أذّية الأقرباء للمرء تؤلمه بشكل مضاعف لأن الجرح يأتي ممن كان يفترض بهم أن يكونوا السند والداعم. حينما يتسبب الأقارب في الألم، يواجه الشخص تحديًا نفسيًا عميقًا، حيث يختلط الألم بالدهشة. قد تأتي الأذية بشكل كلمات جارحة أو تجاهل متعمد، أو حتى بخيانة ثقة. ما يزيد الألم هو أن الشخص يتوقع دائمًا منهم التفهم والحنان، لكن الواقع يكون قاسيًا. ورغم هذا، يمكن للمرء أن يتعلم ممن هذه التجارب كيفية حماية نفسه والحفاظ على صحته النفسية.
"طعنة القريب كانت بألف طعنة من عدو." الطعنة الغادرة من قريب ليست هينة. صلة قرابة بالدم تلوثت بالغدر، وطعنة السيف الحامي كانت غادرة من مالكه. أخرج "يعقوب" هاتفه من جيب بنطاله بأيدي مرتجفة بعد أن قرر الاستعانة بغوثه. فهو وحده القادر الآن على التصرف معها بالشكل الصحيح والمطلوب. بينما كان "ضياء" يُقيد حركتها بذراعيه وهي تحاول الفرار منه وتئن بصوت خشن. نظر إليه "يعقوب" وقال بنبرة حازمة:
_أوعى تفلتها يا "ضياء" مهما حصل، أوعى تفلتها. أنهى حديثه وهو ينظر إلى شاشة هاتفه بعد أن طلب رفيقه ليضعه على أذنه منتظرًا تلقي الجواب وهو يختلس النظر إليها يراها تطالعه بنظرات حاقدة وصوت أنفاسها عالي تئن بخشونة وتحاول التملص من أخيها الذي حاول منعها من التحرك. بينما تحدث "يعقوب" بنبرة متلهفة بعد أن جاءه الجواب من رفيقه قائلًا:
_أيوه يا "رمزي"، "رمزي" أنا محتاجك دلوقتي حالًا. أتصرف وتعالى بسرعة "زبيدة" مش كويسة، بتعمل حاجات غريبة وعايزة تموتني، بسرعة أوعى تتأخر بالله عليك. أنهى حديثه وأغلق المكالمة ونظر إلى "زبيدة" التي كانت تراقبه بنظراتها المخيفة ليسمع "ضياء" الذي اقترح عليها قائلًا: _إيه رأيك نكتفها؟ حالتها دي هتسـوء بعد شوية، أنا خايف تعمل حاجة وتؤذي نفسها وتؤذينا معاها.
نظر "يعقوب" إلى "زبيدة" نظرة مطولة كانت تحمل الكثير في ثناياها. ليست نظرة عابرة، ولا تحمل عتابًا مخفيًا، ولا هي بكارهة، بل كانت نظرة عاشقة. برغم ما تلقاه قلبه منها من أذى لم يتركها ويرحل. لم ييأس معها ولم يشعر يومًا بالملل تجاهها، بل تمسك بها ورفض التخلي عنها برغم ما مروا به معًا. فهو رآها عاشقة، مخلصة لزوجها وراضية بما قسمه الله لها، وكان يراها برغم ما قدمه إليها حياته التي بدونها يفتقد نفسه وهويته.
نظرته لها كانت حانية، تأبى إيذاءها حتى وإن تلقت روحه العذاب على يديها. حاول أن يحافظ عليها وعلى قلبها الهش وروحها التي كانت كقطعة بلور لامعة يأبى سقوطها وتهشمها. وعلى الرغم من أن نظرتها كانت متوعدة ومخيفة ولكنه لم يهتز. ظل ثابتًا بمكانه كل ما قدمه إليها هي بسمة هادئة حنونة. وبعدها رفض اقتراح "ضياء" رفضًا قاطعًا بقوله الصارم:
_لا مش هنربطها، ولا هعمل أي حاجة ممكن تؤذيها، حتى لو فلّت ودمرت المكان. ولو كانت فيها أذى ليا فأنا موافق تكون أذيتي على إيديها، بس أنا مش هعمل حاجة عارف إنها هتؤذيها عشان أحمي نفسي. عايزني أحمي نفسي منها إزاي يا "ضياء" وهي الأمان كله ليا.
في بادئ الأمر كان صارمًا في قوله بعد أن اقترح "ضياء" عليه تلك الفكرة. وبعدها بدأت نبرته تلين ببطء حينما ذكرها في حديثه برفضه التام لفعل شيء يعلم هو أنه سيؤذيها هي. ابتلع غصته بتروٍ وأخرج زفيرة هادئة وألتزم الصمت بعدها منتظرًا مجيء رفيقه الذي أخبره بقدومه. بعد مرور القليل من الوقت.
عادت "زبيدة" تئن بخشونة وهي تنظر إلى "يعقوب" وتحاول الإفلات من قبضة أخيها الذي شد عليها حتى لا تقترب من "يعقوب" الذي كان يقف على مسافة وجيزة منها. نظر إليها نظرة هادئة ثم اقترب منها بعد أن التقط حجاب رأسها الأسود الذي لا يليق سوى بها هي في نظره.
وقف أمامها، لم يهتز، ولم يتوتر تحت هذه النظرة التي لا تفارقه. وضع حجاب رأسها فوق خصلاتها السوداء الناعمة ورمى أحد طرفيها إلى الخلف وثبتّه جيدًا على رأسها وعاد خطوتين إلى الخلف. لحظات وتلقوا صوت أقدام تصعد درجات السلم المجاورة للشقة ثم ظهوره أمامهم واقفًا على عتبة الشقة ملقيًا تحية السلام بقوله الهادئ: _السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. ردًا عليه السلام ثم أكمل "يعقوب" قوله الهادئ يدعوه إلى الولوج:
_تعالى يا "رمزي" البيت بيتك يا صاحبي. ولج "رمزي" بالفعل بخطى هادئة بقدمه اليمنى مستعينًا بالله واقترب منهم بخطى هادئة ليجاور "يعقوب" قائلًا بنبرة هادئة بعد أن لمح نظرات "زبيدة" بطرف عينه: _خير إن شاء الله طلبتني مستعجل ليه. نظر إليه "يعقوب" وجاوبه بنبرة هادئة قائلًا:
_مفيش غيرك هيساعدني دلوقتي، "زبيدة" كانت كويسة وزي الفل قرب صلاة العشا. دخلت نامت وصحيت من شوية حالفة تقتلني. حاولت آخدها بالحنية قولت يمكن اللي سمعته مؤثر على نفسيتها بس لقيتها اتحولت عليا مرة واحدة ورفعت السكينة وحالفة تقتلني. حاولت أصدها مقدرتش عليها لولا "ضياء" جه في الوقت المناسب لحقني منها. نظر "رمزي" إلى "زبيدة" التي أصبحت نظراتها تركز عليه في هذه اللحظة نظرة ذات معنى دون أن يتحدث للحظات قليلة حتى كسرت هي
هذا الصمت بقولها المتهم: _مالك يا شيخ "رمزي"؟ خايف تقرب؟ ولا تكونش بتفكر هترقيني إزاي وأنا بحالة دي... معقولة خايف تتغـ.ـز.ل؟ أشار "رمزي" بصمت إلى "ضياء" كي يتركها وعاد ينظر لها نظرة واثقة وأبتسم بسمة خفيفة هنيئة ثم قال بنبرة هادئة: _لا أنا مش خايف خالص، بالعكس. أبتسمت بسمة جانبية ساخرة ثم تحدثت بكلمات لاذعة متشـ.ـفية قائلة: _طب ما ترقيني، ولا خايف تقرب من واحدة ملبوسة؟ متخافش هما مش هيأذوك عارف ليه؟
عشان أنت ابن ساحر، أبوك كان أكبر ساحر في البلد والناس كل يوم كانت عنده. وأنت يا مسكين اتاخدت فالرجلين وخدك فتح بيك مقبرة فرعونية عشان يطلع التماثيل والآثار اللي جواها ولحظك الوحش أتمسكت وقتها. كانت بسمتها مرتسمة فوق شفتيها وكأنها سعيدة بما مر به في صغره ونبرتها متشـ.ـفية. بينما كان هو ينظر لها نظرة هادئة وبسمة خفيفة للغاية تزين ثغره وكأنه لم يتأثر بحديثها ولذلك جاوبها بنبرة هادئة: _مبسوطة فيا مش كدا؟
أومأت برأسها تؤكد على حديثه وهي تبتسم باتساع حتى ظهرت أسنانها البيضاء المتراصة. تحدث مجددًا وهو ينظر لها قائلًا بنبرة هادئة: _حقك، بس أنا بقيت كويس ومن وقتها آه الناس مبقتش تسيبني عشان أنا فيا حاجة لله وأقدر أطلع اللي تحت الأرض بس كان ربنا كبير ومرضاش إن أتحط فطريق سكتة شمال وحرام. فعشان كدا وهبني بالنعمة دي، عشان ييجي اليوم دا وأبقى أنا واقف قصادك كدا. وكأنها تعمدت تجاهل حديثه ذاك وأصبحت تنعته بقولها المتـ.ـشفي:
_هتفضل ابن الساحر صاحب فتح أكبر مقبرة فرعونية في السمان، حقيقة ومش هتقدر تنكرها يا شيخ، أنت ابن ساحر. أنهت حديثها وضحكت ضحكة مكتومة وهي تنظر إليه متـ.ـشفية به. كان "يعقوب" يقف متصلب الجسد مصدومًا مما يراه ويسمعه ويجاوره "ضياء" الذي كان لا يقل شيئًا عنه. بينما أخرج "رمزي" زفيرة هادئة واقترب منها بخطى هادئة وهو يقول: _لا حول ولا قوة إلا بالله، صل عالنبي بس يا ست الكل وتعالي نتفاهم بهدوء.
وحينما أصبح أمامها مباشرة أمسك بطرف وشاحه الرمادي ووضع يده بحركة سريعة على رأسها لتصرخ هي ويسقط جسدها على الأريكة خلفها ليبدأ هو رقيّتها وجسدها ينتفض وكأن صاعقة قد ضربتها. بدأ يتلو أولى آيات سورة البقرة بصوته الخشوع العذب يتابعها بعينيه، يرى جسدها يشتد عوده وقدميها تهتزان للحظات حتى استكانت لينهي قراءة آيات الله ويكمل بقوله الحازم:
_أعوذ بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، من كل شيطان وهامة، بسم الله أرقيك، من سحر ساحر، ومن كيد حاقد، ومن همس شيطانٍ مارق، الله أكبر عليه، الله أكبر عليه، الله أكبر عليه. وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا، إن الباطل كان زهوقًا، إن الباطل كان زهوقًا. أنهى رقيته إليها وضـ.ـرب على جبهتها برفق بسبابته لتستفيق هي وتعود إلى وعيها من جديد. أبعد يده عنها وهو يستغفر ربه ويلتفت بجسده ينظر إلى رفيقه مطمئنًا
إياه بقوله الهادئ: _حمدلله على سلامتها يا "يعقوب"، بقت زي الفل مفهاش حاجة. رفعت "زبيدة" رأسها تنظر حولها بوهن وهي تقول بنبرة متعبة: _إيه اللي حصل؟ أنا فين؟ أقترب منها "يعقوب" بخطى هادئة يدعم ثقل جسدها بعد أن اعتدلت في جلستها وهي تمسك برأسها ليضمها إلى دفء أحضانه وهو يقول بنبرة هادئة: _حمدلله على سلامتك يا "زبيدة"، حمدلله على سلامتك يا حبيبتي.
أبتعد عنها ينظر إلى وجهها المرهق لتبادله نظراته بأخرى واهنة ليبتسم لها بسمة هادئة تعكس ما يشعر به من الداخل ثم استقام في وقفته وألتفت ينظر إلى "ضياء" مشيرًا إليه نحوها قائلًا: _خدها على جوه يا "ضياء" وخليك جنبها لحد ما أجيلك.
لبى "ضياء" قول زوج شقيقته واقترب من "زبيدة" التي نهضت تقف على قدميها ليحاوطها بذراعيه يدعم ثقل جسدها ممسدًا على طول ذراعها بحنو وتحرك بها نحو الداخل. تابعهما "رمزي" بنظراته الهادئة ثم ألتفت إلى رفيقه الذي جلس فوق الأريكة مرهق الجسد. جاوره في جلسته ومد كفه الأيسر ممسدًا على ركبته دون أن يتحدث فهو يعلم أن رفيقه ليس بأفضل حال الآن.
وقع بصره على السكين التي كانت ملقاه بإهمال على سطح الأرضية ويعلوها بقعة صغيرة من دماء رفيقه. أخرج زفيرة عميقة واستغفر ربه ثم نظر في اتجاه محدد يرى رؤيته، يرى "رانيا" وهي تقوم بعمل السحر لشقيقتها بمنتهى القسوة وهي تبتسم برضا وسعادة. والآن قد علم السبب الرئيسي لعدم إنجاب تلك المسكينة حتى هذه اللحظة. نظر إلى "يعقوب" مجددًا وقال بنبرة هادئة:
_"يعقوب"، أنا عمري ما رقيت حد وقولتله مين اللي آذاك، بس عندك أنت ومقدرش أسكت يا صاحبي. نظر إليه "يعقوب" بعد أن جذب انتباهه حديث رفيقه الذي كان لهيب النار له. ترقب سماع الفاعل منه دون أن يتحدث بينما أخذ "رمزي" نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء وجاوبه بنبرة هادئة بقوله: _"رانيا" أختها. _إيه..!!
كان صوت أنثى، صوتها الناعم هو الذي رن صداه أرجاء الغرفة. ألتفت "رمزي" ينظر إليها ومعه "يعقوب" الذي كان مصدومًا لا يصدق ما تسمعه أذنيه. وبجانبها كان يقف "ضياء" الذي كان مذهولًا لا يصدق أن شقيقته الكبرى هي من قامت بإيذاء شقيقته الصغرى وبتلك الطريقة البشعة التي لن تخطر على بال أحدهم.
كانت "زبيدة" تنظر إلى "رمزي" مجحظة العينين والعبرات تلتمع بداخلها والصدمة هي عنوانها صريحًا على صفحة وجهها. تـ.ـراخى جسدها ليميل جهة اليسار تستند على لوح خشبي. كانت الصدمة حليفتها بكل تأكيد فهي حتى هذه اللحظة لا تصدق ما سمعته قبل لحظات وكأن أحدهم قد ضرب رأسها بعصاه حديدية.
نهض "يعقوب" واقفًا على قدميه في هذه اللحظة وهو ينظر لها دون أن يتحدث يرى صدمتها ويسمع صوت انكسار قلبها الذي دوى صوته في أذنيه كأصوات طبول الحفل العالية. لوهلة لم تشعر بنفسها سوى وهي في أحضان حبيبها الذي فصل المسافة التي كانت بينهما يواسيها ويشدد من عناقها لها مغمض العينين بعد أن فشل هذه المرة في مؤازرتها.
بكت "زبيدة" بحرقة وهي بداخل أحضانه، بكت وكأنها طفلة صغيرة فقدت والدها في الحرب. تلقت ضربة موجعة فوق رأسها لن تنساها بسهولة. مسد على ظهرها بحنو يواسيها وهو يجاهد نفسه حتى لا تسقط عبراته ويعلن هزيمته مبكرًا ويسمح لها بالفوز عليه وهو صاحبها. _هي يا "يعقوب"، هي بتاعت أعمال؟ ليه كدا؟ ليه كدا يا "رانيا" أنا عملتلك إيه عشان تأذيني كدا؟
أنا عملت إيه يا "يعقوب" قولي غلطت فإيه معاها دا أنا كنت بأمنلها على كل حاجة، ليه تغدر كدا وتطعني في ضهري؟ كفاية إنها بشوفها بتبعد ولادها عني وتقولهم أوعوا تقربوا منها وبكتوا جوايا. أنا استحملت منها كتير أوي بس مش قادرة أستحمل أذيتها ليا أكتر من كدا..!!
بكلماتها جعلت عبراته تسقط على صفحة وجهه بعد أن فشل في التحكم بنفسه. كلماتها موجعة بشكل لا يمكن وصفه، ونبرتها كانت كنبرة قطة صغيرة تعرضت لقسوة البشر وتعاملهم معها حتى أصبحت اليوم هشة كالريشة الناعمة التي تطير في الهواء. كان صوت بكاءها عالٍ وكأنها تريد أن تخرج نفسها من دائرة سوداء لا نهاية ولا مخرج إليها.
أبعدها "يعقوب" عنه برفق يحاوط وجهها بكفيه الدافئين ينظر إلى معالم وجهها الرقيقة الناعمة التي كانت تعتاد على الضحك والدلال. اليوم أصبحت حزينة ومكسورة وكأن جميع البشر اتحدوا ضدها للغدر بها. نظر في عينيها الكلاسيكية الباكية قليلًا ثم رفع إبهاميه يزيل عبراتها بحنو وكسر حدة هذه الأجواء قاطعًا لها وعدًا صادقًا لن يتهاون به أبدًا قائلًا:
_يمين بالله العلي العظيم، المرة دي ما هعديهالها، قدامهم يمين هتحاسب عليه قدام وجه كريم ما هعديهالها. جنائن أهلها يوصل للأعمال يبقى عليا وعلى أعدائي واللي هيدافع عنها ويحايلها هاخده معاها شريك ومحدش هيقدر يفتح بوق أهله معايا. إن ما فضحتها النهاردة مبقاش "يعقوب الهواري"، وعهد الله حقك ما هيبات الليلة دي بره، هتشوفي يا "زبيدة".
أنهى حديثه وألتفت يميل بجسده نحو الطاولة يخطف هاتفه من فوقها يطرق إبهاميه بخفة على شاشة الهاتف هنيئة ثم وضعه على أذنه وأنتظر جواب الطرف الآخر، تحت ترقب الجميع وانتظار معرفة ما سيفعله "يعقوب" الآن. لحظة وتحدث بنبرة حادة قائلًا: _أنت فين يا "سلمان" دلوقتي؟ فالبيت؟ طب كويس أنا جايلك دلوقتي خلّي الجماعة عندك يعرفوا إن جاي. لا مفيش حاجة بيني وبين "زبيدة" ما أنت أكتر واحد عارف، بعدين لم أجي هتعرف كل حاجة.
أنهى حديثه وأغلق المكالمة ثم نظر إلى "زبيدة" وقال بنبرة حازمة: _ادخلي أجهزي عشان نروح بيت أبوك. يمين بالله ما هخليها تبات فيه النهاردة خراب بخراب بقى مش هتفرق معايا. دق قلب "زبيدة" بشكل أسرع بعد أن غمره الخوف. إن رأت تحوّلها هكذا تعلم أنه لن يصمت حتى يفعل ما تقوله إليه نفسه. تركتهم وولجت إلى الغرفة مغلقة الباب خلفها. بينما ألتفت "يعقوب" ينظر إلى "رمزي" و "ضياء" الذي كان مصدومًا لا يصدق ما سمعه حتى الآن ليـ.ـبادل
الآخر نظراته دون أن يتحدث: _أختك الكبيرة القدوة يا "ضياء" عاملة عمل لأختك الصغيرة. شوفت عقلها الكبير اللي كلكم بتحلفوا بيه وصلنا لأيه دلوقتي؟
وكأن "يعقوب" يلومه خفية على كل مرة دافع فيها عنها ووقف أمامهم. بينما بقي "ضياء" مكانه يحاول استيعاب ما حدث وكيف كانت ستدمر حياة شقيقته الصغرى. فهو أكثرهم علمًا بأن "زبيدة" لا تحب "يعقوب" فحسب، بل تعشقه بطريقة أخرى لا يستطيع العقل إدراكها. ولذلك هو حتى الآن يحاول إنكار ما رآه فإن ثبت ذلك فسيقتل "رانيا" لا شك في ذلك. _عن إذنكم يا رجالة هدخل أغيّر وأرجعـ.ـلكم البيت بيتكم.
تركهم وولج هو الآخر إلى غرفته مغلقًا الباب خلفه. جلس "رمزي" فوق الأريكة مستغفرًا ربه منتظرًا معرفة ما سيفعله رفيقه. بينما جلس "ضياء" فوق المقعد المجاور له شارد الذهن يفكر فيما رآه قبل قليل وتذكره لمعاملة "رانيا" له هو وتلك المسكينة فدومًا يشعر نحوها بعدم تقبلها إليهما وكأنهما ليسا أشقاءها.
أقترب "يعقوب" من "زبيدة" التي كانت تقف أمام الخزانة المفتوحة تخرج منها ملابس أخرى لها. وقف خلفها ومد ذراعه الأيمن نحو الخزانة ينتقي كنزة جديدة لتلمح هي آثار الدم على ذراعه لتجذب ذراعه بحركة سريعة تفحص الجرح الذي خلّـ.ـدته عليه. ألتفتت تنظر إليه بعد أن ترقرق الدمع في مقلتيها. بينما عنه هو فقد ابتسم لها بسمة هادئة حتى لا يجعلها تشعر بالذنب وقال بنبرة هادئة: _مفيش حاجة دا جرح بسيط، كام يوم ويلـ.ـم عادي.
اضطربت نبرة صوتها وهي تنظر إلى جرحه قائلة: _أنا عملت كدا فيك؟ طب إزاي وأنا كنت بخاف عليك من أقل حاجة؟ أمسك ذراعها بكفه المعافى وأدارها نحوه لينظر إلى عينيها قائلًا بنبرة حنونة: _يا حبيبتي صدقيني دا كان غصب عنك مش بإرادتك، أنتِ كنتِ واحدة تانية خالص يا "زبيدة" وأنتِ مش واخدة بالك، والحمدلله إنه جرح بسيط مفيش خوف منه مسألة وقت وهيـ.ـلم.
رفعت عينيها تنظر إليه بأعين مبللة بالدموع ثم لم تنتظر وضمته دون أن تتحدث وكأنها تعتذر إليه عمّا فعلته. حاوطته بذراعيها وتركت عبراتها تسقط على صفحة وجهه. بينما رفع هو ذراعه المعافى يمسح على خصلاتها قائلًا بنبرة هادئة: _جرح إيدي مش هييجي حاجة جنب جرح قلبك يا "زبيدة". رفعت رأسها إليه وهي تنظر بعينيها الباكية إليه دون أن تتحدث. بادلها نظرتها لثوانٍ ثم اقترب منها يـ.ـلثم جـ.ـفنها الأيسر بحنو ثم قال بنبرة هادئة:
_دموعك دول غاليين أوي على قلبي يا "زبيدة"، مبحبش أشوفهم عشان بيوجعوني أنا قبل ما يوجعوكِ أنتِ. رفع كفه المعافى يزيل عبراتها عن صفحة وجهها برفق. لتـ.ـحاول هي تماسك نفسها قائلة: _تعالي أنا هدويـ.ـهولك.
أمسكت بكفه وأجبرته على الخضوع لها حتى تستطيع مداواة جرحه. وهو لم يمانع أو يبدي اعتراضه سار معها ثم جلس على طرف الفراش وجاورتـ.ـه هي بعد أن أخذت علبة الاسعافات الأولية. أخرجت المطهر وقطعة قطن لتبدأ بإزالة الدمـ.ـاء التي كانت تغطي الجرح برفق حتى لا تؤلمه.
كلما انقبضت عضلات ذراعه تنتظر لثوانٍ معدودة حتى يهدأ الحرّق وتعود لمسح الدمـ.ـاء. وبعد أن أنهت تنظيفه بدأت بتطهير الجرح بحذر شديد. ومع أول لمسة من قطعة القطن على جرحه تألم هو وأنكمـ.ـشت معالم وجهه. نظرت إليه وألمها قلبها عليه ولذلك قالت: _حقك عليا يا "يعقوب" مكانش قصدي، بس لازم الجرح يحرّقك شوية. هز رأسه يمينًا ويسارًا وقال بنبرة متألمة: _السكينة كانت حامية أوي. ابتـ.ـلعـ.ـت غصتها وجاوبته بنبرة
هادئة للغاية حامدة ربها: _الحمدلله إنه متعـ.ـمقتش أوي، كنت زمان قطـ.ـعتلك عرق. نظر إليها ليراها تكافح رغبتها كي لا تبكي. انحنى قليلًا نحوها يـ.ـلثم جبينها بحنو ثم أبتعد عنها قليلًا ينظر لها قائلًا بنبرة هادئة: _يا قمورة بقول دموعك غالية على قلبي ومبحبش أشوفها تقومي تفتـ.ـحيها عياط كدا. إيه يعني جرح صغير زي دا فداكِ يا حبيبتي مليون جرح مش جرح واحد.
نظرت إليه بعينيها الباكية لتراه يبتسم لها وكأنه يـ.ـخبرها أن الأمور أصبحت بخير الآن. أزال عبراتها بإبهامه عن صفحة وجهها. ثم أحب إضافة القليل من المرح حتى تهدأ حدة هذه الأجواء المشحونة ولذلك قال بنبرة هادئة مبتسم الوجه: _بس قوليلي بقى إيه الشطارة دي؟ عقمتي الجرح وهتلفيه بشاش؟ تكونيش دكتورة ومخبية عليا. انحنى قليلًا نحوها وهو يهمس لها قائلًا مبتسم الوجه:
_قوليلي وأنا مش هقول لحد. الشهادة اللي مخبياها مني فين يا "زبيدة" عشان حاسس إنك هتشاركيني فمهنتي بعد شوية وهتتشرطي عليا كتير. وأخيرًا شقت الابتسامة الواسعة ثغره بعد أن استطاع ممازحتها بأسلوبه الخاص. بينما اتسعت بسمته على ثغره ومنحها قبلة حنونة على خدها قائلًا: _حمدلله على سلامة "زبيدة" حبيبتي. نظرت إليه بوجه مبتسم ثم عادت تكمل ما تفعله لتبدأ بلف الشاش الأبيض حول جرحه برفق تحت نظراته التي كانت تتابعه ليمازحه بقوله:
_اللهم صل عالنبي، إيد تتلف في حرير وربنا المعبود. دا أنا لما كنت بلفه على إيد المريض كان بيفرّج عليا المستشفى باللي فيها. إنما دلوقتي مش حاسس بحاجة إيه السر بقى؟ نظرت له بطرف عينها نظرة ذات معنى مبتسمة الوجه وجاوبته بنبرة هادئة قائلة: _إيد الست خفيفة وحنينة، فتلاقيها بتكسب دايمًا. _يا سلام، أنا اقتنعت خلاص.
ضحكت بخفة بعد أن كانت تغرق قبل قليل في بحور آلامها. استطاع أن يصلح القليل بداخلها حتى وإن لم يكن بالشكل المطلوب، ولكنه على الأقل حاول وباتت محاولته ناجحة. حاول أن يخرجها من هذا الحصار حتى تستطيع أن تواجه تلك الحرباء المدعوة شقيقتها كي تأخذ بحقها كما تحب وترضى. "أصبح الطريق يأخذ مسارًا آخر."
بعد أن كان كل شيء يسير بشكل طبيعي معها، أصبح الأمر يأخذ مسارًا آخر بعد مرور شهر آخر عليها. كانت "عليا" تقف في المطبخ تقوم بإعداد الطعام لـ "زايد" الذي أخبرها بقدومه بعد نصف ساعة. كانت شاردة الذهن وهي تقوم بتقطيع البصل، لا تنتبه لما تفعله. فقد بدأت تشرد كثيرًا رغم عنها دون سبب واضح وصريح. تأوهت فجأة بعد أن جرحت إصبعها من السكين لتتركها وهي تتفحص يدها.
ولج "يوسف" لها سريعًا بعد أن استمع إلى صوتها ليقف بجوارها يتفحص يدها ليراها جرحت. نظر لها وقال معاتبًا إياها: _ليه كدا يا "عليا"؟ مش تخلي بالك شوية. نظرت إليه "عليا" والعبرات تلتمع في مقلتيها لتجاوبه بنبرة مضطربة قائلة: _غصب عني يا "يوسف"، سرحت غصب عني ومنتبهتش. بس السكينة كانت باردة معرفش أمتى بقت حامية بالشكل دا. معقولة "زايد" عملها ومعرفنيش؟ نظر إليها نظرة تملؤها الشك وسألها بنبرة هادئة مترقبًا ردها:
_"زايد" عملها ومقالكيش؟ جاوبته هي غافلة عن نظرته ومعالم وجهه التي أصبحت لا تنذر بالخير قائلة: _أكيد عملها ومعرفنيش. كانت باردة من قيمة يومين وقولتله يعملها عشان بتعذبني فالتقطيع. يمكن عملها ونسي يقولي. ولكن "يوسف" لم يقتنع بما قالته عنه. فهو يعلم أنها تعمدت فعل ذلك بها. حتى الآن لا يعلم ما هي غاياته في إيذائها بتلك الطريقة ولكن ما يعلمه جيدًا أنه لن يسمح إليه بإيذائها أكثر من ذلك. نظر لها وقال بنبرة هادئة:
_تعالي معايا أعقمهولك عشان كدا غلط. نظرت إليه ورفضت التحرك من مكانها قائلة: _بس الأكل أنا لسه مخلصتهوش وهو جاي جعان. جاوبها "يوسف" بنبرة حازمة لا تقبل النقاش: _يجيب أكل من بره. أنتِ بقالك يومين مش كويسة وبتسرحي كتير وأديـ.ـكِ جرحتي نفسك بسبب سرحانك. لازم ترتاحي يا حبيبتي شوية ومتضغـ.ـطيش على نفسك كتير. اتحركي يلا.
تحركت بالفعل معه باستسلام تام بعد أن شعرت بأن ثمة شيئًا غير عادي يحدث معها. أجلسها فوق الأريكة وأخذ هو علبة الاسعافات الأولية وجاورها في جلستها. أخرج قطعة من القطن وبدأ بتنظيف جرحها برفق وهو يسألها عن صحة الجنين قائلًا: _روحتي للدكتورة؟ _أيوه روحت إمبارح. رفع بصره ينظر إليها وسألها بنبرة هادئة قائلًا: _وقالتلك إيه؟ أبتسمت بسمة هادئة وجاوبته قائلة: _كل حاجة كويسة، صحته كويسة ونبضه منتظم. _وأنتِ؟
سألها عن صحتها مترقبًا سماع الرد منها. بينما كانت تتوقع هذا السؤال منه ولذلك جاوبته بنبرة هادئة حذرة: _مش أوي. قالتلي جسمي محتاج كالسيوم وفيتامينات أكتر. قالتلي أركز عالفاكهة واللبن. وأدتني كام دوا عشان يساعدوا مع النظام الغذائي. _والمحروس مش واخد باله منك ليه ولا فالح يتأمر عليكِ وبس..!! خرجت نبرته حادة رغمًا عنه بعد أن أشعلت كلماتها غيظه. بينما نظرت هي إليه متفاجئة بتحوّل أخيها المفاجئ تجاه زوجها ولذلك
جاوبته بنبرة هادئة قائلة: _لا يا "يوسف" متقولش عليه كدا بالعكس. هو بيهتم بيا وأي حاجة بطلبها بيجيبها. تلاقيه بس الفترة دي مشغول فالشغل كتير فعشان كدا بيتشتت شوية. بعدين أنت ليه يا حبيبي بتتعصب لمّا تجيب سيرته أو تشوفه؟ هو ضايقك فحاجة بدون علمي؟
أخرج زفيرة عميقة وازداد ضيقه أكثر بعد أن رآها تدافع عنه وتخلق له أعذارًا تافهة في منظوره وبعد أن علم بحبها الشديد إليه وتعلقها به فلن تصدق أي كلمة يقولها هو ضده. نظر لها ليرى الخوف والقلق على صفحة وجهها وعينيها ليقول بنبرة هادئة ينكر قولها مرغمًا: _لا يا حبيبتي خالص. أنا بس أضايقت عشان حسيت إنه مش بيهتم بيكِ ولا بالطفل اللي جواكِ. حسيت إنه معدوم المسؤولية.
أبتسمت هي إليه بسمة هادئة وحنونة ثم رفعت كفها الأيمن تحاوط شطر وجهه تزامنًا مع قولها الحنون: _لا يا حبيبي الموضوع مش كدا خالص. "زايد" طيب وبيحبني وأنا بحبه أوي، ودايمًا بيدور على راحتي وسعادتي وأي حاجة بطلبها منه دوغري بيجيبها. جرب بس تقعد معاه وتكلمه. هتشوفه بنظرة تانية خالص وهتعرف إنه شخص كويس ومش زي ما أنت شايفه.
نظر إليها نظرة ذات معنى هنيئة دون أن يتحدث يفكر ماذا فعل بها حتى تصبح غافلة عن أخطائه التي يرتكبها دومًا. زفر بخفة وقال بنبرة هادئة بعد أن علم أن الأمر لن ينتهي عند هذه النقطة ولذلك قال بنبرة هادئة: _حاضر يا "عليا". زي ما أنتِ عايزة أنا مبحبش أرفضلك طلب. أبتسمت هي فرحة بعد أن وافق على حديثها لتقترب منه وتضع رأسها فوق كتفه تشكره على تفهمه لها قائلة: _حبيبي يا "يوسف". ربنا يباركلي فيك.
نظر لها بطرف عينه وأبتسم بسمة هادئة تعكس مشاعره تجاه هذا المدعو "زايد". لحظة وأبتعدت هي عنه تنظر إليه ليقول هو مشيرًا تجاه جرح يدها: _أكمل تنضيف الجرح ولا أمشي. نظرت هي إلى كف يدها الذي كان مجروحًا قليلًا ثم نظرت إليه وابتسمت قائلة: _كمل أكيد. مش هيجيلك قلب تسيبه كدا ولا إيه؟ مازحته في نهاية حديثها ليبتسم هو ويكمل تضـ.ـميمه قائلًا: _أكيد مش هيجيلي قلب أسيبه كدا. وبعد مرور القليل من الوقت.
أنهى تضـ.ـميمه بلف قطعة الشاش حوله برفق تحت نظراتها التي كانت تتابعه لتسمعه يقول بعد أن رفع بصره نحوها ينظر إليها: _ألف سلامة على كفك الرقيق يا جميل. إن شاء الله اللي بيتمنولك الأذى، وأنتِ لا. أبتسمت إليه بعد أن أنهى مهـ.ـمته وشكرته قائلة: _تسلم إيدك يا حبيبي. كويس إنك معايا. نظر إليها وأبتسم بسمة حنونة لها وجاوبها قائلًا: _حبيبتي، أنا معاكي في كل وقت تحتاجيني فيه.
ترك علبة الاسعافات جانبًا ونهض متجهًا إلى المرحاض كي يغسل يديه. بينما نظرت هي إلى الشاش الأبيض الذي كان يضم كفها قليلًا. لامسته أناملها برفق وعادت تشرد مجددًا رغم عنها. لحظات وعاد "يوسف" إليها ليراها شاردة الذهن من جديد. أخرج زفيرة عميقة بعد أن رأى تلك الحالة التي تلازمها منذ بضع أيام والتي بدأت تشعره بالقلق تجاهها. اقترب منها وبيده صحنًا من الفاكهة ليجاورها في جلستها قائلًا:
_"عليا" أنا بدأت أخاف عليكِ. سرحانك بقى مقلقني أوي. نظرت إليه بعد أن جذبها نبرة صوته الهادئة وأبتسمت بسمة خفيفة حتى لا تقلقه أكثر من ذلك وقالت: _يمكن بس نقص فيتامين معين. متقلقش أول ما أبدأ آخد الدوا هكون كويسة. قرّب صحن الفاكهة نحوها وقال بلهجة آمرة: _طيب بعد إذنك ممكن تاكلي بقى. أنا مش هتهاون في صحتك أو صحة الطفل دا مهما حصل. يلا.
نظرت إلى الصحن الذي كان مليئًا بالفاكهة المختلفة لتخرج زفيرة هادئة ثم تمد يدها تأخذ ثمرة تفاح تتناولها تحت نظراته التي كانت تتابعه. يعلم أن الأمر ليس كما كان من قبل ولذلك يجب أن يتابع شقيقته بشكل مستمر حتى لا تغفل لحظة عن ناظريه. "قرار مصيري، ولحظة ترقب."
في منزلها الهادئ كانت تجلس فوق المقعد تنظر إلى أولادها الذين اجتمعوا بناءً على طلبها لهم. كانت تنظر في وجوههم وهي تحاول ترتيب ما تود قوله داخل رأسها قبل أن تقوله لهم. فحتى هذه اللحظة هي لا تعلم كيف ستقول ذلك إليهم. نظر "نادر" إلى "بشير" الذي همس إليه بقوله: _أراهنك إنها هتفتحنا فسيرة الجواز ومش من أي حد لا، من الباشا "عماد المحمدي". _وأنت إيه اللي مخليك واثق أوي كدا؟
سأله "نادر" متعجبًا وهو ينظر إليه ليـ.ـبادله "بشير" نظراته ثم جاوبه قائلًا: _هتشوف، أنا عارف كويس أوي هي مجمعانا كدا ليه. جاء صوت "أكرم" الهادئ وهو يسأل والدته قائلًا: _خير يا ماما؟ مجمعانا ليه كدا؟ ضغطت "هناء" على كفيها بتوتر شديد وهي لا تعلم كيف تتحدث وتخبرهم بهذا الأمر. فرغم عنها تحركت مشاعرها تجاه "عماد" ويومًا بعد يوم أصبحت مشاعرها تصحو مجددًا وتنجذب إليه. تحدث "بشير" بنبرة هادئة وهو ينظر لها مبتسم الوجه قائلًا:
_اتكلمي يا ست الكل من غير ما تخافي، قولي اللي عايزة تقوليه بالطريقة اللي تريحك. أخذت نفسًا عميقًا وزفرته بهدوء وقالت بنبرة هادئة متوترة: _بصراحة يعني في حاجة عايزة أقولكم عليها وخايفة يعني تشوفوا إنّـ.ـانية. جاوبها "نادر" بنبرة هادئة مبتسم الوجه قائلًا: _يا حبيبتي قولي كل اللي عندك ومتخـ.ـافيش إحنا هنفهمك. وبعدين مينفعش تقولي كدا أنتِ ياما استحملتي وشيلتي شيلة تقيلة وأتبهـ.ـدلتِ، فأكيد مش بعد دا كله هنشوفك أنـ.ـانية.
وافقته "بيلا" القول بقولها الهادئ: _"نادر" بيتكلم صح، قولي كل حاجة حتى لو نفسك فحاجة وإحنا مش هنرفضلك طلب نهائي اللي هتطلبيه هنوافق عليه بدون نقاش. أهم حاجة سعادتك وبس. أصبحت الأمور ميسرة الآن بشكل لا يوصف لها. شعرت بالراحة بعد أن استمعت إلى حديثهم الذي طمئن قلبها وجعلها هادئة ولو قليلًا. ولذلك تحدثت بنبرة هادئة ممزوجة بالخجل قائلة:
_بصراحة يعني، الموضوع اللي عايزة أكلمكم فيه حساس شوية ومش عارفة أزاي هقوله. بصراحة يعني، في حد صارحني بمشاعره ناحيتي.. تبدلت تقاسيم وجوههم إلى الليونة قليلًا. تبادلوا النظرات الخفية بينهم سريعًا ثم نظروا إليها بعد أن أكملت هي قولها:
_وبصراحة مكدبش عليكم أنا اتفاجئت واتوترت، واتكسفت أنا مش عارفة من ساعتها أفكر. متوترة ومكسوفة. عارفة إن العمر عدى على الكلام دا وعلى الحركات دي بس أنا مقدرتش أرد عليه على طول. قعدت خدت وقت مع نفسي وفكرت كتير أوي مش بس فنفسي وفيكم أنتوا كمان. صحيح اللي متجوز واللي داخل عالجواز واللي لسه، بس برضوا أنتوا عندي أهم.
أنهت حديثها وانتظرت تلقي الرد على حديثها ورؤية ردود لا تخيب ظنها. نظروا جميعهم إلى بعضهم البعض قليلًا يفكرون في حديثها بهدوء بعد أن عرضت عليهم هذا الأمر. نظر "نادر" إلى أخيه مذهولًا والذي كان بدوره يبتسم بعد أن صدق قوله. لم يستغرق الأمر منهم كثيرًا فكان أول المتحدثين "أكرم" الذي قال بنبرة هادئة:
_أنا مقدرش أحكم على حياتك أو أقولك آه أو لا. مش همشيك على دماغي أو أكون أنا.نية معاكِ. لو أنتِ محتاجة راجل فحياتك أنا مش هـ.ـمانع بالعكس أنا أول المرحبين بالفكرة على الأقل تبقى عصمة راجل ومش لوحدك. وطالما هو فتح الموضوع معاكِ يبقى هو محتاج لوجودك فحياته. بس عايز أعرف هو مين؟ حد نعرفه ولا من بره. جاوبته "هناء" بنبرة هادئة خجولة وهي تنظر أرضًا: _نعرفه، من طرف "يوسف".
تعجبوا جميعًا عدى هذا الماكر ذو البشرة السمراء الذي كان يعلم كل شيء. جاء السؤال هذه المرة من "بيلا" التي قالت بتعجب: _من طرف "يوسف" جوزي؟ دا مين دا يا ماما..!!
أصبح الأمر صعبًا عليها حين حانت هذه اللحظة التي يجب أن تقول فيها عنه. ضغطت على يديها بتوتر شديد حين التقت النظرات جميعها بها لترى نظرة "بشير" الخبيثة التي كانت تلتقي بنظراتها المتوترة لتعلم أنه علم به. ابـ.ـتلـ.ـعـ.ـت غصتها بتوتر وقبل أن تجاوبهم جاء القول من صاحب البشرة السمراء الذي رفع عنها الحرج: _العريس يا جماعة يبقى الحج "عماد" عم "يوسف".
أصبحت الصدمة حليفتهم جميعًا حينما أخبرهم "بشير" بصاحب الفكرة الذي قرر أن يبحث عن أخرى تكون معه في كل المواقف وكل الأوقات الصعبة التي تمر بها العائلة. أراد أنثى تقدر وجوده وتكون معه دومًا. أول من رحب بالفكرة كانت "بيلا" التي ضحكت بفرحة ونهضت تعانقها بسعادة تبدي بموافقتها قائلة: _بقى دي فيها سؤال يا "هنون"؟
أنا أول واحدة موافقة على الموضوع دا. عمو "عماد" طيب أوي وواثقة إنه بيحبك ومش هيأذيك ولا يجرح مشاعرك. يا بخته بيكِ أنتوا الاتنين تنفعوا لبعض. سـ.ـعـ.ـدت "هناء" حينما تلقت ردة فعل ابنتها التي خالفت توقعاتها ورحبت بالفكرة بصدر رحب. نهض "بشير" واقفًا يقترب منها بخطى هادئة يضمها مع شقيقته قائلًا بوجه مبتسم:
_أنا مبسوطلك أوي يا "هنون" بجد. أنتِ طيبة وتستاهلي كل خير وأنا واثق إنه هيخليكِ مبسوطة أينعم متعاملتش معاه بشكل مباشر بس واثق إنه شخص كويس وطيب. ضمته "هناء" إلى أحضانها دون أن تتحدث. يكفي فقط سعادتها البادية على تقاسيم وجهها وعينيها الدامعة. أبتعدا عنها لتشارك "كايلا" و "نادر" في تلك اللحظة السعيدة بعد أن أبدوا بموافقتهم على هذا الأمر. وآخرهم كان "أكرم" الذي اقترب منها معانقًا إياها قائلًا بنبرة هادئة:
_أنا مقدرش أقولك لا. اللي يهمني سعادتك وبس ولو سعادتك معاه أنا هكون راضي. مـ.ـبارك مقدمًا يا ست الكل. سقطت عبراتها على صفحة وجهها بعد أن فشلت في كبحها أكثر من ذلك بقولها السعيد: _يا عمري أنتَ! أنا كنت واثقة من الرد دا وعشان كدا أنا مكنتش قلقانة من ردك. أبتسم "أكرم" ورّبت على ظهرها برفق قائلًا:
_أنتِ شفتي مر كتير أوي مع أبويا، ووجود الراجل دا أنا واثق إنه هيعوضك عن كل حاجة وحشة شوفتيها قبل كدا. ربنا يتمملك على خير وأشوفك دايمًا مبسوطة والضحكة متفارقش وشك. لحظات وأبتعد عنها ينظر لها بوجه مبتسم ليمازحها بقوله: _عشت وشوفت اليوم اللي ييجي عريس يتكلم معايا فيه عشان يتجوزك يا "هناء". ضحكت "هناء" وهي ترفع كفيها تزيل عبراتها عن صفحة وجهها بعد أن مازحها والدها ليأتي القول من "بشير" الذي قال ممازحًا إياهم:
_جوزوها بقى عشان أحصلها أنا كمان وأخطب المجنونة اللي قلبي اتعلق بيها دي. أينعم فصلتني من الشغل الأولاني بس قلبي مقدرش يعمل Log out من مصيدة حبها. ضحكوا جميعًا بعد أن مازحهم هو بقوله ليأتي القول من "بيلا" التي قالت بوجه مبتسم والسعادة تظهر في عينيها: _نجوز "هناء" الأول وبعدين نخطبلك ونجوز "كايلا" و "جاد" لبعض وبعدين نشوف "نادر" إذا كان في واحدة من ورانا كدا ولا كدا خاطفة قلبه. ضحك "نادر" ونفى قولها بقوله الضاحك:
_لا لا أنا فالسليم مفيش أي أنثى فحياتي. أنكر "بشير" قوله ذاك حين رآه ينكر قول شقيقته: _كداب، في واحدة وبينكر.. قطع "نادر" حديثه وهو يضع كفه على فم أخيه وهو يقول بنبرة حادة: _محصلش، كان في زمان بس دلوقتي مفيش. أبعد "بشير" كف أخيه عنه وهو يقول بنبرة حازمة وكأنه يتحداه: _يمين بالله بيكدب، في واحدة بس مش عايز يعترف، شكله خايف يتدبس. جاوبته "بيلا" قبل أن ينكر مجددًا بوجه مبتسم قائلة:
_اعترف عادي يا "نادر"، أنا كنت زيك زمان وأول ما "يوسف" ظهر وحصل تواصل بينا أنا بصراحة غيرت رأيي وعرف يغيّر تفكيري ناحية الجواز وأديني معاه أهو. المهم إنك تختار صح. لو اخترت صح صدقني هتعيش الباقي مع الشخص دا في نعيم. رد عليها "أكرم" ساخرًا بقوله بعد أن نظر إليها: _لا وأنتِ اختيارك صح أوي يعني. جاوبه "بشير" هذه المرة بقوله التحذيري: _لا إياك و "يوسف" دا مسجل خطر أوعى تلعب معاه بالنار.
تبادلوا الضحكات بينهم ليصدح رنين هاتف "بيلا" باتصال هاتفي. أخذته من حقيبتها ونظرت إلى المتصل لتقول بوجه مبتسم: _دا "يوسف". _دا بييجي عالريحة زي القطط الجعانة. نظر "نادر" إلى "أكرم" بعد أن سخر من الآخر. بينما تركتهم "بيلا" وذهبت إلى إحدى الغرف مغلقة الباب خلفها وهي تجيبه بنبرة هادئة مبتسم الوجه قائلة: _أيوه يا "يوسف". جاءها صوته الهادئ حينما قال بنبرة رخيمة:
_لقيتك وحشتيني قولت أكلمك. عارف إنك عند مامـ.ـتك دلوقتي ومش هتيجي دلوقتي. أبتسمت "بيلا" بسمة هادئة وقالت: _شكلك فالبيت. أخرج زفيرة عميقة وجاوبها بنبرة هادئة قائلًا: _لسه داخل دلوقتي. طمنيني على اللي عندك إيه الأخبار أتمنى التجميعة اللي عندك دي تكون خير. اتسعت البسمة على ثغرها وألقت نظرة عابرة على الباب ومن ثم اقتربت من الفراش وجلست على طرفه قائلة بنبرة غمرتها السعادة: _عندي ليك حتة خبر يا "يوسف" بمليون جنيه.
أبتسم "يوسف" وأصبحت نظرته غامضة حين تلقى هذا القول السعيد منها ليقول بنبرة هادئة: _كدا أنا محتاج أعرف إيه الخبر دا اللي مخليكي مبسوطة بالشكل. أتاه صوتها السعيد تجيبه بنبرة حما.سية مغمورة بالفرحة: _الظاهر كدا إن عمو "عماد" و.قع فمـ.ـصيبة الحـ.ـب. ماما كلمتنا فالموضوع وقالتلنا إنه فاتحها فالموضوع وعايز يتجوزها.
تفاجئ "يوسف" بشدة حين تلقى هذه الخبرية التي ستقلب الموازين وتجعلها تأخذ منحنى آخر. كانت مفاجئة بالنسبة إليه ولذلك تشتتت أفكاره وأصـ.ـابته حالة من الذهول والدهشة. أتاه صوتها مجددًا حينما قالت ضاحكة: _شوفت معرفتش تتكلم إزاي عشان الموضوع مفاجئ؟ بس بصراحة أنا مبسوطالهم هما الاتنين. كل واحد فيهم مر بتجربة مش سهلة عليه بس في النهاية عدّو منها وأهم قدامهم فرصة تانية.
كان الأمر بالنسبة إليه مفاجئًا ولكنه برغم ذلك شعر بالفرحة لأجل عمّه. فهو كان يريد سعادته برغم ما مر به. كانت أيامه عصيبة كثقل الصخرة التي تعترض طريقه وتأبى التنحي جانبًا. أرتسمت البسمة الواسعة على ثغره وعانقت الفرحة قلبه المتها.لك ليأتي صوته الممزوج بالفرحة يعبر عن سعادته به قائلًا:
_أنا مبسوط أوي والله. اتفاجئت آه بس دي كانت أحلى مفاجأة. أنا والله ما أعرف أي حاجة وهو مفاتحنيش فالموضوع بس واثق إنه هيكلمني فيه أول ما يتكلم مع "عامر" و "محمود". يا رب تكمل على خير هما فعلًا شبه بعض ومش هتمنالهم غير كل الخير. المهم تكون خالتي مقتنعة وعايزة كدا متكونش مجبورة. جاوبته "بيلا" بوجه مبتسم وعينيها تحتضنان أنحاء الغرفة قائلة:
_لا متقلقش من ناحية ماما فهي راضية ومبسوطة كمان. لو تشوف شكلها وهي بتحكي يا "يوسف" كانت مكسوفة أوي ووشها فالأرض. الظاهر إن عمو "عماد" ليه طـ.ـريقته الخاصة. ضحك "يوسف" على الجهة الأخرى وجاوبها بوجه مبتسم ونبرة ضاحكة بقوله: _لا عمّي "عماد" تلاقيه كان صريح زيادة عن اللزوم. وهو بصراحة حقه اللي اتلسـ.ـع من الشوربة ينفـ.ـخ فالزبادي. أتعلم الراجل خلاص. وعلى فكرة الصراحة حلوة وإلا مكناش مع بعض دلوقتي.
وكأنه تعمد إلقاء هذه الكلمات لها حتى لا تنسى كيف كان من قبل وماذا أصبح عليه الحال. أبتسمت هي وجاوبته بنبرة هادئة بعد أن تذكرت الماضي قائلة: _أيوه كنت صريح أوي لحد دلوقتي. سعيت ونلت مقابل سعيك بقى.
_ولو كنت في آخر بلاد المسلمين كنت هجيبك برضوا. أصل نهايتها معروفة يعني وأنا مـ.ـفرطش فحقّي لو على رقبتي. المهم دلوقتي هترجعِ أمتى عشان أنا لسه راجع وجعان وعايز ألحق أنام بدري عشان أروح المصنع بكرة وأنا فايق عشان الليلة دي محتاجة دماغ متكلفة. جاوبته هي بوجه مبتسم قائلة بنبرة هادئة: _هاجي دلوقتي. هشوفهم هيستقروا على إيه وهاجي على طول.
أنهت في النهاية المكالمة معه وأخرجت زفيرة قوية وهي تنظر في أنحاء الغرفة تفكر في والدتها التي ستنال سعادتها الحقيقية إن أصبح هذا الأمر حقيقيًا. ستكون سعيدة وبشدة لأجلها بلا شك. "طعنة غادرة في الظهر، ودفع الثمن كان غاليًا." في وقت متأخر من هذا اليوم.
كان "يعقوب" يسير بخطى مثقلة متجهًا إلى منزل عائلتها وهو لا ينوي إلا على الشر بعد أن تجرع منه القسوة والحقد. كانت تسير بجانبه، تقبض على كفه بكفها الدافئ، والآخر قبضت به على ذراعه وكأنها تخشى هذه المواجهة. بل هي بالفعل تخشى هذه المواجهة فهي ليست مستعدة للوقوف أمامها ورؤيتها تعترف بـ.ـجريمتها الشنعاء تلك في حقها.
وفي الخلفية كان "رمزي" يسير بخطى هادئة خلفهما بعد أن أصر "يعقوب" على مجيئه حتى يكون سلاحًا ضدها. وبجانبه يسير "ضياء" الذي حتى هذه اللحظة يتمنى أن يكون كل ذلك حلمًا أسود وسيستيقظ منه قريبًا فحتى الآن هو لا يصدق أنها هي من فعلت ذلك وحرمتها من حلم بسيط كهذا. بعد قليل من الوقت وصلوا إلى منزل العائلة ووقف "يعقوب" أمام الباب الحديدي الأسود يطرق عليه بقوة.
أعاد الكرة ودام الصمت قليلًا قبل أن يكسره صوت مفصّل الباب الحديدي من الداخل. فـ.ـتـ.ـح الباب وظهر "سلمان" أمامهم في الصورة. كانت النظرات المتبادلة بينهم مختلفة ومشاعرها مضطربة. بين الجهل المسيطر على "سلمان"، والوعيد المتمـ.ـلـ.ـك من "يعقوب"، والألم الملازم لقلب تلك الرقيقة التي طـ.ـعـ.ـنت غدرًا، والصمت القاتل المسيطر على "ضياء"، وأخيرًا هدوء "رمزي". مشاعر مضطربة اجتمعت في نقطة واحدة بعد أن حان وقت المواجهة.
في ساحة المنزل الكبير، كانوا جميعهم مجتمعين في غرفة المعيشة والصمت أقوى من أي ردة فعل ستصدر. صمت "يعقوب" منذ أن ولج إليهم كان كـ.ـشرارة صغيرة تستعد للانفجار. كانت نظرته موجهة بعين الاعتبار إلى "رانيا"، برغم سعيه في الابتعاد عنها والتقرب أكثر إلى "زبيدة" لم تصمت هي. لاح أمام عينيه صورتها في آخر مقابلة جمعت بينهما قبل أسبوعين، وعاد صوتها يرن في أذنيه كالطبول الرنانة. لم ينس، ما حدث وما قيل. قبل أسبوعين مضوا.
كان "يعقوب" عائدًا من المشفى بعد أن أجرى زيارة ودية مع المدير وأخبره برغبته في العودة إلى عمله من جديد. كانت جلسة ميسرة الحال. تمنى ونال ما تمناه. كان عائدًا لإسعادها. كانت تنتظر هذه اللحظة ولكن ظهورها أمامه دمر كل شيء في غمضة عين. قطعت خط سيره بوقوفها أمامه مباشرة في جوف الليل وبوقت متأخر من الليل. تجمد جسده فجأة في مكانه بعد أن كان سيصطدم بها. إنشًا واحدًا كان فاصلًا بينهما وكأنها تعمدت فعل ذلك.
وبرؤية وجهها عاد بحركة سريعة خطوتين إلى الخلف وجحظت عيناه قليلًا متفاجئًا برؤيتها أمامه. بينما كانت هي تقف أمامه تنظر إليه بحنين. عاد قلبها يدق شوقًا إليه، عادت النيران تحرق روحها تلهفًا له. لم يختفِ عن خاطرها لحظة واحدة بل كانت تراه دومًا أمامها وفي كل مرة يصحو شوقها إليه. وحينما رأى هو هذه النظرة ألتزم الصمت واتخذ الصرامة أمامها سلاحًا له. تقدمت خطوة نحوه وكسرت حدة هذا الصمت بنبرة صوتها التي تعمدت أن تجعلها ناعمة:
_مالك كـ.ـشيت كدا ليه أول ما شوفتني؟ مكنتش عامل حسابك إنك هتشوفني مرة تانية ولا إيه؟ لم يجب، لم يهتز، لم يتأثر، بل اشمأز منها وشعر نحوها بالقرف. وهذا كان كفيلًا لطعن أي أنثى غيرها. ولكنها لم تأبَ كانت أمامها الطرق الكثيرة لجذبه إليها حتى وإن قـ.ـاومها. ابتسمت بسمة ناعمة وقالت:
_على فكرة بقى أنا كنت عاملة حساب إن هشوفك تاني. هنروح من بعض فين يا حبيبي الحارة عبارة عن أوضة وصالة يعني مش هنتوه عن بعض كتير. المهم حبيت أشوفك عشان وحشتني رغم إنك قاسي عليا بس مش مشكلة. بس ميمنعش إن أشيل منك. لمّا تبقى عارف إن بحبك ومقدرش أعيش من غيرك وتعمل نفسك مش واخد بالك وتروح تاخد أختي دا أسميه إيه؟
كما توقع بالفعل. كان يعلم أنها لن تصمت إلا بكارثة تقع فوق رؤوسهم كزخات المطر المتساقط في فصل الشتاء. رآها بها الوقاحة والجرأة. كانت جريئة بشكل أخجله وجعله يشفق على "سلمان" الذي حتى هذه اللحظة لا يعلم وجهها الحقيقي. حاولت أن تتدلل عليه، أن تؤثر عليه، أن تجذبه نحوها بأي طريقة. ولكن كان يراها بصورة يخجل المرء عن وصفها.
كان يعلم شيئًا واحدًا فقط. إن حاولت جذبه بحركاتها الرخيصة تلك، أو الضحك بغنج، أو التقرب منه، أو التدلل عليه، فلن تأتي شيئًا بجانب حبيبة قلبه والروح التي تكون أحضانها بمثابة وطن له. جميعهن لن يستطعن جعله يرى سواها. بعد أن صمت، استمر بينهما قليلًا كسره بقوله الذي أصبح كالطعنات التي تطعن كبرياءها وأنوثتها بنبرته المشـ.ـمئـ.ـزة. ونظرته القاتلة:
_أنا مش شايف قدامي دلوقتي غير واحدة رخيصة أتعملها قيمة من راجل حبها وأتجوزها وفكرها بتحبه. أنا مش صعبان عليا غير "سلمان". آه والله تخيلي. فاكر مراته الخضرة الشريفة وهي فالأصل واحدة متسواش فسوق الحريم بتعريفة. الحركات اللي عملتيها دي دلوقتي محسستنيش غير بحاجة واحدة بس. القر.ف. وأنا بصراحة مبحبش الر.خيص. بالعكس. أنا بتاع الغالي. الغالي أوي اللي أسعى عشان أخده. أنتِ أبعد من إن أبصلك أساسًا. لو فاكرة إنك كدا هتحلوي فعيني
فأحب أقولك دا عند أمك. اللي مزغللة عيني مكفيني ومكفيني. مخلياني ماشي مش شايف غيرها. أنا عيني مبتخونش حبيب وقلبي مبيحبش مرتين. يعني على بلاطة عشان مهلكش نفسي مع واحدة زيك أنا مطروف العين. عيني مطروفة بواحدة اسمها "غالية" لو تعرفيها يعني.
حديثه قاسيًا وبشدة. يعلم جيدًا كيف يقف أمام أمثالها ويخبره بتأثير سحر أميرته عليه. اتخذ القسوة منهجًا أمامها وأبى أن يخون حبيبًا ظن به الخير والأمان. هو ليس ممن يخونون العهد وإن كانت أعناقهم ثمنًا لهذا. رماها بنظرة مشمئزة ثم تركها ورحل إلى شقته حيث تنتظره "زبيدة". تاركًا إياها تقف متجمدة في مكانها لا تصدق ما سمعته منه. شعرت أنها تحلم، فرده خالف توقعاتها بالكامل وجعلها لا تستطيع قول حرف واحد.
كانت تشعر بروحها تحترق، وبقلبها ينزف، وبالألم الذي سكن صدرها. كل شيء كان يسمع صفير في أذنيها. كل شيء بدأت تفقد شعوره. وعيها لمن حولها. والأصوات التي بدأت تتلاشى من حولها. تنظر في الأفق، إلى الفراغ الذي خلّده في أثره. وهي لا تقدر على قول حرف واحد. بينما ولج هو إلى شقته ليراها تقف أمامه تنتظره وهي مبتسمة الوجه. أغلق الباب خلفه واقترب منها بخطى هادئة. وقف أمامها وقال بنبرة هادئة مبتسم الوجه:
_مستنياني عالباب المرة دي يعني؟ أول مرة. جاوبته بنبرة هادئة وهي تأخذ منه أغراضه قائلة: _المرة دي مستنياك عشان واثقة إنك هتيجي وجايب معاك أخبار حلوة لـ "زوزو" حبيبتك. اتسعت بسمته على ثغره ليجيبها بنبرة هادئة: _أنا فعلًا جاي وجايبلك أخبار حلوة معايا هتبسطك على الآخر. ترقبت هي قوله بقولها الحما.سي: _قول بسرعة يلا أنا قاعدة على نار من الصبح. أقترب منها خطوة واحدة وقال بنبرة هادئة مبتسم الوجه:
_روحت اتفقت معاهم على كل حاجة وهما مكدبوش خبر. خدت الإذن ومرتبي زاد ومن بكرة أول عملية هبدأها. أصابتها السعادة المفرطة فجأة. ضحكت وهللت وكأن تلك هي ليلة العيد بالنسبة إليها. كان ردها سريعًا حينما ضمته إلى دفء أحضـ.ـانها وهي تقول بنبرة سعيدة: _مبارك يا حبيبي. كدا 100 فالـ 100 "يعقوب" حبيبي رجع لي تاني.
حاوطها بذراعيه وهو يبتسم بعد أن رأى فرحتها بعودته إلى عمله مجددًا. كان يعلم أنها ستكون بهذه الفرحة. فمن غيرها يسعد إليه هكذا غيرها. وفي تلك اللحظة تأكد أن اختياره كان صحيحًا مائة بالمائة. فهي وكفى. عودة إلى الوقت الحالي.
بسمة جانبية مليئة بالشر كانت كفيلة بأن تجعلها في صراع مع نفسها. هي تعلم جيدًا هذه النظرة وتلك البسمة. تعلمه جيدًا. لم تنس. هذه اللحظة. لم تنس. و.ـعـ.ـده لها. ولكنها لم تعلم حتى هذه اللحظة بالكارثة الكبرى التي تنتظرها. تلك اللحظة التي ستقلب حياتها بالكامل وتصيبها بالتعاسة مدى الحياة. جـ.ـف حـ.ـلـ.ـقها وتراخت أعصاب جسدها وأصـ.ـابها الخوف الشديد.
بينما كان هو ينظر إليها وهو يبتسم، فهو يعلم أنه استطاع إصابة هدفه بمنتهى السهولة دون أن يبذل مجهودًا. كل ما كان يحتاج إليه هي نظرته التي كانت كفيلة بجعلها تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها. ولكن المواجهة الأصعب في هذه اللحظة كانت مواجهة "زبيدة" و "رانيا". نظرتها كانت تبوح عن ألم ساكن في أعماق قلبها، ونزيفًا لا تعلم كيف توقفه.
أرخـ.ـت قـ.ـبـ.ـضة يدها من يده برفق. مـ.ـمـ.ـا جعله ينظر إليها دون أن يتحدث. ليرى في عينيها دموعًا حـ.ـبـ.ـيسة تأبى الخروج. كـ.ـسـ.ـجين حـ.ـكـ.ـم عليه ظلمًا ولا يستطيع إيجاد طريقة ليخرج بها. كانت عينيها تواجه عينان مذ.ـنبتان في حقها. وكأنها تعاتبها في حديث صامت. هربت "رانيا" بعينيها بعيدًا وهي تشعر بالخوف الشديد مما هو مقبل عليها. فنظرة شقيقتها أنذرتها بالخطر.
حالة من السكون التام خيـ.ـمـ.ـت على المكان وكأنها هفوات من رياح لا تنذر بالخير. قـ.ـا.ـومـ.ـت "زبيدة" رغبتها بكل ما تـ.ـمـ.ـلك كي لا تبكي وقالت بنبرة مذ.ـبـ.ـذ.ـبة: _أنتِ يا "رانيا". أنتِ بتطعنيني كدا؟ بعد كل دا؟
تسارعت نبـ.ـضات قلبها وتثـ.ـاقـ.ـلت أنفاسها وأصـ.ـابها الخوف الشديد بعد أن سمعت قول شقيقتها. ظنت أن "يعقوب" قد أخبرها بآخر مقابلة كانت بينهما ولذلك قررت أن تدافع عن نفسها قبل أن تسوء الأمور بينهما. نظرت لها ترى نظرات الاتهام مصوبة نحوها ولذلك هزت رأسها تنفي قولها وقالت بنبرة مند.ـفـ.ـعة تنفي قولها مشيرة تجاه "يعقوب":
_متصدقيهوش يا "زبيدة" دا كداب. هو اللي كان بيحاول يقرب مني وكان بيقولي كمان إنه مبيحبكيش. كان بيقطع عليا الطريق وأنا مروحة من عندك ويقولي أنا بحبك وإنّه مجبور يفضل معاكِ. كل اللي قالولك كدب.
صدمة جديدة أخرى تلقـ.ـى فوق رأس "زبيدة" التي أصبحت لا تفهم شيئًا حتى هذه اللحظة. ومعها لم يقل "سلمان" عنها شيئًا. ألتفتت "زبيدة" برأسها تنظر إلى "يعقوب" تنتظر ردًا منه على ما قالته شقيقتها. فهي اتهمته اتهامًا فاحشًا لا يمكن الصمت عنه. ووجب الآن أن ينكر هذه التـ.ـهـ.ـم المنسوبة إليه. تلاقت الأعين ونطـ.ـقت بما عجزت الألسنة عن قوله. هي انتظرت إنكاره وعيناه لم تتأخر عن تقديم المراد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!