الفصل 84 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
19
كلمة
6,708
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

"بكرة تقول "جعفر" قالها إن ما وقعتش في شبكة البلطجي دي"، نطق بها "جعفر" بعد أن أنهى "بشير" حديثه مباشرة. نظر إليه الأخير نظرة ذات معنى، ليسمع شقيقته تقول بنبرة هادئة مبتسمة: "يا بخت اللي هتكون من نصيبك يا "بشير"، بجد مش أي كلام والله. هتاخد راجل بمعنى الكلمة، تسلم البطن اللي شالتك."

أبتسم "بشير" إليها بعد أن استمع إلى حديثها. نهض من مجلسه وتقدم خطوة إليها، منحنيًا بنصفه العلوي نحوها يلثم جبينها بقبلة حنونة، ثم عاد لمجلسه مرة أخرى، قائلًا بابتسامة هادئة: "وأنا يا بختي بيك والله العظيم." "ولا أوعى تقرب من مراتي تاني، هعلقك وربنا المعبود." نطق بها "جعفر" محذرًا "بشير" الذي رمقه نظرة مستنكرة، ليرفع حاجبه الأيمن عاليًا وقال: "نعم يا عين ماما؟ دي أختي، هو أنا واحد غريب؟

"كلمة وقولتها، لو شوفتك بتقرب وتبوسها تاني هزعلك." نطق بها "جعفر" بتحذير واضح وصريح، ليشعر الآخر بالضيق، ولذلك قام بمعاندته ونهض مقتربًا من "بيلا" مرة أخرى، يلثم وجنتها بقبلة أخرى، وكأنه يعانده. ليرمقه "جعفر" نظرة حاقدة، لحظات حتى انتفض من جلسته، جاذبًا إياه من تلابيبه، ثم صق على أسنانه بحقد، قائلًا بنبرة غاضبة ومكتومة: "بوسة بصوت؟ كدا أنت طلعت عفريتي؟ قابل."

تعالت ضحكات "بشير" في هذه اللحظة بعد أن نجح في إشعال فتيلة غضب الآخر. ثم شعر به يجذبه من تلابيبه، يحكم قبضته حول عنقه وهو يتمتم بضيق واضح، لتعلو ضحكات "بشير" أكثر، والذي قال بعد أن حاول تهدئة الآخر بكلماته التي أجادت قولها بنبرة هادئة مستعطفة إياه: "ليه كدا طيب؟ دا أنا حتى أخوك الصغير، ترضاهالي يا "جعفر"؟

"بصراحة بقى، آه عشان أنت عيل مستفز ورخم." نطق بها "جعفر" بنبرة باردة دون أن يكترث إليه، فهو يعلم أن الآخر يمازحه، وكذلك هو. والآن لن يحدث شيء إن مازحه قليلًا. جذبه مرة أخرى وهو يتوعد إليه أسفل ضحكات "بشير" الذي كان يتحرك معه دون إرادته، وهو يعلم ما يفكر به الآخر جيدًا، ولذلك لن يحدث شيء إن خضع إليه قليلًا. *** "إن كنت تظن أن الملتحي ضعيف الجناح، فيجب إعادة تفكيرك في الأمر مرة أخرى."

كان "رمزي" قد أنهى صلاة الظهر وخرج من المسجد بهدوء في طريقه إلى منزله الذي يقبع على مسافة عدة خطوات. كانت رأسه ساكنة يعمها السلام والهدوء، حتى جاء من يعكر صفوها، ضاربًا تلك الراحة عرض الحائط.

بينما على الجهة الأخرى، كان هذا المدعو "عصفورة" يقف أمام "شاهي" يمنع طريق سيرها حينما اعترض طريقها وهي ذاهبة إلى ولدها. وقد يبدو أنه تخطى الحدود هذه المرة، فقد بدأ يتطفل على حياة الآخرين دون وجه حق. وحينما رأى "رمزي" هذا المشهد، شد خطواته إليهما، يقف حائلًا بينه وبين والدة صديقه التي كانت لا تفهم شيئًا. "خير يا "عصفورة"؟ في حاجة؟

" نطق بها "رمزي" بنبرة مترقبة وحذرة وهو يرمقه بنظرات مشتعلة، فحينما طاب في خاطره أنه ينوي على أذية والدة صديقه، تدفقت الدماء في رأسه مشكلة ثورانًا عنيفًا جعل الطنين يحتل أذنيه. "جرى إيه يا شيخنا؟ مش ناوي تخليك في حالك بقى وتفكك من جو التطـ ـفل دا شويه." نطق بها "عصفورة" بتهكم وسخرية واضحة على نبرة صوته، جعل "رمزي" يرفع حاجبه الأيمن عاليًا مستنكرًا تلقيه لتلك الكلمات، وكأنه قاب قوسين أو أدنى.

"والله، واللي بتعمله دا إيه؟ بتشوفها محتاجة إيه في بيتها عشان توفرهولها ولا إيه مش فاهم؟ تكونش تبع جمعية خيرية وأنا يا عيني معرفش وظالمك؟

بقولك إيه يا لا استرجل، ها، استرجل عشان متتعلمهاش على إيدي أنا صبري له حدود، أقسم برب السماوات السبع لو جبت أخري والله العظيم لتشوف وش عمرك ما تتخيل إنك تشوفه على إيدي. أنا بحلف ومتخلنيش أوصل للنقطة دي، ومالكش دعوة بالست دي تاني، أي حد يخص "جعفر" مالكش علاقة بيه، عشان منعملش عليك حفلة ويبقى هو مؤسسها، مش عشان شيخ وبدقن وهادي هتسوق العوج؟ اللهم بلغت اللهم فاشهد."

أنهى حديثه التحذيري الذي أخذه سلاحًا هامًا في هذه اللحظة ضده، حتى يستشعر خطورة الموقف، فرمزي ليس مستعدًا لرؤية تلك السيدة أن تتأذى من هذا اللعين مهما حدث. ويعلم أيضًا تمام العلم أن "جعفر" لن يهدأ، وكذلك "جعفر" الذي إن علم بشيء كهذا سيجعلها جحيمًا على الجميع. ألتفت "رمزي" إلى "شاهي" التي كانت تقف خلفه، ينظر إليها بعد أن أنهى حديثه إلى هذا المدعو "عصفورة". أبتسم إليها بود وكأن شيئًا لم يكن، وأشار إليها متحدثًا

بنبرة هادئة: "أتفضلي، هوصلك لحد البيت." شعرت "شاهي" بالغرابة، ولكنه تذكر أنها رأته حينما كان يلقنهم درسًا قاسيًا في هذا اليوم الذي توفى به والد "بيلا". ولذلك سارت معه بهدوء شديد دون أن تتحدث، ولكنه شعرت بالقليل من الخوف، فهي لا تعلم من يكون، ومن المتوقع أن يكون ناصبًا فخًا إليها، خصيصًا وأن ولدها لم يقم بتعريفها على أصدقائه حتى الآن أو أي من معارفه الذين تربى هو وسطهم.

شعرت باهتزاز هاتفها داخل حقيبتها، لتقوم بإخراجه سريعًا منها، لترى ولدها المتصل. ولذلك شرعت هي في الرد عليه بقولها المتلهف:

"أيوه يا "يوسف"، أنا بخير الحمد لله يا حبيبي، طمني عليك وعلى أختك، يارب دايمًا يا حبيبي. لا أنا جايه أهو في الطريق، بس مش عارفه حاسة إني توهت و "جاد" وعمك ومرات عمك و "مؤمن" لسه قدامهم شوية عقبال ما ييجوا، وأنا بصراحة مقدرتش أستنى قولت أسبقهم أنا وأجيلك بنفسي، بس شكلي كدا توهت. مش عارفه والله، بس معايا شاب كدا من سنك وعنده دقن ولابس جلابيه." رمقت "رمزي" بطرف عينها لتراه مبتسم الوجه، لتسمع ولدها يحادثها،

لتقول هي باستنكار: "صاحبك؟ تكونش واحد تاني وأنت أتلخبطت؟

دا شيخ يا "يوسف" وبصراحة كدا يعني شكله ميديش إنه صاحبك، شوف أنا معرفكش أوي بس مش جايه معايا سكة. هو كان في واحد كدا أعوذ بالله وقفني ومعرفش كان عايز إيه والله. أول مرة أشوفه وهو الله يباركله جه حاشه عني وقعد يحذره كدا يعني حسيت إن فيه حوار كدا أنا لسه معرفهوش. معرفش بس قال اسمه "عصفورة" باين حاجة زي كدا. لا متخافش معملش حاجة صاحبك دا جه وزعقله وقعد يهدده وكدا. لا معايا، قالي هيوصلني. حاضر يا حبيبي، مش عايز أجيبلك حاجة وأنا جايه. بجد والله، شوف مراتك كدا يمكن محتاجة ومحرجة. طيب يا حبيبي مع السلامة."

أبعدت الهاتف عن أذنها وأغلقت مكالمتها مع ولدها، ثم وضعته في حقيبتها مرة أخرى، لتسمع "رمزي" الذي كان مبتسم الوجه وبشوشًا يقول: "هو أنا بأمانة يعني معرفش صاحب الواد دا إزاي؟ بس الشهادة لله ابنك أبو الرجولة والشها -مة كلها والحارة كلها تشهد بكدا كمان. أنا صاحبه من أيام ما كنا أطفال صغيرة."

انتبهت إليه "شاهي" التي قالت بنبرة هادئة تطرح عليه بعض الأسئلة لترضي فضولها الذي بدأ يتآكلها في معرفة كيف يكون هذا الشاب الهادئ الملتزم صديق ولدها الذي يبدو عليه الطيش والتهور. "هو أنت إزاي صاحب "يوسف" أبني؟ يعني شكلك ما شاء الله متدين وملتزم وهادي وعاقل، إنما "يوسف" ابني آه معرفهوش أوي بس شكله كدا طايش ومتهور وعصبي يعني عكسك في كل حاجة."

أبتسم "رمزي" فهي حقًا محقة في حديثها، ففي منظور الجميع هما متناقضان في كل شيء حتى تفكيرهما، ولكنه ثمة شيئًا ما يجمعهما، ألا وهو رد الحقوق من براثين العدو مهما كان.

"بصراحة حضرتك صح في كل حاجة. أنا أعرف "جعفر" من لما كنا صغيرين كدا، كنا ومازلنا شلة كدا مكونة من أربعة وأنا خامسهم، بس أنا للأسف بعد موت والدي خدت والدتي وسافرنا السعودية وقعدت هناك كتير أوي، مرجعتش غير وأنا شاب تلاتين سنة بعد ما كنت ماشي وأنا لسه مدخلتش سن العشرين. لما رجعت بقى قابلت "جعفر" في المقابر وكان معايا والدتي، كان بيزورك قبل ما يعرف إنك لسه عايشه. وقتها كنت معرفهوش لأننا كبرنا وشكلنا اتغير، كان بيعيط

بطريقة غير طبيعية وكأن الحياة خلاص سابته بعد ما الكل داس عليه ودوّقه من القسوة لحد ما قال يا بس. وقتها قدرت أتعرف عليه ومن وقتها بقينا مع بعض في أي حاجة. "جعفر" من جواه شاب نضيف وقلبه أبيض بس اللي شافه مكانش هين أبدًا، وبسبب الظروف دي دفن نقاءه وشبابه والطفل الصغير جواه وصدر للكل الوش اللي مبيرحمش. بس أنا واثق وعندي يقين كبير إن رجوعك هيغير فيه كتير أوي."

أنهى حديثه تزامنًا مع وقوفه أسفل بناية صديقه وبرفقته "شاهي" التي كانت تستمع إليه بإنصات شديد، تحاول الاستماع إليه أكبر فترة ممكنة دون أن تقاطعه حتى تعلم الكثير والكثير عن ولدها الحبيب الذي مازال مجهولًا وغامضًا أمامها حتى الآن. "من عند المدعوق ابن المدعوق "عصفورة" لحد هنا ميكملش خمس دقايق على بعض. خدت أمي وروحت فين يا "شيخ رمزي" يا اللي بناخدك قدوة ومثل؟ أكمنها حلوة يعني وعيونها زرقا تنسى نفسك ولا إيه؟

طب دي أمك حتى." نطق بها "جعفر" الذي كان واقفًا في الشرفة ينتظر قدومها حينما هاتفته وأخبرته أنها قادمة إليه. رفعا رأسيهما ينظران إليه، ليبتسم إليه "رمزي" قائلًا: "أنا وهي بقينا صحاب خلاص. أعمل حسابك من دلوقتي والصحاب مبيخبوش على بعض حاجة." أغلق "جعفر" عينيه نصف غلقة، ورمقه بشك واضح، مستردًا حديثه الذي كان به بعض الغموض، قائلًا:

"أنت شكلك لبخت في الكلام ونسيت نفسك. وربنا المعبود لأ يكون الحساب بينا تقيل يا ابن "نجلاء". اتقـ ـل، اطلعي يا "ماما" يلا يا حبيبتي، وانت يلا شوف هتنيـ ـل إيه وحسابنا بعدين مع بعض، وانت فاهم أنا قصدي إيه." ضحك "رمزي" بغلب على أمره بعد أن نظر إليه وقال بنبرة بها أثر الضحك:

"والله كنت ناوي أخبي فعلًا وأداري على الموضوع عشان ميكبرش على الفاضي، وانت بسم الله ما شاء الله بجد مبتصدق تلاقي حاجة تشبط فيها زي العيل الصغير. بس تمام، أنا هستناك."

"على بيتك يا "رمزي" عشان مراتك عايزاك أحسن لك." نطق بها "جعفر" بتحذير شديد، تلقاه الآخر الذي ضحك وقام بتوديعه وذهب. بينما ولج "جعفر" إلى الداخل مقتربًا من باب شقته، يفتحه منتظرًا وصول "شاهي" إلى طابقه. لحظات وظهرت بالفعل أمامه مبتسمة الوجه، لتعلو ابتسامته سريعًا ثغره، ثم ضمها إلى أحضانه مرحبًا بها بحب شديد وحفاوة.

أغلق الباب خلفه، ثم سار معها إلى الداخل وهو يغازلها بعد أن أدهشته هيئتها الجميلة التي مازالت تحتفظ بها منذ عدة سنوات مضت، لتعلو ضحكاتها دون أن تتحدث. جلست على الأريكة، ليجلس بجوارها مبتسم الوجه، ليجدها تسأله عن شقيقته التي لم ترها حتى الآن. حينما ابتسم هو بتهكم واضح وأجابها قائلًا: "بعيد عنك، أصل "سراج" عنده نقص حنية فتلاقيه متبت فيها دلوقتي."

تعالت ضحكاتها حينما أردف ولدها بهذه الكلمات. خرجت "بيلا" من المطبخ كي تستقبلها مبتسمة الوجه. ضمتها "شاهي" إلى أحضانها وربتت على ظهرها برفق، لتقول مبتسمة الوجه: "لا بس النهاردة وشك منور والضحكة حلوة أهي عن المرة اللي فاتت، إيه السر يا ترى؟

أنهت حديثها وهي ترمقه بطرف عينها، ليضحك هو بدوره هذه المرة بعد أن تتمتم بعدة كلمات غير مسموعة. بينما نقلت هي نظراتها بينهما وهي مبتسمة، لتضطر "بيلا" استئذانها والعودة إلى مطبخها سريعًا بعد أن رأت أنها محاصرة ولن تستطيع قول شيء لها. فيما نظرت الأخرى إلى ولدها الذي ضحك من جديد وقال: "والله ما عملت حاجة أنا طيب وغلبان حتى."

"هحاول أصدقك رغم إن وشك ميقولش كدا." نطقت بها "شاهي" التي كانت ما تزال ترمقه نظرات خبيثة بعض الشيء. جلست من جديد على الأريكة، لتسمع صوت جرس المنزل يرن عاليًا يعلن من في الداخل على قدوم زائر إليهم. ترك هو والدته وتقدم منه، يفتحه ليجد الطارق "مها". أفسح إليها الطريق وهو يهتف ساخرًا بعد أن تبدلت معالم وجهه ونبرة صوته إلى السخرية والتهكم، قائلًا:

"أخيرًا سابك، دا أنا قولت هيفضل متبت فيك لحد الأسبوع اللي جاي. شكله يا قلب أمُه لسه مش مدرك إنه ردك تاني. معذور الراجل برضوا دا حاله كان يصعب على اليهودي." أنهى حديثه الساخر وهو يرى شقيقته تضم والدتها ترحب بها بحب واضح. ثم بعد أن انتهت، التفتت إلى أخيها تضربه بقبضتها على كتفه بحنق، تهتف بنذق:

"تعرف تخليك في حالك شوية ومالكش دعوة. معرفش مضايق ليه بصراحة. حاجة غريبة زيك ما أنت بتتبت في "بيلا" ومبنفتحش بوقنا، ولا هو حلو ليك وو -حش لغيرك." أبتسم "جعفر" ابتسامة سوداء مريرة، وكأن ضالته قد ظهرت، ليجذبها بدون سابق إنذار من ملابسها، يحاوط عنقها بذراعه متحكمًا في حركة جسدها، وقال بنبرة يملؤها الغيظ: "مش ملاحظة إنك من ساعة ما اتجوزتي الـ -ـبأف دا وانت قلبك قوي أوي وشوفتي نفسك عليا؟

نسيتي يا بت كنت بعمل فيكي إيه ولا لا؟ كنت بجيبك من شعرك كدا ومحدش كان بيقدر يحوشك من إيدي. شكلك بتقولي يا شـ ـر أشطر، وأنا لو طاوعت شيطاني هنزعل من بعض."

نهضت "شاهي" وهي تحاول الفصل بينهما، وكأنهما طفلان صغيران في الروضة، أحدهما تناول فطور الآخر، وسارع الآخر في رد حقه منه. وفي ذلك الوقت، أبى هو أن يتركها حتى يرد إليها الصاع اثنين. جذبت هي رأسه وهي تقسم على عدم تركه، ليشـ ـتد العراك بينهما وتزداد المطاردة التي لن تنتهي إلا بفوز واحد منهم.

"متشوفش نفسك عليا يا حبيبي عشان متزعلش. "مها" بتاعت زمان مش "مها" بتاعت دلوقتي، فـ اهدي على نفسك كدا عشان متزعلش انت مني." أنهت "مها" حديثها وهي ما تزال ممسكة برأسه، تقسم على عدم تركه حتى يتركها هو أولًا. بينما كانت "شاهي" تحاول الفصل بينهما بأية طريقة، وكأنهما طفلان صغيران وليسا شاب وفتاة كبيران. "بس خلاص أنت وهي؟ إيه للدرجة دي مخكم صغير مستنيين لبعض غلطة صغيرة؟

خلاص يا "يوسف" سيبها مش معقول كدا يعني." نطقت بها "شاهي" تحاول الفصل بين الشقيقان اللذان يتوعدان إلى بعضهما البعض الآن بالويلات. "هو دا كدا حاجة يا "طنط"؟ مشوفتيش "جعفر" كان بيعمل فيها إيه؟ ولا كأنها مرات أبوه مش أخته." نطقت بها "بيلا" التي خرجت من المطبخ مؤخرًا تتجه إلى غرفتها، تحادث والدة زوجها وهي تمر بجوار زوجها وشقيقته اللذان كانا لا يريدان الاستسلام إلا بفوز واحد منهما.

تفاجأت "شاهي" التي عادت ببصرها إلى ولديها وهي تنوي فض هذا الاشتباك على طريقتها الخاصة. بينما كانا الإثنين يتوعدان لبعضهما البعض، حتى تفاجأ بالذي يسقط على جسدهما من الخلف، ولذلك اضطرا الإثنين إلى ترك بعضهما البعض والالتفات إلى الفاعل الذي لم يكن سوى "شاهي" التي كانت تعقد ذراعيها أمام صدرها تنظر لهما بضيق ووحدة. "جرى إيه يا "شاهي"؟ في إيه؟

" نطق بها "جعفر" بأسلوبه السوقي المعتاد، وكأنه لا يحادث والدته إنما يحادث أخرى قد ارتكبت جريمة شنيعة في حقه. جحظت عينيها وهي تنظر إليه، عدم استيعاب. أهذا "يوسف" الذي يحادثها هكذا أم أنها تتخيل ذلك؟ أصابتها الدهشة حتى أنها لم تتحدث وتجيبه. خرجت "بيلا" في هذه اللحظة وهي تضربه بغضب على ذراعه وهي ترمقه نظرة قاتلة، لينظر هو إليها ويردها إليها قائلًا: "جرى إيه يا حلوة أنت كمان في إيه؟

توقفت هي بعد أن كانت متجهة إلى المطبخ، لترمقه نظرات قاتلة، وتنظر إلى ذراعها الذي ضربها عليه، لحظات ثم إليه مرة أخرى، وهي تشعر بالغضب يتفاقم داخلها تجاهه. تركت ما بيدها، ثم وقفت أمامه مباشرة، تنظر إليه نظرات حادة. تدخلت "مها" تفصل بينهما قبل أن يتشاجرا الآن ويعلو صوتهما ويتم فضحهم. "أنت مالك أنت واحد ومراته، أقعدي على جنب متقرفيناش، لسه دورك مجاش." أنهى "جعفر" حديثه وهو يدفعها بعيدًا عن مر

-ماه، وعاد يرى الأخرى التي كانت ما تزال على حالها بشكل أوضح. تفاجأت كلًا من "شاهي" التي ترى معاملة ولدها تلك لأول مرة، لتنظر إلى ابنتها وهي ما تزال مصدومة، لتقول: "دا بجد اللي عيني شيفاه دا؟ هو بيتكلم جد ولا بيهزر؟

"دا واحد دماغه تعبانة محتاج يتعالج." نطقت بها "مها" تجيب والدتها، وقبل أن تقول شيئًا آخر، شعرت بيده تقبض على خصلاتها الحريرية الناعمة والطويلة، يجذبها منه، لتصرخ هي بتفاجؤ وهي تنظر إليه، تضع يدها على يده تحاول تحرير خصلاتها من قبضته، أسفل نظرات "شاهي" التي دافعت عن ابنتها وعنفته بقولها إليه.

صدح رنين جرس المنزل الداخلي يرن عاليًا يعلنهم عن وصول زائر. تقدمت "بيلا" منه، وفتحته لتبصر "سراج" الذي وقعت أنظاره على زوجته التي كانت أسفل قبضة أخيها. صدم لبضع لحظات، ولكنه استفاق سريعًا وتقدم منه، يفصل بينهما ويقف حصنًا منيعًا أمام زوجته في مواجهة الآخر الذي نظر إليه ساخرًا وهتف قائلًا بتهكم واضح: "البأف بتاعك شـ ـرف. لم مراتك يا بأف بدل ما ألـ ـمها أنا وترجع تزعل في الآخر."

"إيدك الحلوة دي تحافظ عليها وتخلي بالك منها عشان متزعلش عليها فجأة. ولو على مراتي فهي ملمومة الدور والباقي عليك يا هـ ـزـ ـق." أنهى "سراج" حديثه بنبرة متهكمة وهو ينظر إليه، ثم تبدلت معالم وجهه سريعًا إلى أخرى حادة، فهو لا يحب رؤية زوجته هكذا، حتى ولو كان أخيها ويمزحان، هذا يشعره بالغضب، فأسوأ ما يمقته أن يقترب أحد منها هكذا ويتطاول عليها بالأيدي.

حرب مقل قائمة بين الإثنين في تحدٍ سافر، كل منهما يريد فرد سيطرته وهيمنته على الآخر. ألتفت إلى الأخرى التي كانت تقف خلفه، ليراها تنظر إليه وخصلاتها مبعثرة بفعل أيادي الآخر. رفع كفيه ورتب إليها خصلاتها البنية الفاتحة بهدوء، ليرى عينيها تضحك إليه قبل فمها، ولذلك ابتسم إليها بحنو دون أن يتحدث.

"رتب يا خويا رتب. رتب الشعر اللي راحت صرفت فلوسك كلها عليه، رتب. ما هو برضوا دول عشر آلاف جنيه. حرام ميجيبوش نتيجة. رتب يا مدلع." أنهى "جعفر" حديثه الساخر إليه، الذي يشعل فتيلة الآخر. أكمل بالفعل "سراج" ترتيب خصلاتها برفق، ثم في النهاية ضمها إلى أحضانه بذراعه، يلثم جبينها ووجنتها، ثم ألتفت بعد ذلك إلى الآخر وهتف بنبرة باردة: "لما أبقى دافع من جيب أهلك أبقى أتكلم. غير كدا تخرص ومسمعش صوتك."

"مش بقولك تدلع وبدلعها. مال أهلك بتتحشر ليه؟ وبعدين فداها عمري كله كمان مش فلوسي بس هي بتعمل كل دا لمين يعني مش ليا وأنا راضي ومبسوط يبقى تهدى وتخليك في حالك عشان شكلك محروق أوي المرة دي." عاد ينظر إلى "مها" التي كانت ملتزمة الصمت إجابة على ما يحدث حولها، ثم مسد على ذراعها برفق، ولثم جبينها مرة أخرى، وقال بنبرة رخيمة: "فداك أي حاجة ولا يهمك أخوك طول عمره بصورم، إيه الجديد يعني."

تلقى ضربة عنيفة على ظهره، جعلته يتأوه عاليًا. ألتفت إليه ينظر إليه بغضب، ليرى البرود عنوان الآخر. مدت "مها" كفها تمسد على ظهر زوجها برفق، تخفف آلام ظهره. أبتسم "جعفر" وقال بنبرة باردة: "معلش، أصلي مغـ ـلول منك." "وربنا المعبود لأوريك. أنا بس عامل حساب إن الست الوالدة واقفة غير كدا أقسم بالله كنت وريتك الغـ ـل على حـ ـق." نطق بها "سراج" وتألم بسبب قوة ضـ ـربة الآخر.

"تسلم يا "سراج" على ذوقك. عندي أنا دي حـ ـقك أنا هجيبهولك من "يوسف" ويوريني عرض كتافه. وشغل الـ ـعـ ـربـ ـجة دا يا حبيبي مش عليا. أنا "شاهي" ها." نطقت بها "شاهي" وهي تنظر إلى ولدها الذي لم يكترث لحديثها وجلس ببرود على المقعد، يضم صغيرته إلى أحضانه، يلثم وجنتها بقبلة عميقة حنونة، ليراها تبادله قبلته بأخرى رقيقة. *** "أنا الفريد من نوعي دومًا."

كانت "زينة" تضع صحون الطعام على سطح الطاولة، ويعاونها "فريد" الذي لحق بها إلى الداخل مرة أخرى، وهو يهتف بقوله: "كان لازم تعزمي "منصف" يعني؟ ما كان كفاية "شيرين" طيبة وبشوشة، أحسن من بوز الإخص اللي متجوزاه دا." "لاحظ يا "فريد" إنك بتتكلم على ابني، متتخبطش في الكلام." نطقت بها "زينة" بضيق، بعد أن رأته يهين ولدها الحبيب. نظر إليها ثم اقترب منها حتى وقف بجوارها وقال:

"مش قصدي والله. أنا بتكلم كنوع من أنواع الهزار مش أكتر. بعدين على يدك أديكي شايفة بيعاملني إزاي؟ وكأني واكل ورثه." "ما أنت عارف "منصف" يا "فريد" مش جديد عليك يعني." "أيوه يا "زينة" ابنك وكل حاجة، بس يبطل يحط نقرة من نقري، مش معنى إني ساكت يعني أبقى ضعيف الجناح زي ما بيقولوا. مسيري هفاجئه في مرة المبقع دا، يصبر بس شوية كمان."

أنهى "فريد" حديثه وهو يتوعد للآخر بالويلات، لترمقه الأخرى نظرة ذات معنى، ولم تتحدث، يكفيها ما تعيش به. خرج "فريد" وهو يضع الصحن على الطاولة، ليسمع صوت رنين جرس البيت يرن عاليًا يعلنهم عن وصولهم. تحرك تجاهه بخطى هادئة، وهو يزفر بعمق، ثم أمسك بمقبض الباب وحركه، ليفتح الباب ويرى الآخر يقف أمامه يحمل صغيرته بين ذراعيه، يرمقه نظرة خبيثة.

زفر "فريد" وتنحى جانبًا وهو يتمتم بضيق بعدة كلمات غير مفهومة، ليدلف الآخر وهو يتحدث بنبرة عالية قائلًا: "جوزك اتجنن يا "زوزو" وبيكلم نفسه. ألحقيه على السرايا الصفرا بسرعة، الحالة تعبانة وفـ النازل." شعر "فريد" بالغضب، ليرمقه نظرة مشتعلة، وهو يحاول قدر المستطاع التماسك والتحلي بالصبر، فلن يجعله ينال ما يسعى إليه بهذه السهولة. دلفت "شيرين" وهي مبتسمة، موجهة حديثها إلى "فريد" قائلة: "مساء الخير يا أونكل "فريد"."

"مساء النور يا "شيرين"، نورتي." رد عليها "فريد" مبتسم الوجه إليها، لتدلف تلحق بزوجها الذي دلف إلى المطبخ، حيث تقبع والدته، ليقف خلفها وينحني بجذعه نحوها، يلثم وجنتها بقبلة حنونة، أتبعها قوله: "واحشني يا جميل. أهو -ن عليك متسألش عليا كدا يعني، ولا يكونش جدو عملك غسيل مخ." "الصبر من عندك يا رب." نطق بها "فريد" بنبرة يملؤها الضيق، بعد أن استمع إلى حديث الآخر، الذي شعر بالسعادة فور أن علم أنه أغضبه.

"والله يا حبيبي ما حد يقدر ينسيني حبيبي ونور عيني. أنا بس اللي مشغولة الفترة دي شوية ومش فاضية. المهم طمني عليك." أنهت حديثها وهي تلتف إليه، لتراه يقف مبتسم الوجه يحمل صغيرته على ذراعيه، وبجواره "شيرين" التي اقتربت منها ترحب بها وتطمئن عليها بود، لتبادلها الأخرى الترحيب والاطمئنان عليها.

"أنا بقيت كويس أوي بعد ما لقيت كل الأكل اللي بحبه معمول. بقولك إيه يا "زوز"، الأكل دا لو فاض منه هحطه في كياس سودا وآخده معايا." نطق بها "منصف" الذي كان يتفحص أواني الطعام، يرى ما فعلته أمه برضا. "كياس سودا؟

تصدق أنت معفن صحيح." نطق بها "فريد" ببرود، وهو ينظر إلى الآخر الذي تجاهل حديثه، وتوجه إلى الثلاجة يفتحها، ليرى الحلوى التي يعشقها، هي وبعض المشروبات الغازية. ألـ ـمعت عيناه بوميض معلوم، وكأنه طفل صغير قد كافئته والدته على حسن سلوكه. "بقولك إيه يا "زوز"؟ أنا شايف إننا نطرد "فريد" وآخد أنا منابه. أنا الشغل ها

-لكني وعايز أتغذى أوي الفترة دي عشان بعمل مجهود كبير أوي." نطق بها "منصف" بعد أن جلسوا على المقاعد لبدء تناول الغداء، ليرى الشرار يتطاير من مقلتي الآخر القابع أمامه، ليبتسم إليه سريعًا ويسأله إن كان محقًا أم لا.

"يلا يا حبايبي بسم الله قولوا لحد ما تشبعوا، أنا عاملة الأكل لمين يعني." هكذا تفوهت "زينة"، لينظر إليها "فريد" بشر، وقد رآها تنحاز إلى صفوف ولدها، الذي ضحك عاليًا وهو يرى الصدمة هي عنوان الآخر، الذي كان صامتًا طوال الوقت.

"إيه في إيه جايين على أونكل "فريد" كدا ليه أكمنه طيب يعني ومبيتكلمش." هكذا دافعت "شيرين" عن "فريد"، الذي رأى الأخرى تأخذ صفوفه، ليشعر بالانتصار، ويرمق الآخر بتهكم، وكأنه يخبره أنه أخذ زوجته في صفوفه. "مين دا اللي طيب؟ دا جبروت أنت متعرفيش حاجة يا هـ ـبلة." نطق بها "منصف" الذي نظر إليها بغيظ، لتبتسم هي بسخرية، وكأنها تخبره أهو الذي يتسم بتلك الصفات أم أنت؟ كاد أن يبريء نفسه، ولكنه منعته والدته التي هتفت قائلة:

"خلاص مش هنتخانق، يخر -بيت "فريد" وسنينه السودا." ألجمت الصدمة "فريد"، الذي جحظت عيناه فجأة وتوقف الطعام في حلقه، يحاول استيعاب ما قالته زوجته منذ ثوانٍ. فيما نظرت إليها "شيرين" ومعها "منصف" الذي نظر إلى "فريد" ليراه ينظر إلى والدته بصد -مة حقيقية، لتمضي ثوانٍ وتتعالى ضحكات "منصف" عاليًا، وهو لا يصدق ما يراه ويسمعه. "إيه في إيه هو كله على زفت؟

" هكذا نطق بها "فريد" بنبرة غاضبة، بعد أن رأى الجميع ضده، حتى زوجته التي كان يضع آماله بها، رآها تأخذ صفوف ولدها. شعرت "شيرين" بالشفقة عليه، وبجوارها "منصف" الذي كان ينظر إليه مبتسم الوجه، وهو في أكثر اللحظات سعادة الآن. *** "كان يتمنى نجمة فأعطاه الله قمرًا."

كان يجلس في ركنه المحبب، والذي خصصه لعبادة ربه، يستند بظهره على الجدار ذي اللون البيج، وأمامه الحامل الذي يعتـ ـليه مصحفه، يقرأ آيات الذكر الحكيم بصوته العذب، الذي يريح القلوب المعذبة من قسوة الحياة، كي يجعل السكينة والراحة تسكنه. كان يجلس وبجواره صغيرته "قمر" التي كانت ساكنة على غير العادة، تستمع إلى صوته، الذي كان رائعًا بشدة، جاعلًا الطفلة الصغيرة تستكين.

بعد القليل من الوقت، أنهى "رمزي" قراءته، وأغلق المصحف، وهو يذكر ربه، لتقع مقلتيه على صغيرته التي كانت تنظر إليه. أبتسم إليها بحنو، ثم مد كفيه نحوها، يحملها برفق، وهو يسمي الله، ليضمها إلى أحضانه، ممسدًا على ظهرها برفق، وهو ينظر إليها، يراها تضع رأسها الصغيرة على صدره، فأصبحت هذه حركتها المفضلة مؤخرًا حينما تشعر بالأمان داخل أحضان والدها.

لثم رأسها بقبلة حنونة، وهو يمسد بكفه على رأسها وظهرها، وهو يقوم بتحصينها من أي مكروه قد يصيبها، مستعينًا بالله، الذي إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون. ظل "رمزي" على وضعيته تلك، حتى رأى زوجته "تسنيم" تولج إليه، وبيدها هاتفه الذي كان يرن عاليًا، يعلنه عن اتصال هاتفي من صديقه "جعفر". ضغط على الشاشة برفق، ووضع الهاتف على أذنه، ليسمع الآخر يهاجمه بقوله المندفع كعادته:

"أوعى تنسى إني نسيت اللي حصل الصبح يا شيخنا ها. أنا أنسى أي حاجة إلا اللي يخصني. فيلا يا حبيبي زي الشاطر كدا تنزل، عشان أنا مستنيك تحت، ولو منزلتش هطلع أفضحك يا ابن "نجلاء". آه وبالمناسبة، أنا وأمك بقينا صحاب أوي، والصحاب مبيخبو -ش عن بعض حاجة، واخد بالك أنت؟ ضحك "رمزي" وحرك رأسه بقلة حيلة، فهو يعلم صديقه جيدًا. زفر بعمق، ونظر إلى صغيرته التي كانت تتشبث به، وقال بنبرة هادئة متعقلة، عكس الآخر المندفع دومًا:

"ما أنا لو نزلت مش هنزل لوحدي. "قمري" ماسك فيا دلوقتي، وأنا بصراحة مقدرش أزعلها عشان أرضيك أنت." "والله؟ طب أنزل وهاتها، وليلتك أسود من الـ ـخـ ـروب يا "رمزي". أنا كدا جبت أخري منك." نطق بها "جعفر" الذي توعد للآخر بشدة، ليسمع ضحكاته عبر الهاتف، ثم أغلق معه. زفر "رمزي" بعمق، ثم نظر إلى صغيرته النائمة في أحضانه، ليقول بيأس واضح:

"حقك على راسي يا "نور عيني"، بس أبوك ربنا ابتلاه بصاحب اسمه "جعفر". دا ابتلاء من ربنا أنا عارف يا حبيبتي ومش ذنبك، بس نعمل إيه؟ راجل عديم الدم والمشاعر." في رد -هة المنزل في الأسفل.

كان "جعفر" ينتظر "رمزي"، وهو يزفر من الحين إلى الآخر، وينظر إلى الدرج المؤدي إلى الشقق في الأعلى. نظر إلى ساعة يده، ليسمع أقدام تقترب منه، لينظر نحو الدرج ويرى "رمزي" ينزل على الدرج، وهو يحمل صغيرته، يضمها إلى دفء أحضانه، وكأنه يأخذها درعًا حاميًا إليه، وهو ينظر إلى الآخر الذي عقد منكبيه أمام صدره، ينظر إليه بشر واضح. "والله؟

نازل ومعاك البت عشان معرفش أقرب منك يعني. ولو منعتني عنك دلوقتي هتمـ ـنعني عنك بعدين. أنا ناويلك على سواد يا "رمزي" الكـ ـلب." هكذا أنهى "جعفر" حديثه، وهو ينظر إلى "رمزي" الذي ابتسم إليه ابتسامة منتصرة، ليلثم يد صغيرته النائمة داخل أحضانه، وكأنه يشكرها على شيء قامت به، في حين أنها فقط نائمة داخل أحضانه. "حبيبة قلب أبوها. ربنا يحفظك ليا يا "نور عيني"، وتعيشي وتدافعي عن أبوك حتى لو مش مدركة. بس اللي واقف قدامنا دا سوا

-بق وواكل حقنا ومفـ ـتري علينا وظالم. منه لله الجا -حد دا. إنما أنا، أنا نسمة والله وابن ناس ومتربي وبخاف ربنا. مش زي ناس." هكذا حادث "رمزي" صغيرته النائمة داخل أحضانه، وكأنها مستيقظة وتتفهم ما يقوله، أسفل نظرات الآخر الذي كان ما زال على وضعه، ينظر إليه متهكمًا. "زفت الطين دا و -قـ ـف أمي ليه؟

" هكذا سأله "جعفر" الذي رمقه نظرة ذات معنى، منتظرًا إجابة واحدة كي تدفعه إلى ارتكاب جريمة الآن، وهو يتحجج في هذه اللحظة بأي شيء يستطيع جعله يخرج ما يكمن داخله. بينما نظر إليه "رمزي" ورأى الجدية هي عنوانه صريحًا على معالم وجهه في هذه اللحظة.

وبالفعل قص عليه ما حدث وما رآه، حتى أخذ والدته وأرشدها إلى بيت ولدها، بعد أن قام بتحذير الآخر من عدم اقترابه لها مرة أخرى. شعر "جعفر" بالغضب يتفاقم داخله، مسببًا انفجارًا قويًا داخل رأسه، جعله يترك "رمزي" ويتوجه إلى ذاك الحقير المدعو "عصفورة"، متوعدًا إليه بالويلات. بينما فهم "رمزي" ما سيفعله هذا المختل، ليلحق به حتى ينقذ ما يمكن أن يتم إنقاذه. في محل "عصفورة".

كان يقف أمام تلك العائلة التي جاءت لزيارة ولدهم الحبيب وابنتهم الحبيبة، يمنعهم من التحرك، وهو يتوا -قح معهم لمعرفة صلة القرابة بينهم وبين عدوه اللدود "جعفر". لا يكفيه ما يفعله على مدار اليوم، بل يتوا -قح ويتدخل فيما لا يعنيه بكل تبجح. "أنا مش فاهم أنت مالك جايين لمين ولا جايين نعمل إيه، كانت حارة اللي جابوك وأنا معرفش؟

" هكذا رد عليه "جاد" الذي شعر بالغضب يتفاقم داخله بسبب تدخل هذا الحقير فيما لا يعنيه، مما جعل الآخر يتوا -قح عليه ويقوم بإخراج مد -يته، تزامنًا مع ارتفاع شهقات "وجيدة" و "نسمة" التي ضمت صغيريها إلى أحضانها بخوف.

جاء في وقته المناسب، يقف أمام ابن عمه يدافع عنه ضد هذا الخصم الحقير، الذي رمقه بضيق واضح على معالم وجهه، حينما شعر بالإشمئزاز منه، كونه يفسد مخططاته ومتابعاته بظهوره دومًا، عائقًا في حياته، وهذا بات يغضبه في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ. خرجت "بيلا" وبرفقتها "مها" و "شاهي" و "سراج"، يشاهدون ما يحدث، بعدما طرق "أسمر" باب منزلهم وأخبرهم بما ينوي عليه سيدهم. "المطـ ـوة دي يا روح أمك متتر -فعش على فرد يخصني. دي تتر

-فع على الأشكال الزبالة اللي زيك كدا. ولو شايفهم ولاد ناس ومش هيعرفوا يسـ ـدوا في وشك، فـ أحب أقولك نجوم السما أقرب لك، عشان دول يخصوني. وانت عارف أي حد يخصني أتـ ـخدش بنصـ ـب صوان." أنهى حديثه، وهو يسحب مد -ية الآخر بحركة سريعة، ودفعه للخلف، يتحداه أن يقف قبالته. وكالمعتاد، اجتمع الجميع يشاهدون حفلة من حفلات سيد الحارة، التي جعلها مجانية للجميع منذ أن خطت قدمه على هذه الأرض.

كان "جاد" يقف خلف ابن عمه، لا يفهم شيئًا، ولكنه رأى العداوة القائمة بين الطرفين، وشر الآخر الذي كان لا ينوي على خير معه هذه المرة. تحرك "سراج" سريعًا كي يذهب إلى صديقه، ويقف بجواره دعمًا إليه وحاميًا له، الأول الذي يكرهه "عصفورة" بشدة. اقترب "رمزي" سريعًا من "أم حسن" يعطيها صغيرته، ويقوم بتوصيتها عليها، بينما الأخرى أخذت الصغيرة وضمتها إلى أحضانها تحميها، بينما عاد هو إلى صديقه يدعمه كالمعتاد.

وسريعًا، كان "سراج" و "حسن" و "رمزي" و "منصف" و "لؤي" يقفون بجوار صديقهم في شكل مهيب وخاطف للأنفاس، يترقبون ردات الآخر التي ستجعل الحرب تقوم بينهم. ألتفت "جعفر" إلى أسرته، وقال بنبرة جامدة لا تقبل النقاش: "اطلعوا على فوق يلا، معنديش حريم تحضر خناقة ولا تقف في الشارع. يلا على فوق."

نظر "مؤمن" إلى زوجته ووالدته، وأشار لهما بصمت أن ينفذا حديث ابن عمه، وبالفعل انسحبت "وجيدة" ومعها "نسمة" وطفليها إلى منزل "جعفر" أسفل نظراته التي تابعتهما حتى اختفى أثرهما من أمامه. عاد ينظر مرة أخرى إلى عدوه، منتظرًا ردة فعله، ليجده يقترب منه، يقف قبالته، وهنا تأهبت الحواس والأنظار والترقبات. شعرت "شاهي" بالخوف على ولدها الحبيب، لتجد "مؤمن" ومعه "جاد" يطمئنانها أنهما بجواره.

في هذه اللحظة، اقترب "بشير" من هذا التجمع، ليرى "عصفورة" يقف في مواجهة "جعفر"، ليراه يدفعه في صدره، يرد فعلته، لتجحظ عينيه بذهول، ويقترب منهم، ينظر إلى "جعفر" ينتظر ردة فعله الحاسمة على تلك الدفعة. "اللي عندك أعمله يا هيـ ـلتها. مش كفاية مستحملينك أنت وقرفك، جاي تجيب العا -هة دول كمان هي ناقصة."

تعالت شهقات الجميع، وتمتماتهم بعد أن سمعوا جملة "عصفورة" لسيده وحاميه الأول والأخير. لا أحد يستطيع الوقوف أمامه والتبجح به، ليأتي هذا "العصفورة" ويقوم بعـ ـملة كتلك دون التفكير في ردة الفعل الصادرة منه. نظر "راضي" إلى الجميع، وهو لا يعلم لم هذا الخوف والتفاجؤ، لينظر بعدها إلى ابن أخيه، الذي تبدلت معالم وجهه كليًا، ودون سابق إنذار، كان يجذبه بعنف، ويلكمه بقوة، مسقطًا إياه أرضًا.

تفاجأ أولاد عمومته، ليروا آخر غير الذي يعلمونه، والتقوا به. كان "جعفر" وكأنه تلقى الإشارة الخضراء للانقضاض على فريسته، والأخذ بحقه الذي صمت عنه لمدة طويلة، يثأر لنفسه، ولشقيقته، ولكل ما رآه وعاش به. كان يلكـ ـمه بقوة وغضب دفين، فهو ليس مستعدًا لرؤية عائلته التي حـ ـرم منها طوال حياته، تتأذى أمام عينيه، وهو يشاهد دون أن يتحدث. اقترب أحد الصبية منه، للأخذ بثأر سيده، ليجد "جاد" في مواجهته، والذي لم تو

-انى، وكان يضربه برأسه، يثأر لابن عمه، الذي كان كالبركان المنفجر في هذه اللحظة، لا يرى سوى مجموعة أشخاص مجرمين يحاولون أخذ ما يمتلكه بالقوة، ليدافع هو عن ذويه، ويخرج الأسد الجامح من جحره، لينال ثأره. تحرك "سراج" يدافع عن صديقه، وهكذا بدأوا يضربون الصبية الذين تكاثروا فجأة، لتصبح مشاجرة حادة لأول مرة في "حارة درويش". لكم "مؤمن" الصبي، ليتفاجأ بالذي يقوم بغرز مد

-يته في ذراعه من الخلف، في لحظة غدر غير متوقعة، لتعلو صرخاته المتألمة، وعلى أثرها، التفت إليه كلًا من "جعفر" و "جاد"، الذي تفاجأ وهو يرى المد -ية تغرز بعنف في ذراع أخيه. تحرك "جعفر" سريعًا، يلكـ ـمه بعنف، يسقطه أرضًا، ثم أخرج مد -يته هو الآخر، وقام بغرزها في ساق الآخر، الذي صاح بقوة متألمًا، ليثأر الآخر لابن عمه. أخرجها "جعفر"، وقام بغرزها مرة أخرى في ذراعه، مثلما فعل مع ابن عمه. ألتفت إليه، ليقوم بإخراج المد

-ية من ذراع ابن عمه، الذي كان يضغط على ذراعه، يحاول كتم تلك الدماء التي كانت تسيل بغزارة من ذراعه. جلس أمامه القرفصاء، يتفحص ذراعه بتلهف. "أنت كويس؟ حاسس بإيه؟ نروح للدكتور؟ " هكذا تحدث "جعفر"، وهو يسأله بتلهف وخوف واضح، ليبتسم إليه الآخر ويطمئنه بقوله: "مفيش حاجة متقلقش، أنا كويس، فداك."

ضمه "جعفر" إلى أحضانه، وهو يشد من احتضانه إليه، وكأنه يشكره على ما فعله لأجله، ليربت الآخر على ظهره، مبتسم الوجه. أبتعد عنه "جعفر"، وقبل أن يتحدث، كان "مؤمن" يصرخ به، ويدفعه بعيدًا، حينما رأى هذا المدعو "عصفورة" يقترب منه، وبيده سكين حاد، ينوي على إنهاء حياة الآخر تمامًا، بعد أن طفح به الكيل في لحظة تغيب العقل عن الواقع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...