الفصل 127 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل 127 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
19
كلمة
7,476
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 98%
حجم الخط: 18

أصعب ما في الحياة أن تكون بين أهلك ويظل قلبك غريبًا، تبحث عن دعم فلا تجد سوى الصمت. أن تعيش في دائرة العائلة وتدرك أنك قد تُخذل أكثر من أي وقت مضى. لكن تعلمت أن الخذلان لا ينهي الطريق، بل يفتح أمامك أبوابًا جديدة لقوة لا تعرفها. في الخذلان، تجد نفسك أقرب إلى الله. كسرة الروح هي لحظة يتناثر فيها القلب تحت وطأة الألم، ويشعر الإنسان أن جزءًا منه ضاع في الزمن. تأتي نتيجة خيبة أمل أو فراق، وتترك في النفس فراغًا عميقًا.

ورغم قسوتها، تمنح الروح فرصة للنمو والشفاء، لأنها بداية لصراع مع الذات لإعادة السلام الداخلي. "أول رد حاسم، وأول صفعة قوية." أول صفعة تكون موجعة، مؤثرة، وقاتلة للمرء. كانت الأجواء متوترة، بل قاتلة. دقائق تمر وكأنها نصلًا حادًا فوق العنق. صمت قاتل كسره صوت أنفاس "يعقوب" المسموعة. لهيب مشتعل في صدره. الجو من حوله وكأنه تحول إلى جمـرة نار ملتهبة تقيده بحرارتها المرتفعة.

غلى الدم في عروقه وبشكل سريع ضرب رأسه وكأنه يتلذذ بتلك الأجواء الصعبة التي تسيطر على المكان. اشتدت قبضتي يديه بشكل واضح، وكأنه يحاول لجم وحشه أطول وقت ممكن. فهو وحده يعلم إن أطلق صراحه ماذا سيفعل فيهم. أنتظر ردًا منها يطمئن قلبه المرتعد. يخشى أن تصدقها وتنجرف خلف مخططاتها الشيطانية. هو على أتم الاستعداد لإحراق المدينة لأجلها الآن، فهو لا يهتم سوى إليها هي. بينما كانت هي تنظر إليه وتعبيرات وجهها لا تدل على أي شيء.

استطاعت في هذه اللحظة التلاعب بقلوبهم جميعًا. صمتها وكأنه خيال يروض خيوله. وتعبيرات وجهها كانت ماهرة في تشتيتهم. لحظة وتحركت، أخيرًا ستأخذ ردًا حاسمًا، مصيريًا بالنسبة إلى "يعقوب". وقفت أمامه مباشرة، في مواجهته، تنظر إليه دون أن تتحدث. حتى نظراتها لا تدل على شيء يجعله يرتاح من هذا العذاب الذي يتلقاه.

"زبيدة" أنا صحيح كنت وحش ومشيت فالطريق الغلط، وعملت كل حاجة، قسيت واتجبرت وشربت، بس إن أخونك مع أختك دي من سابع المستحيلات. أنا مش هدافع عن نفسي عشان عارف إنك واثقة فيا ومصدقاني. أنا مقدرش أكسرك حتى فخيالي. أنا مصدقت توبت ورجعت لنفسي القديمة تاني. إرضاء نقـ.ـيضين ليست بالشيء الهين على المرء، فأمام مهـ.ـب الرياح واجهه اعصاـ.ـر قـ.ـوي يـ.ـهدد حياته بصراحة.

صوت أخبره أن يندـ.ـفع ويـ.ـداـ.ـفع عن نفسـ.ـه ويـ.ـبرـ.ـئها مـ.ـن اتهاماـ.ـت باـ.ـطلة. وصوت آخر رفض التحدث حتى لا يـ.ـرى بصورة الخاـ.ـئن الذي ارتكب جرـ.ـيمة وتم القبـ.ـض عليه. ومع أول صفعة اعترف بكـ.ـل شيء. لحظات ليست هينة على الجميع ولا أحد يعلم ماذا تـ.ـخبئ لهم الدقائق القادمة. ببطء التفتت تجاه شقيقتها نصف استدارة. نظرت إلى عينيها مباشرة وهي مازالت محتفظة بهذه التعبيرات الباـ.ـردة. ترى الخوف في عينيها.

تلاحقت أنفاسها وتسارع نبـ.ـض قلبها برـ.ـعب. بينما تصبب العرق فوق جبهتها كأنه يفضـ.ـح خوفـ.ـا حاولت إخفاءه. كانت نظرتها إليها تحمل شيئًا سريًا لم يحين موعده حتى الآن. وببطء ارتسمت بسمة خفيفة فوق شفتيها وانبسط وجهها قليلًا وكأنه يطمئنها أن كل شيء سيسر وفق مخططاتها وستـ.ـدـ.ـمر حياتهما بسهولة ويسر. كسـ.ـر هذا الصمت المـ.ـمـ.ـيت، وأنطلقت الأنفاس بعد أن تحـ.ـررت مـ.ـن احتلاـ.ـل غير مسبوق.

حين خرج صوتها ببـ.ـوحـ.ـه المـ.ـمـ.ـيز قائلة بنبرة هادئة: أنا متفهمة كلامك، وبنسبة كبيرة مـ.ـمكن يكون صح، خصوصًا إن "يعقوب" كان ماشي فالسكة الغلط بقاله سنين. واللي خلاه ييجي عالناس ويئذـ.ـيهم ويشرب، ومـ.ـسلـ.ـم نفسـ.ـه لموج البحر يوديه ويجيبه. وارد يحاول يقرب منك بدون علمي. وأكيد هتخافي تقولي حاجة زي دي لينا عشان في بيوت كتير هتتخرـ.ـب وعلى راسهم أنا.

كلماتها كانت صاـ.ـدمة لـ "يعقوب" الذي هوى قلبه أرضًا بعد أن استمع إليها. اضطربت نبـ.ـضات قلبه وكأنها على وشك التوقف. وتسارعت وتيرة أنفاسه وتصبب العرق فوق جبهته. حالة من الرعب تملـ.ـكت منه وجعلته يقف مكتوـ.ـف الأيدي ومـ.ـكـ.ـمم الفم ومحجوـ.ـب الأعين. وكأنه أسير ينتظر تلقي الحكم الأخير له. ابتعدت عنه، وكأنها تتلذذ بتعذيبه بأبسط حركاتها وأقل كلماتها التي كانت له لغزًا يصـ.ـعب حله حتى هذه اللحظة.

وقفت أمام "رانيا" مباشرة، تواجهها. وحتى هذه اللحظة الجميع يخشى ما ستفعله ابنتهم. العقول تشوشت، وترقبت الحواس، وثـ.ـبتت الأعين فوقهما يترقبون ما سيحدث ويقال. كانت عينان "يعقوب" مـ.ـعـ.ـلقة فوقها وكأنها تأبى فقدان آخر آمالها بها. فمن سابع المستحيلات أن تنتهي علاقتهما بهذه الطريقة وبسبب هذا التخـ.ـطيط الشيطاـ.ـني.

بينما كانت "رانيا" تنظر في أعين "زبيـ.ـدة" بخوف وتوتر حاولت إخفاءهما عنها حتى لا تشـ.ـك في أمرها ويفسـ.ـد كل شيء. ابتسمت لها "زبيـ.ـدة" وكأن شيئًا لم يحدث، ومن ثم ضمتها إلى دفء أحضانها. صـ.ـدـ.ـمـ.ـت "رانيا" ومعها صـ.ـدـ.ـم "يعقوب" الذي جحظت عيناه على وسعهما وكأنه لا يصدق ما يراه وأسئلة عديدة تدور في عقله. هل هي صدقتها بالفعل؟ هل سيـ.ـهزـ.ـم أمامها ويـ.ـعاقب على شيء لم يقترفه من الأساس؟

هل ستتخلى عنه بهذه السهولة وكأن شيئًا لم يحدث؟ العديد والعديد من الأسئلة وأجوبتها كانت عندها هي. مستحيل، لا يا "زبيـ.ـدة" متعمليش فيا كدا، متكسـ.ـرنيش الكسـ.ـرة دي قدامهم. أنا فكرتك بتحبيني وبتثقي فيا، وعدتيني إنك عمرك ما هتعملي أي حاجة تكسـ.ـرني وتحط عيني فالأرض. بس أنتِ خوـ.ـنتـ.ـي العهد اللي بنا ودـ.ـوستـ.ـي عليا قدامهم. ليه تكسـ.ـريني وأنا كنت متعشم فيكي إنك هتنصفيني قدامها؟

ليه شوفتي بعينك ومشوفتيش بقلبك المرة دي؟ كلمات صامتة تـ.ـقال لنفسـ.ـه وعيناه الدامعة مثبتتين على زوجته التي كانت تحتضن "رانيا". كان يظن أنها ستـ.ـداـ.ـفع عنه وتنصفه أمام الجميع وتـ.ـنكر حدوث ذلك. ظن أنها ستغضب وستقف أمام شقيقتها بالمرصاد. انتظر منها أفعالًا تنصفه وتـ.ـعزز من نفسـ.ـه وتحافظ على صورته كرجل.

ولكن كل ما فعلته أنها قامت بتصديق شقيقتها، ووقفت ضـ.ـده بعد أن تخـ.ـلى عن حياته السابقة واختارها هي قبل أن يختار نفسـ.ـه. كان "ضياء" ينظر إلى "زبيـ.ـدة" وهو لا يصدق ما يراه. عيناه تكسوها الحـ.ـمـ.ـرة والحسرة في نظرته حاضرة. فإن لم يتأـ.ـلم عليها فهو يتأـ.ـلم لأجل "يعقوب" الذي أعلنت هزـ.ـيمته. سـ.ـيفه الذي أعطاه أمس لأكثر الأيادي أمنـ.ـا، استقر اليوم في جسـ.ـده، بيـ.ـد من آمنها.

وفي تلك اللحظة جاء أصدق بيت شعري واصفًا تلك اللحظة. "أعطيتـ.ـك سـ.ـيفي لأريك وفائـ.ـي، فمالي أرى سـ.ـيفي تملأه دمائي." اتجهت عيناه نحوه وكأنه مازال مصدومًا مما يراه. يرى الكسـ.ـرة في عيناه والخذي نحوها. لا يصدق أن الضـ.ـربة كانت منها هي. فهو لأجلها تنازل عن كل شيء. حياته السابقة، شخصه الآخر، رغبته في الانجاب، ضـ.ـحى بالكثير لأجلها هي.

وفي المقابل تلوثت يدها بدـ.ـمائه، قتـ.ـلته، وتركته يناـ.ـزع الموت وحيدًا، دون رحمة، وبلا شفقة، وكأنه كان عاـ.ـئقًا في طريقها ورحل. وبعد صرـ.ـاع طاـ.ـحن مع نفسـ.ـه سـ.ـقطت أول دمعة من عينه. لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة. لقد طـ.ـعنته بكـ.ـل قسوة، ولم تأبى له، ولم تهتـ.ـز لأجله. تثـ.ـاقلت أنفاسه وتسارعت نبـ.ـضات قلبه تصرـ.ـخ بألم يحرـ.ـق أعماقه. ارتفعت حرارة جسـ.ـده، ومعها ازدادت حرارة أنفاسه.

اكتست الحـ.ـمـ.ـرة عيناه وسـ.ـقطت عـ.ـبراته بسرعة على صفحة وجهه. وعنوان نظرته إليها كانت كسـ.ـرة روـ.ـحه. كانت لحظات صـ.ـعبة على الجميع وهو على رأسهم يتوج. بينما ابتعدت "زبيـ.ـدة" عن شقيقتها "رانيا" التي كانت تدعي البكاء والتأثر. نظرت لها ورفعت كفها الأيسر تضم شطر وجهها، وقالت بنبرة هادئة: ارفعي راسك وبـ.ـصي في عيني، أنتِ معملتيش حاجة عشان تحطي عينك فالأرض كدا. نظر "رمزي" في هذه اللحظة إلى "يعقوب".

لم يكن حزينًا سوى عليه. فبعد ما قالته "زبيـ.ـدة" الآن هي قد قضـ.ـت عليه بالفعل. بينما التفتت "زبيـ.ـدة" خلفها لتصطدم عيناها بعيناه. رأته ينظر لها بأعين أصبحت مكسورة بفضلها، وتلومها خفية على ما فعلته بصاحبها. اهتزت بقوـ.ـة من داخلها. نظرته ليست هينة عليها ولن تنساها بسهولة. فإنها ستصبح كابوـ.ـسها في الأيام المقبلة ولن تتركها تلـ.ـذ بأوقاتها بسهولة. وقفت بينهما بعد أن أصبحت في صرـ.ـاع خفي مع نفسها.

نظرت بطرف عينها إلى "رانيا" تراها تزيل عـ.ـبراتها خفية، وابتسامة ماكرة ترسم فوق شفتيها، ونظرة خـ.ـبيثة منتصرة في عينيها. لم تكن تعلم أنها بهذا الحقد. لقد قيل لها آلاف المرات ولكنها لم تكن تصدق. مئات المرات أخبرها "يعقوب" أن تجعلها تبتعد عنه لعدم شعوره بالراحة نحوها، ولم تنتبه هي حينها أن هناك أشياء تحدث هي غاـ.ـفلة عنها. ثقتها به لم تنـ.ـقص.

فهي تعلم زوجها جيدًا ورأت كيف كاـ.ـفح نفسـ.ـه ورغباته ليعود لسابق عهده، وسعى لكي ينال رضاها. فلن يكون غبيًا ويفعل تلك السخافات التي اتـ.ـهمته بها شقيقتها. أخذت نفسـ.ـا عميقـ.ـا وأخرجته بهدوء شـ.ـديد، وألتفتت مجددًا نحوها تنظر لها بعد أن اتخذت قرارها. لن تتركه يتعذـ.ـب أكثر مـ.ـن ذلك. اختارت أن تقسـ.ـو عليه هو وتؤـ.ـلمه حتى تربح ثقة الأخرى بها. فبمجرد أن تطمئن لها "رانيا"، ستضرب هي ضربتها.

وقفت في مواجهتها مجددًا، تنظر في عينيها بعد أن نظرت إليها "رانيا" وأدعت الحزن والخزي. ابتسمت ساخرة بداخلها وهي ترى أمامها حرباء ملونة تقوم بتغيير لونها كل دقيقة حتى ينبهر بها الحاضرين. كسـ.ـرت الصمت المخيـ.ـم عليهم مـ.ـن جديد بقولها الهادئ: تعرفي يا "رانيا"، أنا كنت غبية أوي ومش شايفة اللي بيحصل من ورايا. أتغفلت بصراحة مش هكدب عليكي واللي غفلني أداني طـ.ـعنة وـ.ـحشة أوي في ضهري. هتخلـ.ـيني شاـ.ـيلة منه العمر كله.

كل ما توـ.ـجعني هفتكره وهروح محسبنة عليه ليل نهار. الغدـ.ـر وـ.ـحش أوي خصوصًا لو كان من القريب. بس إيه اللي يوصل بني آدم إنه يسحـ.ـر لحبيبه، ويخونه كمان مع أقرب حد لـ.ـيه. بصراحة صـ.ـعبة أوي مش كدا؟ جـ.ـف حلقها، وتسارعت نبـ.ـضات قلبها بخوف تـ.ـملـ.ـك منها. حديثها كان بمثابة شـ.ـرارة صغيرة. سيطـ.ـر التوـ.ـتر عليها وهي تراها ترـ.ـشقها بنظرات حاـ.ـدة. بينما أكملت "زبيـ.ـدة" حديثها وعينيها لم تـ.ـنزع عن وجهها قائلة:

حياتي أتدـ.ـمرت في لحظة، الحياة اللي كنت بتمناها اتدـ.ـمرت بلحظة وأنتِ كنتِ السبب. أنا كنت جاية عشان عرفت إنك عملتيلي سحـ.ـر، وجاية معايا الدليل ضـ.ـدك كمان عشان متكدبنيش كعادتك وتقـ.ـلبيها موال. بس أنتِ أعترـ.ـفتي على نفسك بدون ما تاخدي بالك. قولتي إنك حقودة ومرـ.ـيضة. عيونك كشـ.ـفتك. لعلمك "يعقوب" مبيخبيش عنـ.ـي أي حاجة.

قالي يوميها إنك وقفتيه فنص الليل فالشارع، وقالي إنك رـ.ـخصتي نفسك وحاولتي تغرـ.ـيه وتعملي كام حركة رـ.ـخيصة عشان يضـ.ـعف هو قدام جمالك الخاـ.ـرق دا. كان جاي لوـ.ـنه مخطوـ.ـف، وشه أصفر ومتوـ.ـتر، وقلبه بيدـ.ـق بسرعة زي الصاـ.ـروخ. وأنا صدقته عارفة ليه؟ لأني كنت عارفة إن عينك عليه قبل ما يتجوزني وبرغم كدا هو اختارني أنا.

لأنه مش عايز واحدة جمالها يجيب عـ.ـمى، ولا واحدة تتخلى عن حياءها وكبرياءها وكرامتها عشان تنال رضا راجل مش شايفها أساسًا. وأنتِ لو كنتِ بتحبي "سلمان" بجد مكـ.ـنتيش لسه بتعاـ.ـفري ورا "يعقوب" جوزي. أنا و "يعقوب" بصراحة مكـ.ـناش مشـ.ـفقين غير على "سلمان" لأنه حبك بجد وقدملك كل حاجة. بس أنتِ مصونتيش الراـ.ـجل ولا أحترمتيه ولا حتى أحترمتي ولادك.

أنا كان بأيدي أجي وأجيبك من شـ.ـعرك وأمسـ.ـح بيكي الأرض قدام عيالك عشان يعرفوا إن أمهم متستاهلش لا حـ.ـب ولا احترام ولا حتى معاملة حلوة. أنا استحملت مـ.ـنك كتير أوي ومشوفتش مـ.ـنش خير. عملتيلي سحـ.ـر ليه؟ عشان مـ.ـخلفش مـ.ـن "يعقوب" مش كدا؟ عشان متشوفيش فرحتي ولا تشوفي ولاد حبيب القلب قدامك على طول. دا أنتِ مش دـ.ـمرتيني وبس دا أنتِ دـ.ـوستـ.ـي عليا بالجزـ.ـمة وكملتي ومهمكيش.

منذ الكلمة الأولى كانت البداية، بداية لنهاية تـ.ـكتب لحياة أبرـ.ـياء، لضحكة صافية، لمعة متوـ.ـهجة، لـ.ـحب صافِ. قلوب تحوـ.ـلت لرـ.ـكام، وأحلام هـ.ـدـ.ـمت فوق رأس صاحبها. أرـ.ـواح دـ.ـفـ.ـنت تحت الأنقاـ.ـض، ورائحة الدـ.ـم هي الأثر الوحيد لبقاـ.ـيا الإنسان. كان "سلمان" ليس فقط منصتـ.ـا، بل ومـ.ـيـ.ـتـ.ـا. حديث "زبيـ.ـدة" ليس عابرًا، وشعوره لم يخـ.ـونه حتى اللحظة الأخيرة.

منذ أن بدأ يشـ.ـك بها في اللحظات الأخيرة، وكـ.ـلـ.ـما حاول مواجهتها تتهـ.ـرب هي مـ.ـنه. واليوم شعوره كان صادقـ.ـا. كـ.ـل لحظة، كـ.ـل لحظة حاول فيها الاقتراب مـ.ـنها رأى التـ.ـيهة في أعينها. كانت كـ.ـل هذه الأشياء بداية لكتابة نهاية تلك القصة. تلك الأحلام، ومعها تلك العائلة. كانت أنفاسه ثـ.ـقيلة، وكأن صدره وجد الهواء عـ.ـبئـ.ـا ثقـ.ـيلا عليه يصـ.ـعب تحـ.ـمله. الأصوات تتباعد ببطء.

يشعر بحالة غريبة تـ.ـسيطر على جسـ.ـده بالكامل لأول مـ.ـرة. عيناه مـ.ـثبتة فوقها، نظرته خالية مـ.ـن أي شيء. لا مشاعر، لا حياة، ولا بقاـ.ـيا إنسان حـ.ـي. ما كان يتكرر في أذنيه كلمات "زبيـ.ـدة"، وكأنها تعوـ.ـيذة وأصاـ.ـبته بلـ.ـعنة أبدية لن يتخـ.ـلـ.ـص مـ.ـنها. الأنظار توجـ.ـهت إليه في تلك اللحظة، بعضها مشفقة، وبعضها حزينة، وبعضها مصدومة. نظرته جعلتها تشعر بالرـ.ـعب. فهي لم تستطع حتى هذه اللحظة إنكاـ.ـر أي شيء.

فجميعهم هنا يثقون في "زبيـ.ـدة" ويعلمون أنها إن قالت كلمة لا أحد يبحث عن مصدرها بعدها. التفتت "زبيـ.ـدة" تنظر إلى "يعقوب" الذي كانت عيناه مثبتة عليه. أحاديث كثيرة تـ.ـقال، وخيوـ.ـط معـ.ـقدة تـ.ـريد فـ.ـكها. اقتربت مـ.ـنه بخطى هادئة، تكسـ.ـر طول المسافة التي تفصـ.ـل بينهما. وقفت في مواجهته مباشرة، وعيناها لم تفاـ.ـرق عيناه. أحاديث صامتة تـ.ـقال، وقلوب عاشقة تحترـ.ـق في لهيـ.ـب الحـ.ـب.

كان يعاتبها على ما فعلته به، على هذا الجـ.ـرم الذي اقترفته في حق قلبه المولع بحـ.ـبـ.ـها. لحظة من الصمت القاـ.ـتل بينهما كسـ.ـرته هي بقولها الهادئ تلومه خفية على ظنـ.ـه بها: افتكرتني صدقتها طبعًا ووقفت فصفها ضـ.ـدك، بس معاك حق مقدرش ألومك. أنا تعـ.ـمدت أعمل كدا عشان أديها الأمان. كنت خاـ.ـيفة تنكـ.ـر تاني والموضوع يكبر وتحصل مشـ.ـكلة كبيرة منبقاش قدـ.ـها. عارفة إنـ.ـك جرحتك وأكيد أنتـ.ـا مش هتتصاـ.ـفى معايا بسهولة.

بس صدقني أنا والله ما عارفة أعمل إيه. حاسـ.ـة نفسي تاـ.ـيهة زي العيلة الصغيرة. بحاول أفكر أنتقـ.ـم منها أزاي مش عارفة. قلبي بيتقـ.ـطع حتت يا "يعقوب" وأنا مش متحملة وـ.ـجع أكتر مـ.ـن كدا. خدت اللي فيه النصيب وبزيادة. أخذت خطوة واحدة نحوه تـ.ـقرـ.ـب المسافات بينهما وتعـ.ـيد ربط الخيوـ.ـط ببعضها. همسة صغيرة ستكون سببـ.ـا في إصلاـ.ـح كل ما تم إفساـ.ـده.

النظرة التي حاـ.ـطت عيناه، ونبرتها الدافئة التي أغرـ.ـقت قلبه في حـ.ـبـ.ـها، كانا سلاـ.ـحين أساسيين لها: أنا آسفة على اللحظة اللي عيشتك فيها دي، حقك عليـ.ـا بس كان لازم أعمل كدا. حقك على قلبي دموعك غاـ.ـلية أوي عليـ.ـا يا "يعقوب" وقلبي ميتحـ.ـملش نظراتك دي خالص. سامحني يا حبيبي بس والله ما اتجبـ.ـرت. عناق حنون احتاجه، وكأنه إثباـ.ـت صريح مـ.ـنها لبقائها بجانبه دومـ.ـا. كانت لحظات صـ.ـعبة وبشـ.ـدة عليه.

ظن فيها أنـ.ـه خـ.ـسر كل شيء. ولكن كان الواقع يقول عكس الأحداث مـ.ـن حوله. فـ.ـفصل المسافة بينهما ضامـ.ـمـ.ـا إياها إلى أحضانه. حصـ.ـنه المنيـ.ـع الذي يصـ.ـعـ.ـب اختراـ.ـقه مهما كانت الظروف والمكان المحيط به. أراد الشعور بها بين يـ.ـديه وها هي مازالت بجانبه لم تتركه وترحل. رائحتها تغلغـ.ـلت داخل أنفه، وكأنها تـ.ـخبره بصدق اللحظة. هدأ قلبه، وعادت أنفاسه تنتظم.

هدأت روـ.ـحه وغمرته السكينة، ولم يهتم للآخرين بعد تلك اللحظة. فما كان يهمه هي فقط. وها هي مـ.ـلكيته مازالت بين يـ.ـديه. كان يحاوطها بذراعيه بوضعية الحماية والحفاظ على مـ.ـلكيته. وعيناه الحمـ.ـراء مثبتة فوق الأخرى التي أصبحت تقف في مواجهة "سلمان" تكاد يغـ.ـشى عليها مـ.ـن الخوف. ولا يستطيع أن يـ.ـنكر في هذه اللحظة عن مدى سعادته لـ.ـما تلقاه على يـ.ـديه.

كان "سلمان" ينظر لها محاولًا البحث عن أعذار تشـ.ـفي لها عنده حتى وإن كانت حمقاء. ولكن حتى هذه اللحظة لم يجد شيئًا. كان في مقداره أن يثأـ.ـر لنفسـ.ـه. ولكن كان صوتـ.ـا مازال حيـ.ـا بداخله يخبره أن تلك خرافات وجميعهم مخطئون. ولكن صوت "رمزي" كسـ.ـر حـ.ـدـ.ـة الصمت حينما قال بنبرة هادئة حذـ.ـرة: بصراحة أنا مكنتش حابب أكون جزء فاللي بيحصل دا بس مينفعش. مينفعش أشوف الغـ.ـلط واسكت عليه وأعمل نفسي كأني مشوفتهوش.

بصراحة الكلام اللي قالته المدام "زبيـ.ـدة" صح. المدام دي عملت لأختها سحـ.ـر عشان متخلفش. وأنا بنفسي اللي فاكـ.ـه مـ.ـن عليها والشاهد على كلامي ربنا سبحانه وتعالى أولًا. و "ضياء" ابنكم ثانيًا. فلحظة كانت هتقتـ.ـل جوزها وهي مـ.ـغـ.ـيبة مش دريانة بحاجة لولا "ضياء" جه فالوقت المناسب ولحقه مـ.ـنها. جميع الأنظار اتجهت إلى "ضياء" في هذه اللحظة، وكأنه لقطة الموسم.

نظر هو إلى "معتز" أبيه الذي كانت عيناه تنتظر مـ.ـنه جوابـ.ـا تأكيديًا على ما قاله "رمزي". لم يكن هو وحده بل العائلة بأكملها. وعلى رأسهم يتوـ.ـج "سلمان" الذي كان يدعو ويلـ.ـح بداخله أن تكون أكذـ.ـوبة في نهاية المطاـ.ـف فلا يتوقع ما الذي سيفعله بها بعد لحظات. صمت قاتل يحرـ.ـق قلوبـ.ـا، ويـ.ـعذب أخرى. فما قيل ليس هـ.ـينـ.ـا، والجواب لن يكون هينـ.ـا وسيصحبه عواـ.ـقب وخـ.ـيمة وقرـ.ـارات مصيرية ستؤخذ.

اصطدمت عينان "ضياء" بعينان "رانيا". لأول مـ.ـرة يرى نظرة الرجاء في عينيها. لأول مـ.ـرة يرى الخوف مـ.ـتـ.ـملكـ.ـا مـ.ـنها. لأول مـ.ـرة لا يتأـ.ـثر ولا يـ.ـشفق ولا يحزن. فقد كانت نظرته إليها كراهية وبغـ.ـض لا غير ذلك. الشيخ "رمزي" كلامه صح. "رانيا" سحـ.ـرت لأختي "زبيـ.ـدة" عشان متخلفش مـ.ـن "يعقوب". واللي قالته عن علاـ.ـقتها بيه صح وأنا كنت عارف وهي كانت عارفة كدا كويس ووقتها أديتها عـ.ـلقة موـ.ـت.

أول حاجة فكرت فيها وقتها الراـ.ـجل اللي متجوزاه. اللي بيسافر هنا وهنا ويقعد بالشهور منعرفش عنه حاجة وبيتبهدل عشان خاطر يعيشها ملكة. أي حاجة تطلبها يجيبهالها. أنتِ عارفة يا "رانيا"، أنا لأول مـ.ـرة أعرف أنتِ ليه مكملة معاه. عشان أنتِ طماـ.ـعة. عايزة كل حاجة لنفسك. بتـ.ـغفـ.ـليه وتستـ.ـغليه فنفس الوقت. ومـ.ـدـ.ـمرة حياة أختك الصغيرة ومكملة عادي.

وفوق كل دا عايشة مرتاحة ومبسوطة وأختك بتعاـ.ـني وبتترـ.ـجا ربنا يرزقها بعيل واحد على الأقل. عشان متكونش وحدانية ولا تحس إن في حاجة تعـ.ـيبها. وأنتِ مسكتيش لا كملتي فوساـ.ـختك. خوـ.ـفتيها على نفسها وفرحتي وأنتِ شاـ.ـيفة مرعوبة وبتترـ.ـجا جوزها يوديها لدكتورة عشان بس واحدة مرـ.ـيضة زيك عرفت تلعب فعـ.ـقـ.ـلها. متنتظريش مـ.ـني دـ.ـفاع. عشان أنا أساسـ.ـا معرفكيش. أنا مـ.ـن زمان وأنا بكرـ.ـهك تعرفي كدا؟

بكرـ.ـهك عشان أنتِ أجـ.ـبرتيني أكرهك. معاملتك ليا وتحكمك فيا ولا كأني عيل معاكي وأسلوب مفيش ذكر كلـ.ـب بلدي يستحمله. أنتِ تستاهلي اللي هيعمله فيكي "سلمان". مش هشفق عليكي نهائي هقف وهدعمه وهقوله كمل هي تستاهل أكتر مـ.ـن كدا. إن كانت الجدران تبكي لبكت منذ زمن. كانت كلماته قاـ.ـسية وبشـ.ـدة. نظرته معدـ.ـومة مـ.ـن الشفقة أو الحزن عليها. لم تتلقى سـ.ـوى القسوة والمعاملة السيـ.ـئة.

مثلما فعلت معه في السابق ها هو الآن يرد لها الصاـ.ـع أثنين. مـ.ـن كان مـ.ـن المفترض أن يكون الساند والداعم والحاـ.ـمي، بفضلها أصبح الحاـ.ـقد والكاـ.ـره الذي لم يرى مـ.ـنها إلـ.ـا العـ.ـنف والكراـ.ـهية. سقـ.ـطت عـ.ـبراتها بالفعل هذه المرة بعد أن رأت أخيها رـ.ـفض أن يكون في صفها. أدركت أن الليلة ستكون نهاية لـ.ـكل شيء. ستخسـ.ـر الكثير لا شـ.ـك في ذلك. كان "سلمان" ينظر لها ومعالم وجهه جاـ.ـمدة.

لا حـ.ـب، لا حنو، ولا مشاعر عادت كاـ.ـمنة نحوها. شـ.ـعـ.ـر بالنيران بدأت تلتـ.ـهم صدره تزامنـ.ـا مع بداية عقله لـ.ـخلق هذا المشهد المقـ.ـزز. هذا المشهد الذي سيـ.ـحرك بداخله الكثير والكثير. أنتِ واحدة ****. تفاجئ "رمزي" مـ.ـما قاله "سلمان" في تلك اللحظة. إن كانت تلك البداية فكيف ستكون النهاية بعدها؟

التفت "سلمان" بجسده تجاه "معتز" الذي يكسر رأسه للأسفل ولأول مرة في حياته. لأول مرة بعد أن كان يقف مرفوع الرأس أمام الجميع يتباهى بهم طيلة الوقت. أول من كسّرته كانت كبرياؤه. الدموع محبوسة عيناه. يحاول التماسك حتى لا يفقد السيطرة على نفسه بعد ذلك. فيكفي أنه يشعر بالعار أمام "سلمان" لن يتحمل الكثير.

نظر إليه "سلمان" بعينين تفيضان من الحزن ما يكفي لأجله. هو ليس حزينا إلا عليه هو. فهو يعلم جيدا كيف سيكون شعوره في تلك اللحظة ويعلم كيف يشعر الآن. وجه حديثه إليه وكأنه يواسيه خفية على عار نسب إليه دون أن يشعر:

"أنا عارف إنك مكسور دلوقتي ومش هتقدر تبص في خلقتها ودا حقك بصراحة. اللي زيها ميتبصلهاش أساسا حتى لو نظرة شفقة. بس أنا اتخانت يا عمي. بنتك طعنتني وطعنت رجولتي. ودي حاجة صعبة أوي على أي راجل يتحملها. مش هقدر أوعدك بأي حاجة عشان أنا بجد مش قادر أمسك نفسي عنها. فكل مرة تسرحي فيها، فكل مرة تبقي ماسكة فيها الموبايل وسرحانة فيه بشكل مبالغ فيه. فكل مرة أسألك وتحوري عليّا وتستغلي عدم تركيزي في نهاية كل يوم شغل. كان يجيلك جرأة منين يبقى عقلك مع واحد متجوز وبجسمك معايا. ومش أي واحد. جوز أختك يا "رانيا". جوز أختك اللي حتى لو الوضع وصل بيهم للطلاق مينفعش يبقى مع أختين. هو أنت جنسك إيه بالظبط؟

وبمثابة أنهى حديثه المنفعل فيها سقط كفه على صفحة وجهها بعنف يشهده الجميع لأول مرة. لم يتحمل أن تطعن رجولته ويظل صامتا دون ردة فعل. ففي تلك المواقف الحساسة لا يقبل الرجل على نفسه أن يطعن بتلك الطريقة الوقحة.

ارتطم جسدها في الأرض بعد أن تلقت صفعة قوية منه جعلتها تشعر بشقها الأيسر وكأنه كسر. صفعة واحدة لم تشف غليله بعد. النيران تأكله حيا. شيطانه يدفعه لمواصلة ما بدأه. يخبره أن يثأر لنفسه فهي لم ترتكب خطأ صغير. ما فعلته خيانة لا تغتفر.

"اعمل فيها اللي يريحك ويشفي غليلك منها يا ابني. أنا بسببها مش قادر أبص في وشوشكم. كسرت ضهري وخلت عيني في الأرض مش قادر أبص لحد بعد النهاردة. حتى البيت مش هقدر أخرج منه. العار ماسك فيّا ومش هيسيبني غير بموتي."

تركت "زبيدة" "يعقوب" واقتربت من أبيها بخطى هادئة. وقفت أمامه والعبرات في مقلتيها محبوسة. ألمها قلبها بشدة بعد أن استمعت إلى حديثه الذي جعلها تشعر بكسرته حقا. رفعت كفيها تحاوط شطري وجهه. رفعت رأسه مجددا وهي تنظر في عيناه الباكية التي أعلنت عن كسرته لها بعد أن حاول إخفاءها عنهم في محاولة فاشلة منه. ردت عليه بنبرتها الباكية قائلة:

"متقولش كدا يا بابا. لا عاش ولا كان اللي يكسر عينك يا حبيبي ولا يحط راسك في الأرض. أنت ربيتنا أحسن تربية ومحرّمتناش من حاجة. عملت كل اللي تقدر عليه ومأثرتش. أنت خيرك علينا كبير أوي مينفعش نردهولك كدا. متعيطش يا حبيبي دموعك غاليين أوي على إنهم ينزلوا لناس متستاهلش. أنت معملتش حاجة غلط. يعني تخرج وتمشي في الشارع وراسك مرفوعة. هي متستاهلش تشيل اسمك ولا حد يقولها أنتِ بنت "معتز ثابت". متحطش راسك في الأرض مهما حصل وخلّيها مرفوعة دايما. عشان خاطري أنا يا بابا. عشان خاطر "زبيدة" حبيبتك مش أنت مبتقدرش ترفضلي طلب وبتحبني."

سقطت عبراته بعد أن أتى حديثها بثماره وجعله يشعر بالألم يأكله حيا. ضمها إلى دفء أحضانه بعد أن استطاع حديثها التلاعب بمهارة بمشاعره. وكأنه عقار يشفي آلاما لا يمكن رؤيتها أو مداواتها. بينما كانا هي تمسح فوق ظهره برفق مواسية إياه. كان "يعقوب" ينظر لها بوجه مبتسم وعينان تملؤهما العبرات. نظرة الفخر عنوانا صريحا. سعد بشدة برد فعلها وجعله يحمد ربه سرا ويشكره لإعطائه زوجة مثلها.

كل ما شتت تفكير "سلمان" في هذه اللحظة هي حالة أبيها التي لم يكن يتوقعها. فهو يعلمه جيدا ويعلم أن عزّة نفسه هي المقام الأول له. ولكن ما فعلته هي به ليس هينًا ولن يمر مرور الكرام. نظر لها مجددا وشعوره بالاشمئزاز يزداد أكثر نحوها. يراها تبكي ويكاد يقسم أنها دموع تماسيح وليست ببشرية. نبرته فولاذية، خالية من المشاعر والعطف نحوها حينما قال:

"متتعشميش إن ممكن أسامح. أنا كنت بعرف أسامح قبل ما تطعنيني أنتِ في ضهري. مش حاسس ناحيتك غير بالقرْف وبس. أنتِ مكسرتنيش لوحدي على فكرة. أنتِ كسرتي أبوكي معايا. اللي كان يمشي وسط الناس ويمدحوا في أخلاقكم وتربيته ليكم. دلوقتي أنتِ كسرتي ضهره وعينه. ذبحتيّه بدم بارد."

الهدوء لم يعد حلّا. يشعر أنه سيقتله حيا في أي لحظة. أفكار سوداء كثيرة تضرب رأسه. مازال يشعر بالغضب ومازال يشعر بتلك النيران الحارقة تبتلعه في جوفها. مازال العامل لإخمادها لم يحن وقته بعد. ولكن هو لا يستطيع أن يظل هكذا لوقت أطول فهو لم يعد يريد رؤيتها بعد الآن. تحدث بنبرة حادة يلقي ما في جعبته بوجهها دون أن يرأف بحالها قائلا:

"أنتِ طالق يا "رانيا" وبالتلاتة. عشان ميكونش في أي وسيلة تضغط عليّا إن أرجعك تاني بعد كدا. والعيال هيعيشوا معايا أنا. أنا مستحيل أأمنلك بعد كدا. مش هسيبهم معاكي وملاقيهومش بعد كدا وأظن دا من حقي. احمدي ربك إنهم مش هنا دلوقتي عشان ميسمعوش اللي أتقال على أمهم ولا يشوفوا خالتهم وهي بالحالة دي. مش هعرف أأمنلك تاني ولا هعيش مع واحدة ساحرة ولا خاينة. أنا حاسبتك بس على خيانتك ليا. الباقي أنا مليش علاقة بيه. هما يتصرفوا

معاكي بقى زي ما يحبوا. وعشان أبري نفسي منك يا بنت الناس وعشان خاطر أبوكي بس الراجل الطيب اللي مشوفتش منه غير الخير أنا هبعتلك حقك. وأظن أنا عديت العيب أبقى متخام وبدي حقوق كمان. دي مفيش راجل يستحملها. فأنتِ تحمدي ربك إنك استكفيت بقلم بس ومقتلتكيش."

أزداد بكاؤها أكثر بعد أن خسرت كل شيء في غمضة عين. خسرت زوجها وأولادها وبالطبع عائلتها. تجردت من كل شيء. التفت هو تجاه "معتز" واقترب منه بخطى هادئة معانقا إياه. برغم ما حدث وما تلقاه من ابنته ولكنه يحظى بمكانة خاصة في قلبه. ففي الأخير لم يرى سوى الخير معه. ربّت فوق ظهره برفق وكأنه يواسيه على مصيبته خفية وقال: "ربنا كبير وعوّضك في "زبيدة" يا حج. متزعلش." ابتعد عنه ونظر في عيناه وأكمل حديثه:

"من أول ما دخلت بيتك وشوفت حنيتها عليك ومعاملتها ليك وأنا قولت دي اللي هتطبطب على قلبه كل ما يزعل. ربنا عوضك بيها أحن عليك من أي حد فالبيت دا صدقني. مش بقول كدا من فراغ بس "زبيدة" زي أختي الصغيرة واجب عليا أقول في حقها كلمتين حلوين عشان مشوفتش منها أي حاجة وحشة. ومش عايزك تقلق أحفادك هجيبهوملك لحد عندك مش هحرمهم منكم مهما حصل. وقت ما تطلبهم هيكونوا عندك على طول. مش عايزك تزعل دا مكتوب ونصيب."

لا يعلم ماذا يقول. فهو جعله يشعر بالعجز أمامه بعد ما قاله. برغم ما حدث بينهم لم يقطع الوصال. لم يطالب بما لديه كي يرحل. بل واساه ورّبت على قلبه الدامي الذي ترك فوقه جرحا غائرا لن يلتئم بسهولة. التفت بعدها تجاه "يعقوب" ثم تقدم منه ووقف في مواجهته ينظر في عيناه مكسورا. لا يعلم ماذا سيقول له ولكنه في الأخير عانقه دون أن يتحدث. وكأنه يبوح له بما يعجز الفم عن قوله.

عناق مليء بالألم من طرف "سلمان". والمواساة من طرف "يعقوب" الذي شعر به. عناق ملتهب، فيه يحترق جسدا تلقى العذاب. وروحا اندست في الآلام. جروحا لن تشفى. ومشاعر لا يمكن وصفها. ولكن في الأخير كان كل شيئا واضحا. ابتعد عنه ليتحدث "سلمان" بوجه يزينه بسمة متألمة ونبرة كسرت وصوتا قتل:

"متعتذرش على حاجة. أنت معلمتش حاجة عشان تعتذر عليها. الحاجات دي مبيداويهاش كلمة. أنا بس عايزك تدعيلي. أدعيلي أنسى عشان أعرف أكمل حياتي وأشوف مستقبل ولادي. وأنت عارف إنك أخويا. اللي بينا مش قليل يا "يعقوب". متأنبش نفسك على حاجة أنت معملتش غير الصح ساعتها. وهفضل على تواصل معاك. أنت صاحب جدع ومشوفتش منك غير الخير والجدعنة كلها. بس هنقول إيه بقى؟

هي دي سنة الحياة. ولعل ربنا شايل لي الخير في مكان تاني. المهم متنسانيش بدل ما أشيل منك من ناحيتي بجد وما هتعرف تراضيني بعد كدا." بسمة متألمة تحمل مشاعر كثيرة ارتسمت فوق شفتيه. وعينان تصرخان بأحاديث لا تستطيع الخروج. ضمه "يعقوب" هذه المرة وسقطت عبراته على صفحة وجهه. ونبرة متألمة أبوحت عن مشاعر لا ترى بقوله:

"مقدرش أنساك. أنت مش مجرد صاحب يا "سلمان". إحنا أخوات. واللي بينا مكانش قليل زي ما قولت. المهم إنك تبقى كويس ومبسوط مش عايز أكتر من كدا وتخلي بالك من نفسك وولادك وأوعى متجيش زيارات بعد كدا. متحرّمشهم من خالتهم أنت كمان يا "سلمان"." ابتعد عنه بعدها وهو ينظر في وجهه ليجاوبه "سلمان" بصدق تام هذه المرة:

"مقدرش أعمل اللي غيره عمله قبل كدا. هجيبهم وأجيلك وهجيبهم هنا برضوا. كل حاجة هتبقى كويسة متقلقش. هي مسألة وقت بس وهنتعود بعد كدا."

ابتسم "يعقوب" له. ومن بعدها بدأ "سلمان" بتوديعهم جميعا. يتلقى منهم دعوات صالحة وبداية جديدة له. فالأمر ليس هينًا عليهم وما فعلته ابنتهم جعلهم لا يستطيعون التفوه بحرف. وقف على عتبة باب المنزل وودعهم ملوحا بيده إليهم بعد أن أخذ أغراض ولديه ورحل بعدها دون عودة. رحل ليشفي. وليبدأ حياة جديدة وبداية جديدة. يعلم أنه يحتاج إلى الوقت والصبر. ولكن في الأخير سيتلقى الشفاء.

بعد رحيله دام الصمت القاتل من جديد بينهم. ولكن ما كسره هو صوت بكاؤها. لا شفقة ولا حزن. بل المقت هو ردا على ما فعلته. اقتربت "زبيدة" منها بعد أن تركت أباها وهي تنظر لها. نظرتها كانت خالية من المشاعر. كلما تذكرت تقربها من زوجها ومحاولة إغواءه وبعدها سحرها حتى لا تستطيع الإنجاب منه تزداد كراهيتها لها أكثر وأكثر. وقفت أمامها وهي تنظر لها وكأنها تبدّلت بأخرى برحيل "سلمان".

"متحلميش إنك هتطلبي السماح وهسامحك بجد يا "رانيا". عشان أنا فدي مبسامحش. ولا عمري هسامح واحدة استكترت على أختها الفرحة ودفء العيال. ولا هقدر أسامح واحدة خاينة خانت أختها لما حاولت تاخد جوزها منها ومعرفتش. مش هسامح لو جيتي بتسحفيني. متستنظريش مني الطيبة عشان مش هتلاقي بعد كدا غير واحدة أنتِ نفسك مش هتعرفيها. كفاية اللي عملتيه."

رفعت "رانيا" رأسها تنظر لها بوجه باكي وعينان مليئتين بالحقـد نحوها. نهضت واقفة على قدميها أمامها دون أن تحيد بصرها بعيدا عنها. تقف في مواجهتها وتصرخ بها بعلو صوتها بنبرة كسّتها الحقـد تجاهها: "أنتِ اللي المفروض متستنظريش مني إن أسامحك. أنتِ دمرتيلي حياتي كلها. بسببك أنا اتطلقت ومش هشوف ولادي تاني. وهبقى قاعدة هنا بين ٤ حيطان مش عارفة أكلم أهلي عشان مش راضيين يبصوا في وشي بسببك."

تبجحها أصدمهم. مازالت بعد كل ما حدث تماطل وتتواثق وتنسب أخطاءها لغيرها وكأنها ملاك بريء تلقى الغدر على أيدي شياطين. حديثها لم يفعل شيئا سوى أنه أشعل النيران في قلب "زبيدة" التي لم تستطع تماسك نفسها أكثر من ذلك وجذبتها بعنف من خصلاّتها وبدأت تبرحها ضربا. لم تمنعها صرخاتها المتألمة أو فارق العمر بينهما. فهي من تواثقت وخططت ودمرت كل شيء ومازالت تتمادى في تواثقها.

كان "ضياء" سيتدخل لإبعاد شقيقته عنها ولكن منعه يد "يعقوب" الذي قال بنبرة جامدة وهو ينظر بتشفٍّ إلى "رانيا" قائلا: "سيبها يا "ضياء". أنا عايزها تشفي غليلها من ناحيتها. "زبيدة" مش هترتاح غير لما تعمل اللي يريحها تجاه "رانيا". سيبها."

نظر إليه "ضياء" وهو يشعر بالتردد والقلق. فما يحدث يجعله لا يستطيع اتخاذ القرار المناسب. بينما دفعت "زبيدة" شقيقتها بعيدا عنها بعد أن أبرحتها ضربا كي تشعر بالقليل من الراحة. عادت للخلف. صدرها يعلو ويهبط والعبرات ملتمعة في مقلتيها. نيران تحرقها ولا تعلم كيف تطفئها. وكأنها أقسمت على إحراقها حتى تتحول إلى رماد. اقترب "معتز" منها يقف إلى جانبها. حاوطها بذراعه وقال بنبرة هادئة:

"يا "زبيدة" كفاية لحد هنا. هي هتفضل زي ما هي مش هتتغير. هتفضل زي ما هي مش مكفيها إنها خسرت كل حاجة. روحي أنتِ مع جوزك الكلام معاها خلص خلاص. مش مكفيها إنها خانت جوزها لا وكمان بتؤذي أختها الصغيرة وتعملها سحر. أنا مكسوف أقول عليكي بنتي. مبقتش حتى قادر أبص في وشك ولا أوجهلك كلمة. يا خسارة تربيتي فيكي بجد." قرر "ضياء" التدخل في هذه اللحظة بعد أن فاض به وأصبح لا يتحمل أكثر من ذلك. وقف بجانب أبيه وشقيقته وقال بنبرة جامدة:

"كفاية يا بابا لحد كدا. الكلام مبقاش منه فايدة خلاص. اطلع عشان ترتاح أنت تعبت النهاردة. خد ماما واطلعوا و "يعقوب" هياخد "زبيدة" ويرجع عالبيت. أحسن حاجة تعملها معاها إن محدش يوجعها كلمة. كأنها مش عايشة معاكم. وهي اللي تخدم نفسها محدش يضعف ويعملها حاجة لحد ما تتربى وترجع لعقلها تاني. غير كدا أنا معرفش." نظرت "زبيدة" إلى أبيها الذي رفع كفه مربتا فوق ظاهر كفها وقال بنبرة هادئة:

"أخوكي بيتكلم صح. يلا خدي جوزك وارجعوا عالبيت. وأنا هطلع عشان أرتاح شوية. تعبت خلاص ومبقتش قادر أسمع أكتر من كدا." اعترضت "زبيدة" على حديثه بقولها: "بس أنا مقدرش أسيبك لوحدك يا بابا وأنت بالحالة دي." نظر إليها "معتز" وقال بنبرة هادئة: "عشان خاطري يا "زبيدة". اسمعي الكلام يا حبيبتي ومتتعبيش قلبي معاكي. أنا هبقى كويس متخافيش." تقدم "يعقوب" منهم في هذه اللحظة محاوطا إياها بذراعه تزامنًا مع قوله الهادئ:

"مش عايزك تخافي عليها طول ما هي معايا. "زبيدة" في إيد أمينة يعني تحط راسك عالمخدة وأنت مطمن ومرتاح." نظرت إليه "زبيدة" مبتسمة الوجه ومعها "معتز" الذي ابتسم وقال: "أنا واثق فيك وعارف إنك سايبها في إيد أمينة." وبعد مرور الوقت.

كانت "زبيدة" ترقد فوق الفراش تنظر بشرود إلى سقف الغرفة. تتذكر ما حدث في هذا اليوم العصيب. كيف انتهت قصص وأحلام وردية رسمت. انتهت المحطات لدى البعض. وبدأت محطتها هي. بداية جديدة. راحة تحظى بها. خوف تبخر في غمضة عين وسكنت الراحة محله. دعت ربها بتلك الدعوة التي تلح بها كل ليلة وهي على يقين تام أنه سيحققها لها مثلما دعت من قبل واستجاب إليها.

اقترب "يعقوب" منها وتسطح بجانبها. أخرج زفرة عميقة وأغمض عيناه كي يحظى بالراحة التي افتقدها فجأة منذ وقت طويل ولأول مرة. سعادته خطفت من قبل ولكن هذه المرة لن يجرؤ أحدهم على أن يخطفها مرة ثانية. "أول مرة أحط راسي عالمخدة وأنا مرتاحة. مبفكرش. الخوف مش مرافقني زي الأول. وعندي أمل كبير أوي وعشم أكبر في ربنا إنه يحققلي أمنيتي."

نبرتها هادئة. عينيها صافية. والراحة تسكن فوق صفحة وجهها. وبسمة أمل رسمت على شفتيها. بداية جديدة تخطو فيها أولى خطواتها وهي حرة دون قيود تمنعها. لحظة وفتح عيناه والتفت برأسه قليلا نحوها ينظر لها مبتسم الوجه. لتلتفت هي كذلك برأسها تنظر إليه بوجه مبتسم وقالت بنبرة دافئة: "مش أنا كلامي صح برضوا." حرّك رأسه برفق يؤكد على قولها. ومن ثم رفع ذراعه الأيمن عاليا وحاوطها ضاممًا إياها إلى أحضانه مجيبًا إياها بقوله الهادئ:

"مظبوط. برغم اللي حصل واللي مرينا بيه مكانش سهل علينا بس اسمها عدينا الحمدلله. خلينا ننسى شوية اللي حصل ونبص لبكرة. عايزين نفك شوية من النكد دا... تيجي اخدك بكرة من أول اليوم لأخره." نظرت له بوجه مبتسم وقالت متسائلة: "هتوديني فين؟ فكر "يعقوب" قليلا ثم جاوبها بنبرة هادئة:

"نفطر سوى الأول براحة. وبعدين أخدك ونروح نشوف الأهرامات. هنتمشى هناك وهنركب الجمل. بعدها ممكن نتمشى هناك شوية ونطلع عالنيل. مركب حلوة من اللي بيطلعوا في آخر النهار دول نفك عن نفسنا وتشوفي الغروب بيبقى تحفة. بعدين أكيد هنكون جوعنا فنروح نتغدى ونروح أي مكان تحبيه. لو بتحبي الأفلام الأجنبي نروح عالسينما ونشوف حابين نشوف إيه. اليوم كله بتاعك لو مش عايزة السينما مش مشكلة. شوفي المكان اللي نفسك تروحيه ونروح."

اتسعت بسمتها على شفتيها أكثر وغمرتها السعادة. لا تصدق أنه سيفعل ذلك بالفعل لأجلها. منذ أول زواجهما وهي كانت تريد عيش تلك اللحظات معه. كانت تريد بناء ذكريات كثيرة برفقته تتذكرها في أي لحظة. ولكن ما حدث دمر لها كل شيء وجعلها تعيسة. ولكن اليوم هو عاد لسابق عهده وسيُحقق لها ما تمنت من قبل. كانت سعيدة بشدة ولذلك ضمته بشدة وقالت بنبرة غمرتها الفرحة وكأنها طفلة صغيرة ستقضي يوم العطلة مع أبيها في الخارج. "يا "يعقوب"...

أنا بحبك أوي." "و "يعقوب" كمان بيحبك أوي." لحظة صافية وهادئة. تنبض فيها القلوب. وتعترف بالمخبوء عن الحبيب. لحظة تمنوها أن تأتي. وكأنها شيء محرم عليهما أن يحظيا به. ولكن بعد هذا العناء يستحقا أن يكونا هكذا الآن. يخططان لحياتهما سويا في المستقبل.

قبيل العصر كانت العيادة هادئة. ألوانا صافية تريح العقل. وهدوءا ساكنا يتملك من القلب. كانت عيناه تجوب في المكان منذ مجيئه. يفكر في تلك الخطوة التي اتخذها مؤخرا. هل ما سيفعله هو الصواب له أم لا. تشتت ولكن كان هو الداعم له. كان صاحب تلك الفكرة بعد أن رفض رؤيته يسقط كل يوم بتلك الطريقة وهو يشاهده دون أن يأخذ خطوة لأجله.

الوقت كان يمر ببطء شديد. وكأنه يتعمد اللعب بأعصابه. كان متوترا حتى جاءه صوتها تخبره بأن يلج له. كانت متوترة بشدة بعد أن جاءت اللحظة الحاسمة. وأول من استغاث به كان أخيه الذي طمأنه وشجعه على الولوج حتى يبدأ بالتخلص من هذا الكابوس الأسود الذي يطارده منذ زمن طويل.

ولج "حليم" بالفعل إلى الغرفة مغلقا الباب خلفه. وقف ينظر بحذر إلى أرجاء الغرفة متأملا إياها. كانت بيضاء اللون. بسيطة وأثاثها بسيط يشعر النفس بالراحة. مقعد كبير ووثير يعلمه جيدا ويجاوره مقعد الطبيب. "تعالى يا "حليم"."

صوتا هادئا دعاه للولوج. وكأنه قرأ ما يدور داخل رأسه ورأى صراعاته الداخلية. تقدم "حليم" بخطى هادئة ليرى شابا بنفس فئته العمرية تقريبا ينتظره. كان بشوشا. يبتسم في وجهه. معالم وجهه هادئة وكأنها تجبره على تقبله. مد الشاب كفه إليه وقال بنبرة هادئة وابتسامة جميلة تزين شفتيه: "أزيك يا "حليم". أنا اسمي دكتور "مارتن مايرون". ممكن تقولي "مارتن" عادي بدون رسميات إحنا من سن بعض تقريبا."

مد "حليم" كفه وصافحه دون أن يتحدث. بسمة خفيفة ارتسمت فوق شفتيه فقط كانت إجابة له. أشار إليه "مارتن" تجاه المقعد وقال: "ارتاح." استلقى "حليم" على المقعد الطويل وجلس "مارتن" فوق مقعده. ارتدى نظارته الطبية السوداء وفتح دفتره وقال بنبرة هادئة: "أزيك يا "حليم"."

صمتا تام خيّم على المكان بعدها. ليس تقليلا من شأن الآخر. ولكن كان للتفكير في إجابة هذا السؤال. لأول مرة يفكر في إجابة لسؤال سخيف كهذا. لم يكن يتخيل أن تصل به الأمور إلى هذه النقطة ولكن ها هو بالفعل قد وصل إليها. وأصبح يفكر في الإجابة لها. دقائق وجاوبه قائلا: "مش عارف. مش عارف إذا كنت كويس أو مش كويس. لأول مرة أفكر في إجابة لسؤال زي دا." نظر إليه "مارتن" وقال بنبرة هادئة:

"لو حاسس بحاجة دلوقتي حتى لو ملهاش علاقة بالسؤال دا ممكن تقولها عادي. أي رد ييجي على بالك قوله مهما كان." كانت أولى الخيوط التي تتقدم إليه. وكأنه يعطيه مفتاح الحياة ويسمح إليه بالانطلاق وفعل ما يريده. وبدأ الحديث بينهما يطول: "مش مرتاح. مش عارف أعيش. هو ليه ممكن يعمل كدا؟

ليه يفكر إنه يأذيني كدا ويحسسني إنّي غير أي حد تاني. ليه بيحسسني إنّي أقل من اللي حواليا. كأني حشرة أخرها يتداس عليها وتموت. ليه حسسني إنّي متحبّش. حسسني إنّي متخلقتش عشان أحب وأتحب بالعكس. عشان أكون لعبة بتتحرك بطوعه وزي ما هو عايز." سأله "مارتن" وعيناه تركزان فوق وجهه قائلا: "تحب نتكلم عن الشخص المجهول اللي لقبته بـ "هو"؟ جاوبه "حليم" بنبرة هادئة بقوله:

"لا مش حابب أخليه جندي مجهول. حابب أفضحـ.ـه. أبويا. اللي دمرلي حياتي وخلاني تعيس. مريض نفسي. شاطر يبني صورته على أنقاضي ويشكلني بين إيديه زي حتة طين. وأنا صغير كان يقولي إياك تعيط. تعيط ليه العياط دا ضعف. البنات بس بتعيط الرجالة لا. عيبة كبيرة لو راجل عيط. يشوفني بضحك يقولي بتضحك ليه. مش أي حاجة بنضحك عليها. اتعلم. خليك راجل خشن. الضحك له أوقاته مش عمال على بطال زي البنات المايعة. يقولي متخدّمش حد الناس دي مصالح مش حبّاك فيك. وأنا كنت صغير كنت بخاف منه أوي وعشان كدا كنت بسمع كلامه ومبقدرش أقوله لا. ما أنا كنت فاهم إن مفيش أب هيؤذي ابنه."

انحنى "مارتن" للأمام قليلا وسأله قائلا: "وآذاك. مش كدا؟ نظر "حليم" إلى سقف الغرفة قليلا ثم جاوبه قائلا بصوت مرتجف: "دخلني المصحة دي مش علشان خايف عليّا. علشان يثبت إنه مجنون. عشان محدش يصدقني لو حكيت عنه. اشترى تقارير. واشترى سكوت الناس. واشترى حتى عقلي." تحدث "مارتن" بنبرة هادئة وقال: "بس هو مقدرش يشتري قلبك. لأنك لسه قادر تحس. ولسه عندك صوت. والصوت ده بيحكي دلوقتي."

جاوبه "حليم" بعد أن نظر إليه بعينين دامعتين هذه المرة بعد أن بدأت قوّاه تضعف كلما تعمقت الجلسة: "أنا بكرّهه أوي. متخيلتش أكره حد بالطريقة دي. ومش قادر أرجع أحبّه تاني." جاوبه "مارتن" كذلك بقوله الهادئ: "وأنت مش مطالب تحبه. أنت مطالب بس تلاقي نفسك بعيد عنه." ساد الصمت المكان بينهما. كل ما كان يسمع هو صوت عقارب الساعة. لحظة ونظر إليه "حليم" وسأله بنبرة هادئة بقوله: "لو لقيتني... أرجع أحكيلك." ابتسم إليه "مارتن"

وجاوبه بنبرة هادئة بقوله: "أنا هنا عشان أسمعك... كل مرة."

خطوة واحدة كان يجب أن يخطوها حتى لا يظل عالقا في سجون الماضي. أراد أن يكون جريئا لخوض أول خطوة في طريق الشفاء. فبعد إلحاح "صلاح" وإصرار "ريم" خضع هو لهما. حتى وإن أخرج جزءا صغيرا من معاناته فلا بأس. فقد بدأ الخيل يتحرر من قيود الماضي ليمضي في الحاضر ويتطلع إلى المستقبل. فهذا ما يريدون أن يصل هو إليه. وهو لأجل أحبائه سيفعل أي شيء. مهما كانت الظروف ومهما كانت التحديات.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...