الفصل 120 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل 120 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
24
كلمة
8,792
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 93%
حجم الخط: 18

الهي مهما أردت الحنو وجدتك أشفق مني علي ومهما أردت إليك المسير وجدتك أقرب مني إلي ومهما رجونك في حاجة وجدت الذي أرتجيه لدي. _محمد البكري. أحيانًا يظن المرء نفسه المتحكم في مسار اللعبة. خصيصًا وإن كان لها طرف آخر، يظن نفسه المسيطر والملك الذي لا يهزم. ولكن لم يعلم في هذه اللحظة أن تلك اللعبة تؤدي به نحو الهاوية، خصيصًا وإن كان لها طرف ثانٍ محترف. يظل يكابر ويماطل ويظن أنه الفائز حتى تأتي الضربة الحاسمة الفيصلية.

هكذا كان الطرف الأناني الذي يعشق نفسه ويرى نفسه الأفضل بين الجميع، وهو في الأصل الأسوأ بينهم. حتى تأتي نهاية اللعبة ويكتشف أنه كان الأحمق بينهم. "جاءت الضربة القاتلة من أقرب الأقربين." منذ باكورة الصباح وهو يشعر أنه سيصاب بالجنون. ينظر إلى الدعوة التي لم تفارق كفه ويزداد غضبه أكثر. كيف تجرأت وفعلت هذا به بتلك الوقاحة؟ كيف غدرت به وأطلقت ضربتها القاتلة بظهره دون أن يشعر بها؟

كان صدره يعلو ويهبط بعنف، والغضب باديًا على معالم وجهه. أمسك الكوب الزجاجي وألقاه بعنف على سطح الأرض ليصدح صوت انكساره عاليًا ويتناثر بقاياه في المكان. ومعها خرجت صرخته التي أعربت عن مدى غضبه وصدمته، وخروج الوحش من مخبئه: _أزاي تتجرأي وتطعنيني فضهري يا ***** بعد كل دا؟

يا ريتني كنت كهـ.ـربتك وخلـ.ـصت منك بدري بدري. يمين بالله ما هعديهالك يا "نورهان" وهوريكي الوش التاني لـ "فتوح". مش طـ.ـعنتي غدر، يبقى متزعليش من الرد وأبقي أتحاولي أخوكي ساعتها حلو أوي وروحي أستنجدي بـ "يوسف".

أخذ هاتفه من على سطح الطاولة يعبث به، وغضبه هو المسيطر عليه في هذه اللحظة. وأول من جال بخاطره "حديدة" الذي دومًا يستعين به في كو.ارثه الغير مسبوق حدوثها. ثوانٍ من الصمت القاتل مرت عليه كبطء السلحفاة. لم يجبه ليعاود الكرة، على الجواب يأتي ويطفيء شرارة الثورة الطائحة التي نشبت بداخله. ثوانٍ قليلة، وجاء الجواب من "حديدة" بصوته الناعس، ليأتي في المقابل صوت "فتوح" الغاضب الذي قال بنبرة حادة:

_طبعًا أنت نايم فالعسل ولا على بالك المصيبة السودا اللي وقعت على راسي وشوية وهكسر الشقة. جاء صوت "حديدة" الذي شعر بالضيق من صوته العالي، واضطر إبعاد الهاتف قليلًا حتى ينتهي الآخر من صراخه به الغير مبرر. ثوانٍ من الصمت القاتل بينهما، جاء صوت "حديدة" الذي قال: _في إيه بس يا عم عالصبح يحرّق أبو معرفتك الهبا. جاء جواب "فتوح" الصارم حينما قال بنبرته الحادة:

_ست الحسن اللي قعدت تبررلها يا روح أمك وتحا.ميلها أدتني على قفايا وغدرت بيا. الهانم رافعة عليا قضية طلاق عشان عارفة إنها لو طلبت مني أطلق مش هطلق، فأختصرت الطريق وراحت رافعة عليا قضية. انتفض "حديدة" من مكانه مجحظ العينين وهو يستمع إلى حديث رفيقه. حاول استيعاب ما قيل له ليجد نفسه يقول بنبرة هادئة متسائلة: _طب أهدى وأنا هجيلك ونشوف حل للحوار دا. نصاية وهكون عندك.

أنهى مكالمته معه شارد الذهن يفكر فيما قيل له قبل قليل، ليعلم شيئًا واحدًا في هذه اللحظة. حانت لحظته التي انتظرها منذ زمن. بينما كان "فتوح" يشعر أنه سيفقد صوابه ويصاب بالجنون، فمن أأتمن عليها وأعطاها جميع أسراره غدرت اليوم به وأعطته ضربتها القاضية. وفي لحظة مجنونة لم تكن في الحسبان، قرر "فتوح" الذهاب إلى قريتها التي تسكن بها، فبالتأكيد لن تستقر هنا بعد ما حدث وسترحل بعيدًا بصغيرها. في نفس الوقت..

كان "رمزي" متوجهًا إلى المسجد بخطى هادئة حتى يقوم بترتيبه مثلما اعتاد للمصلين. في تلك اللحظة اقترب منه "أسمر" يقطع سير خطاه مبتسم الوجه وعيناه تلمعان ببريق واضح عكسته أشعة الشمس. نظر له "رمزي" وسأله قائلًا بوجه بشوش: _شكلك عرفت حاجة بسطتك وجاي تقولهالي. جاوبه "أسمر" بنبرة غلبتها طابع الحماس والبسمة ترتسم على ثغره قائلًا: _بصراحة بقى آه. أنت مش واخد بالك بحاجة مختلفة النهاردة فالحارة؟

تعجب "رمزي" ليبدأ يلتفت برأسه حوله ينظر إلى أرجاء حارته ليجد محل "فتوح" مغلق. عقد حاجبيه وعاد ينظر إلى "أسمر" الذي قال بنبرة سعيدة: _خبر بمليون جنيه. من شوية جه راجل كدا وأدى "فتوح" ورقة. المهم بقى فالورقة دي... مراته طلعت رافعة عليه قضية طلاق. تفاجأ "رمزي" حينما تلقى هذا الخبر الذي لم يكن يتوقع حدوثه ليقول بنبرة مترقبة: _أنت متأكد من اللي بتقوله دا يا "أسمر".

_عيب عليك يا صاحبي دا أنا شايف وسامع. زمانه دلوقتي شايط عشان غدرت بيه وإن جيت للحق هو ابن حلال ويستاهل وهي جدعة عشان فكرت فيها صح. شرد "رمزي" قليلًا فيما استمع إليه قبل أن يتركه "أسمر" ويذهب، ليجد الشيطان بدأ يوسوس له بأشياء لن يسمح له. فالتفكير بها ولو للحظة بينه وبين نفسه، ولذلك أخرج زفيرة هادئة واستغفر ربه ثم أكمل سيره حتى وصل إلى المسجد وقام بفتحه ثم ولج إلى الداخل ملقيًا تحية السلام وبدأ بتجهيزه.

بعد مرور القليل من الوقت.. وقف "حديدة" أمام شقة "يوسف" وهو ينظر حوله بترقب شديد وبيده حقيبة جلدية مستطيلة. وضعها على الأرض بجواره ثم أخرج أداة حديدية صغيرة من جيب بنطاله وأدخلها في مزلاج الباب وحركها برفق ليسمع صوت الباب يفتح برفق حتى لا يجذب انتباه من حوله. حركها مجددًا ليجد الباب يفتح وتظهر الشقة المظلمة أمام عينيه.

ألتفت حوله يتأكد من أن لا أحد يراه ثم ولج إلى الداخل بخطى هادئة مغلقًا الباب خلفه برفق وبيده الحقيبة. اتجه إلى الغرفة الخاصة بـ "يوسف" و "بيلا" التي كانت مظلمة بالكامل وتفوحها رائحة طيبة. ضغط على المقبس الكهربي ليكسر النور حدة هذا الظلام ومعها ظهر أثاث الغرفة الذي كان راقيًا ومرتبًا بعناية. أقترب من خزانة الملابس ثم قام بفتحها وإبعاد الثياب التي كانت متربة بداخلها.

قرر الانتقام وإلقاء حبات الملح على الجرح الغائر الذي لم يلتئم حتى هذه اللحظة ومازال ينزف. حرب وأعلنها على الجميع إن كان للقريب أو حتى للغريب. فهكذا كانت الضباع في الغابة بلا حدود وبلا قوانين. الغدر من صفاتهم، وآكلو لحوم البشر. وبرغم أن تلك الحرب كانت يجب أن تنتهي منذ زمن، ولكن أبى هو إنهاءها وأصر على استمرارها حتى تأتي اللحظة التي ستكون القاضية له ولأمثاله.

وضع الحقيبة في الخزانة ووضع الثياب فوقها ثم أغلق الخزانة وأعاد كل شيء إلى مساره الصحيح. خرج من البناية سريعًا وهو يلتفت حوله كأن ارتكب الجرم المشهود ويخشى الإمساك به. رآه "يعقوب" في هذه اللحظة ليشعر بالتعجب ويبدأ يتساءل بداخله عن وجوده داخل بناية "يوسف" في هذا التوقيت بالذات. ولكن برغم عدم ارتياحه له، ذهب إلى المسجد حتى يتحدث مع "رمزي" كما طلب منه.

دقائق استغرقها "يعقوب" للذهاب إلى المسجد وفي خلالها كان يتساءل عن وجود "حديدة" في البناية، فهذه أول مرة يراه فيها بداخلها وهذا أثار الريبة في نفسه. ولج إلى المسجد ليرى "رمزي" في الداخل يقوم بنثر العطر في أرجاء المسجد. أقترب منه حتى وقف خلفه وقال بنبرة هادئة أشبه بنسمات الهواء الهادئة في فصل الربيع: _بقينا نتطلب يا عمي وإحنا ناس وراها مشاغل مش فاضينلك.

هكذا استمر في كسر الحواجز المبنية بينهما. تلك هي الطريقة، وهكذا كان هو حينما قرر أن يقتحم دائرتهم المحصنة بجميع أسلحته المملوكة. فإن كانوا أمراء فهو الملك الذي لا يعلم لليأس طريقًا معهم. ألتفت "رمزي" له لتتقابل الأعين وتنطق بما ع. ـجز الفم عن البوح به، دام الصمت بينهما هدوءً ثم باغته "رمزي" وقام بنثر المعطر عليه. أغمض "يعقوب" عينيه وأشاح برأسه إلى الجهة الأخرى وهو يقول: _إيه يا عم، حد قالك إني مكمكم.

جاوبه "رمزي" مبتسم الوجه قائلاً بنبرة لعوبة: _لا بس المعطر أحلى من ريحة الكلونيا اللي فيك دي. قهقه "يعقوب" بخفة ثم نظر له مبتسمًا وقال بنبرة هادئة: _تمام يا عم على التهزيق المحترم ده، بس دي ريحة البرفان الجديد اللي لسه جايبه وريحته حلوة خليتها كلونيا منين؟ _شاممها كلونيا يا "يعقوب"، حاببها إزاي دي! أبتسم "يعقوب" بسمة جانبية وقال بنبرة ساخرة مشيرًا نحوه بعينيه: _مش ذنبي إنك واخد على المسك والبخور يا شيخ.

_طب يا حلو يا بتاع الكلونيا روح ظبط الكراسي اللي هناك دي عشان الناس الكبيرة وأكد على كولديرات الميه عشان الأطفال اللي بتيجي تشرب.

وافق "يعقوب" على طلبه ثم ذهب ليفعل ما طلبه منه، بينما عاد "رمزي" ينثر العطر في أرجاء المسجد حتى توقف فجأة وكأن جسده تصلب في لمح البصر من قبل شخص خفي، سمع همسات متكررة باسم "يوسف"، عقد حاجبيه ونظر حوله دون أن يتحرك من مكانه يحاول معرفة مصدر تلك الهمسات المتكررة، نظر إلى "يعقوب" الذي كان يقوم بترتيب المقاعد البلاستيكية في الصف الأول لتعاود الهمسات مجددًا تتردد باسمه.

لحظات فقط استغرقها هو لمعرفة ما يحدث حوله، لحظات وجاءته رؤية له، كإنذار لما سيحدث بعد دقائق قليلة، رأى "يوسف" يعود بعائلته في السيارة، وبدون سابق إنذار لم يجد "يوسف" الفرامل تعمل، تلك كانت الرؤية، وتلك كانت النتيجة بعدها والتي لا تملك سوى نهاية واحدة، الموت في حادث مروع، استفاق فجأة كأنه كان مغيبًا في تلك اللحظة ليترك زجاجة المعطر على الطاولة الخشبية الصغيرة ثم أخرج هاتفه من جيب جلبابه السكري وعبث به.

وضع الهاتف على أذنه ثم تحرك منتويًا على الذهاب موجهًا حديثه إلى "يعقوب" قائلاً بنبرة عالية وجادة: _أنا رايح مشوار وراجعلك هكلم "زاهي" ييجي يأذن مكاني. نظر له "يعقوب" بعد أن جذبه نبرة صوته التي لم تخلو من بهجة التوتر ليرى الخوف مرتسمًا على معالم وجهه، وقبل أن يوقفه للاستفسار عما حدث كان قد اختفى من أمامه في لحظة، عقد "يعقوب" حاجبيه وهو يقول بنبرة مستنكرة: _هو في إيه النهاردة كلكم مش على بعضكم كدا ليه؟

شرد قليلًا بينه وبين نفسه لبُرهة ثم عاد يكمل ما يفعله ولكن عقله لم يتوقف عن التفكير في الأمر مستشعرًا بقلبه الذي أنذره بما لا يحمد عليه، دقائق قليلة ووصل "زاهي" ملقيًا تحية السلام ليرد عليه ثم فكر قليلًا قبل أن يتخذ القرار الحاسم، ترك ما بيده ثم خرج خلفه حتى يعلم ما حدث فهذا ليس طبيعيًا البتة من منظوره.

الدقائق تمر والقلق يزداد معها، لا أحد يفهم شيء، كل ما يعلمونه أن ثمة شيء ما غير طبيعي يحدث هم لا يستطيعون كشفه حتى هذه اللحظة، كانوا يجتمعون في مكانهم السري ينظرون إلى "رمزي" الذي كان يأخذ المكان ذهابًا وإيابًا وأعصابه مشدودة، التوتر كان يحتضن الغرفة والقلق يسكن القلوب فلا أحد يعلم ما يحدث حتى هذه اللحظة، نظر "لؤي" إلى "يعقوب" في هذه اللحظة لتتلاقى الأعين بسؤال صامت كانت إجابته الجهل. _رد بقى مش وقتك خالص دلوقتي..!!

اجتمع الخوف والغضب في شخص واحد بنفس اللحظة لأول مرة، فمنذ تلك الرؤية وهو يشعر بالخوف الشديد على صديقه الحبيب الذي أجاد اللعب بأعصابه بشكل أكثر احترافية في التوقيت الخاطئ، أعاد "رمزي" الكرة وهو يدعو هذه المرة أن يجيبه رفيقه حتى يستطيع لحاقه قبل فوات الأوان. _"يوسف" أنت مبتردش عليا ليه بقالي أكتر من نص ساعة بحاول أوصلك مش عارف..!!

نظروا جميعهم له في هذه اللحظة بعدما جاءهم قوله الغاضب ينتظرون تلقي الرد المجهول، ولأول مرة يرون فيها "رمزي" غاضبًا بتلك الطريقة المرعبة فهم اعتادوا على هذا الهادئ حتى وإن حدثت كارثة فجة يكون الهدوء عنوانه، ولكن ما يرونه الآن يدل على أن ثمة مؤامرة كونية نصبت لهم خصيصًا، ولذلك قرروا الاستماع إلى ما يقال ليأتي قول "رمزي" التحذيري له:

_"يوسف" أوعى تمشي ولا تاخد العربية سامعني، يا عم اسمع الكلام الله لا يسيئك، يعني إيه فالطريق يا "يوسف" العربية فراملها مقطوعة..!! ومع نطق كلماته الأخيرة تعالت نبرة صوته بغضب حقيقي بعد أن علم أنه قد فات الأوان، تأهبت الحواس واتجهت الأنظار نحوه يطالعونه باستنكار تام ودهشة بعد أن علموا ما يجعله بتلك الحالة الغاضبة، تجمدت الدماء داخل العروق وتوقفت القلوب عن العمل لثوان معدودة بعد أن حاولوا استيعاب ما قيل.

_يا عم يمين بالله ما في فرامل، الفرامل مقطوعة يا "يوسف" ما أنت لو كنت رديت عليا من أول مرة كنت متحركتش..!! صرخ به منفعلًا بعد أن حدث ما خشي حدوثه، فقد تحرك صديقه بالفعل من البلدة في طريقه للعودة، ألقى "رمزي" الهاتف على الأريكة بغضب بعد أن فشل في لحاقه ليجلس على الأريكة مرفقيه مستندان إلى ركبتيه وكفيه يستقران أعلى رأسه المتكئة إلى الأسفل محاولًا تنظيم أنفاسه العنيفة والسيطرة على نوبة الغضب التي اجتاحته في هذه اللحظة.

حاول "يوسف" أن يدعس على إطار الفرامل ليجده لا يعمل والسيارة لا تتوقف ولذلك سقط قلبه أرضًا وأصيبت الصدمة بلا شك، نظرت "بيلا" له وهي لا تفهم ما يحدث لتسأله بنبرة هادئة: _في إيه يا "يوسف"، إيه اللي حصل؟ _فرامل العربية مقطوعة..!!

هكذا جاوبها "يوسف" مجحـ.ـظ العينين وهو ينظر لها لتجحظ عينيها بصدمة واضحة على تعبيرات وجهها ومعها "شاهي" التي شعرت بالبرودة تسري في جسدها بعد أن استمعت إلى قول ولدها ليتمالك الخوف والهـ.ـلع منهما ببراعة شديدة بعد أن استمعا إلى تلك الكلمات التي كانت كفيلة بجعلهم يتركون عقولهم تتخيل كيف ستكون نهايتهم في هذه اللحظة.

ضمت "بيلا" صغيرتها "لين" إلى دفء أحضانها بحمايه وهي تنظر بهلع إلى زوجها الذي كان لا يعلم ماذا عليه أن يفعل في هذه اللحظة فبالتأكيد تلك هي نهايتهم حتميًا لا مجال للهروب، ألتفتت برأسها تنظر إلى حماتها التي كانت تضم الصغيرة إلى دفء أحضانها تمسح بكفها على خصلاتها الناعمة وهي تدعو وتتدرع سرًا إلى رب العالمين بقلب مرتعد. _"يوسف" أنت لسه معانا..!!

هكذا جاء صوت رفيق الدرب يكسر حدة تلك الأجواء المشحونة يسأل عن وجوده ليعطيه "يوسف" جوابه وفي نفس الوقت تلقى القول من "سراج" الذي قال بنبرة جادة: _متقلقش مش هيحصل حاجة أهدى وخد نفس وركزي معايا، فالعربيات الحديثة دلوقتي فيها فرامل لحالات الطوارئ اللي زي دي فعايزك تدور عندك دلوقتي على زرار مكتوب عليه EPB.

أخرج "يوسف" زفيرة هادئة يخرج معها مشاعره السلبية وتوتره ثم بدأ يبحث عن الزر في تلك اللوحة التي تحتوي على العديد من الأزرار المختلفة حتى رآه ولذلك جاوبه في الحال: _أيوه لقيته أعمل إيه دلوقتي يا "سراج"؟

سؤال كان به الاستغاثة مخفية، استغاثة من رفيق الدرب الذي كان يقدم له يد المعونة حتى وإن كانت بينهما مسافات طويلة، فصداقتهما لم تعلم المستحيل بعد، ولم تتوقف القلوب عن الشعور برفيقها، تلك كانت علاقتهما سويًا، جاءه صوته مجددًا حينما قال: _حلو أوي بما إن مفيش فرامل خالص فالعربية هتفضل دايس عليه وأوعى تشيل إيدك خليك ضاغط عليه لحد ما هتلاقي العربية بدأت توقف لوحدها واحدة واحدة والأحسن خليك على جنب الطريق عشان متوقفش فالنص.

قام "يوسف" بتحريك مقود السيارة جهة اليمين وبصره مثبتًا على الطريق أمامه هدوءً ثم ضغط على هذا الزر دون أن يرفع كفه وهو يدعو أن تجدي تلك الطريقة نفعًا، وبالفعل بعد دقائق قليلة توقفت السيارة وتبدد الخوف وتنفسا براحة بعد أن تم إنقاذ الموقف قبل حدوث الكارثة، ظلت "بيلا" تشكر ربها بعد أن كانت تظن أنهم سيموتون في أي لحظة.

ترجل "يوسف" من سيارته بعد أن نزع حزام الأمان وأخذ يفحص السيارة وهو يطمئن صديقه أن الأمر نجح، صدح رنين هاتف "شاهي" الذي كان مستقرًا بكفها لتنظر به وترى أخيها المتصل، كان كفها يرتعش بوضوح بسبب ما مروا به قبل دقائق ثم جاوبته بنبرة مرتعشة ليأتي سؤاله القلق في الحال بقوله: _في إيه يا "شاهي" مالك أنتم كويسين حصل حاجة؟ _فرامل العربية مقطوعة يا "رامي". أجهشت في البكاء بعد أن فقدت السيطرة في التحكم بنفسها ليأتي قول "رامي"

المذعور حينما قال: _يعني إيه الفرامل مقطوعة؟ مين هيقطعها العربية مركونة جوه ساحة البيت مين هيجيله جرأة يقطعها. وحينما وصله صوت بكائها وصوت أنفاسها المضطربة تماسك نفسه ثم حاول إخراج صوته هادئًا حتى لا يزيد الطين بلة وقال: _طب طمنيني عليكم "يوسف" عرف يتصرف؟ _صاحبه اتصل بيه أيوه و "سراج" هو اللي قاله يعمل إيه. أخرج "رامي" أنفاسه المحبوسة وهو يحمد ربه بشكل متكرر ثم قال بعدها بنبرة هادئة بعد أن اطمئن أنهم بخير:

_طب أهدي الحمدلله إنه اتصرف، أنا هفرغ كاميرات المراقبة دلوقتي وأشوف الحوار ده وهرجع أكلمك تاني، أهدي يا "شاهي" قدر الله وما شاء فعل. _الحمدلله. هكذا ردت هي قبل أن تغلق المكالمة ثم ظلت تكررها سرًا وهي تنظر إلى ولدها الذي كان يتحدث مع زوج شقيقته مستندًا بكفه على السيارة يحاول إيجاد حل لتلك المعضلة، بينما كان "يوسف" يتحدث مع "سراج" بعد أن تأكد من انقطاعها بالفعل:

_شيكت عليها طلعت مقطوعة عمدًا، مش عارف حصل إزاي لولا "رمزي" كلمني مكونتش هعرف ولا هعرف أتصرف ساعتها لأني لسه مش فاهم فيها أوي فيها حاجات معرفش عنها حاجة زي الفرامل اللي قولتلي عليها دلوقتي دي. جاءه صوت رفيق الدرب الذي قال بنبرة هادئة: _حظك إني عارف فيها بقى، العربيات الحديثة دلوقتي فيها فرامل طوارئ إلكتروني زي دي كدا وفي أنواع تانية كتير بس حظك حلو إن فيها النوعية دي.

أخرج "يوسف" زفيرة هادئة ثم نظر إلى السيارة هدوءً وقال بنبرة هادئة متسائلًا: _طب والحل دلوقتي إيه؟ مش هفضل واقف عالطريق كدا دا أنا مكملتش نص ساعة متحرك. جاوبه "سراج" بنبرة جادة هذه المرة وقال:

_طب اسمع مني وركز أوي فاللي هقوله عشان تعرف هتعمل إيه لحد ما ربنا يكرمك وتوصل الحارة بالسلامة، اتأكد إن عندك وسائل بديلة تساعدك تتحكم فيها لما تيجي تبطئها أو توقفها يعني على سبيل المثال زرار الـ EPB اتأكد إنه لسه شغال حتى ولو بشكل جزئي. عاد "يوسف" يستقر على مقعد السائق بعد أن فتح مكبر الصوت وترك هاتفه أمامه وهو ينظر إلى الزر الذي كان مازال يعمل ليجاوبه بنبرة هادئة: _شغال يا "سراج".

_حلو أوي عندك الهاند بريك هتساعدك تبطء العربية لو في عوائق عالطريق دي تقدر تستخدمها بحذر عشان تساعدك تبطء سرعة العربية وعندك ناقل الحركة برضوا تقدر تستخدمه عشان يقلل السرعة اللي يريحك فيهم استخدمه أمين. وحينما وجد "يوسف" البدائل الثلاث له أعطاه موافقته ليتلقى تعليمات الآخر له: _عشان تدورها بقى يا معلم هتعمل الأتي بس خلي بالك تتحرك بيها بحذر مش زي الأول عشان معندكش فرامل، العربية أوتوماتيك مش كدا؟

سؤال واحد لربما يكون سخيفًا في تلك اللحظة، ولكنه في الحقيقة بمثابة حياة فتلك اللحظات تلزم الحذر والدقة في التفاصيل الصغيرة، أعطاه "يوسف" الجواب المراد ليأتيه قوله بعدها: _حلو أوي هتعمل ناقل الحركة على الحرف D أول حاجة. ومع كل خطوة يتلقاها "يوسف" يقوم بتنفيذها، قام بفعل الخطوة الأولى ثم انتظر الخطوة التالية التي كانت:

_حلو أوي ابدأ سوق يا معلم بس على أقل سرعة عشان تعرف تتحكم فيها على طول لو لقدر الله حسيت إن في حاجة وتقدر تستخدم كذا وسيلة بديلة عشان تقلل السرعة لو نسيت أو زودت السرعة من غير ما تاخد بالك هتلاقي عندك فرامل المحرك هتلاقي عندك ٣ وضعيات L أو 2 أو 1 استخدم أي واحدة منهم وبعدها هتسحب الهاند بريك واحدة واحدة مش بشكل مفاجئ عشان متفقدش سيطرتك على العربية بعدها حضرتك فطريق صحراوي فعندك مساحة كافية إن لقدر الله لو حصل حاجة وعايز تقف هتقف على جنب وحاول تتجنب الزحمة على قد ما تقدر وأي مطب جامد..

تلك كانت الحياة كذلك، خطوات ودرجات مرتفعة تدريجيًا، فإن أردت الشهرة مرة واحدة فلن تأتي، وإن أردت أن تكون زاهدًا فلن تأتي في ليلة وضحاها، فتلك درجات يخطوها المرء تدريجيًا حتى يصل إلى الطبقة الأخيرة التي إما سيكون بها مشهورًا بالفعل، أو شخص زاهد في تلك الحياة المليئة بالفتن، بدأ "يوسف" يطبق تعليمات صديقه لتبدأ السيارة في التحرك من جديد ولكن هذه المرة كانت مختلفة عن سابقتها.

جاء سؤال "يوسف" حاضرًا بعد أن عاد يقود السيارة قائلاً: _طب أنا لو عايز أقف المفروض أعمل إيه يعني أكيد في كارته.

_هتستخدم زرار الـ EPB برضوا وهتحرك ناقل الحركة لحرف الـ P بعد ما تقف عشان العربية تثبت مكانها متتحركش لا لورا ولا لقدام وخل بالك مينفعش تفضل سايق العربية لفترة طويلة من غير الفرامل اللي معاك دي احتياطي بس يعني مش هتكمل معاك فيا إما وأنت عالطريق تشوف أي مركز صيانة يظبطلك الفرامل دي يا إما تشوف ونش لو ملقتش أي مركز صيانة حواليك. أخرج "يوسف" زفيرة قوية وقال بنبرة تملؤها الضيق:

_مش هتكمل معايا كدا لسه قدامي ساعة وربع عالكارتة. _طب والحل دلوقتي هتتصرف إزاي لو وقفت منك مرة واحدة؟ سؤال عجز عن الإجابة عنه فحتى الآن لا يعلم ماذا عليه أن يفعل في تلك المعضلة التي تواجهه ولذلك التزم الصمت وهو يفكر وينظر حوله فهو أصبح في الصحراء الآن ومن الصعب إيجاد مركز صيانة به. ظل يفكر هدوءً حتى تذكر ابن عمه ولذلك قال بنبرة هادئة:

_طب اقفل كدا يا "سراج" هكلم "محمود" أشوفه قريب مني ولا لا عشان عنده زيارة فمصنع الصلب اللي هنا. _طيب شوف هتعمل إيه وطمني عشان منفضلش قلقانين عليك. أنهى المكالمة معه ثم لجأ إلى "محمود" الذي طال جوابه حتى جاء: _فينك يا "محمود" دلوقتي؟

طب عايز منك خدمة ضرورية عشان أنا حقيقي فأزمة دلوقتي ومقداميش غيرك، فرامل العربية مقطوعة معرفش حصلت إزاي بس معرفتش غير وأنا عالطريق و "سراج" فهمني أعمل إيه وعرفت إن مينفعش أفضل مكمل بيها طول الطريق لسه قدامي ساعة وربع على ما أوصل للكارتة ومفيش أي مراكز صيانة تركبلي الفرامل عالصحراوي فلو هتعرف تتصرفلي ونش ياخد العربية على مركز صيانة موثوق وتتصرفلي بعربية فهكون شاكر ليك جدًا.

وكان الجواب حاضرًا في الحال وكأنه جاء على بساط أحمدي له حينما تلقى موافقة الآخر في الحال دون أن يمنح نفسه فرصة للتفكير: _يا عم محلولة أنا لسه هخرج من المصنع أهو ابعتلي اللوكيشن بتاعك وأنا هجيلك وهطلبلك ونش بس اركن دلوقتي عشان ميحصلش حاجة لقدر الله وأنا رايح وهكون عندك المصنع قريب منك يعني. _تشكر يا ابن عمي هبعتلك اللوكيشن عالواتساب دلوقتي.

هكذا كان الغوث وتلك كانت مهمته، فبلحظة خاطفة حدث كل شيء كان بعيدًا كل البعد عن الخيال وفي لحظة أدرك العقل ما خفى وغفل عنه. أوقف "يوسف" السيارة مثلما أخبره "سراج" وأرسل موقعه إلى ابن عمه الذي كان ينتظر تلقي الرسالة المرادة للتحرك ثم ساد الصمت في المكان فجأة، فما حدث لهم لم يكن هينًا على المرء تخطيه حتى إن كان قويًا بما يكفي. _رؤى تظهر فجأة أمام الأعين تشتت العقل..

قدرة إلهية صعبة أن ينالها أي بشري على وجه الأرض، وليست بهينة على بني البشر، فيجب أن يتم استغلالها بالشكل الصحيح حتى لا تحدث أشياء لم تكن يومًا في الحسبان.

ولكن ليست بجديدة على هذا الشاب الذي كان في الآونة الأخيرة حينما يختلي بنفسه يسمع همسات ليست واضحة، ويحلم بأشياء لم يكن على دراية بها ولم يكن يتوقع أن يراها يومًا، بدأت تظهر له رويدًا رويدًا، بدأ يرى فواجع تحدث أمامه وبعدها بدقائق قليلة تحدث بالفعل، كان الأمر مرعبًا في بادئ الأمر ولكن حينما جاءت تلك اللحظة كان عقله هو المتحكم به ومتخذ القرار.

كان يجلس أمام زوجته مرفقيه مسنود إلى ركبته وكفه مستقرًا على شطر وجهه الأيمن شارد الذهن يفكر فيما حدث منذ قليل، بينما كانت هي تجلس بجواره تحاوطه بذراعها الأيمن والأيسر يمسح برفق على ذراعه تفكر معه فيما حدث وقاله إليها، نظرت له قليلًا تراه على تلك الوضعية منذ ما يقارب العشر دقائق لتقطع هذا الصمت بقولها الهادئ:

_مالك يا "رمزي"، على فكرة دي حاجة حلوة أوي ربنا وهبك بها دونًا عن أي حد المفروض تكون مبسوط بها، بسبب الرؤية دي أنت لحقت "يوسف" وطبعًا دا في الآخر قدر بس أنت كنت سبب، لو مكونتش خدت قرار أو معملتش أي حاجة زي ما معملتش المرة اللي فاتت كانوا ماتوا، أنا عارفة شعورك دلوقتي بس بعد كده لما تشوف حاجة وفإيدك تساعد قبل حدوثها ساعد متقعدش تتفرج سواء كان مع "يوسف" أو غيره.

ثوان مرت عليه استغرقها في التفكير بشكل جادي أكثر، حديثها صحيح ولن ينكر ذلك ولكن في نفس الوقت الأمر كان عجيبًا فلم يشعر بكل ذلك من قبل باستثناء تلك الفترة العصيبة التي يمرون بها جميعهم وكأن قنبلة موقوتة سقطت فوق رؤوسهم بلا سابق إنذار، نظر لها في تلك اللحظة ليرى تلك العينين تطالعانه بنظرة هو لا يقدر على تجاهلها ويعلم ما يخفى وراءها ولذلك سألها بنبرة هادئة وقال:

_أنا عارف كويس أوي إن في حاجة مستخبية ورا النظرة البريئة دي وخايفة تقوليهالي … عايزة تقولي إيه؟

أصابها التوتر بلا شك بعد أن سألها بشكل صريح عن ما تخفيه عنه وتخشى أن يعلم عنه شيئًا، تعلم أنها ستكون لحظات ما قبل العاصفة وستتلبسه شياطين الغضب والغيرة القاتلة التي تحفظها عن ظهر قلب، بللت شفتيها وحاولت أن تنتقي الكلمات اللطيفة حتى تبدأ في توصيل ما تريده بشكل أكثر لطفًا ونعومة، وقد كانت لديها أسلحتها الخاصة بها أمامه فإن غضب وثأر فتستطيع امتصاص هذا الغضب في لحظات.

ابتسمت غصتها بتروٍ وحاوطته بذراعيها وارتسمت بسمة ناعمة على ثغرها ونظرت له تلك النظرة التي تجعله يرضخ لها في النهاية، وهو ليس بغبيًا ففي هذه اللحظة علم أنها ستخبره بشيء لن يجعله يمر مرور الكرام ولذلك سارعت في استخدام أسلحتها باكرًا: _هقولك على خبرية صغنونة قد كدا بس توعدني إنك مش هتضايق ولا تتعصب. _كدا يبقى خبرية هتعصبني وهتخرج أسوأ ما فيا.

جاوبها وهو ينظر لها يؤكد على مخاوفها أنه في جميع الأحوال سيغضب ويثور ولن يدعها تمر هكذا، وبرغم توترها الذي ارتسم على معالم وجهها الرقيقة ونظرتها التي اهتزت قررت إخباره بطريقة ما لربما تؤتي بثمارها وتعطيها مرادها: _بصراحة ماما كلمتني النهاردة وقالت إنها عازمانا عالغدا بكرة.

نبرة صوتها كانت هادئة وفنفس الوقت ناعمة، أرادت أن تحس نبضه أولًا قبل أن تكمل بقية حديثها تتابع بعينيها البنية تعبيرات وجهه التي كانت تبحث حتى الآن عن ما يثير غضب صاحبها، ونوعًا ما شعرت بالراحة حينما لم ترى أي شيء قد يدل على الغضب أو الرفض لتشعر بالراحة في هذه اللحظة ولو قليلًا وبالسعادة التي بدأت تتسلل إلى قلبها كاللص.

ولكن دومًا ليس كل ما يتمناه المرء يناله، ففي تلك اللحظات كان هو يفكر فيما كان يثير خوفها في بادئ الأمر حتى تصل للمراد وفي لمح البصر أثار غضبه وغيرته المجنونة: _طبعًا هيكون موجود هناك.

في هذه اللحظة وكأن دلوًا من الماء البارد سقط على رأسها أصاب جسدها بالشلل، فما كانت تخشاه بدأ يتحقق بالفعل أمام عينيها قولًا وفعلًا، نظرت له لترى الغضب قد بدأ يتملك منه وشرارة الغيرة تلمع في عينيه، فأبغضهم سيكون حاضرًا بكل تأكيد غدًا خصوصًا مع علمه بحضورها فلن يدع فرصة كتلك تفوته، أشاح برأسه بعيدًا بعد أن تملك الغضب والضيق منه في لحظة بعد معرفته بوجود هذا الحقير في الغد.

حاولت هي احتواءه وامتصاص هذا الغضب الذي انفجر فجأة بداخله، نهضت وجلست على الجهة الأخرى وهي تحاوطه بذراعيها تحاول امتصاص هذا الغضب وإطفاء نيران الغيرة تلك بقولها الهادئ الحنون: _شوفت أنا خوفت أقولك ليه، عشان عارفة إن دا هيكون ردك وهتحرق دمك طول اليوم. نظر إليها في هذه اللحظة نظرة نارية تحمل غضبًا مكبوتًا بعد أن تذكر هذا البغيض الذي يكرهه بشدة ودائمًا ير مي لزوجته نظراته الوقحة، حاولت أن تهدئته قليلًا بقولها المرح:

_بتغير مش كدا؟ قول متتكسفش مش هقول لحد إن الشيخ العسول البشوش بتاعي بيغير وميعرفش إن غيرته دي بتبسطني.

اتسعت بسمتها على ثغرها وهي تنظر له ترى النظرة مازالت حاضرة والضيق مازال محاصرًا إياه لتضطر أن تلجأ إلى أسلحتها الخاصة، اقتربت منه تلثم خديه ثم وضعت رأسها فوق كتفه وتسسل كفها الدافء الناعم نحو كفيه المضمومين تترك أناملها تغزوهما كما يغزو المحارب حصون عدوه المنيعة يسقطها فوق رؤوسهم ويعلن من خلالها سيطرته عليها بالكامل.

شبكت أناملها بين أنامله وقبضت برفق على كفه وكأنها تذكره أنها الأحق به حتى لو تعددت الرجال من حولها وكانوا ذو نفوذ وسلطة ووقار، سيبقى هو هذا الملتحي بطلها الوحيد في روايتها التي أزهرت بقدومه وكأنه نسيم غزى قرية ميتة كان حاكمها فاسد نشر الفساد في أزقتها حتى ذبلت وأنطفأ نورها وبهتت ألوانها وتلاشى عبقها.

_مهما يعمل هو مش فارقلي، عيوني مبتكونش شايفة غيرك وإحنا هناك، مش بقولك كدا عشان أسكتك بالعكس، دا بيكون شعوري وقتها، عيوني مبتحبش تفارقك لحظة، هو لو كان كويس كان عرف إن اللي بيبصلها النظرات دي بنت عمته اللي عرضها هو عرضها وشرفها هو شرفه، بس هو مبيفكرش زيك يا "رمزي" ولا عمره هيعرف يكون زيك عشان أنت الوحيد بعد اللي حصلي دا والتجربة الفاشلة اللي عديت بيها قدرت تكسب قلبي وعرفت تعوضني برغم إني كرهت وقتها الفكرة ككل ورفضت أدخل علاقة تانية عشان الأولى سابتلي وقتها جرح كبير أوي بحبك واحترامك ليا وخوفك عليا وحنيتك قدرت تداوي كل جروحي القديمة وتديني اللي غيرك معرفش يديهوني، أنت وبس اللي فقلبي يا حبيب عيوني ومحدش هيقدر مهما عمل يكسب ربع مكانتك عندي.

لم يخطئ حينما قال أنها ماكرة، تستطيع أن تغزو قلبه وتطفئ مشاعره السلبية بكلمات كان بالنسبة له كالعقار النادر وجوده في السوق، استطاعت بذكائها أن تحتوي غضبه وتطفئ نيران غيرته المجنونة عليها، لم يفرض يومًا قيوده عليها ولم يجبرها على فعل ما يريده هو يومًا، لم تشعر بالتملك يومًا منه بل عشقت غيرته تلك وأصبحت شيئًا مقدسًا بالنسبة لها، هكذا كانت حواء، ماكرة وهو يعشق مكرها.

نبرة صوتها، ولمسة يدها الحنونة، وتلك النظرة التي تجبره على أن يكون خاضعًا لها، جعلته في هذه اللحظة تحت سيطرتها هذه المرة، فهي تعلم أنه لا يغضب ولا يثور بسهولة إلا عندما يعلم بهذا التجمع ووجود هذا الحقير بينهم، أخرج زفيرة قوية بعد أن أعلن استسلامه التام أمامها وتبدد غضبه وإنطفأت نيران الغيرة في قلبه. _الملتحي الذي من النساء يستحي جاب لورا.

هكذا أعلن استسلامه لها بيأس، محاولًا عدم إظهار بسمته لها ولمعة عينيه التي لا تظهر سوى لها هي فقط، ضحكت بسعادة طاغية حينما جعلته يرضخ لها هذه المرة، ثم ضمته وهي تلثم خديه الأيمن بعمق وكأنها تخبره أنها هي المنتصرة هذه المرة، وتحت ضغطها المتواصل لم يستطع أن يخفي ضحكته عنها ويحرمها من رؤيتها وسماع نبرته الضاحكة التي بها أعلن أنه أسيرًا لها. _هو دا الشيخ "رمزي" حبيبي اللي خطف قلبي ودوبني فحُبه.

لم يبخل عليها بأن يمنحها عناقه الحنون الذي كان وطنًا بالنسبة إليها، فلم تعد تهتم بالبشر ولا بالعالم الخارجي مهما بلغت قسوته، فذلك العناق الدافئ المفعم بقدر هائل من الحب والحنان يجعلها تنسى كل شيء، كل ما تريده في تلك اللحظة أن تنعم بتلك اللحظة داخل موطنها الأمن الذي من سابع المستحيلات أن يغزوه الأذى. _أقولك على حاجة هتشيل همها وإحنا هناك.

هكذا سألها بنبرة هادئة حنونة بعد أن تذكر أول وجه سيراه هناك، رفعت رأسها عن كتفه ونظرت له تسأله بعينيها بسؤال صامت ليجاوبها هو بنبرة هادئة مبتسم الوجه تاركًا أنامله تلامس خصلاتها البنية الناعمة. _"فراس" اللي أول ما يشوفني قدامه هيجري عليهم جوه يقولهم مطروف العين وصل يا حارة. ضحكت حينما رأته يقوم بتقليده بإتقان شديد كيف لا وهذا هو الحبيب الذي يراه بين الحين والآخر، جاوبته هي في هذه اللحظة وقالت ضاحكة:

_وطبعًا الباشا ما هيصدق طول القعدة. _بصراحة بستحلاها قدام السمج ده، بحسني بنتقم منه فالخباثة. لم تبخل عليه لسماعه صوت ضحكتها الرنانة التي كانت كمعزوفات الناي الجميلة، بينما شاركها هو الضحك بعد أن تذكرا سويًا بعض اللحظات التي كان يستغلها "رمزي" لصالحه ويقوم باستفزاز هذا السمـ.ـج كلما أتيحت له الفرصة. _هكذا كانت المعادلة دومًا..

في بعض الأحايين المعادلة لا تقبل القسمة على إثنين، فإما هروب أحد الطرفين، أو يلقى الطرفين الموت بصدر رحب. كانت "نورهان" تجلس مع أخيها في منزله بعد أن قررت العيش معه في قريتهما الحبيبة خوفًا من أن يجدها "فتوح" قبل المحاكمة ويقوم بأذيتها، فما فعلته كان الأصلح لها ولطفلها الحبيب فمهما حدث ستفعل الأصلح له وتمنع أيادي والده الحقير من المساس به مهما حدث، بينما كان "ناجي" يجلس معها شارد الذهن حتى أخرجه صوت شقيقته

التي قالت بنبرة متوترة: _تفتكر هيطلق يا "ناجي" بعد ما الدعوة وصلتله؟ نظر لها "ناجي" نظرة مطولة قبل أن يقول بنبرة واثقة: _هيطلق يا "نورهان"، هيطلق غصب عنه وعن عيلته كلها، دا كان القرار الصح اللي خدناه عشان اللي زي "فتوح" مبيتعلمش غير لما يتعلم عليه.

ابتسمت غصتها وهي مازالت تشعر بالقلق يحتضن قلبها فهي تعلم "فتوح" جيدًا لن يقبل الرضوخ بتلك السهولة وسيفعل أي شيء للانتقام منها، نهض "ناجي" واقترب منها يجاورها في جلستها ثم ضمها إلى دفء أحضانه يلثم مقدمة رأسها بحنو وترك كفه يمسح على خصلاتها الطويلة الناعمة صعودًا وهبوطًا قائلًا بنبرة دافئة وحنونة:

_طول ما أنا جنبك يا "نورهان" مش عايزك تخافي من أي حد فعيلة الجزار مهما كان مين هو، ولو فاكر نفسه حاجة ييجي يوريني نفسه، بس هو مش هيقدر يعمل حاجة دلوقتي عشان لو حاول يأذيك هتثبت عليه تهمة وهو مش هيغامر دلوقتي، ولو طلق فعلًا وجه يوريني نفسه، لو راجل ياخدك ويرجع القاهرة تاني.

_طب ما هو وارد يأذيك يا "ناجي"، أنا مش عايزة كدا ومش عايزاه يأذيك بسببي مهما حصل، "فتوح" شيطانه عاميه عن كل حاجة دا وقعني من عالسلم يا "ناجي" لولا "يوسف" لحقني وقتها فالوقت المناسب. _وحتى لو اتأذيت يا حبيبة قلبي فداك عمري كله، هو أنا عايش عشان مين مش عشانك برضوا؟ متخافيش عليا أهم حاجة عندي أنت والباشا الصغير الباقي ملهوش أهمية عندي.

صادق أنت يا "ناجي" كما كان اسمك، فكنت دومًا النجاة لها وخير المحبين إليها، فإن تلقى تهديدات عديدة بالقتل فسيرحب به لأجلها هي فقط، ترقرق الدمع في المقل بعد أن نظرت إليه وغلف هذا السائل الشفاف مقلتيها بعد أن تأثرت بحديثه ولامس صدقه قلبها، منحها بسمة صافية وضمها مجددًا إلى دفء أحضانه دون أن يتحدث بحرف آخر، بينما تركت هي نفسها تغرق في بحوره ذات الأمواج الهادئة عل الراحة تسكنها.

_إن دق القلب ألغى العقل، هذا هو قانون المحبين. هكذا كان الحب دومًا منذ قرون، يسرق القلب ويلغي العقل وتنسد الآذان، هكذا كان الحبيب وتلك كانت خديعة الحب.

منذ ثلاث ليال وهي تجلس وحيدة، بين جدران المنزل ساكنة، قلبها نابضًا للحبيب عشقًا لا ينتهي، وعطاءً لا حدود له، كانت تجلس في غرفتها شاردة الذهن تنتظر عودته، أخرجت زفيرة قوية ووصلها صوت الجرس من الخارج يعلنها عن وصول زائر لها، خرجت من شرودها ونهضت متجهة إلى الخارج بتلهف شديد وهي تظن أن الوافد هو زوجها. ولكن تبدد ظنها حينما رأت أخيها هو الوافد، تفاجئت "عليا" بوجوده ولذلك قالت بنبرة غلبها طابع التفاجؤ: _"يوسف" أخويا..!!

عقد "يوسف" حاجبيه وهو ينظر لها ليقول بنبرة هادئة: _كنت مستنية حد تاني غيري ولا إيه؟ ابتسمت غصتها بتروٍ ورفعت كفها تعيد خصلاتها خلف أذنها وابتسمت بوجهه قائلة: _لا أنا بس افتكرتك "زايد"، تعالى أدخل أنت مش غريب. ولج "يوسف" بخطى هادئة وهو يجاوبها بوجه مبتسم قائلاً: _هدخل طبعًا يا سلام، دا بيتي برضوا ولا أنت رأيك إيه؟ أغلقت الباب خلفه ولحقته وهي تقول بنبرة هادئة مبتسمة الوجه: _حمدلله على سلامتك، عرفت إنك راجع النهاردة.

ألتفت ينظر لها بعد أن توقف مبتسم الوجه ثم قال بنبرة هادئة: _دا أنا طلعت متراقب بقى. رفعت هي رأسها بزهو من نفسها وجاوبته بنبرة وقورة: _أيوه طبعًا هو أنا قليلة يعني، عندي عيون فكل حتة خلي بالك يعني عارفه أنت فين وبتعمل إيه وبتفكر هتعمل إيه. _لا دا إحنا كدا نخاف منك بقى يا قمر. جاوبها وهو يغمز لها بعينه اليسرى لتضحك هي بخفة ثم نظرت له دون أن تتحدث، اقترب هو منها يلثم جبينها بحنو ثم نظر لها وقال بنبرة فرحة مبتسمًا:

_مبارك يا حبيبتي، فرحتلك أوي أقسم بالله لما عرفت الخبر الجميل ده. منحته بسمة صافية حنونة وقالت بنبرة غمرتها السعادة:

_الله يبارك فيك يا حبيبي، ادعيلي كتير أوي طول الوقت أنا استنيت الخبر ده من زمان، كان نفسي اليوم دا ييجي ويكون عندي بيبي حلو كدا صغير ليا لوحدي، حلمت باليوم دا كتير أوي لحد ما جه أخيرًا وفاضل بس ٦ شهور، عارف أنا متحمسة أوي ونفسي ييجي بسرعة، والأهم من ده كله إنه هيكون ابني أنا و "زايد"، متتصورش كان فرحان أزاي أول ما عرف مستنيين اليوم دا من سنين.

كان مبتسمًا طيلة الوقت وهو يستمع لها ويرى سعادتها التي كانت واضحة وضوح الشمس وكأنها امتلكت شيئًا نادرًا لم يمتلكه غيرها من قبل، وكأنها اكتشفت سرًا خطيرًا كان مكتنزًا لها هي فقط، كانت سعيدة للغاية، غلف السائل الشفاف مقلتيها بشكل كثيف والبسمة ترتسم باتساع على ثغرها حتى أنها رتمت داخل أحضانه تـ.ـعانقه وهي تضع رأسها على صدره وذراعيها يحاوطنا خصره.

لأول مرة يرى سعادتها بهذه الطريقة، لم يكن يعلم أن هذا الحمل سيكون سبب سعادتها الطاغية بهذه الطريقة، ولكن كل ما فعله هو أنه حاوطها بذراعيه يضمها إلى دفء أحضانه يمسح بكفه على خصلاتها صعودًا وهبوطًا وهو يقول بنبرة هادئة مبتسم الوجه: _ربنا يكملك باقي الشهور على خير وتفرحي بيه أو بيها، أنت طيبة وتستاهلي كل خير، وأنا جنبك دايمًا يا حبيبتي فأي وقت تحتاجيني فيه هتلاقيني. _عارفة يا حبيبي، وجودك جنبي مطمني.

صادقة دومًا في مشاعرها تجاه الآخرين، وهذا ما جعله يحبها ويتعلق بها أيضًا، وبعد مرور القليل من الوقت قضاه معها صدح رنين جرس المنزل مجددًا يقطع حديثهما، نظرت هي تجاه الباب ولذلك نهضت وهي تقول بنبرة متحمسة: _دا أكيد "زايد" رجع.

تبدلت تعبيرات وجهه حينما استمع إلى اسمه ليشعر بالضيق يحتضن صدره، أخرج زفيرة قوية واعتدل في جلسته ليسمع شقيقته وهي ترحب به بسعادة واضحة، ألتفت برأسه لهما ليراها تعانقه بحب شديد، نهض "يوسف" وهندم سترته الشتوية السوداء ثم اقترب منهما وهو ينظر إلى شقيقته التي كانت سعيدة بعودته مجددًا ولذلك تسأل بداخله عن سبب هذا الشوق الجارف تجاه هذا الذي لم يشعر نحوه بالراحة منذ أول مرة رآه بها.

وقف خلف شقيقته وهو ينظر إلى "زايد" نظرة مليئة بالشك وعدم الراحة، تلاقت الأعين تنطق بما لم يبوح به القلب فللمرة الثانية على التوالي يرى الخبث يحتضن عينان "زايد" ومعها معالم وجهه التي كانت تنطق بالشر الخفي، هكذا كان شعور "يوسف" تجاهه ولكن ما يمنعه من قول أي شيء حتى الآن هي شقيقته التي يبدو أنها غارقة في بحور عشقه ولا توجد سبيلاً للنجاة منه.

وصلت رائحة عبق نسائي إلى أنفها وهي مازالت داخل أحضانه جعلتها تتعجب بشدة، اشتمت الرائحة مجددًا لتجدها رائحة عبق نسائي وهذا جعلها تتأكد أكثر أنها لا تخصه، ابتعدت عنه وهي تعيد خصلة شاردة خلف أذنها وهي تعقد حاجبيها بتعجب وتنظر له قائلة بنبرة متسائلة: _"زايد"، هي إيه ريحة البرفان اللي فهدومك دي؟

رأى "يوسف" تعبيرات وجهه تتبدل فجأة إلى التوتر والخوف وهذا جعله ينصب بكامل تركيزه عليه مترقبًا رده، رآه يحاول الحفاظ على ماء وجهه وتحرك بؤبؤ عينيه في كل مكان، نظر بعدها إلى شقيقته التي نظرت له مترقبة هدوءً ثم قالت مبتسمة الوجه بعد أن رأت خوفه ظاهرًا أمام عينيها: _جبتلي برفان جديد مش كدا وخوفت أقـ.ـفشك وأبوظ المفاجأة.

تفاجئ "يوسف" حينما استمع إلى حديث شقيقته التي صدمته بلا شك وجعلته يقف خلفها مذهولًا، بينما ابتسم "زايد" براحة واضحة وقال بنبرة هادئة وهو ينظر لها: _بصراحة أنت طلعتي مش سهلة، أنا فعلًا جبتلك برفان حلو أوي وجيت عشان أشم ريحته قام رشه على هدومي. تفاجئت "عليا" ولذلك اتسعت بسمتها أكثر ثم قالت: _طب فين الإزازة بقى.

أخرج هو زجاجة العطر من حقيبة الهدايا أمام عينيها وعينان "يوسف" الذي يشعر بعدم الراحة وبدأ الشك يتسلل إلى قلبه رويدًا رويدًا، ولكن برغم ذلك علم بأفعال "زايد" كيف لا وهو رجل مثله ويعلم ماذا يفعل، ما أثر شفـ.ـقته وآلم قلبه في هذه اللحظة شقيقته التي كانت كالمغيبة عن العالم بأثره تحت تأثير حبه، تبادلا النظرات فيما بينهما دون أن يتحدث أحد منهما.

كانت نظرات "يوسف" مشمئزة وغاضبة، لم يخطئ حينما شعر بالتقرف منه، نظرات محتقرة لأمثاله كيف تؤثر به، بينما طالعه "زايد" نظرة ماكرة، كان يظهر حبه لها طيلة الوقت ولكنه لم يكن سوى وجه آخر من النفاق، أخرج زفيرة قوية ثم قال بنبرة جادة: _طب أنا همشي بقى يا "عليا" وزي ما قولتلك، أخوكي موجود فأي وقت. ألتفت له "عليا" وتلاشت بسمتها قائلة بتفاجؤ: _لا هتروح فين؟ _رايح الجامع، "رمزي" مستنيني دلوقتي. هكذا جاوبها بنبرة هادئة مبتسم

الوجه لتسأله هي قائلة: _طب هتيجي تقعدي معايا تاني صح؟ أغلب الوقت "زايد" بيكون فالشغل وبيرجع وش الفجر وأنا بكون زهقانة أوي أبقى تعالى أقعد معايا. نظر هو إلى "عابد" الذي كان ينظر له بطرف عينه نظرة زادت من شكه ولكنه عاد ينظر إلى شقيقته وجاوبها بنبرة هادئة وقال:

_لما تكوني لوحدك تعالي عندي اقعدي وقت ما تحبي بيتي هو بيتك ولو عايزة تكوني مع "مها" مفيش مشكلة أغلب اليوم "سراج" بيكون بره عشان بيقفل مشروعه أبقي تعالي بيتنا مفتوحلك مش شرط تستأذنيني. اتسعت البسمة على ثغره بعد أن استمع إلى حديثه ولذلك ضمته وهي تشكره، ضمه "يوسف" مبتسمًا ومسح على ظهرها برفق دون أن يتحدث وهو ينظر إلى "زايد" الذي كان البرود هو عنوانه في هذه اللحظة مما جعل "يوسف" يشعر بعدم الراحة نحوه والبدء بمراقبته.

_في المقهى المتواجدة بالحارة.. كان "رمزي" يجلس برفقة أصدقائه الذين يتحدثون مع بعضهم كما المعتاد ويلعبون بـ"وتين" التي كانت بين أحضان "منصف" الذي كان ينظر لها مبتسم الوجه وهو يراها تضحك حينما يلاعبها "لؤي"، كانوا هم بوادي، وهو بوادي آخر، تذكر حديث زوجته الذي عاد يرن في أذنيه مجددًا حينما أفصح عن ما يكمن في جعبته مما جعله يعيد التفكير مجددًا في الأمر بشكل أكثر جدية.

لم يلبس كثيرًا وظهرت له رؤية أخرى، اعتدلت في جلسته وهو يرى شخص ما يضع حقيبة جلدية في خزانة "يوسف" الخاصة ويخرج، ثم قدوم الشرطة للقبض عليه، استفاق وهو ينظر حوله يبحث عنه بعينيه ليراه يقترب منهم بخطى هادئة، انـ.ـتصب واقفًا ثم اقترب منه بخطى واسعة تزامنًا مع اقتراب "يعقوب" من "يوسف" ليقطع سيره وهو يقف أمامه قائلاً بنبرة تملؤها القلق: _"يوسف" اطلع فتـ.ـش تحت هدومك.

تفاجئ "يوسف" الذي توقف فجأة وهو ينظر له مذهولًا، كان "رمزي" متخذًا وضعية الهجوم ضده مما جعله ينظر له لثوان معدودة قبل أن يسأله قائلاً باستنكار تام: _أعمل إيه؟ أخرج "رمزي" زفيرة قوية ثم قال بنبرة حاول جعلها هادئة قدر المستطاع: _يا "يوسف" الله يرضى عنك أعمل اللي بقولك عليه بسرعة مفيش وقت، يلا. وبرغم تعجبه الشديد ألا أنه رماه نظرة ذات معنى ثم رحل تاركًا إياه خلفه ينتظره، نظر "يعقوب" له نظرة ذات معنى ثم اقترب منه وهو

يقول بنبرة هادئة متسائلة: _في إيه يا "رمزي"؟ نظر له "رمزي" نظرة هادئة ثم أمسك برسغه واتجه نحو البناية الساكن بها "يوسف"، ولج إلى الداخل ثم أغلق "رمزي" الباب خلفه ونظر له قائلاً بنبرة هادئة: _هتعرف كل حاجة شوية. _لا أنا مبقتش فاهمك من الصبح وأنت مش طبيعي وتصرفاتك بقت غريبة وأنا عايز أفهم إيه اللي جرالك. هكذا رد عليه "يعقوب" بنبرة جادة وهو ينظر له، أخرج "رمزي" زفيرة قوية ثم قال بنبرة هادئة:

_هتعرف دلوقتي في إيه، ممكن تهدى شوية. مسح "يعقوب" على وجهه صعودًا إلى خصلاته السوداء الناعمة بكفه الأيمن وهو يحرك رأسه برفق قائلاً: _حاضر يا "رمزي"، هستنى.

ابتسم له "رمزي" ولم يتحدث، بينما كان "يوسف" واقفًا أمام خزانته وهو يتفحص ما يقبع تحت ملابسه بالكامل حتى شعر بشيء سميك تحت كفه، تعجب كثيرًا ولذلك أبعد ملابسه ليرى حقيبة مستطيلة جلدية لا يعلم من أين جاءت، عقد حاجبيه متعجبًا ليقوم بإخراجها واضعًا إياها أمامه على الرف يتفحص هيئتها الخارجية وهو يشعر أن ثمة كارثة تنتظره بداخلها، شعر بالتوتر والقلق قليلًا قبل أن يفتحها، لحظة فارقة بالنسبة له خصيصًا أن إصرار "رمزي" قد جعله يتوتر.

ولكن في النهاية فتحها وهو ينظر إلى محتواها هدوءً قبل أن تجحظ عيناه بشكل مخيف وهو يرى ما جعل الصدمة تتلـ.ـبسه بلا سابق إنذار، دقائق استغرقها فيها حاول عقله استيعاب الأمر مرارًا وتكرارًا ولكن العقل يرفض تقبل الأمر، جف حلقه وتراخت أعصاب يديه بشكل ملحوظ فهذه كارثة كبرى سقطت فوق رأسه بكل تأكيد، شعر فجأة بكف يوضع فوق كتفه ينتشله من تلك الحالة التي تلبسته ليلتفت بسرعة لها ليرى "بيلا" تقف خلفه وهي تنظر له بتعجب شديد.

_في إيه يا "يوسف" مالك؟ سؤال لم يجد له جواب مباشر ولا عنوان صريح، فتلك كارثة فجـ.ـة بالنسبة له، شعرت بتراخي كفيه بين قبضتيها لتتفاجئ هي وتسأله قائلة بهلع: _في إيه يا "يوسف" مالك؟ أنهت حديثها وهي تدعم ثقل جسده بذراعيها لتسقط عيناها على الحقيبة لتجحظ عينيها كذلك بصد.مة واضحة وهي ترى حقيبة تحتوي على مواد مخدرة خطيرة، نظرت له بعد أن علمت ما أصابه ولذلك قالت بنبرة مزعورة خافتة: _إيه اللي جاب شنطة المخدرات دي هنا؟

جت منين يا "يوسف" الشنطة دي مش إحنا سايبين شقتنا مقفولة، جت إزاي الشنطة دي يا لهوي. تماسك هو نفسه سريعًا ليبتعد عنها ملتفتًا إلى الحقيبة مغلقًا إياها بحركة عنيفة ثم أخذها وهو يقول بنبرة قلقة: _الشنطة دي مش لازمة تفضل هنا، لو فضلت أنا هروح فداهية وأنا معرفش عنها حاجة. نظرت له "بيلا" والخوف يحتضن عينيها قائلة بنبرة تملؤها القلق: _هتعمل إيه يا "يوسف"؟ هتتصرف فيها إزاي ولا هتديها لمين دي شنطة مخدرات.

نظر لها نظرة ذات معنى ثم قال بنبرة جادة وكأن حاله تبدل في لمح البصر بين هذا الضعيف قليل الحيلة وبين هذا القوي الذي لا يأبى الاستسلام: _هتصرف، خليك هنا ومتتحركيش. تركها وخرج بخطى واسعة يخرج من شقته مغلقًا الباب خلفه تاركًا إياها خلفه تطالع أثره بقلـ.ـق شديد عليه وهي تفكر كيف جاءت تلك الحقيبة ومن الذي وضعها هنا ومن الذي اقتحم منزلهما، شعرت بالدو.ـار يقتحم رأسها ولذلك جلست على طرف الفراش وهي تدعو أن تمر على خير.

كان "رمزي" يجول في المكان ذهابًا وإيابًا أسفل نظرات "يعقوب" الذي كان يجلس فوق أولى درجات الدرج ويتابعه دون أن يتحدث، لحظات وظهر "يوسف" أمامهما وهو يحمل الحقيبة، نظرا له سويًا لينهض "يعقوب" الذي قال بنبرة جادة: _في إيه عوقت فوق كدا ليه وإيه الشنطة دي؟

نظر "يوسف" في هذه اللحظة إلى "رمزي" الذي نظر لها ثم اقترب منه وفتحها أسفل نظرات "يعقوب" المترقبة لتجحظ عيناهما معًا بصدمة شديدة وأكثرهم "يعقوب" الذي فورًا تذكر خروج "حديدة" متخفيًا في باكورة الصباح من ردهة البناية ولذلك علم كل شيء دون أن يخبره أحد. _مخدرات، يا لطيف ألطف. هكذا قال "رمزي" بعد أن استاق من صدمته ليقول بتيهة واضحة: _هنعمل إيه دلوقتي فيها؟ هوديها فين ولا هنتصرف فيها إزاي. _أنا اللي هتصرف.

هكذا رد "يعقوب" بنبرة حادة وهو يخطف الحقيبة من قبضة "يوسف" الذي نظر له نظرة ذات معنى ومعه "رمزي": _هتصرف فيها إزاي يعني مش فاهم؟ كدا هتلبسها أنت متخلف..!! صاح به "يوسف" بغضب شديد وهو ينظر له ويقبض على ذراعه حينما رآه يتحرك ليبادله "يعقوب" نظراته هدوءً ثم غمز له وقال بنبرة هادئة مطمئنًا إياه: _متخافش عليا أنا تمام بس مش هسيبك تلبسها وأنا عارف مين صاحبها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...