الفصل 85 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
17
كلمة
7,229
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

لكـم "مؤمن" الصبي ليتفاجأ بالذي يقوم بغرز مدْيته في ذراعه من الخلف في لحظة غدر غير متوقعة. لتعلُ صرخاته المتألمة، وعلى أثرها التفت إليه كلٌّ من "جعفر" و"جاد". تفاجأ "جاد" وهو يرى المدْية تغرز بعنف في ذراع أخيه. تحرك "جعفر" سريعًا، لكم الآخر بعنف يسقطه أرضًا، ثم أخرج مدْيته هو الآخر وقام بغرزها في سا... صاح الآخر متألماً ليأخذ بثأر الآخر لابن عمه.

أخرجها جعفر وقام بغرزها مرة أخرى في ذراعه مثلما فعل مع ابن عمه. ألتفت إليه ليقوم بإخراج المدية من ذراع ابن عمه الذي كان يضغط على ذراعه يحاول كتم تلك الدماء التي كانت تسيل بغزارة من ذراعه. جلس أمامه القرنفصاء يتفحص ذراعه بتلهف. "أنت كويس؟ حاسس بإيه؟ نروح للدكتور؟ " هكذا تحدث جعفر وهو يسأله بتلهف وخوف واضح. ليبتسم إليه الآخر ويطمئنه بقوله: "مفيش حاجة متقلقش، أنا كويس، فداك."

ضمه جعفر إلى أحضانه وهو يشدد من احتضانه إليه وكأنه يشكره على ما فعله لأجله. ليربت الآخر على ظهره مبتسم الوجه. ابتعد عنه جعفر وقبل أن يتحدث كان مؤمن يصرخ به ويدفعه بعيداً حينما رأى هذا المدعو عصفورة يقترب منهما وبيده سكين حاد ينتوي على إنهاء حياة الآخر تماماً بعد أن طفح به الكيل في لحظة تغيب العقل عن الواقع. سقط بالسكين التي كانت تعلم طريقها جيداً ليتفاجأ الآخر بيد قوية تمسك بيده تلك تمنعه عن إكمال ما ينتوي عليه. نظر عصفورة إلى صاحب تلك اليد القوية ليراه جاد الذي خشي كثيراً على أخيه وفوراً كان يدافع عنه.

وضعت شاهي كفها على صدرها وهي تنظر إلى ولدها الحبيب والخوف يأكل فؤادها وينهش به دون رحمة. فهي ليست مستعدة لخسارته مرة أخرى. يكفي تلك السنوات التي مضت وهي وحيدة تسير في الشوارع والأزقة تبحث عنه وعن صغيرتها حتى استسلمت إلى الواقع المرير وجلست على إحدى الأرصفة تبكي وتنتحب على فقدان زوجها وولديها. دومًا تتساءل لم قاموا بإنقاذها؟

لم لم يتركوها تموت وتلحق زوجها حينها. ولكن اليوم تلقت الإجابة التي كانت واضحة إليها وضوح الشمس. ولكنها الآن تشاهد حبيبها يضرب ويضرب ويقف في ساحة حرب. فرضت عليه ليبدأ في رفع سيفه ومحاربة أعدائه.

دفع جاد عصفورة بعد أن سدد إليه لكمة قوية في وجهه وقام بضرب ذراعه الحامل للسكين التي سقطت بجوار أخيه. توقف جعفر في منتصف تلك الساحة التي نشأت بها المعركة الطاحنة تلك بعد أن سدد منصف لكمة قوية إلى إحدى رجال الآخر الذي نهض يقف في مواجهة جعفر. مد جاد كفه إلى أخيه الذي تشبث به بذراعه السليم ونهض ممسكاً بذراعه المصاب متألماً. دام الصمت المكان بشكل مرعب ولكن حرب المقل قائمة.

نظر راضي إلى ابن شقيقه الراحل ليرى أخيرًا لا يعلمه. الوجه الجديد ظهر إليهم مبكراً وبشدة يعلنهم أنه ليس من السهل خداعه أو ترك حقه المسلوب من براثين العدو. الترقيات من الجميع لرؤية ما سيفعله سيد حارتهم بهذا العصفورة الذي أصبح متمادياً وبشدة مع الجميع. خرج في هذه اللحظة فتحي ينظر إلى الجميع ومن بينهم جعفر الذي نظر إليه نظرة قاتلة بعد أن رآه يخرج من داخل محل عصفورة ليفهم ما يدور سريعاً حوله من مؤامرات خبيثة وهمهمات سامة.

"كنت عارف إنك عيل واطي وزبالة بتموت على الجنيه، عيل ميعرفش يعني إيه رجولة. اتفقت معاه عليا وفاكر نفسك بتخدعني بوش البراءة التعبان دا. فوق يا فـتحي اللي مربي قرد عارف تمامه. يا ترى بقى اتفقتوا على إيه عشان أشوف تفكيركم اتطور ولا لسه خايبين؟ فاكرني هصفالك يا توحة بعد العداوة دي كلها؟

طب تيجي مني إزاي دي دا حتى تبقى عيبة في حقك يا جزار. اللي عاوز يعمل فيها المعلم ياض مبيمسكش السكينة بالمنظر الخايب دا. أبقى خلي حسن يعلمك أصول مسكتها على حق وأبقى تعالى أرفعها عليا حلو. داهية فيكم وفي أشكالك. وربنا المعبود ما هتعدي وأبقى تعالى بوس رجلي يا حيلتها عشان أصفالك. كدا أنا خدت حق اللي مني والصاع اترد صاعين. لو أبو الشهامة والجلالة خدتك أبقى تعالى خد حقك مني يا نينو عين ماما. بس متنساش تخبط الأول يمكن أكون قاعد واخد راحتي. تمام يا مهزق؟

أنهى جعفر حديثه وهو يدفع الآخر الذي كان ينظر إليه دون أن يتحدث بعد أن كان ممسكاً بتلابيبه. رمقه جعفر باحتقار ومعه فتحي الذي ابتلع غصته بهدوء شديد خصيصاً بعدما قام جعفر بكشف حقيقته. ألتفت جعفر إلى عائلته وأصدقائه ليقترب من أولاد عمه وعمه حتى وقف أمامهم وقال بنبرة هادئة: "اسبقوني على فوق وأنا هحصلكم. يلا يا مؤمن وأنا هجيبلك دكتورة دلوقتي تشوفلك دراعك."

"يوسف." نطق بها عمه راضي بعد رأى نظرات الآخرين إلى ابن شقيقه وبدأ الخوف بادياً على معالم وجهه إلى جعفر الذي ابتسم إليه ثم مد كفه وربت على ذراعه برفق مبتسماً إليه بعد أن رأى خوف عمه إليه ليطمئنه بنظراته دون أن يتحدث. نظر راضي إلى ولديه وأشار لهما وتحرك متجهاً إلى البناية ليقوم مؤمن باللحاق به دون أن يتحدث وظل جاد مكانه واقفاً دون أن يتحرك انشاً واحداً وهو ما زال ينظر إلى ابن عمه الذي نظر إليه وتعجب من نظراته إليه.

"في إيه يا جاد مطلعتش معاهم ليه؟ " نطق بها جعفر متسائلاً دون أن يحيد بنظره بعيداً عن الآخر الذي داهمه بسؤاله حينما قال: "يوسف انت كويس بجد؟ يوسف أنا مش هسيبك لوحدك مهما حصل ومتقوليش حاجة عشان أنا عنيد ومش هقتنع بكلامك مهما حصل." "جاد مش هينفع. أطلع يلا وأنا هحصلك." نطق بها جعفر بعد أن أولاه ظهره ليسمعه يعانده مرة أخرى حينما قال: "أقسم بالله ما هطلع غير وانت معايا غير كدا لا."

زفر جعفر بيأس واضح بعد أن رأى طريقة إقناعه باتت مستحيلة بالنسبة إليه ليتركه يفعل ما يشاء ويعاود النظر إلى عدويه اللدودان اللذان كانا ينظران إليه دون أن يتحدث أياً منهما.

"يلا يا رجالة فضيناها سيرة. يلا كل واحد يروح يشوف مصالحه يلا." نطق بها جعفر بنبرة عالية وهو يدعو الجميع إلى الذهاب بعد أن انتهت المشاجرة بالنسبة إليه. ولكنها ليست كذلك بالنسبة إلى فتحي الذي كان يخدع جعفر طوال هذه الفترة وكذلك عصفورة الذي لم تهدأ نيرانه حتى الآن تجاه هذا العائق الذي يقف دوماً في طريقه.

أشار جعفر إلى أصدقائه كي يتحركوا وتحرك هو بعدما حاوط كتفي جاد بذراعه متجهاً إلى منزله. شعر عصفورة بالغضب يتأكله والنيران تنهش في فؤاده ليقوم بإخراج مديه مرة أخرى وركض نحوه وهو ينتوي على الغدر كعادته. صرخت شاهي باسم ولدها بهلع حينما رأت الآخر يقترب منه ينتوي إنهاء حياة الآخر وهذه المرة المدية تعلم طريقها جيداً. "حاسب يا يوسف."

ألتفت جاد ومعه جعفر إليه ليقوم جاد بإمساك ذراع الآخر قبل أن يمتد ويؤذي ابن عمه. نظر إليه جعفر وشعر بالنيران تنهش فؤاده ليقوم بلكم الآخر بقوة مخرجاً كم غضبه الكامن داخله في لکمته العنيفة التي تلقاها عصفورة منه. وقبل أن تشتعل الأجواء مرة أخرى تدخلت شباب الحارة يمنعون جعفر من التقدم منه وإكمال وصلة ضرباته إليه في محاولة منهم لاحتواء غضبه حتى لا يزداد الوضع سوءاً.

وبالفعل استمع إليهم جعفر ليتحرك مرة أخرى نحو بنايته رفقة ابن عمه مغلقاً الباب خلفه. أطمئنت شاهي أنه قد ولج إلى داخل البناية لتلج هي أيضاً رفقة بيلا تنتظر ولوج ولدها الذي لم يأخذ الكثير من الوقت وكان يلج رفقة ابن عمه إلى داخل شقته مغلقاً الباب خلفه. هرعت إليه شاهي تطمئن عليه والعبرات تلتمع داخل مقلتيها بعد أن شعرت أنها ستفقده مرة أخرى مثلما حدث من قبل.

حاوطها جعفر بذراعيه ضاماً إياها لدفء أحضانه ممسداً على ظهرها برفق وهو يحاول طمأنتها حينما شعر بها تتمسك به أكثر وتطلب منه عدم الابتعاد عنها مثل المرة السابقة. "متخافيش يا حبيبتي أنا كويس وزي الفل قدامك أهو مفيش حاجة حصلت." نطق بها جعفر بنبرة هادئة يحاول تهدئة والدته التي رفعت رأسها تنظر إليه بعد أن تساقطت عبراتها على صفحة وجهها تهتف في وجهه بنبرة حادة قائلة: "يعني إيه محصلش حاجة؟

ما كان هيحصل لولا ستر ربنا ورحمته عليا. أنا قولتلك إيه قبل كدا؟ مش قولتلك أنا قلبي اتحرق عليك انت واختك قبل كدا وبعدت عن حضني أربعة وعشرين سنة. اتحرمت من كل حاجة حتى حقي فيك أنا اتحرمت منه. ليه عايز توجع قلبي تاني؟

أنا أقسم بالله قلبي ما بقى قادر على وجع تاني. حرام عليك يا يوسف أنا مبقتش قادرة أتحمل فراق تاني والله. حرام عليك يا ابني كفاية أنا مصدقت لقيتك وبقيت في حضني. متدبحنيش المرة دي يا يوسف أبوس إيدك بالله عليك."

كانت في بداية حديثها تتحدث بنبرة حادة ولكن مع بداية تحدثها عن فراقه بدأ صوتها يضطرب ويميل إلى البكاء حتى انتهى بها الأمر وهي تبكي بقلة حيلة وضعف داخل أحضانه وخوفاً من فقدانه مرة أخرى. ألمه قلبه حينما رآها تبكي وتتوسله بعدم المجازفة وتركها وحيدة. والآن تتشبث به ترفض تركه وقد ألمها قلبها هذه المرة وبشدة.

ضمها إلى دفء أحضانه ومسد على ظهرها برفق شديد محاولاً تهدئتها قدر المستطاع. وقع بصره على عمه الذي كان حزيناً عليها وعلى ما وصلت إليه ثم نظر إليه يعاتبه عن طريق نظراته بسبب تهوراته التي باتت واضحة وبشدة أمام مرأى الجميع. زفر بعمق ثم قبل رأسها بحنو وأبعدها عنه ليبدأ يزيل عبراتها التي كانت تتساقط على صفحة وجهها بأصبعيه. قبل جبينها بقبلة حنونة ونظر إلى معالم وجهها الجميلة التي أحبها وبشدة ليعلم أن والده كان ذو ذوق رفيع.

"حقك على قلبي يا روح قلبي. آسف لو اتسببتلك في أي وجع. بس أنا والله واخد على كدا من زمان. يا حبيبتي أنا اتربيت هنا طول عمري وكبرت وسط الناس دي كلها واتعلمت منهم كتير أوي. أنا مش عايز أخوفك بس دا مش حاجة. اسألي بيلا وهي تقولك إيه اللي بيحصل وهي نفسها متعودة على كدا وتأقلمت على الوضع دا. أنا كدا من قبل حتى ما اتجوزها. الناس دي مبجيش معاهم يا حبيبتي غير السكة دي والأسلوب دا لو عشت ضعيف وسطهم هتنداس أقسم بالله. متخافيش عليا أنا بعرف أخد بالي من نفسي كويس خصوصاً لو في حد حلو وجامد زيك كدا يا جميل بيخاف عليا."

أنهى حديثه متغزلاً بها صراحة مبتسم الوجه وهو ينظر إليها يريد طمأنتها وإخبارها أنه بالفعل لا يخشاهم بل هذا شيء روتيني بالنسبة إليه. ابتسمت هي ابتسامة خفيفة ونظرت إليه لتقول بيأس واضح على معالم وجهها ونبرة صوتها: "حلوة إيه بس؟ انت راضي عن الكلام دا برضوا يا يوسف؟ "إيه عندك شك ولا إيه؟

أقسم بالله قمر وأي حد هيقول غير كدا هشرحه. جرى إيه يا شوشو هو الباشا مكانش يدلعك ولا إيه دا طلع ذوقه Perfecto بصراحة. وبعدين أنا هطلع لمين يعني مش ليه برضوا."

أنهى حديثه وهو يشير به إلى زوجته التي شعرت بالخجل لتواجد أفراد عائلته خصوصاً الرجال ولذلك أشاحت بنظرها بعيداً عنه بعد أن تدحرجت الحمرة وجهها. ضحكت شاهي أخيراً بغل بصوت وهي تنظر إلى ولدها بعد أن استطاع أن يجعلها تلين وتضحك لتتأمل معالم وجهه التي كانت جميعها والده الراحل وكأنه نسخة مصغرة منه هو. صدح رنين جرس المنزل الداخلي يعلنهم عن وصول زائر إليهم. توجه جعفر وفتحه ليرى كايلا أمامه. أفسح إليها الطريق لتلج هي وقد شعرت بالحرج لتواجد هؤلاء الغرباء عنها في منزل شقيقتها التي لم تخبرها عنهم شيئاً.

"أحب أعرفكم كايلا أخت بيلا التوأم. ودول يا كايلا أهلي. دي أمي ودا عمي راضي ودي مرات عمي وجيدة ودول ولاد عمي مؤمن ودي مراته نسمة ودول ولاده لسه معرفش أساميهم ودا جاد أخوه الصغير."

أنهى مهمة تعريفها عليهم وتعريفهم عليها مبتسماً لتبتسم هي برفق وترحب بهم بهدوء. ثم ذهبت إلى شقيقتها أسفل نظرات جاد الذي تصلب مكانه حينما رآها وقد فزع من تشابهها مع شقيقتها ليسأل نفسه كيف يستطيع ابن عمه التفريق بينهما بهذه السهولة. ولكنه لا ينكر أنه شعر بالانجذاب إليها. فعلى مدار تلك السنوات حتى الآن أصبح عمره ٢٦ سنة لم ينجذب لأي امرأة عداها هي.

ظل بؤبؤ عينيه طوال المجلس يتحرك معها وعقله ينجذب إلى تحركاتها وعفويتها في التحدث مع الآخرين وخصوصاً مع شقيقتها وابنة عمه. لقد قامت بسحره للتو هذا ما فكر فيه. فأصبح الأمر غير عادي بالنسبة إليه أن يشعر بهذه المشاعر نحوها لهو أمر مريب. ولكن في الأخير حاول أن يتجاهلها قدر المستطاع وأن يندمج مع أخيه وابن عمه في الحديث بعد أن داوت وجيدة جرح ذراع ولدها وقضوا بعض الوقت الرائع مع بعضهم البعض حتى مر الوقت سريعاً بهم.

_"الليل والقمر وأنغام فيروز رفقاء ليل." كانت تجلس مع شقيقتها حتى وقت متأخر وكذلك جاد الذي قرر المكوث قليلاً مع ابن عمه وترك الآخرين يرحلون بعد أن قضوا يومهم سوياً مع بعضهم البعض. كانت تقف في الشرفة تشاهد ظلام الليل والقمر الذي يتوسط السماء ينير المكان بضوئه الوهاج وبجوارها هاتفها الذي يصدح منه صوت فيروز بصوتها الهادئ يجعلها تشرد معها بعيداً مبتسمة بعد أن استطاعت العودة إلى حياتها الطبيعية دون أن يزعجها أحد.

"شو كانت حلوة الليالي والهوى يبقى ناطرنا وتجي تلاقيني وياخذنا بعيد هدير المي والليل كان عندنا طاحونة ع نبع المي قدامه ساحات مزروعة في وجدي كان يطحن للحي قمح وسهريات ويبقوا الناس بها الساحات شي معهن أكياس شي عربيات رايحين جايين ع طول الطريق تهدر غنيات آه يا سهر الليالي آه يا حلو على بالي غني آه غني آه غني على الطرقات ياي ياي ياي يا سهر الليالي ياي ياي ياي يا حلو على بالي غني (آه) غني (آه) غني على الطرقات"

كانت تستمع إلى كلمات الأغنية بهدوء شديد حتى ولج هو دون أن ينتبه لتواجدها وهو يتحدث في هاتفه. شعرت بصوت غير صوت فيروز يعكر صفوها لتعقد ما بين حاجبيها وتفرق بين جفنيها تنظر إليه لتراه هو نفسه يقف على مقربة منها يتحدث في الهاتف متجهم الوجه وقد تبدلت نبرة صوته إلى الحدة والغضب حينما قام الطرف الآخر بإستفزازه ليخرج ما يكمن داخل جعبته.

"يوه. مش هنخلص من أم الحوارات دي بقى أنا تعبت من المشاكل دي أقسم بالله. يعني إيه يعني فهمني دلوقتي يعني إيه هو أي حاجة وخلاص ما صدقوا لقوا محتوى يجروا عليه طول اليوم. طب إيه رأيك يا مؤمن عندنا فيهم كلهم ما أنا راجع. قول لمرات عمك الحرباية دي تسكت وتبطل تشعلل الدنيا أنا مصدقت يوسف رجع هو واخته. هينفعني يا مرات عمي. آه هينفعني انتي مش بتأكليني من جيبي أبويا خيره مغرقني. آه آه أنا عيل مش متربي يا ستي زعلانة ليه أنا أبويا معرفش يربيني ارتحتي كدا. ياربي أستغفرك وأتوب إليك. يا ستي انتي مالك أنا مش فاهم بجد هو أي تحكم وخلاص انتي إيه بجد. بقولك إيه يا مرات عمي قصر الكلام أنا مع ابن عمي أعلى ما في خيلك اركبيه أنا مش ناقص حوارات ومشاكل. سلام."

أنهى جاد المكالمة مغلقاً إياها دون سماع رد الطرف الآخر وهو يزفر بعمق وشعر بالضيق الشديد منها. فمنذ زمن وهي دوماً تتحكم بهم وتفرض سيطرتها وهيمنتها عليهم وقد يئس عمه معها حتى بعد أن سئم منها هددها أمام الجميع أن تكف عن أفعالها وتحكماتها في أولاد أخيه حتى لا يتوجه إلى الانفصال. ولكن تلك العقربة المتلونة لا تهدأ واستمرت في مضايقاتهم أجمع وفرض سيطرتها وسطوتها عليهم دون مراعاة أنها ضيفة ومن الوارد رحيلها في أية وقت. فهذا منزل إخوته وأولادهم وهي لا تمتلك فيه شيئاً.

مسح بـ كفه على وجهه وهو يستغفر ربه بعد أن شعر بالحرارة ترتفع بجسده بسبب انفعالاته المكبوتة. بينما كانت هي تنظر إليه بتعجب لتعلم من حديثه أنها مشاكل عائلية كالمعتاد بينهم ويبدو أن زوج شقيقتها المتسبب بها دون حتى أن يعلم. نظرت إلى كوب العصير خاصتها الذي لم ترتشف منه حتى الآن لتأخذه وتقرر إعطاءه إليه حتى يهدأ.

"أتفضل." نطقت بها بنبرة هادئة وهي تنظر إليه. بينما كان هو متعجباً بعد استمع إلى صوتها ليُبعد كفه بعيداً وينظر إليها ليراها تمد يدها إليه بكوب العصير ليشعر برجفة جسده القوية التي سيطرت عليه فجأة حينما رآها تقف على مقربة منه. فهو حينما ولج إلى هنا لم يرها ولربما يعود ذلك لكونه كان غاضباً. أزدرد غصته بهدوء ثم تحدث بنبرة هادئة يشكرها بقوله: "شكراً يا آنسة كايلا مش عايز."

"أكيد مش هتكسفني بعد ما مديتلك إيدي يعني. وبعدين انت ضيف هنا ودا يعتبر بيتي وبيت أخواتي وصاحبة البيت بتضيفك يعني عيب لما تكسفها خدها حتى من باب المجاملة." أنهت حديثها وهي تنظر إليه ليشعر هو بالحرج بعد أن شعر أنها تقوم بإحراجه بطريقة غير مباشرة. أزدرد لعابه وتحدث بنبرة جامدة بعض الشيء يردع إليها حديثها الذي جرحه قائلاً: "على فكرة أنا مش ضيف. دا بيت أخويا يوسف على فكرة يعني مش مستني ضيافة."

تعجبت من هجومه عليها دون هوادة فهي لم تكن تقصد ما فهمه هو الآن بل كانت تتحدث معه بحسن نية. ولكن يبدو أنه قد تفهم الأمر بشكل خاطئ كالمعتاد. زفرت هي بهدوء ووضعت الكوب على الطاولة ونظرت إليه مرة أخرى لتراه يشيح بوجهه بعيداً عنها والغضب مسيطر على معالم وجهه. ولج جعفر في هذه اللحظة ليسمع كايلا توجه حديثها إلى ابن عمه بنبرة حادة حينما قالت:

"على فكرة يا أستاذ أنا مقصدتش أي إساءة أنا بتكلم بحسن نية حضرتك بقى خدتها بشكل مسيء أو جارح دي مش مشكلتي. وعموماً شكرًا على ذوقك كان ممكن تاخدها عادي حتى لو مش هتشربها. بس الواضح إنك منظر بس وطلعت في الأصل قليل الذوق."

أنهت حديثها ثم تركتهما وولجت إلى الداخل والغضب يسيطر على معالم وجهها. بينما نظر جاد إلى أثرها بغضب جام بعد أن تملك منه الغضب مرة أخرى. تقدم جعفر منه ووقف أمامه ينظر إليه بهدوء وهو لا يفهم ما حدث حتى تشتعل الأجواء بينهما. "في إيه يا جاد إيه اللي حصل؟

" نطق بها جعفر إلى ابن عمه الذي كان ما زال ينظر إلى أثرها ليراها تتحدث مع شقيقتها التوأم وهي تحمل حقيبتها على كتفها وتتحدث بغضب وهي تريد الذهاب وتحاول الأخرى إرداعه عن فعلتها وهي تجهل ما حدث. زفر جاد بعمق وضيق في آن واحد دون أن يتحدث. تركه الآخر وولج إلى الأخرى التي كانت تريد الذهاب وشقيقتها تمنعها. "في إيه؟ إيه اللي حصل بس يا كايلا أهدي شوية وفهميني إيه اللي حصل. جاد ضايقك في حاجة طيب عرفيني؟

"في ابن عمك شخص قليل الذوق يا جعفر عشان بديله كوباية العصير بتاعتي يشربها بعد ما كان متعصب ومضايق كلمني بقلة ذوق وليه وليه عشان بقوله إن دا بيت اخواتي وبيتي وانت ضيف هنا قام زعل وأضايق أوي وخدها بحساسية أوي وكأني شتمته." أنهت كايلا حديثها بنبرة غاضبة وهي تنظر إلى زوج شقيقتها الذي كان يستمع إليه حتى انتهت هي.

"حقك عليا أنا متزعليش تلاقيه فهمها غلط أو هو حساس شوية ففهمها غلط أنا عارف إنك مكنتيش تقصدي حاجة واللي في قلبك على لسانك. أنا بعتذرلك بالنيابة عنه جاد والله شخص كويس ومحترم ومش من عادته يجرح حد أو يعمل تصرف مش لطيف بس تلاقي في حاجة مضايقاه فأنفعالاته خرجت معاك. للمرة التانية بعتذرلك بالنيابة عنه. وبعدين مينفعش تخرجي لوحدك في توقيت زي دا لو عايزة تروحي أنا هوصلك بنفسي لحد البيت بس لوحدك مش هينفع وانت زي مها اختي واللي مقبلهوش عليها مقبلهوش عليكي. اقعدي بس وأهدي لحد ما أدخل أتفاهم معاه وأجيلك تكوني هديتي شوية. تمام؟

أنهى حديثه وهو ينظر إليها لتزفر هي بعمق دون أن تتحدث فقط حركت رأسها برفق إليه وجلست. نظر جعفر إلى زوجته التي تفهمت نظرته وجلست بجوار شقيقتها تهدئها. بينما عاد جعفر إلى ابن عمه حتى يقوم بحل هذا الخلاف التافه بالنسبة إليه. "ممكن أعرف منك بقى إيه اللي حصل؟ زي ما سمعت منها عايز أسمع منك أنا كمان." أنهى جعفر حديثه وهو ينظر إلى ابن عمه الذي زفر بعمق ومسح بـ كفه على وجهه ليتحدث بنبرة منفعلة رغمًا عنه وهو ينظر إليه قائلاً:

"يا يوسف أنا مغلطتش هي اللي حسستني إني غريب هنا ومجرد ضيف عابر. أنا أضايقت انت أخويا مش ابن عمي وبعتبر نفسي في بيتي وبيت أخويا هي اللي كان كلامها جارح وأنا رديت عليها بطريقتها زعلت ليه بقى. ولا هي من حقها تزعل وأُلع." "طب قولي في حاجة مضايقاك؟

" نطق بها جعفر بنبرة هادئة متسائلة وهو ينظر إليه نظرة ذات معنى ليشعر الآخر بالتشدد فكيف سيخبره بالسبب الحقيقي. بينما كان جعفر يتابعه بنظرات مترقبة حتى رأى الآخر يزفر بضيق ويفصح له عما يكمن داخل جعبته دون أن يكذب عليه في شيء. بينما كان جعفر يستمع إليه حتى انتهى. "قولتلي مرات عمك اللي كانت يومها لابسة تركواز دي؟ " نطق بها مستفسراً منه ليؤكد جاد إليه حديثه حينما حرك رأسه برفق. ابتسم الآخر ابتسامة خبيثة وقال

بعد أن اعتدل في وقفته: "قولتلي كدا بقى؟ أديني رقمها." نظر إليه جاد وظهر القلق على معالم وجهه فهو يجهل ردات فعل ابن عمه الغير متوقعة ليرى يبتسم إليه. وبالفعل أملا عليه رقم زوجة عمه تلك وقبل أن يهاتفها نظر إلى جاد وقال: "هي اسمها إيه الولية دي؟ "زينب." "قسمًا بالله خسارة فيها الاسم. زينب إيه؟

دي المفروض عنايات. ويلات. اللي سماها حمار." نطق بها جعفر ساخراً من اسم زوجة عمه ليضحك جاد بعد أن فشل في التماسك وهو ينظر إلى الآخر بقلة حيلة والذي رفع هاتفه ووضعه على أذنه. لحظات من الصمت دامت حتى سمعها تقول: "مين معايا؟ أبعد جعفر الهاتف ونظر إلى ابن عمه وقال بنبرة خافتة: "إيه الولية الدبش دي مفيش سلام عليكم. عمك جايبها منين الفقر دي؟

نظر إليه جاد بيأس واضح. بينما عاد يضع الآخر الهاتف على أذنه وقرر استفزازها قليلاً قائلاً: "وليه تبقي دبش كدا ما تقولي سلام عليكم الأول ولا هي قلة الذوق وراثة في العيلة دي." "أنا برضوا يا قليل الأدب؟ انت مين يالا؟ " نطقت بها زينات بنبرة حادة وهي ما زالت تجهل المتصل. بينما ابتسم هو وقال:

"بصي يا ام تركواز انت أنا قليل الأدب برضوا ولساني مع الأسف الشديد غلط. بس احتراماً إنك ست ومرات عمي أنا مش هقولك حاجة بس مش معناها إنك تسوقي فيها يعني. عموماً يا ست عنايات معاك ابن اخو جوزك الراحل يوسف عدنان المحمدي. أنا قولت أتصل بيك وأعمل بأصلي بما إننا عيلة وكدا وأقولك إن انتي وعمي وباقي الأسرة الجليلة معزومين على الغدا عندي بكرا. وبالمناسبة أنا مش سهل وبحذرك متلعبيش معايا بالذات وتعملي مشاكل على حسابي. عندك الحبايب يقولولك الزفة اللي اتعملت النهاردة على حسابي. عيب يا مرات عمي إحنا لسه بنقول يا هادي. مش هكررها تاني وهعتبر مفيش حاجة حصلت وكل الكلام الماسخ اللي قولتيه لـ جاد دا لا يعنيني بشيء وعلى ميعادنا بكرا أتمنى متجيش."

أنهى جعفر حديثه ولم يمهلها الفرصة وأغلق المكالمة في وجهها دون أن ينتظر رداً منها. لم يتمالك جاد نفسه وانفجر ضاحكاً بعد أن فشل في السيطرة على نفسه. نظر إليه جعفر وابتسم دون أن يتحدث واضعاً هاتفه على سطح الطاولة. "إيه ياض الجمدان وقوة القلب دي؟ أنا مقدرش أعملها معاها هي بالذات. عملتها إزاي دي؟ " نطق بها جاد ضاحكاً وهو ينظر إلى ابن عمه الذي ابتسم وقال:

"أعرف خصمك وعلم عليه. من أول مرة شفتها فيها وأنا عرفت ميتها إيه. المهم عمك ممكن يزعل مني ولا حاجة أنا لسه متكلمتش معاه ولا اتعرفت عليه زي أبوك كدا هيزعل وكدا ولا إيه عشان أبقى عارف؟

"لا متقلقش عمك كدا كدا مش طايقها وعارف إنها بتاعت مشاكل وحوارات بس سايبها عشان خاطر ولاده مش أكتر إنما هتقابلك مشاكل كتير أوي هي مؤسستها بس هنعمل إيه بقى. يارب يطلقها ويريحنا كلنا." أنهى جاد حديثه وهو يرفع كفيه عالياً يتمنى تحقيق هذا الأمر بتلهف وتمني واضح.

ضحك جعفر مرة أخرى بعد أن رأى الضيق على معالم وجه ابن عمه الذي كان يمقت زوجة عمه تلك وبشدة يكره اللحظة التي ولجت بها إلى هذا المنزل لتجلب خلفها المصائب. زفر جعفر ونظر إلى ابن عمه مرة أخرى وقال بنبرة هادئة:

"طب اسمعني بقى يا شاطر عشان مش هكرر كلامي مرتين. كايلا أختي زيها زي مها بالظبط يعني اللي مقبلهوش على أختي مقبلهوش على بنت الناس. فـ عشان كدا أنا عارفك جدع وابو الرجولة كلها ومش من عادتك التصرفات اللي صدرت دي. المرة الجاية لما تيجي وتكون انت هنا صالحها وطيب خاطرها بكلمتين. وبعدين بذمتك دي حاجة تتخانقوا عليها وتشـدوا قصاد بعض عشانها؟

بيتي هو بيتك وبيتها هي كمان اللي متجوزها دي تبقى أختها وأنا عارف إنك بتحبني ومن زمان بتعتبرني أخوك وواجب عليك بقى تسمع كلام أخوك ودا بيتك هي بس مش متعودة لسه واتفاجئت بوجودكم مش أكتر فـ تصرفها وكلامها طبيعي يا جاد أنا مش شايف أي غلط يعني. تحب دلوقتي ولا المرة الجاية؟ أنهى جعفر حديثه وهو ينظر إلى الآخر الذي زفر بهدوء ومسح بـ كفه على خصلاته الناعمة السوداء وقال:

"فاهم يا يوسف بس أنا كنت مخنوق برضوا وغصب عني. مرات عمك حرقتلي دمي وهي جت في توقيت مش صح خالص فـ كل حاجة اتقلبت إنما أنا والله ما كدا أنا بس اتضايقت عشان لسه لحد دلوقتي يعتبر ضيف ودي كلمة مضيقاني أنا باجي هنا بيت أخويا بـ فك شوية من قرف البيت هناك ومشاكله. أوعى يا يوسف تسيب المكان هنا وتروح هناك صدقني هتفتح على نفسك أبواب جهنم فـ وجودهم هناك مش هيسيبوك."

"تبقى لسه متعرفش ابن عمك يا جاد. مش عايزك تقلق أنا مستحيل أسيب منطقتي وناسي مهما حصل. ولو على العيلة بنت الفقرية دي متشيليش هم بعرف اتصرف. المهم أدخل طيب خاطرها يلا وأعتبرها اختك الصغيرة يلا بلاش شغل العيال دا أنا مش ناقصكم." أنهى جعفر حديثه في الأخير ممازحاً الآخر الذي ابتسم وزفر بعمق ثم ولج إلى الداخل رفقة ابن عمه ليراها تجلس محلها وبجوارها شقيقتها التي كانت تحمل صغيرتها لين على ذراعها.

وقف جاد على مقربة منها وهو ينظر إلى ابن عمه الذي نظر إليه نظرة ذات معنى ليزدرد الآخر غصته بهدوء ونظر إلى كايلا مرة أخرى وهتف بثبات ونبرة هادئة: "أنا آسف يا آنسة كايلا مكانش قصدي أضايقك أنا بس كنت متعصب ومضايق شوية وانت جيتي في توقيت مش مناسب فـ فهمت كلامك بشكل تاني. حقك عليا وأتمنى متكونيش زعلانة."

نظر جعفر إليها بعد أن أنهى ابن عمه اعتذاره إليها ينتظر رداً منها على اعتذار الآخر. نظرت إليها كذلك بيلا نظرة ذات معنى لـ تنظر إليها كايلا وترى نظراتها المصوبة نحوها تدفعها لـ قبول اعتذاره. ولذلك أزدردت لعابها وقالت بنبرة هادئة تحمل بعض الضيق: "أعتذارك مقبول يا أستاذ جاد أتمنى ميتكررش تاني."

رمق جاد ابن عمه الذي ابتسم إليه وربت على ظهره برفق دون أن يتحدث ثم نظر بعدها إلى زوجته التي نظرت إليه بيأس واضح لتراه يحرك رأسه بقلة حيلة على ما يحدث حوله. _"الطرق على باب الناس له احتراماً يا هذا."

كانت تجلس رفقة صغيريها تشرح لهما درساً جديداً وعلى الجهة المقابلة يقبع لؤي الذي كان يشاهد التلفاز بهدوء شديد. كان شارداً في اللا شيء. نهضت فاطمة وتركت صغيريها يكملان مذاكرتهما وتوجهت إليه بخطى هادئة حتى جلست بجواره تنظر إليه لتراه شارداً. ابتسمت هي ووضعت كفها الدافئ على كتفه لتجذب انتباهه وينظر إليها دون أن يتحدث. "سرّحان في مراتك التانية بعيالها يا لؤي؟ قاعد شايل همهم أوي كدا؟

" نطقت بها فاطمة بنبرة تحمل فيها الخبث وهي تنظر إليه نظرة ذات معنى تنتظر إجابة كاذبة منه. "منين يا ختي؟ منين يا حسرة هو أنا ملاحق على الأولى بعيالها عشان ألاحق على التانية؟ وأجيب صحة منين؟ " نطق بها لؤي متهكماً وهو ينظر إليها لتضحك هي على ردوده تلك بيأس فدوماً ردوده تقنعها وبشدة بحقيقة الأمر. "يا حبيبي ربك الرزاق وبعدين مالها الصحة ما هي زي الفل أهي وعشرة على عشرة عندك شك ولا إيه يا لؤي؟

" نطقت بها فاطمة مبتسمة ليزفر هو بعمق وينظر لها بيأس واضح. فيما ابتسمت هي وضمتة إلى أحضانها تمسد على خصلاته بهدوء تحاول مواساته على ما يمر به.

لحظات وتعالت الطرقات على باب المنزل بشكل أفزع كلاً من كامل ونورسين لينظرا إلى والديهما بخوف. ابتعـد لؤي عنها ونهض متوجهاً نحو الباب. بينما سحبت هي حجابها ووضعته على رأسها بعد أن اعتدلت في جلستها. ففتح هو الباب ليرى عمه مرزوق أمامه ينظر إليه بنظرات كالسها. وبجواره عمه الآخر ضاحي. يرمقه بنفس النظرات.

رمقهما لؤي بنظرات باردة ثم نظر بعد ذلك إلى زوجته التي تفهمت نظرته ولذلك أخذت صغيريها وتوجهت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها لتقف خلفه وبدأت نبضات قلبها تعلو خوفاً على زوجها من شرهم وتجبرهم عليه وهو ما زال مريضاً. بينما في الخارج رمق لؤي كلاهما وقال بنبرة باردة: "خير."

"مش هتقولنا ندخل ولا هنقف على الباب كدا كتير يعني. دي مش أصول حتى." أردف بها مرزوق وهو ينظر إليه ليبتسم إليه لؤي نظرات تهكمية وأفسح لهما الطريق مشيراً لهما. وبالفعل ولجا كلاهما وأغلق لؤي الباب خلفه ممسكاً بهاتفه مهاتفاً جعفر الذي استغرق دقائق معدودة وكان معه على الخط يستمع إلى ذاك الحديث القائم بينهم.

"طبعاً انت عارف إحنا جايين ليه وعايزين إيه فـ مفيش داعي نلف وندور على بعض كتير وتيجي معانا سكة وقصر الكلام عشان متزعلش منا." كان المتحدث ضاحي هذه المرة والذي كان ينظر إليه نظرات حادة مقيتة. بينما تفهم جعفر سبب تلك المكالمة سريعاً وانتظر سماع المزيد. "هو إحنا مش خلصنا من الموضوع دا ولا إيه؟ ولا هي مناهدة على الفاضي وخلاص؟ " نطق بها لؤي وهو ينظر لهما بضيق ليسمع هذه المرة مرزوق يتحدث بنبرة باردة قائلاً:

"قصر انت معانا يا لؤي وادينا اللي عايزينه يا إما بقى تعمل اللي إحنا عايزينه." "يمين بالله ما يحصل. على جثتي." نطق بها لؤي بنبرة غاضبة مندفعاً بعد أن استمع إلى حديث عمه الذي أغضبه وبشدة وقد بدأ يسأم تلك المحاولات الفاشلة في إخضاعه على ما يودونه هم. "يعني إيه. وبتحلف كمان؟ " نطق بها ضاحي بنبرة غاضبة بعد أن رأى المعاندة هي الرد منه على حديثهما. اشتعلت الأجواء بينهم والنظرات أصبحت كالشرار تلقى عليهم في تحدٍ سافر.

"دا اللي عندي وأظن كدا يعني عيب أوي اللي بيحصل دا. لا هتاخدوا ورث أبويا ولا منها هتجوز مرات أخويا. شوفلكم واحد تاني يتجوزها وياخد باله منها أنا مكتفي بمراتي وولادي وفكرة بقى إني أتجوز عليها والشغل دا مش عندي. أنا مش خدامكم. وورثي دا يخصني أنا وبس. أولع فيه بقى. أرميه. أبيعه. أديه لولادي دي حاجة تخصني أنا متخصش حد تاني. فـ آسف عروضكم غير متاحة."

أنهى لؤي حديثه وهو ينظر إليهما ببرود شديد. فمجيئهما إليه لا يكمن خلفه سوى المصائب. إما أخذ أمواله الشرعية بالقوة. إما الزواج من تلك المرأة التي أصبحت أرملة بعد وفاة أخيه ما يقارب السبع سنوات دون زواج وهذا بالطبع لا يرضيهم وأول شيء يخطر على عقولهم زواجها من لؤي كي يستطيعا في نفس الوقت كسر تلك المسكينة التي وما زالت زوجة مخلصة إلى زوجها وأم لطفليه. في هذه اللحظة ولج جعفر الشقة بعد أن ترك لؤي بابها مفتوحاً تحسباً لغدرهما إليه.

تقدم من صديقه ليقف بجواره يطمئن عليه قولاً وفعلاً متفحصاً إياه بخوف بائن عليه تجاه رفيقه الحبيب الذي كان نعمة الصديق. "انت كويس يا لؤي حد منهم عملك حاجة؟ " أنهى جعفر حديثه المتسائل إليه منتظراً الإجابة الفيصلية والتي ستجعله يتخذ القرار المناسب في هذه اللحظة ليرى القبول هو عنوانه. شعر بالإطمئنان عليه ثم بعدها نظر إلى هذان البغيضان وقال:

"أظن عيب عليكم لما تتهجموا على الراجل وسط أهله وناسه ومنطقته وفـ بيته وتسألوه الأسئلة التعبانة دي. حقه الشرعي ملكه هو وبس. وأظن مش من حقكم تاخدوه وكمان ياريته أي حق. دا حق شرعي لشاب يتيم. هتقبلوا مال يتيم يدخل بيتكم وبطونكم إزاي؟ هتأكلوا ولادكم مال يتيم إزاي؟

هيجيلكم جراءة منين تعملوها. هو أكل مال اليتيم الزمن دا بقى سهل أوي كدا وعادي. يعني مش كفاية بتقهروه كل سنة تعدي على وفاة أبوه لا كمان البجاحة جايباكم أوي برضوا وبتهددوه. طب سيبكم منه خالص وبصوا على الطفلين اللي عنده. اللي عنده عشر سنين واللي عندها سبع سنين. حتى لو الورث دا مش هيعمل بيه حاجة لنفسه ما يمكن شايله لولاده. واحد فـ حالته الصحية دي هو أولى بكل جنيه يجيله. يعني قولنا عيلة طلعت واطية وداست عليه بعد موت ابوه. هو إحنا المفروض نروح فين تاني. بجد والله. يعني الحرام بتحلللوه دلوقتي والعكس صحيح مستنيين إيه تاني. المسيح الدجال يظهرلنا وتخلص على كدا صح. انتوا واعيين للي بتقولوه بجد؟

أخذ جعفر وضعية الدفاع عن رفيقه الذي كان يشعر بالعجز في هذه اللحظة. بعد أن رأى مرضه والعجز المسيطر عليه وأستعانته به. قرر الدفاع عنه والوقوف في وجه من يقوم بأذيته حتى ولو كانت بكلمة صغيرة. بينما شعر لؤي في هذه اللحظة بالامتنان إليه. "وبعدين معلش بقى عشان الحتة دي مزعلاني. هو يعني إيه عايزينه يتجوز مرات أخوه المتوفي؟

هو دا إجبار يعني عشان يرضيكم تكسر بنت الناس اللي استأمنته على حياتها. طب دا قاطع عهد قدام ربنا وقدام الناس إنه يحافظ عليها وميكونش سبب في كسرتها. عايزينه يقطع عهده مع ربنا عشان يراضيكم انتوا يا شوية بشر نهايتكم أوضة متر في متر. وهو أنا عشان أرضي البشر وأسعدهم أخالف كلامي وعهدي لربنا. هو بالساهل كدا يعني. طب ما انتوا عندكم بنات ما هما مسيرهم يكونوا مكان مراته ما هو كما تدين تدان على فكرة حتى لو طال الزمن هتدوق من نفس

الكاس. وبعدين الست أصيلة وبنت ناس بتتقي ربنا في بيتها وجوزها متستاهلش يكون دا رد الجميل منه يعني. وهو مش هيقدر يتجوز عليها ولا هيفكر بس فيها مجرد التفكير عشان بيحبها ودي أم أولاده وصعب يعيش مع غيرها عشان خاطر يرضيكم. مش هيرضي شوية بشر على حساب مشاعره وإنسانيته. ولو هو استعان بيا دلوقتي وخلاني أقف قدامكم كدا وأديكم شوية كلام فـ جنابكم مش عشان هو خايف منكم. بالعكس. عشان تعبان ومش قادر يناهد معاكم وهو عارف إنكم بتموتوه

بالبطيء. أتمنى نشيل الأفكار التعبانة دي من دماغنا وروحوا دوروا على عريس غيره لمرات أخوه ياخد باله منها أفضل أصل أم كامل واكلة بعقله حلاوة واخده كل وقته وتفكيره فـ مش فاضي للأسف معلش. الرجالة فـ كل مكان والله. لا هو الأول ولا الأخير يعني. شرفتونا."

أنهى حديثه مبتسم الوجه وهو متعمد إشعال فتيلة غضبهم وقد استطاع فعلها حينما رأى الشرار يتطاير من مقلتيهما. شعرت فاطمة في هذه اللحظة بالامتنان إلى جعفر الذي تولى زمام الأمور وقد كان لؤي على حق حينما استعان به. فهو الوحيد القادر على الوقوف أمامهما في فترته العصيبة تلك خصوصاً أنه مريض هذه الأيام. خرجا كلاهما من المنزل والغضب يتطاير من مقلتيهما حينما لم يترك لهما جعفر فرصة الرد وإلقاء الصاع اثنين.

ألتفت جعفر ينظر إلى صديقه الذي كان مبتسم الوجه ينظر إليه بامتنان شديد دون أن يتحدث. ابتسم إليه جعفر كذلك ومن ثم عانقه ممسداً على ظهره برفق. كان وما زال الصديق الوفي الذي إن أراده شخص ما في أمر هام كذلك يكون أول الحاضرين دون أن يعارض أحد أو يرفض مطلبهم.

"حبيبي يا بلطجي. سداد طول عمرك وقد المسئولية. نصفتني قدامهم وكبرتني وعرفتهم إن ورايا أسد ينهش في أي حد يعادي صاحبه. حبيبي يا ابن عدنان." أنهى لؤي حديثه وهو يمسد على ظهر جعفر الذي ابتسم إليه وشدد من احتضانه إليه. "متقولش كدا يا صاحبي. أخوك سداد وفـ أي وقت. معاك يا صاحبي على خط الموت. أهم حاجة تكون مرضي ومبسوط." "ومين يبقى صاحبه جعفر البلطجي وميبقاش مبسوط؟

ميعرفوش الجدعنة اللي شايلها ابن عدنان للغريب قبل القريب. انت طيب والله وتستاهل كل خير. يا بخت ناسك بيك يا صاحبي." أنهى لؤي حديثه الذي كان صادقاً وبشدة إلى رفيقه والمخلص إليه دوماً الذي كان معه في الصعاب دوماً وفي الحزن قبل الفرح. هذا الذي قد رزقه الله به صديقاً كمثابة العائلة بالنسبة إليه.

"الشهادة لله راجل ومجدعة بحق وحقيقي. دافعت عني وكسرت عينهم بكلامك وكبرتني قصادهم بجد تسلم على وقفتك معانا وطيبة قلبك يا بخت ناسك بيك يا جعفر والله. محدش بيعرف البني آدم غير لما يعاشره ويعرف معدنه الأصيل." هكذا كان رد فاطمة على فعل جعفر إليها تشكره على ما فعله لأجله ليبتسم إليها هو وقال:

"معملتش حاجة يا أم كامل. انتي مرات الغالي وأختي واللي مقبلهوش عليها مقبلهوش عليكي. وكفاية طيبة قلبك وحنيتك على لؤي. انتي اللي مهونة عليه كتير أوي والله. ويا بختكم ببعض والله. أنا رقبتي سداادة ليكم ولو جالك و لؤي مش موجود مكالمة تليفون بس وهتلاقيني موجود ولو قفلت أوي وصمموا على اللي عايزينه تبلغوا عنهم دي فيها حبس دي. دول عالم مجانين."

"هنقول إيه بس يا جعفر من يوم ما لؤي عاداهم واختارني وهما مستحلفين ليخلوا عيشتنا سواد. أكمني بنت أصول وبحافظ عليه وبيسمع كلامي فـ حاجات فاكرني سحـراله مع إني بقترح عليه بس مجرد اقتراح بيلاقيه صح بيعمل بيه لا أكتر ولا أقل. إنما هنقول إيه غير حسبي الله ونعم الوكيل وحقنا عند ربنا." أنهت فاطمة حديثها بيأس شديد وهي تنظر إليه ليبتسم إليها الآخر وينظر إلى لؤي الذي كان حزيناً مربتاً على ذراعه برفق قائلاً:

"أديكي قولتيها. حقكم عند ربنا وربنا كبير. استلمهم بس فـ قيام الليل كل يوم ربنا يهديهم قادر يا كريم. ومتنسيش تدعي للواد الغلبان دا دعوتين حلوين يستاهلهم." "بدعيله والله يا جعفر قبل ما أدعي لنفسي كفاية إنه طيب وحنين عليا دي عندي بالدنيا والله العظيم."

ألتفت إليها لؤي ينظر لها مبتسم الوجه واللمعت العبرات في مقلتيه حباً إليها وعشقاً لا ينتهي. فهي المرأة الوحيدة التي قد اختارها قلبه واكتفى بها دوناً عن نساء العالم أجمع. تلك التي كانت وما زالت الحب الوحيد والأبدي إليه.

"طب أنا همشي بقى عشان اللحظة دي مش بتاعتي ولو عزت أي حاجة كلمني وخلي بالك من نفسك ومن ولادك." نطق بها جعفر بعد أن نظر إليه ثم انسحب بهدوء وأغلق الباب خلفه. خرج من البناية ليسمع صوت هاتفه يصدح عالياً. أخرجه من جيب بنطاله ليرى المتصل بشير. "خير يا حبيبي انت كمان ما حنفية المصايب فتحت على الآخر. أشجيني." نطق بها جعفر ساخراً بعد أن أجاب على مكالمته ليسمع الآخر يقول فوراً: "ألحقني يا جعفر أنا اتسرقت لتاني مرة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...