أنا أدعى ليان... الحاكمة الصغيرة لعالم كبير كعالم مصاصي الدماء. أنا مازلت أخوض الحرب وحدي رفقة عائلتي الأخرى. الحرب لم تنتهي قط، بل هي البداية لحرب لا أعلم إن كنت سأفوز بها أم لا. سأدعك تخوض التجربة بنفسك وأريك ما حدث معي. سيهار: لم يكن الأمر سهلًا على الجميع، بل كنا نسير بين أكوام ضخمة من الأشواك الحادة. الأم مازالت تحت سيطرة السحرة، لا أعلم إن كانت ستعود أم لا، فالأمر معقد للغاية. كين:
لكل منا قصته ولكل حكاية بداية، إما سعيدة أو مؤلمة كخاصتي. لقد كونت الساحرة جيشًا مهولًا لا حصر له ضدنا. ولكن مصاصي الدماء المتحولين، الأصليين، المستذئبين، وأيضًا الساحر "ڤيكتور"، لسنا ضعفاء البتة، بل إننا لم نستعد لخوض هذه الملـحمة القوية، والتي ستكون نهايتها إما سعيدة أو مؤلمة.
مومباي، واشنطن، مدريد، كوريا، المجر، جميعهم يتحدون، جميعهم يدافعون عن الأم. وكذلك مصر. العرب هم من يقفون بجوارنا الآن دون ملل. جميعنا لسنا بشرًا، ولكننا نحب بعضنا البعض، ونملك المشاعر، ونبكي كذلك. ڤيڤيك: إن كانت دمائي هي سبب تحرير الأم وإسقاط السحرة، إذا أنا أضحي بها من أجلها. لم تنته قصتنا بعد، إنها بداية مأسـ ـاوية. تعال معي وسترى ما حدث بنا بعد آخر هجوم تعرضنا إليه.
"أنا جعفر، وأمكث في الهند قرابة الشهرين دون أن أعلم شيئًا عن عائلتي والتي تشعر الآن بالقلق عليّ. ولكن هذا ما حدث إليّ." *** بدأ الليل يسدل ستائره وتضيء المدينة بضوء السماء. رن صوت جرس المعبد في وقت مبكر يعلن عن وصول شخص ما. جلست سيهار بهدوء وهي تؤدي بعض الطقوس خاصتهم حتى مر بها الوقت وخرجت.
وقفت تنظر إلى أشعة الشمس التي بدأت تسطع في السماء لترتدي خاتمها بهدوء وتخرج. سارت بين الناس بهدوء وهي تنظر حولها. كل شيء يسير بشكل جيد حتى الآن. جلست سيهار بهدوء أمام النهر وشردت. ما حدث قرابة الشهرين مازال يجعلها تخاف بعض الشيء. يوم هجوم الشياطين عليهم وجعلهم يخشون ما سيحدث بعدما علموا أنهم ضدهم.
انتبهت إلى هذا الطفل الذي كان يقف أمام الجدار ويكتب عليه هذا الاسم "Vande Mataram". هذه الكلمة التي تزين شوارع الهند بأكملها. أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء ونظرت إلى ڤيڤيك الذي جلس بجانبها قائلًا: "لماذا تجلسين وحدك هكذا؟ أجابته بهدوء قائلة: "سئمت من الجلوس هكذا، أردت الهروب من مخاوفي ولو قليلًا." ڤيڤيك: "ليس لأن شيراز كونت جيشًا من السحرة وحكام مصاصي الدماء والشياطين أنها ستهزمنا."
ابتسم بسخرية وقال: "سأراكي حمقاء سيهار." زفرت بهدوء وقالت: "أخشى أن تحتل الأم، ڤيڤيك. لا أعلم لماذا تواجد بلدتنا خصيصًا هذه شيراز اللعينة." ڤيڤيك: "تمسكها ببلدتنا يجعلني أشعر بالريبة. أشعر أن ثمة هناك شيئًا ما هنا تريده ونحن لا نعلم عنه شيئًا." سيهار بتساؤل: "وما هو هيا أخبرني؟ حرك رأسه نافيًا وقال: "لا أعلم، ولكننا سنعلم على أي حال."
تقدم منهما ريشي وقال: "أيها العاشقان، أعتذر على مقاطعتي لهذه الأجواء، ولكن ألن نذهب؟ نظرا إليه ليجيبه ڤيڤيك قائلًا: "تبًا لك يا ريشي." نظر إليه ريشي وقال: "شكرًا لك أيها الوقح ذو اللسان السليط." نهضت سيهار وقالت: "هيا علينا أن نذهب حتى نعلم ماذا سنفعل. يجب أن نخطط لكل شيء حتى لا يتم خداعنا مرة أخرى." نهض ڤيڤيك قائلًا: "أنتِ محقة، هيا بنا." *** "إيه يا صاحبي من ساعة ما جيت هنا وانت مش على بعضك؟
نظر إليه حيث كان جالسًا ويتأمل بقعة المياه التي كـوـنتها الأمطار. تحدث جعفر وهو ينظر إليها بشرود وقال: "أنا عايز أرجع مصر، عايز أشوف مراتي وأختي، أنا عايز أرجع يا سراج." سراج: "هنرجع إزاي دلوقتي مش هنعرف." جعفر: "يعني إيه هو أنا محبوس وأنا مش واخد بالي مثلًا؟ سراج: "مش القصد يا صاحبي بس هنعمل إيه، هل كان فيه حل نعمل بيه وطنشنا كله على يدك. أختك قافلة علينا كل حاجة."
تحدث جعفر وهو ينظر أمامه مرة أخرى بشرود قائلًا: "أنا مفيش حاجة مانعاني فعلًا غيرها. بس أنا مش هسيبها تتحكم فيا يا سراج، أنا هرجع يعني هرجع غصب عنها وعن عين أي حد." شرد سراج في نقطة فارغة وقال: "عندك حق. مها وحشتني أوي. كل واحد فينا سايب حبيبه في مكان. ويا عالم هنتلاقى تاني ولا لأ." نظر إليه جعفر نظرة ذات معنى وقال: "مش بتفكر ترجع لحياتك الطبيعية تاني؟
دام الصمت بينهما قليلًا وسراج يبحث عن الإجابة المناسبة التي كان يجهلها حتى الآن. زفر بهدوء وقال: "هتفضل إجابة السؤال ده مجهولة لحد ما ييجي وقتها يا جعفر. لو عايز إجابة مؤقتة فهي لا. حبيت نفسي وحياتي دي. بعمل حاجات مكانتش في يوم من الأيام على بالي. بعيش حياة أول مرة أعيشها يا جعفر. تغامر وتلف وتستكشف ده وتعمل حاجة خارقة للطبيعة ومجنونة."
أنا حابب كل دا. أنا عارف إني هبان أناني بس أنا والله ما كدا، بحاول بس معنديش القوة إني آخد قرار نهائي. جعفر: أنا لو عليا، عايز بنتي تخلص من كل دا. أنا مش حابب الغربة ولا إني أكون في بلد ومراتي في بلد مش مستلطفها. أنا كنت راسم لحياتي مع بيلا بطريقة تانية خالص، فجأة لقيت حياتي بعيشها بشكل خارج عن المألوف بجد. حاسس حياتي اتدمرت. مد سراج يده وربت على يد جعفر وقال: هتهون تهون يا صاحبي. زفر جعفر بهدوء شديد وقال:
مهانتش والله يا صاحبي. مهانتش بس هي اللي مش راضية تهون معايا. ضمه سراج وربت على ذراعه قائلاً: هتهون يا صاحبي صدقني. مسألة وقت وهترجع كل حاجة لطبيعتها تاني، بس نستنى تاني. نظر جعفر إلى صغيرته التي كانت تركض خلف ديانا وتلعب معها والابتسامة لا تفارق وجهها البتة، وعقله مازال يفكر فيما هو قادم دون رحمة أو شفقة. ***
كانت بيلا تجلس على الأريكة وهي تنظر في نقطة فارغة بشرود. نقلت بصرها إلى صورتهم المعلقة على الحائط الكبير والدموع تلتمع في حدقتيها، مما أدى إلى احمرارها. نهضت بهدوء شديد وتقدمت من الحائط المعلقة عليه الصورة بهدوء.
وقفت أمامها وهي تنظر إليها وسقطت دموعها في هذه اللحظة رغمًا عنها، ولم تستطع التماسك أكثر من ذلك وبكت. بكت دون توقف والحزن هو المسيطر عليها منذ قرابة الشهرين، عندما انقطع الاتصال بينهما وهي تعيش في كابوس أسود لا تعلم إلى أين سينتهي بها. لامست أناملها الصورة وهي تنظر إليها بشرود. كم اشتاقت إليهما، إلى صغيرتها التي كان صوتها لا يفارق أذنيها، إلى عناقها الدافئ الحنون الذي كان كالمسكن بالنسبة إليها.
نظرت إلى جعفر والذي قد بلغ شوقها إليه الحدود. هذا الزوج الذي لم يمنحها سوى الحب والحنان والمعاملة الحسنة. الرجل الذي عشقه قلبها ورفض الابتعاد عنه. اشتاقت إليه تذمره وصوته الذي كان يجعل في المنزل بهجة وكأن يسكن به ستة أفراد. وضعت يدها على بطنها المنتفخة بعدما شعرت بوخزة قوية أخرجتها مما هي عليه. تأوهت في ذاك الوقت الذي دلف فيه بشير المنزل ليتوقف مكانه وهو ينظر إليها بعينين متسعتين قليلاً.
تأوهت بيلا مجددًا ليستفيق هو على آهاتها ويترك الحقائب سريعًا ويتقدم منها محاوطًا إياها قائلاً: في إيه يا بيلا؟ انتِ اتخبطتي؟ لم تستطع قول شيء ليقوم هو بإخراج هاتفه ومهاتفة أخيه. وضع الهاتف على أذنه وأسنده بكتفه وحاوط شقيقته قائلاً: تعالي اقعدي. سمع أكرم يجيبه على الجهة الأخرى ليقول بشير: تعالى لبيلا عشان شكلها كدا تعبانة. علت تأوهاتها مجددًا ليسمعها أكرم ويقول:
شكلها مش أكيد يعني. هتجيب لي جلـ ـطة يا بشير. أقفل أختك بتتـ ـعذب جنبك وانت بتقولي شكلها. أنا جاي دلوقتي. أغلق معه ليبدأ بشير الهاتف على الطاولة ويقول بضيق: ماله دا؟ أنا بقول شكلها مش أكيد يعني. نظر إلى شقيقته التي ازدادت الألم معها ليقول بتوجس: شكله عنده حق فعلًا. جلس بجانبها ونظر إليها قائلاً: قولي لي طيب حاسة بإيه. كانت آهاتها هي الإجابة الكافية للتعبير عما تشعر به. ضمها إلى أحضانه ومسد على ظهرها برفق قائلاً:
طب فهميني إيه اللي حصل عشان أكون عارف. أجابته قائلة: لوحدي يا بشير. لوحدي. طبع بشير قبلة على جبينها وقال: خلاص هاخدك أنا وأكرم ونروح للدكتورة. لحظات ودلف أكرم قائلاً: في إيه بيلا مالها؟ نظر إليه بشير وقال: بيلا بتقولي تعـ ـبت لوحدها. نظر أكرم إلى شقيقته ومسد على رأسها قائلاً: وبعدين. سلمى كمان تعبانة. سيبت مها معاها وجيتلكوا على طول. تحدث بشير بجدية قائلاً:
هناخدها للدكتورة تطمن عليها ونتطمن إحنا كمان، أكيد مش هنسيبها كدا. وافقه أكرم الرأي قائلاً: عندك حق. يلا نوديها دلوقتي وأنا هكلم مها وأخليها تفضل مع سلمى لحد ما نرجع. نهض بشير وألبسها هذا الفستان الذي وجده أمامه على ثيابها المنزلية، ثم حملها على ذراعيه برفق وخرج من المنزل، أتبعه أكرم الذي أغلق الباب خلفه ووضع الهاتف على أذنه يحدث سلمى. خرجا من البناية ليتوقفا أمامها وينظران حولهما. تحدث أكرم قائلاً:
خليك هنا هروح أشوف أي تاكسي وراجع لك تاني. تركه أكرم بالفعل وركض يبحث عن أي سيارة تنقلهما، تاركًا بشير واقفًا مكانه ينظر إلى شقيقته التي كانت تتألم. تقدم رمزي منه سريعًا عندما رآه يحمل بيلا قائلاً بتساؤل: في إيه يا بشير؟ أختك مالها؟ أجابه بشير قائلاً بنبرة يملؤها القلق: معرفش. دخلت البيت لقيتها تعبانة. معرفش إيه اللي حصلها. رمزي: طب مقولتليش ليه؟ إيه اللي موقفك كدا؟ بشير: أكرم جري يجيب تاكسي من برا.
نظر رمزي حوله وهو يمسح على وجهه ليعود ببصره إليه قائلاً: طب خليك زي ما انتَ. هروح أجيب لك تاكسي. تركه رمزي ولحق بأكرم تحت أنظار بشير الذي كان قلبه يتأكله الخوف على شقيقته. خرج رمزي إلى الطريق ليرى أكرم يقف وينتظر مرور أي سيارة أجرة. تقدم منه سريعًا حتى وقف بجواره ليقول: مش لاقي أي عربية. حرك أكرم رأسه نافيًا وهو يقول بنبرة يملؤها الضيق: وكأن الأرض اتشـ ـقت وبلـ ـعتهم. أخرج رمزي هاتفه من جيب جلبابه وقال:
أستنى هطلب أوبر أحسن. وبالفعل قد طلب سيارة تحت نظرات أكرم الذي قال: ها؟ نظر إليه رمزي وقال: في عربية قريبة مني، قدامها دقيقتين. أكرم: طب خليك هنا هروح أنادي بشير وأجيلك. تركه أكرم واقفًا مكانه وركض عائدًا إلى الحارة مرة أخرى تحت نظرات رمزي. نظر بشير إلى شقيقته وقال بنبرة يملؤها القلق والضيق: حقك عليا إني لسه سايبك لحد دلوقتي كدا، بس أنا معرفش النيلة دي راح فين. يخرب بيته بيختفي زي العفر. يا لم أحتاجه.
نظر إلى يساره عندما سمع أكرم يناديه ليتحرك بدوره سريعًا نحوه. تحدث بعدما تقدم منه قائلاً بنبرة حادة: كل دا أختك تعبانة أوي. أكرم بضيق: أعمل إيه يعني؟ مفيش زفت. ورمزي طلب أوبر. أخلص يلا. وصلت السيارة ليتوقف السائق وينظر إلى رمزي قائلاً: حضرتك رمزي فواز مش كدا؟ أجابه رمزي قائلاً: أيوه. تقدم أكرم وهو يقول: بسرعة يا بشير.
نظر إليه رمزي وفتح باب السيارة الخلفي ليتقدم بشير ويضع شقيقته بحذر، بينما تحدث رمزي وهو ينظر إلى أكرم قائلاً: أنا هاجي معاكوا. نظر إليه أكرم وأعترض على ما قاله بقوله: لا يا رمزي، روح انتَ عشان شكلك راجع تعبان وأنا هطمنك. فتح رمزي باب السيارة الأمامي وجلس بجانب السائق وأغلق الباب خلفه وهو يقول بنبرة حاسمة: اركَب يا أكرم يلا.
حرك أكرم رأسه بقلة حيلة ثم استدار إلى الجهة الأخرى ليجلس خلف السائق الذي انطلق بسيارته وتحدث قائلاً: على فين إن شاء الله؟ رمقه أكرم بسخط وقبل أن يجيبه رمزي كان هو يقول بنبرة يملؤها الضيق: على المستشفى. أومال هيكون على فين يعني؟ واحدة تعبانة قدامك هتوديها حديقة الأزهر!!!! تحدث السائق وقال: وأنا هعرف منين يا فندم طيب؟ تدخل رمزي في الوقت المناسب وقال: معلش يا فندم، هو مشـ ـدود شوية عشان قلقان على أخته. حقك عليا.
السائق: حصل خير يا فندم. أستدار رمزي برأسه ورمق أكرم بسخط والذي كان الغضب باديًا على معالم وجهه. وضعت بيلا رأسها على كتف بشير الذي ضمها بذراعه الأيسر إلى أحضانه، ممسدًا على رأسها برفق وهو يتلو بعض الآيات القرآنية. *** "هاي يا صاح، لم تجلس هكذا يا صديقي؟ نظر إليه جعفر بعدما جلس الآخر بجانبه ليجيبه قائلاً: أشعر ببعض الضيق فحسب. كين بتساؤل: لم؟ نظر إليه جعفر وقال:
أوُد العودة إلى موطني كين. ثمة شهرين ولم يحدث أي جديد ولم أنتظر. شيراز تقوم بالعناد معي فحسب يا صاح، لا أكثر. وأنا سئمت حقًا. طفح الكيل. كين: يا رجل ما هذا الذي تقوله؟ لا تفعل ذلك. نظر إليه جعفر وقال بنبرة يملؤها الضيق: سأعود كين. أنا وفتاي لسنا سـ ـجناء هـ ـنا. لقد تركت عائلتي منذ شهرين حتى آتي وأجلس هـ ـنا دون فائدة. لن أنتظر دقيقة واحدة. نهض جعفر وهو يكمل حديثه قائلاً: طفح الكيل كين، يكفي.
توقف كين أمامه فجأة وهو ينظر إليه قائلاً:
جعفر رجاءً يا رجل لا تفعل ذلك. حياتنا جميعنا معرضة إلى الخطر. جميعنا. جميعنا دون استثناء. أتفهم ذلك. السحـ ـر الأسود والد ماء وجميع الأسـ ـحار تلتف على أعناقنا. نحن طوال الشهرين اللذان تتحدث عنهما يحوم فيهما الخطر حولنا كـ الأفعى السـ ـامة. السحـ ـرة والشيا طين والملا ئكة. جميعهم يشكلون خطرًا كبيرًا علينا. ولا تظن جعفر أنك إذا عدت إلى موطنك أنك هربت مـ ـنـ ـهم. هذا ليس صحيحًا صدقني. أنا لا أقول هذا حتى تبقى ولكن هذه الحقيقة يا صديقي. أعد تفكيرك مرة أخرى قبل أن تتخذ القرار النهائي. قرارك ذاك سيحدد مصيرنا. إما العيش والمضي قدمًا. أو الموت وانتهاء مصاصي الدماء إلى الأبد.
نظر كين إليه قليلاً ثم نظر خلفه بترقب وحذر شديد، بينما كان جعفر يفكر في حديثه وفي ذاك الوقت يفكر في عائلته وزوجته التي اشتاق إليها كثيرًا. لحظات من الترقب وقد سمع صوتًا من خلفه يقول: اذهب. التفت جعفر ينظر إليه وهو يعقد ما بين حاجبيه قائلاً: ومن أنت؟ ابتسم الآخر ابتسامة جانبية وقال: زاكش. أُدعى زاكش. سمع كين يقول: زاكش أحد عشـ ـيرة الشيا طين جعفر. نظر جعفر إليه قليلاً ثم إلى زاكش نظرة ذات معنى والذي ابتسم بدوره وقال:
اسمي زاكش ويُنادوني زاكشي. نظر إليه نظرة متفحصة ثم قال: وأنت بشري. أليس كذلك؟ أجابه كين قائلاً: هذا ليس من شأنك زاكش. هذا يخصنا نحن فقط. أفهمت ذلك؟ ابتسم زاكش وفرد ذراعيه في الهواء قائلاً: يا رجل بحقك أنا أطرح عليه بعض الأسئلة العادية فحسب. كين لم هذا الضيق؟ أجابه جعفر بنبرة جادة وقال: نعم بشري. هل لديك أسئلة أخرى كي تطرحها عليَّ؟ أجابه زاكش قائلاً:
لا. هذا كان السؤال الوحيد. بقية الأسئلة أعلم إجابتها. بـ المناسبة تبدو جميلاً. أجميع الرجال الشرقيون بهذا الجمال. بشرة خمرية. وعينين خصراوتين. ولحية وشعر بني اللون. هذا رائع. ظننتك أجنبيًا ولست شرقيًا. جعفر ببرود: نعم نحن كذلك. أي أسئلة أخرى؟ ركضت ليان إلى جعفر قائلة: ها أنت ذا. أنا أبحث عنك أبي. نظر إليها جعفر ومعه زاكش وكين ليضمها جعفر قائلاً: ماذا هناك؟ ليان: أُريد تبديل ثيابي رجاءً. حرك جعفر رأسه برفق وقال:
حسنًا. هيا بنا. نظر إلى زاكش الذي كان ينظر إلى صغيرته نظرة ليست مطمئنة البتة، بينما نظرت إليه ليان كذلك وتذكرته ولذلك انكمشت خوفًا. حمل جعفر صغيرته ونظر إلى زاكش نظرة تحذيرية ثم تركهم وذهب عائدًا إلى المنزل. نظر كين إليه قليلاً ثم عاد ينظر إلى زاكش الذي كان ينظر إليه. دلف جعفر إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه وأنزل صغيرته قائلاً: هيا اذهبي إلى المرحاض حتى أُخرج لكِ ثيابًا نظيفة وأُعطيها لكِ.
لبت الصغيرة طلبه بالفعل وذهبت إلى المرحاض وأغلقت الباب خلفها، بينما اتجه هو إلى خزانة الملابس وأخرج إليها ملابس نظيفة ثم وضعها على الفراش وأغلقها جعفر مرة أخرى وجلس على الفراش بهدوء. شرد جعفر وهو يفكر ماذا سيفعل. أيعود إلى موطنه مرة أخرى وإلى عائلته أم ينتظر مثلما أخبره كين؟ بات حائرًا للغاية لا يعلم الصواب من الخطأ.
زفر جعفر وأخرج هاتفه ونظر إلى صورة بيلا التي باتت تلازم شاشة هاتفه منذ أن رحل. كلما فتح الهاتف يراها ويبتسم حينها. زفر بضيق حتى فقد الاتصال بها. لا يعلم إن كانت بخير أم لا، فهي الآن في شهرها الرابع وباتت الأيام تمر سريعًا وهو حتى الآن ليس برفقاتها. عدة طرقات على باب الغرفة أخرجته من دوامته اللامتناهية تلك. نظر إليه وقال: أُدلف. دَلفت إيميلي لينهض هو بهدوء ينظر إليها. وقفت إيميلي تنظر إليه قائلة بتساؤل:
كيف الحال جعفر؟ أجابها جعفر بهدوء وقال: بخير. إيميلي بهدوء: أعلم أن عقلك منشغل الآن في بيلا وتود الاطمئنان عليها. زفر جعفر بهدوء ولم يتحدث لتقول هي: أنا سأساعدك كي تطمئن عليها. نظر إليها مرة أخرى وقال: حقًا؟ حركت رأسها برفق وقالت: نعم. تعال معي سأجعلك تطمئن عليها وتسمع صوتها أيضًا. *** نظروا إلى الطبيبة التي خرجت من الغرفة ليقول أكرم بتساؤل: خير يا دكتورة طمنيني؟ نظرت إليهم الطبيبة وقالت بتساؤل: هي في حاجة مزعلاها؟
نظر أكرم إلى بشير الذي نظر إليه كذلك ثم نظر إلى الطبيبة وقال: آه هي بقالها فترة على طول زعلانة وساعات بتقعد تعيط بالساعات بدون سبب. الطبيبة: في سبب معين ولا بتكون لوحدها؟ أجابها أكرم هذه المرة وقال: لا. الفترة دي بسبب إن جوزها وبنتها مسافرين وكدا فـ الغـ ـربة وكدا خلتهم ميعرفوش يتكلموا مع بعض زي الأول. حركت الطبيبة رأسها بتفهم ثم قالت:
تمام. عاوزين نحاول نحسن النفسية شوية. حاولوا تتواصلوا بيه وتخـ ـليها تكلمه. هيفرق أوي معاها لأن حالتها النفسية مش أحسن حاجة وإحنا دلوقتي في الشهر الرابع وكل شهر بيختلف عن غيره. عايزين نظبط الدنيا شوية دا مـ ـن الناحية النفسية. أما بقى مـ ـن الناحية الغذائية لازم تتغذى كويس. واضح أوي إنها أهملت في نظام الغذا بتاعها ودا مش حلو في فترة زي دي. ياريت نحاول معاها تجنبًا لأي أعراض جانبية. حرك أكرم رأسه بتفهم وقال:
شكرًا يا دكتورة. تركتهم الطبيبة وذهبت، بينما نظر بشير إلى أكرم الذي نظر إليه وقال بتساؤل: أختك مهـ ـملة في أكلها وانت بتكدب عليا وتقولي بتاكل وزي الفل؟ بشير بهدوء: هي اللي قالت لي أقولك كدا وقالت لي لو عرفتك حاجة هتقـ ـطع كلام معايا طول العمر. أكرم: وانت صدقتها؟ يا بشير اللي عملته غلط بتطاوعها في الغـ ـلط عشان تهديد أهبل مش هيحصل. دي جواها روح هتتحاسب عليها انت وهي. أفهم دا كويس. جعفر لو عرف هيبـ ـهدلك قبلها.
رمزي: الحمد لله إننا عرفنا. المهم دلوقتي هتعملوا إيه؟ زفر أكرم وقال بحيرة: هعمل إيه. هوصله إزاي دلوقتي أنا مش عارف. بشير بهدوء: أنا هدخل أتطمن عليها. تركهم بشير ودلف إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه، بينما نظر رمزي إلى أثره ثم عاد ينظر إلى أكرم الذي استند على الجدار يفكر كيف سيصل إلى جعفر. ربت رمزي على كتفه برفق وقال: سيبها على الله وهتتحل. وقف بشير أمام فراشها وهو ينظر إليها نظرة مليئة بالعتاب واللوم. نظرت إليه بيلا وهي
تعقد ما بين حاجبيها وقالت: في إيه بتبص لي كدا ليه؟ دام الصمت بينهما قليلاً فيهما كانت نظرات بشير إليها تتحدث عن الكثير والكثير. ازدادت تعجب بيلا التي قالت: في إيه يا بشير؟ أجابها بشير بهدوء وقال بتساؤل: ليه بتعملي في نفسك كدا؟ لم تتحدث بيلا ونظرت إلى الجهة الأخرى، بينما تحدث هو وقال: بتخليني أساعدك تأذي نفسك عن طريق تهديدك ليا؟ ليه يا بيلا. ليه بتعملي في نفسك وفي ابنك كدا؟
ليه تخليني أساعدك على أذيتك وأذية طفل ملهوش ذنب؟ أدمعت عينين بيلا ولم تتحدث، ليقول بشير: إحنا لو عارفين نوصله هنوصله بس إحنا فقدنا الاتصال بيه. نعمل إيه؟ أنا وأكرم حاولنا كتير وفشلنا وبقينا ناخد بالنا مـ ـنك. جعفر لو عرف اللي بتعمليه دا هيبـ ـهدل الدنيا وأنا قبلك عشان طاوعتك في الغـ ـلط. المفروض مكنتش صدقتك بس انتِ استغـ ـليتي طيبة قلبي ليكي. نظرت إليه بيلا وسقطت دموعها لتبلع غصتها قائلة وهي تحاول التماسك:
أنا مستـ ـغلتكش يا بشير. أنا فعلًا مكنتش عايزة حد يعرف. أنا حاسة إني لوحدي. انتَ عارف جعفر إيه بـ النسبالي هو وليان. أنا مش بإيدي يا بشير صدقني. أنا محتاجاه جنبي بجد. الموضوع صعب أوي وواجعني يا بشير، شهرين معرفش عنهم حاجة، انت متخيل؟ عايزني أبقى عاملة إزاي بقى.
نظر بشير إلى الجهة الأخرى ومسح عينيه، وهو حقاً بات يشعر بالعجز. لا يعلم كيف يداوي جروحها ويعوضها عن مكان جعفر، فهو يعلم أنه مهما فعل لن يأتي شيئاً في مكانة جعفر. نظر إليها مرة أخرى ثم اقترب منها ومال بجذعه نحوها وطبع قبلة على جبينها، ثم مسح دموعها بحنان وقال: حقك عليا، بس أنا والله العظيم خايف عليكي، مش عاجبني اللي بتعمليه دا يا بيلا. ضمها إلى أحضانه
ومسد على ظهرها بحنان وقال: أوعديني يا بيلا تاخدي بالك من نفسك ومن الطفل… عشان خاطري يا بيلا لو بتحبيني متعمليش كدا تاني، جعفر مش هيفرح لما يلاقيكي كدا أكيد. ابتعد عنها قليلاً ونظر إليها وقال: توعديني صح؟ نظرت إليه وحركت رأسها برفق وقالت: أوعدك.
ابتسم بشير وطبع قبلة أخرى على جبينها ومسد على خصلاتها برفق. دلف أكرم في هذه اللحظة وخلفه رمزي الذي أغلق الباب خلفه. تقدم أكرم من الفراش ووقف ينظر إليها قائلاً: واضح إن بشير قعد يقطم فيكي صح، عشان أنا أديته كلمتين برا فوقوه، ويكون في علمك يا بيلا لو دا اتكرر مرة تانية صدقيني أنا اللي هتعامل وقتها وهتزعلي مني.
نظر إليه بشير ووكزه في ذراعه قائلاً: خلاص بقى متنكدش على أبونا أكتر ما إحنا متنكدين… هي وعدتني خلاص وأنا عارف إن بيلا لما بتوعد بتوفي بوعدها. رمزي: سلامتك يا مرات الغالي، خضيتنا عليكي. ياريت تهتمي بصحتك أكتر من كدا، الروح اللي جواكي ملهاش ذنب، والأكل ملهوش علاقة بالزعل، لو لقدر الله حصاله حاجة هتتحاسبي عليه. نظر إليه أكرم وقال: هي خلاص وعدت، أما نشوف هتوفي فعلاً ولا لا. ***
كان جعفر جالسًا على الفراش بجانب صغيرته النائمة، وكان الظلام يحوم الغرفة فيما عدا ضوء القمر الذي كان ضوءه ينبعث من باب الشرفة الزجاجي. نظر إلى الهاتف الذي أعطته إليه إيميلي، ثم كتب رقم بيلا عليه بهدوء. رفع رأسه ونظر إلى ساعة الحائط ليراها الخامسة صباحاً. نظر إلى الهاتف مرة أخرى وقال بداخله: الفرق تقريباً ست ساعات، يعني الساعة في مصر دلوقتي حداشر بليل، أكيد بيلا هتكون صاحية.
نظر إلى الهاتف وضغط على زر الاتصال، ثم وضع الهاتف على أذنه ووضع هاتفه على الفراش وانتظر حتى تجيبه بيلا. بينما على الجهة الأخرى، كانت بيلا تستعد للنوم بعدما تناولت الطعام وشعرت بالنعاس. استلقت على الفراش بهدوء ووضعت الغطاء الخفيف على جسدها، وقبل أن تستلقي عليه بشكل كامل سمعت رنين هاتفها يصدح في المكان. نظرت إليه بيلا وأخذته لترى المتصل رقماً دولياً. أجابت بالفعل ووضعت الهاتف على أذنها وقالت بنبرة هادئة: الو.
أغمض عينيه عندما سمع صوتها الذي اشتاق إليه كثيراً. لا يعلم لم تسارعت دقات قلبه عالياً هكذا، ولكنه يبدو لأنه اشتاق إليه كثيراً. شعر بالعديد من المشاعر المفرطة، جميعهم يشيرون إلى الشوق والحنين إليها. بينما عقدت بيلا حاجبيها عندما لم تتلقى الرد، ولكنه قبل أن تغلق سمعت صوته الملهوف والمليء بالشوق إليها يتحدث قائلاً: وحشتيني أوي.
توقف الزمن وتوقف كل شيء حولها. شعرت بالصدمة القوية التي ألجمتها وجعلتها لا تستطيع استيعاب ما سمعته. أهذه مجرد أوهام لأنها تشتاق إليه وتريد سماع صوته دوماً، أم أنها حقيقة وهو يحدثها بالفعل؟ أدمعت عينيها عندما سمعته يقول: وحشتيني يا بيلا… وحشتيني. لا يعلم لم يرددها هكذا، ولكنه يبدو لأنه حقاً كذلك. أم أن الكلمات قد هربت منه؟ أم أنها الكلمة الوحيدة التي تعبر عما بداخله نحوها؟
لا يعلم السبب الرئيسي، ولكنه لا يهتم الآن سوى بها. اعتدلت بيلا في جلستها وهي مازالت لا تستوعب ما يحدث. تحدثت بنبرة هادئة مترقبة: جعفر. ابتسم جعفر على الجهة المقابلة وقال: وحشتيني أوي يا بيلا. سقطت دموعها وقالت بعدم تصديق: وانت كمان وحشتني أوي يا جعفر… وحشتني فوق ما تتخيل، أنا مش قادرة أصدق… حاسة إني بحلم. تحشرجت نبرة صوتها وسقطت دموعها
لتسقط دموعه كذلك ويقول: أنا مش عارف أقول غيرها بجد يا بيلا… حاسس إن الكلام اللي كنت عايز أقولهولك هرب كله أول ما سمعت صوتك… أنا حاولت أوصلك كتير أوي، أنا عملت المستحيل عشانك يا بيلا… طمنيني عليكي يا بيلا، قوليلي انت كويسة وإيه اللي حصل، احكيلي، أنا مشتاق أسمع والله. سقطت دموعها وقالت: طمني الأول عليك، انت كويس وليان كويسة، طمني يا جعفر عليكوا.
طمئنها قائلاً: إحنا كويسين الحمد لله، متخافيش، إحنا زي الفل. المهم انت، أنا بالي مشغول بيكي على طول ومش قادر أهدى غير أما أتطمن عليكي. تحدثت بيلا وقالت بنبرة باكية: مش كويسة من غيرك يا جعفر… مش عارفة أتأقلم على الوضع دا، أنا محتاجك جنبي يا جعفر، أنا بجد في أمس الحاجة ليك… عشان خاطري ارجع. همست بالأخيرة
برجاء شديد لتسمعه يقول: صدقيني يا بيلا أنا نفسي أرجع تاني فعلاً، بس كل ما آخد القرار أرجع فيه تاني هما كمان محتاجيني هنا، وأنا بين نارين مش عارف أعمل إيه ولا عارف آخد قرار صح. بيلا: مش مهم هما يا جعفر. جعفر: وليان يا بيلا. سقطت دموعها مجدداً ووضعت يدها على جبينها بضيق شديد وهي تزفر ليقول هو: لو عليا أنا عايز أرجع عشانك والله، بس أنا مش عارف أعمل إيه، مضايق أوي عشان مش عارف آخد قرار لحد دلوقتي.
مسحت دموعها وقالت: خليك يا جعفر عندك، متجيش أنا زي الفل، مفيش حاجة. جعفر: طب فكك من كل دا دلوقتي وطمنيني عليكي… يعني إيه اللي حصل في غيابي، بتتابعي مع الدكتورة ولا لأ؟ قصت عليه بيلا ما حدث منذ أن رحل حتى هذا اليوم، بينما كان هو يستمع إليها حتى أوقفها عن الحديث فجأة وهو يعقد ما بين حاجبيه قائلاً: فتحي جالكوا!!!!! حركت
بيلا رأسها برفق وهي تقول: أيوه جه بعد ما انت مشيت، في اليوم اللي بشير طلب توزيع الورث من أول وجديد وطلب الصلح، بس أكرم مشاه وحذره إنه ميقربش مننا تاني. تحدث جعفر باستنكار وعدم استيعاب قائلاً: بس السؤال اللي لسه مخدتش إجابته، ليه دلوقتي… اشمعنى لما أنا مشيت، ليه مجاش وأنا موجود… بيلا انت متأكدة إنه جاي في صلح؟
بيلا: دا اللي قاله وقتها، أكرم مشاه وحذره ميجيش إلا في وجودك وطلب الصلح منك انت… بس حكاية ليه مجاش وانت موجود دا برضوا مش عارفه إجابته… مبقتش فاهمه حاجة بجد.
جعفر: خلي أكرم ياخد حذره ومتخليش بشير يسيبك لحظة واحدة، فتحي مهما كان ملهوش أمان، بيني وبينه مصانع الحداد مش من أول مرة هديه الأمان، فتحي عمره ما هيطلب الصلح غير ووراه حاجة عايز ينفذها، ومعنى إنه جالكوا بعد ما أنا مشيت إنه مكانش هيعرف يعملها وأنا موجود، وعشان كدا عايزكوا تاخدوا بالكم على قد ما تقدروا. بيلا بهدوء وقلة حيلة: والله يا جعفر مبقتش عارفة حاجة والموضوع قالقني أوي.
جعفر: أنا هتصرف وهحاول أرجع، أنا بقالي فترة قلقان عليكوا. بيلا برفض: لا يا جعفر خليك، أنا الأهم عندي ليان، أنا طمنتك أهو، قلقان ليه بقى. زفر جعفر ومسح على وجهه قائلاً: هشوف الدنيا فيها إيه هنا وبناءً عليها هتصرف… المهم تاخدوا بالكوا من بعض وتاخدي بالك من نفسك يا بيلا… اتفقنا. ابتسمت بيلا بخفة وقالت: اتفقنا… أومال ليان مش معاك ولا إيه؟
أجابها وهو ينظر إلى صغيرته قائلاً: ليان نايمة دلوقتي… الساعة هنا خمسة الصبح… هبقى أخليها تكلمك، مبطلتش سؤال عنك. ابتسمت بيلا وقالت: سلميلي عليها وخلوا بالكوا من بعض… متنسانيش. ابتسم جعفر وقال: أنا أنسى الدنيا كلها ب اللي فيها ومنساكيش يا بيلا. مسحت بيلا دموعها التي سقطت مرة أخرى وقالت: خلاص بقى يا جعفر هتخليني أعيط تاني.
ضحك جعفر بخفة وقال: خلاص يا ستي حقك عليا، مش هخليكي تعيطي تاني… هترجعي توحشيني تاني، أنا مش عايز أنهي المكالمة بجد. أجابته بيلا بابتسامة قائلة: ولا أنا صدقني… خلي بالك من نفسك ومن ليان وبوسهالي لحد ما أشوفها تاني. ابتسم جعفر وقال: من عيوني يا حبيبتي… سلامي ليكي مؤقتاً لحد ما أشوفك قريب.
أنهى جعفر مكالمته لها وهو مبتسماً ليزفر بهدوء وراحة بعدما اطمئن عليها وسمع صوتها مرة أخرى. وضع الهاتف جانباً ثم استلقى بجانب صغيرته وضمه إلى أحضانه. بينما على الجهة الأخرى، وضعت بيلا هاتفها مكانه ثم استلقت بهدوء على فراشها ويبدو أنها ستنام الليلة وهي سعيدة لسماع صوته مجدداً. *** "يلا يا ولاد عشان تفطروا… يلا يا لؤي." خرج لؤي من الغرفة واقترب من طاولة الطعام وجلس بهدوء. نظرت فاطمة إلى كامل ونورسين
اللذان جلسا لتقول هي: مالكوا انتوا الاتنين ضاربين بوز كدا ليه، دا إحنا لسه بنقول حتى يا فتاح يا عليم. نظر لؤي إليها وقال: منصف متصلش. نظرت إليه بعدما جلست قائلة: جه نده عليك تحت وقولتله إنك نايم. مسح لؤي على وجهه وشرد، لتنظر فاطمة إلى صغيريها قائلة: أفطروا يلا. نظرت إلى لؤي الذي بات يشرد كثيراً هذه المدة لتقول: في إيه يا لؤي، مالك ساكت كدا ليه وسرحان؟ إفطر. نظر إليها لؤي قليلاً ثم قال: مليش نفس.
تركهم ونهض عائداً إلى غرفته تحت نظراتها التي كانت تتابعه. وقف لؤي وأخذ ثيابه بهدوء وبدأ بارتدائها. دلفت فاطمة خلفه تنظر إليه قائلة: في إيه يا لؤي، ما تقعد تفطر بره. أجابها لؤي قائلاً: قولتلك يا فاطمة مليش نفس، متزنيش كتير بقى. ارتدى قميصه ثم أخذ أغراضه وخرج. التفتت فاطمة تنظر إليه بينما جلس لؤي كي يرتدي حذائه. خرجت فاطمة وقالت: يا ابني في إيه. نهض لؤي ونظر إلى صغيريه وقال: كلوا يا حبايبي، أنا فطرت قبلكوا.
أنهى حديثه وخرج لِتَنظر فاطمة إلى أثره وهي لا تفهم ماذا حدث إليه في يوم وليلة. بينما خرج لؤي من البناية واتجه إلى القهوة حيث يجلس منصف رفقة رمزي وأكرم. جذب مقعداً وجلس أمامهم ونظر إليهم نظرة ذات معنى وقال: في إيه. أجابه أكرم قائلاً: بقالنا شهرين منعرفش حاجة عن جعفر وبدأنا نقلق عليه. زفر لؤي وقال بضيق: متفكرنيش يا أكرم، أنا مضايق لوحدي. منصف: دلوقتي حصل حوار لازم نتصرف فيه بعيداً عن موضوع جعفر.
نظر إليه لؤي وقال: موضوع إيه دا. نظر إليهم منصف وقال: دلوقتي فتحي بقاله فترة مش على بعضه وحركاته دي قلقتني، خصوصاً إنه مركز على عمارة جعفر وطبعاً شقته وشقة أخوه فوقيه واللي فيها حريمه بس. أكرم بترقب: قصدك إيه يعني… لا ما هو لو دا اللي في دماغه أنا هقلبها دم. منصف: مش عارف، بس أنا بقولك اللي أنا شايفه بقالي فترة… خلي بالك من أخواتك يا أكرم.
زفر أكرم ونظر إلى محل فتحي وهو يفكر في حديث منصف الذي جعله يشعر بالقلق. تحدث رمزي قائلاً: طب حسن مجاش ليه. أجابه منصف قائلاً: حسن عنده شغل دلوقتي. نظر لؤي إلى أكرم الذي كان يفكر، بينما تحدث رمزي بتساؤل وقال: بشير أخوك فين دلوقتي؟ نظر إليه أكرم وقال: فوق مع بيلا. لؤي: لأول مرة أحس إني مليش نفس لأي حاجة. ربت رمزي على فخذه وقال: فوق يا لؤي… فوق يا صاحبي. نظر منصف إلى فتحي الذي كان يمسك بنورسين ويصرخ بها
ومن ثم قام بضربها ليقول: إلحق بنتك يا لؤي. التفت لؤي ينظر إلى ما ينظر إليه منصف ليرى فتحي يضرب صغيرته. تملكت شيطنة منه في هذه اللحظة لينتهض سريعاً ويتقدم منه بخطوات سريعة. بينما خرجت فاطمة في هذه اللحظة من البناية وهي تنتوي رد الصاع صاعين. لكمه لؤي بعنف أسقطه أرضاً، بينما ضمت فاطمة صغيرتها إلى أحضانها وهي تتفحصها لترى بعض الجروح تعتلي ذراعها. وعندما رأى لؤي هذا جن جنونه لينتهض سريعاً ويقوم بإخراج غضبه وجنونه به.
اقترب منه منصف سريعاً وهو يحاول إبعاده عنه لأنه يعلم أن جنون لؤي سيطيح به إلى المهاوي، ولكنه هيهات فقد أخرج فتحي الوحش المقيد بداخله ليطيح به بعيداً. تقدم رمزي وهو يحاول السيطرة على لؤي بمساعدة منصف، فلؤي كان ينتظر أن يخطئ أحد ما وها هي تحققت أمامه. صرخ بهما لؤي وهو يحاول إبعادهما عنه قائلاً: أوعوا، أقسم بالله ما هسيبه، كله إلا ولادي… أوعى يا رمزي، سيبني يا منصف.
لم يستمع إليه كلاهما ليُسيطر غضبه عليه أكثر ويقوم بالإفلات منهما هاجماً على فتحي مرة أخرى وهو يقسم على عدم تركه. تدخل أكرم وبشير وهما يبعدان لؤي عن فتحي بالقوة ليساعدهما رمزي ومنصف الذي صرخ به حتى يتوقف عن ما يفعله ويستفيق من نوبة جنونه تلك.
في وسط هذا العراك الحاد والعنيف تسلل ڤيكتور بين الناس حتى وقف أمام لؤي الذي كان يصرخ بهم بغضب شديد، يكاد أصدقائه يقسمون أنه سيصاب بذبحة صدرية. وضع ڤيكتور يده على رأسه وهو ينظر إليه قائلاً بنبرة صارمة: اهدأ. نظر إلى منصف الذي كان ينظر إليه بهدوء وأشار إليه بعينيه أمراً إياه بسحب لؤي بعيداً بعدما هدأت حركته وكأنه مغيباً نوعاً ما عن العالم، فقط ينظر إليه بوهن وهو يلهث بعنف.
سحبه منصف رفقة رمزي إلى بنايته، بينما نظر ڤيكتور إلى القابع أرضاً وقال بسخط: عدم الكرامة. دلف إليهم وأغلق الباب خلفه وهو ينظر إليهم بهدوء، بينما كانوا هم ينظرون إليه كذلك بهدوء. عقد ڤيكتور ذراعيه أمام صدره وقال: لقد أرسلني جعفر إليكم لأنه يعلم أن ثمة واحداً منكم سيتـ ـهور ويجلب المصائب إليه ولـ ـمن حوله، وقد كان حدثه صادقاً. ***
كانت سيهار تقف في مكان يسوده الظلام أسفل الضوء الخافت المنبعث من أحد الأعمدة الكهربائية وهي تنظر في وجهة محددة بعينيها الحمراء وبشرتها الشاحبة. لتظهر على الجهة الأخرى قريبتها "أمارا" والتي كانت تنظر إليها بابتسامة جانبية خبيثة. اشتدت الرياح حولهما لِتَتحدث سيهار وهي تنظر إليها قائلة: مرحباً أمارا… سعدت برؤيتك مرة أخرى. تحدثت أمارا
على الجهة المقابلة قائلة: سعدت أكثر سيهار… أتذكر أنني قمت بتحذيرك من قبل أن تنتبهي ولا تزعجيني، ولكني حقاً أتحدث مع حمقاء… صحيح كيف حال ڤيڤك؟ أأمل أن تكون قصة الحب تلك رائعة كما أتخيلها… ڤيڤك وسيم حقاً وبات يقتحم عقلي مؤخراً. هاجمتها سيهار بعدما استيقظت شياطينها ودفت أمارا بعنف وقوة والتي اصطدمت بالجدار بعنف. وفي لمح البصر كانت أمارا تقف أمامها تنظر إليها بابتسامة جانبية قائلة: أنظروا من تغار.
هاجمتها مجدداً سيهار لتكون أمارا أسفل قبضتها. تحدثت سيهار وهي تصك على أسنانها وتشدد من قبضتها قائلة: إن تحدثت مرة أخرى عنه سأقتلك أمارا، أتفهمين. تحدثت أمارا قائلة بابتسامة مستفزة: تمهلي يا امرأة، أنا فقط أثير غضبك لا أكثر. لحظات وتركتها سيهار وهي تنظر إليها بضيق لِتَبتسم
أمارا قائلة: لم أكن أعلم أنك تحبين ڤيڤك إلى هذا الحد، ولكنه حسناً، عندما أصبح حزينة أو غاضبة سآتي وأثير غضبك مثلما فعلت الآن حتى تروق حالتي المزاجية. جلست أمارا على الصخرة الكبيرة بعض الشيء وهي تنظر إلى سيهار التي كانت تقف مكانها تنظر إليها بهدوء. اشتدت الرياح أكثر لِتَشعر سيهار بأن هناك شيئاً ما سيحدث.
نظرت إلى أمارا التي نظرت خلفها لِتلتفت هي الأخرى بهدوء وحذر وهي تبعد خصلاتها عن وجهها لِتَرى عدة كلمات مكتوبة على جذع الشجرة الكبيرة أمامها. تقدمت سيهار نحوها بهدوء شديد وهي تنظر إليها تحت نظرات أمارا التي كانت تنظر إليها. وقفت سيهار تنظر إلى الشجرة قليلاً ثم مدت يدها كي تلامسها، دفعتها أمارا بعيداً وهي تصرخ بها قائلة: انتبهي سيهار. *** إن كان الهرب مميتاً في هذه اللحظات فمرحباً به.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!