم قبضته على يديها المكبلتين، ثم بدأ يزيل الكحل، ليجد المقاومة منها قائمة. حاول فرض سطوته عليها في هذه اللحظة، وقال:
"يمين بالله لو ما هديتي، همـ ـسحه بإيدي، وأخلي وشك شبه المدمنين." وكما توقع، لم يجد سوى ما تريده هي، ولذلك ألقى المحرمة، وبدأ بإزالته عن طريق كفه هنيهة، حتى فعل ما يرضيه، وابتعد عنها، وهو ينظر لها مبتسم الوجه، يرى أثر الكحل أسفل عينيها. ألتفتت هي تنظر إلى انعكاس صورتها، بمحـ ـظ العينين. اقترب منها مجددًا، وسحب القلم الأخضر من على طاولة الزينة، ونظر لها، وقال بنبرة خبيثة:
"يلا يا حياتي، عشان هتعملي اللي أنا عايزه، وهتحطي الكحل الأخضر." أنهى حديثه، وهو يرميها بنظرة خبيثة، ثم بدأ يتقدم منها بخطى هادئة، جاذبًا إياها إلى أحضانه، فارضًا سيطرته عليها، ينظر إلى فيروزتيها، مبتسم الوجه، وقال: "وعقابًا ليكي، أنا اللي هحطه."
نظرة ماكرة ونبرة خبيثة، كانت دليلًا لها على أنه سيفسد كل شيء بلا شك. ولذلك رأى الخوف في عينيها. وقبل أن ترفض، منعها هو، مشددًا من قبضته حولها، ثم ابتسم بسمة لعوبة، وغمز لها، رافعًا القلم أمام عينيها، والذي كان يحركه بأنامله، لتيقن هي أن لا مفر أمامه سوى أن تخضع له، وتلقى مصيرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!