الفصل 86 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
21
كلمة
6,902
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

التفت إليه "لؤي" ينظر لها مبتسم الوجه والتمعت العبرات في مقلتيه حبًا إليها وعشقًا لا ينتهي. فهي المرأة الوحيدة التي قد اختارها قلبه واكتفى بها دونًا عن نساء العالم أجمع، تلك التي كانت وما زالت الحب الوحيد والأبدي إليه.

"طب أنا همشي بقى عشان اللحظة دي مش بتاعتي. ولو عايز أي حاجة كلمني. وخلّي بالك من نفسك ومن ولادك." نطق بها "جعفر" بعد أن نظر إليه، ثم انسحب بهدوء وأغلق الباب خلفه. خرج من البناية ليسمع صوت هاتفه يصدح عاليًا. أخرجه من جيب بنطاله ليرى المتصل "بشير". "خير يا حبيبي، انت كمان ما حنفية المصايب فتحت على الآخر؟ أشجيني." نطق بها "جعفر" ساخرًا بعد أن أجاب على مكالمته، ليسمع الآخر يقول فورًا:

"ألحقني يا "جعفر". أنا اتسرقت لتاني مرة! توقف "جعفر" فجأة حينما استمع إلى كلمات "بشير"، ليشعر بالصدمة تلجمه ويتشوش عقله. أحقًا هو مغناطيس لجذب الكوارث إليه أم ماذا؟ لقد أصبح الأمر مريبًا وبشدة. "يعني إيه اتسرقت لتاني مرة دي! انت عيل يا "بشير"؟ "بقولك إيه، هتقعد تقطم فيا وتستخف؟ مش ناقصك. هتتصرف ولا أتصرف أنا؟ " هتف بها "بشير" بنبرة حادة متسائلة، فهو في هذه اللحظة ينتظره ضغطة صغيرة وسينفجر في الجميع.

"انت فين طيب وأنا هجيلك؟ " سأله "جعفر" بنبرة أكثر هدوءًا عن زي قبل، وهو ينتظر إجابته، فهو ليس في الحارة، وهذا هو ميعاد انتهاء عمله وبالتأكيد في مكان بعيد عليه. "فـ الشركة. لو تعرف تجيلي بسرعة تعالى. أنا لسه قبضت ونص القبض مسروق." "إزاي يعني وانت كنت نايم وهو بيتسرق؟! " أنهى "جعفر" حديثه بنبرة حادة معنفًا إياه، فهذه ليست المرة الأولى وقد قام بتحذيره في المرة السابقة، واليوم يعاد نفس المشهد، ولكن هذه المرة في مقر عمله.

"لما تجيلي وبطل تقطيع. عشان قسمًا بالله أنا فاضلي تكة حرفيًا وهطيح فـ الكل وانت أولهم." أنهى "بشير" حديثه بنبرة غاضبة. وبالفعل شعر "جعفر" بجدية الأمر وغضب الآخر البائن على نبرته وانفعاله في التحدث. أنهى المكالمة معه حينما أعطاه موافقته، ليزفر بعمق ويمسح وجهه بكفه وهو يزفر بضيق قائلًا: "أنا تعبت، قسمًا تعبت. أنا عايز "شاهي". أترمى كدا فـ حضنها أشكي لها من اللي ابنها بيشوفه كل خمس دقايق."

وكأنها تشعر به بالفعل، ليراها تهاتفه. نظر إلى شاشة هاتفه قليلًا، لتعلو الابتسامة الصافية ثغره فورًا، مجيبًا عليها يهتف بمرح بقوله: "تصدقي يا "شاهي"، انت فعلًا عندك الحاسة السادسة. عشان أنا لسه كنت بقول عايز أترمى فـ حضن "شاهي" أشكي لها من اللي بشوفه." "نن عين "شاهي" يا حبيبي، طول عمري حاسة بيك. مالك يا حبيبي؟ مين مزعلك؟

" هتفت بها بنبرة حنونة مبتسمة الوجه، ليشعر السعادة تغمر قلبه، مستشرفًا نبرتها الحنونة تلك، التي دومًا ما تجعل العديد والعديد من مشاعره المدفونة تتحرك وتحيا من جديد.

"والله يا حبيبتي، كل الدنيا مزعلاني. أنا قلبي مبقاش ياخد غير الزعل وكسرة الخاطر. تعبت أوي بجد وحاسس إني مخنوق وعايزك جنبي. ما تيجي تعيشي معايا يا "أمي". لو على الشقة أمرها سهل. أنا أقسم بالله عايزك جنبي. عايز أحكيلك كل اللي ابنك شافه لحد الثانية دي. "يوسف" محتاجك يا "شاهي" أوي جنبه."

أنهى حديثه بنبرة لوّعة بعد أن ألتمعت حدقته بعبراته التي كانت تعبر عن مدى ألمه وألم قلبه الذي أنهكته الحياة. كان كالشَريد وسط أناس غرباء، لا يعلم ماهيتهم ولا يعلمون ماهيته التي كانت ما زالت مجهولة حتى هذا اليوم. كانت الحياة تطرح به بين الفينة والأخرى، تعطيه الصفعات القاسية على صفحة وجهه دون رحمة. الغرباء يطيحون به، يجردونه من ثيابه في صغره، وإهانته. كان صبي لدى الجميع. تلقى الرحمة قليلًا، أما القسوة فقد كان يتجرعها مثل الدواء كل يوم من أياديهم. رأى الكثير والكثير في صغره ليجعله اليوم هذا الرجل الفاقد للطمانينة.

فقط يرى الجميع مثلما كان يراهم في صغره. هذا الذي سخروا منه في الماضي وأذلوه، وكانوا ينعتوه بـ "المشرد" لمجرد أنه أصبح يعيش حياة لا تشبهه. أصبح يتيم الأبوين وتربى مع امرأة ليست بأمه. كانت إحدى أسباب دمار حياته. لم يشعر بنفسه حينما سقطت عبراته على صفحة وجهه، وكأنه قد طفح به الكيل وأعلن رايات استسلامه وضعفه. "يوسف؟ انت معايا يا حبيبي. مالك يا نور عيني؟ مين زعلك أوي كدا؟ طب أجيلك يا حبيبي؟

قولي أي حاجة يا "يوسف". لو عايزني أجي هجيلك حالًا." أنهت حديثها بتلهف حينما استمعت إلى صوت تهتّك أنفاسه، لتعلم على الفور أنه يبكي. كيف لا وهي أم تشعر بصغارها حتى وإن أقنعونا أنهم بخير. حزنت وبشدة، وهذا حقها. فهذا الوسيم ولدها وقطعة منها. كيف لا يؤلمها قلبها لأجله.

"لا خليكي. أنا عندي مشوار كدا هطلعه على السريع وهجيلك أنا." أنهى حديثه وهو يزيل عبراته بكفه الحر عن صفحة وجهه، لتقوم بالموافقة على حديثه وتنهي المكالمة معه. أبعدت الهاتف عن أذنها وهي تنظر أمامها بشرود، بعد أن شعرت بوخزة قلبها المتألمة.

تنهدت بعمق، ثم نهضت وتوجهت إلى المطبخ وهي تنوي على إعداد العشاء بنفسها إليه دون مساعدة من أحد. وقد اتخذت قرارها في البقاء بجوار ولدها وابنتها دون الابتعاد عنهما مرة أخرى. ستعوضهما عن ما مرا به سويًا، وخصوصًا ولدها الذي يبدو وكأن حزن العالم أجمع يسكن داخل قلبه الذي تلطخ نقاؤه بقسوتهم وجبروتهم وحقدهم عليه.

تعلم أنه يحتاج إليها وبشدة. تعلم أنه يفتقر بالتأكيد إلى عناق الأم وحنانها. تعلم أنه بالتأكيد رأى الويلات وعانى كثيرًا حتى أصبح رجل كبير يبهه الجميع ويخضعون إليه. مسحت عبراتها العالقة على أهدابها وحاولت تماسك نفسها، وبدأت بإعداد الطعام حتى يصل.

_كان يجلس على الأريكة شارد الذهن، بصره مثبت في نقطة فارغة وهو يفكر فيما ينتظره بعد عطلته التي يقضيها الآن رفقة زوجته. خرجت "مها" من المطبخ وهي تحمل صحن التسالي الممتلئ لتجاوره في جلسته الصامتة تلك، تضع الصحن على قدميها. رمقته بطرف عينها لتراه ما زال شاردًا في أمر يبدو هامًا بالنسبة إليه. "بتفكر فـ إيه يا "سراج"؟ يا ترى هتتجوز عليا ولا بتفكر تاخد فلوسك مني إزاي؟

لعلمك أنا على باب الله، يعني متفتكرنيش غنية بقى والكلام العبيط دا." استطاعت جذبه انتباهه لينظر إليها قليلًا دون أن يتحدث. فيما عقدت هي ما بين حاجبيها وقررت محادثته ومعرفة ما به، فهي أول مرة تراه بهذه الهيئة. زفر هو بعمق، ثم اعتدل في جلسته وقرر التحدث معها كالمعتاد. "بقولك إيه؟ أنا بحبك."

ضحكت هي بعد أن ظنت أنه سيتحدث في أمر هام كالمعتاد، ليقرر مفاجأتها هو هذه المرة ومخالفة توقعاتها تمامًا. نظرت إليه مبتسمة الوجه، ليكمل هو حديثه قائلًا:

"بتكلم جد والله. بحبك أوي كمان. وعايز أظبط حياتي وأعيشها معاك صح. عايز حياتي تكون طبيعية. عايز أحس إني عايش. أبقى حمار وأنا بضيع الوقت دا كله كدا من غير ما أصلح حياتي. خصوصًا لو متجوز القمر دا. يعني لسه كنت بفكر كدا مع نفسي، لما كل حاجة ترجع لطبيعتها وتخلص وربنا يكرمنا ويبقى عندنا عيال بقى. هيكونوا شبه مين فينا؟

أنا عايز أربعة توأم بنتين وولدين. عايزهم كدا يكونوا سن بعض. عايز أعيش اللحظات دي بكل تفصيلة فيها. نضحك ونهزر ونتجنن ونزعق ونعمل كل حاجة. عايز البيت دا يكون مليان أصوات عالية كدا. مش عاجبني الصمت القاتل اللي عايشين فيه دا. أنا بصراحة نويت أنهي كل المواضيع دي الفترة دي. عايز أفكر فـ نفسي وأشم نفسي. وعشان جعفر وبنته يعرفوا يعيشوا، بالذات "ليان". آن الأوان كل حاجة ترجع لأصلها. مش كدا؟

أنهى حديثه وهو ينظر إلى معالم وجهها الهادئة حتى الآن. تستمع إليه بهدوء، حتى غمرتها السعادة حينما تخيلت حدوث ما قاله. لتشعر وكأن هناك فراشات تداعب معدتها. تهللت أساريرها وشعرت بالسعادة تغمرها، لتبتسم إليه ابتسامة صافية حنونة. هو في الحقيقة لم يكن ينتظر أية إجابة منها، لأن الإجابة قد تلقاها حينما ابتسمت وألتمعت عينيها بوميض ساحر. اتسعت ابتسامته، ثم اقترب منها ولثم وجنتها بقبلة حنونة، ليسمعها تقول:

"أكيد موافقة. دي حاجة تفرحني جدًا وتخليني أر قص من الفرحة كمان. بس بلاش حكاية الأربعة توأم دول، انت كدا عايز تموتني." تعالت ضحكاته، فهو كان يعلم تمام العلم أنها ستعترض وبشدة على عدد الأطفال الذين يريدهم هو، ليبدأ في محاولة إقناعها حينما حاوطها بذراعه متحدثًا بنبرة هادئة في محاولة منه لإقناعها قائلًا: "ليه طيب؟

دا أنا حتى ناوي أسميهم أسامي حلوة أوي. أربعة حلوين. أنا عايز عيال كتير بقى بصراحة كدا. عايز من الآخر هيصة ومهـرجان فـ شقتي. إيشي صريخ على عياط على زعيق على شد شعور. بصي مش هتنازل."

"لا والله وصحتي دي جايباها ببلاش يعني. مش إنسانة أنا وليا طاقتي. مليش دعوة. أنا بقول كفاية اتنين حلوين أوي." نطقت بها "مها" بعدما عقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت أمامها، وكأنها تخبره أن النقاش في هذا الحديث منتهي بالنسبة إليها. ولكن مع من تتحدث هي؟

إنه "السراج" الذي لا أحد يجرؤ على قول "لا" إليه، فيما عداها هي، لأنها محبوبته بالطبع ولا يستطيع إحزانها. ولكنه لن ييأس في محاولة إقناعها وسيبذل قصارى جهده حتى يصل إلى مبتغاه.

أخذ صحن التسالي من على قدميها ووضعه على سطح الطاولة التي تقبع أمامهما، ثم استلقى على الأريكة واضعًا رأسه على فخذيها، مطالبًا إياها أن تسمح لتلك الأنامل الرقيقة والناعمة التوغل إلى خصلاته، مثلما تفعل معه دومًا حينما يشعر بالإرهاق. لتبدأ تلك الأنامل اللطيفة في إزالة الألم من رأسه، تجعله ينعم بالراحة التي دومًا يتمناها. أغلق عينيه ولانت معالم وجهه، وسيطر الهدوء على المكان، لتنظر هي إليه بهدوء مبتسمة الوجه، تمسد على رأسه برفق دون أن تتحدث، تفعل مثلما كانت تفعل مع أخيها حينما يداهمه الألم رأسه بعد انتهاء يومه العصيب، ليركض فورًا إلى راحته التي كانت تزيل حمل هذه الأعتاق عن كاهله.

_كان مستلقيًا على الفراش، ضاممًا صغيرته إلى أحضانه، وبيده الأخرى هاتفه يتصفح إحدى وسائل التواصل الاجتماعي. أبعد مرمى بصره عن شاشة هاتفه ونظر إلى صغيرته التي كانت مستكينة للغاية داخل أحضانه، تنظر لإبهامه الذي كان يحركه للأعلى على شاشة هاتفه بتركيز شديد. ابتسم هو حينها ومسد على ظهرها برفق، وهو يحرك رأسه بقلة حيلة.

"الأطفال الصغيرة دي عليها حركات. بتركزوا فـ حاجات غريبة." أنهى حديثه مع نفسه، ثم رمقها بطرف عينه ليراها ما زالت على وضعيتها. زفر بعمق، ثم لثم جبينها بقبلة حنونة، وهتف إليها بنبرة هاديدة حينما قال: "بس براحتك يا "وتين". طبعًا عشان انتِ مميزة. أنا ليا فـ الدنيا دي كام "وتين" يعني."

أنهى حديثه، ثم ترك هاتفه بملل، وقرر صب تركيزه مع صغيرته الجميلة التي لا تستكين إلا في أحضانه هو فقط. بدأ يربت على ظهرها بحنو بكفه الآخر، ليراها تتململ، وكأنها تخبره أنها لا تريد النوم، بل هي واعية وبشدة إلى ما يحدث حولها. ولذلك حينما رأى أنها لن تخلد إلى النوم، نهض من على فراشه واستقام على قدميه، متوجهًا بها إلى الشرفة ليشاهد المارين في الأسفل.

استقرت مقلتاها على وجه والدها الذي كان يشاهد المارين في الأسفل، حتى شعر بنظراتها إليه، لينظر لها ويبتسم بحنو، ثم لثم وجنتها الممتلئة بحنو بالغ. فحينما جاءت هذه الصغيرة، قامت بإظهار نسخة أخرى من والدها. آخر حنون وبشدة ومحب لهؤلاء الكائنات الصغيرة اللطيفة. سمع صوت هاتفه يصدح عاليًا في الداخل، يعلنه عن اتصال. ولج إلى غرفته مرة أخرى وأخذه، ليرى مكالمة مرئية عبر التطبيق الشهير "مسنجر" من صديقه "حسن".

أجابه فورًا، لتظهر صورة "حسن" إليه، وهو يحمل صغيره مبتسمًا، ومعه كذلك في نفس ذات اللحظة "رمزي"، الذي كان جالسًا على فراشه نصف جلسة، ضاممًا "قمَره" إلى دفء أحضانه. "انتوا متفقين مع بعض ولا إيه؟! " نطق بها "منصف" وهو ينظر لهما عبر الشاشة، ليسمع "حسن" يجيبه بنبرة هادئة مبتسم الوجه قائلًا:

"شوفتك صدفة فـ البلكونة وانت واقف بالقمورة، ولقيت "رمزي" عمال يبعت فـ ڤويسات على الواتساب، مع إنها مش عادته. وأتاري القمورة بتاعته نايمة فـ حضنه. لقيتني بقى شايل نفس الشيلة، قولت نوثق اللحظة التحفة دي. إيه رأيكم فـ حالنا الجديد؟ أظن هما اللي بيربونا من أول وجديد، مش إحنا اللي بنربيهم."

"أنا عن نفسي مش مضايق. "وتين" تعمل اللي هي عايزاه. دي أكتر لحظة كنت بتمناها يا عم. أبقى معايا الحلاوة دي كلها وأزعل عشان مبترتاحش غير فـ حضني. أنا من النهاردة يا شباب "منصف" تاني خالص." أنهى "منصف" حديثه مبتسم الوجه، ليسمع "رمزي" يقول حينها ردًا عليه: "دا قرار وماشي على الكل والله يا ابني. بس أنا راضي عشان معايا "القمر" نفسه. عمرك سمعت عن "قمر" بينام فـ حضن إنسان؟

"يا حبيب قلبي انت دايمًا بتقنعني بكلامك. فـ عيب عليك بقى تسأل. المهم طمنوني عليكم أخباركم إيه؟ و "جعفر" كويس عشان بقالي كام يوم مبنزِّلش ومبكلمهوش عشان أكيد عنده مشاغل." أنهى "منصف" حديثه بنبرة هادئة متسائلة، ليتولى "رمزي" مهمة الرد على أسئلته حينما قال بنبرة أكثر هدوءًا:

"إحنا الحمد لله بخير دايمًا بفضل ربنا سبحانه وتعالى. بالنسبة لـ "يوسف"، وبالمناسبة أنا مش مقتنع بـ "جعفر" على شكل وشخصية واحد زيه. حقيقي مش جاي معايا. غير "يوسف". اسم جميل على اسم سيدنا "يوسف" عليه السلام. يعني أدوني سبب واحد مقنع يخليكم تنادوه "جعفر". لا شكل ولا شخصية لايقة على الاسم دا. واحد بالصلاة على النبي ملامحه ملامح واحد أجنبي. أنا من النهاردة مش هقول غير "يوسف". هكتبها بالبونط العريض."

"الفكرة إنه كبر وتربى على إنه "جعفر" مش "يوسف". وإحنا لما عرفناه زمان أيام ما كنا عيال، إن اسمه "جعفر" بس. ومن كتر ما بنناديه بيه خدنا عليه. إنما "يوسف" محتاج وقت أتعود عليه فيه. عشان مش واخد عليه لسه. كل ما بنادي عليه بقوله "جعفر". بس دي كل الحكاية." أنهى "حسن" حديثه الذي كان مقنعًا لهما بنبرة هادئة، ليدوم الصمت بينهم لمدة ثوانٍ، قبل أن يقطعه "منصف" حينما قال متسائلًا: "أيوه يعني هو عامل إيه دلوقتي؟

أنتوا مسكتوا فـ وش القفص وسيبتوا المفيد؟ "آخر مرة كلمته كانت أول إمبارح، كان بيقول إن حوار عيلته دا لسه مش قد كدا، يا دوبك اللي خد عليهم والدته وعمه وولاد عمه مش أكتر. بس هو بخير الحمد لله. تلاهي الدنيا واخداه شوية بس مش أكتر." أنهى "حسن" حديثه، ليرى الاطمئنان على معالم وجه الآخر، الذي زفر بعمق وشكر ربه أن رفيقه بخير ولم يمسه سوء.

"طب معلش يا رجالة، هقاطعكم. هستأذنكم بس أروح الجامع أصلي وأرجع لكم عشان متروحش عليا صلاة العشا." نطق بها "رمزي" بنبرة مهذبة لهما، يستأذنهما قبل إغلاقه المكالمة، ليسمعهما يودعانه، ليقوم بترك هاتفه على سطح الطاولة ومعه وضع صغيرته على الفراش، مطمئنًا عليها قبل ذهابه إلى المسجد.

_كان "بشير" جالسًا على مقعده في مكتبه، يحرك قدميه بغضب مفرط، وهو حقًا لا يستطيع تماسك نفسه، ينتظر قدوم زوج شقيقته على أحَر من الجمر. لا يستطيع اختيار القرار الصواب، أيقوم هو بنفسه وإلقاء هذا اللص درسًا قاسيًا ويأخذ حقه المسلوب بنفسه وينتهي الأمر على ذلك؟ أم ينتظر رفيقه حتى يصل ويأخذ هو حقه المسلوب على طريقته الخاصة؟

كان في حيرة من أمره، وكأنه قاب قوسين أو أدنى. وحينما شعر بالضيق والرغبة في إفراغ غضبه المكموم داخل صدره، زفر بعمق وأمسك بتلك الكرة المطاطية الصغيرة وبدأ يضغط عليها بقوة، عساه أن يتحلى بالهدوء قليلًا، ليستطيع الاحتفاظ بهدوئه الزائف لأطول وقت ممكن. لحظات وتعالت طرقات قوية على باب مكتبه، ليسمح لصاحبها بالولوج، ولم يكن غيره. "إيه اللي حصل بقى كدا عشان عصبيتك كانت زايدة ومفهمتش أوي اللي حصل؟

" أنهى "جعفر" حديثه وهو يقف أمام مكتب "بشير"، الذي أشار إليه بالجلوس. دام الصمت بينهما قليلًا، قبل أن يقطعه هو حينما حاول التحلي بالهدوء وقال:

"أنا لسه قبضت مبقالش ساعتين على بعض. روحت سحبت الفلوس مـن ال ATM عادي، كانوا ٥ آلاف جنيه. جيت هنا حطيتهم فـ درج المكتب عادي. وجالي موظف زميل قالي إن المدير عايزني. المهم روحت وقعدت ساعة. رجعت لقيت الدرج مش مقفول كويس زاي ما سبته ولقيت حوالي ٢٥٠٠ متاخدين. يعني نص القبض مسروق والنص التاني موجود. ومن ساعتها وأنا بغلي أقسم بالله وماسك نفسي لحد ما تيجي."

"لا كريم أوي الراجل. خد نص القبض وسابلك النص التاني تمشي بيهم حالك لأخر الشهر. ما هو لسه يعيني قدامك شهر على القبض الجديد. دا انت لو صرفت كل يوم ٨٠ جنيه فـ ٣١ يوم، يعني يعملوا حوالي ٢٤٨٠ جنيه وهيتفضل ٢٠ جنيه. دي ممكن تتبرعي بيها عادي وتبقى قفلت الـ ٢٥٠٠."

أنهى حديثه مبتسم الوجه، وكأنه يخبره أن يدبر حاله ويتأقلم على ما هو عليه لحين قدوم شهر جديد. استطاع إيجاد حلًا آخر في غضون ثوانٍ دون أن يكلف نفسه عناء التفكير. بينما كان "بشير" ينظر إليه، وللحق هو مصدومًا وبشدة، فهو كان يتوقع أن يخبره بطريقة رد حقه، ولكن فاجأه حينما أخبره أن يعيش بما يملكه أفضل من رد بقية المال.

"جعفر، تقوم تلحق نفسك دلوقتي وتمشي قبل ما أقوم أنا أدغدغ المكتب دا على دماغك وأوديك لـ أمك متكسر." نطق بها "بشير" بنبرة غاضبة مكتومة، وهو يرمق الآخر الذي رغم ألم روحه ونزيف قلبه، يضحك ويمزح. غريق يبحث عن ملجأ للنجاة من الغرق. "خلاص متتحمقش أوي كدا. أنا بهزر معاك يا عم. تعرف مين خدهم طيب وأتصرفلك أنا؟ " نطق بها "جعفر" بنبرة هادئة وهو ينظر إلى الآخر، الذي أكد على جملته الأخيرة بإيماءة خفيفة من رأسه.

"حلو قولي مين وأنا أوعدك لأخليه يقول حقي برقبتي." ابتسم "بشير" وهو يعلم تمام العلم أن رفيقه جاد في هذه اللحظة. تعابير وجهه أصبحت جادة لا تمزح، ليعلم أن الآخر ينتظره الجحيم على أيدي من لا يرحم. بعد مرور القليل من الوقت. وصل "بشير" إلى وجهته المعلومة بعد أن أوقف سيارته أسفل البناية المراد. نظر "جعفر" إلى البناية، ثم نظر بعدها إلى "بشير"، الذي قال بنبرة هادئة: "الدور الخامس. شقة ١٤٨. اسمه "رامي جليل". شغال موظف معايا."

"خليك هنا بقى لحد ما أطلع أتضايف عنده وأنزلك." نطق بها "جعفر" بنبرة باردة، بعد أن ارتدى نظارته الشمسية، ثم ترجل من السيارة السوداء ذات الماركة الشهيرة، متوجهًا إلى الداخل. نظر "بشير" إلى أثره، ثم ابتسم وضغط على إحدى الأزرار ليعود المقعد خاصته إلى الخلف في وضعية أكثر راحة، حتى يعود إليه رفيقه ومعه نقوده المسروقة.

خرج "جعفر" من المصعد واتجه إلى الشقة المراد، ثم دق على جرس المنزل وانتظر حتى يفتح الباب. لحظات وفتح، ليظهر إليه شاب بنفس عمر "بشير"، يرتدي ملابسه البيتية المريحة. رمقه بتعجب واضح، ليقول بنبرة هادئة: "أيوه مين انت؟ "رامي جليل مش كدا؟ شعر "رامي" بالغرابة، ولكنّه حرك رأسه بإيماءة صغيرة يؤكد حديثه. ابتسم "جعفر" حينما تأكد من وقوع فريسته في شباكه. "تسمحلي أدخل ولا هتفضل موقف ضيفك على باب بيتك كدا كتير؟

أفسح إليه "رامي" الطريق وأشار إليه ليلج الآخر بخطى ثابتة وشموخ لا يليق إلا به هو وحده. لحق به "رامي" إلى غرفة المعيشة، ليجلس على الأريكة أسفل نظرات الآخر، الذي كان يشعر بالغرابة الشديدة. "عارف إنك بتسأل نفسك دلوقتي أنا مين؟ أنا أعرفك بس انت متعرفنيش. بس هتعرفني متقلقش يعني. اقعد."

أنهى "جعفر" حديثه وهو يشير إليه بالجلوس. جلس "رامي" بالفعل، وهو ينظر إلى "جعفر"، الذي أخرج سيجارته ووضعها بين شفتيه، ثم أخرج قدّاحته وقام بإشعالها، ليأخذ منها نفسًا عميقًا، ثم يخرجه ببرود. بات التوتر واضحًا على معالم وجهه، ليشعر "جعفر" به، ولكنه لم يتحدث لبعض الوقت، حتى أصبح الآخر يشتعل في مكانه خوفًا مما هو قادم، خصوصًا أنه لم يأتِ إلا عندما قام بسرقة أموال "بشير".

"طبعًا أنا مش هطول معاك. هتديني الـ ٢٥٠٠ جنيه اللي سرقتهم مـن "بشير" بالذوق والحب؟ ولا نمشيها بنظام بكاني وأشتكي من قلة الهشتكة؟ أنهى حديثه الذي كان مباشرًا وصريحًا مع الآخر، الذي شحب وجهه سريعًا وانسحبت الدماء من أوردته. كان حقًا مصدومًا وبشدة، فهو كان لا يتوقع أن يتم كشفه بتلك السرعة. فهو يعلم أن "بشير" ساذجًا ولا يستطيع اتهامه ورد الحق إليه، ولذلك فعل تلك الجريمة وقام بسرقه. ولكن يبدو أنه ليس كذلك بعد الآن.

"شكله يعرف حبة بلطجية حلوين يجيبوله حقه." قرر التسلح بالشجاعة الزائفة وإظهار قوته التي لا يوجد لها أساس أمام واحد من أسياد حواري بلده. ما زال يجهل قيمة الشخص القابع أمامه. لا يعلم أنه يستطيع تجريده من ملابسه وتسديد الضربات العنيفة له، حتى يستسلم ويعطيه مبتغاه.

"هو من ناحية إني بلطجي فـ أنا بلطجي فعلًا. اسمي "جعفر البلطجي". انزل "حارة درويش" واسأل عليا هيوصلوك لبيتي. وتبقى ابن حلال لو لقيتني بأدب واحد كالعادة. أصل أنا كل يوم بصبح على واحد شكل وبعمل ليلة حلوة لأهل حارتي. منصـحكش عشان أنا غبي. هات فلوس أخويا أحسن لك. "بشير" أخويا واللي يدوس له على طرف، بدوس أنا على رقبته. فلوس أخويا تطلع بدل ما أوريك شغل العـربجة على حق."

أنهى "جعفر" حديثه وهو ينظر إليه نظرة حارقة متوعدة، يخبره أنه ليس كما "بشير" يصمت عن حقوقه، بل هو أقوى منه ولا يترك حقوقه مهما حدث. فما رآه وعاناه وعاش به، جعله لا يترك حقه ويأخذه حتى وإن كان بين عرين الأسود. ابتلع غصته بهدوء شديد، ورفع كفه يمسح على جبينه المتندي بشدة، وهو يدرك مدى خطورته التي رآها على نظراته وردود أفعاله.

"يلّا يا قمور عشان معنديش وقت ليك. ورايا مشاوير أهم. وخلّي بالك أوعى تفكر تتهور. أنا جبت قرارك كله فـ ثانية. فـ خليك زي الشاطر وأخلص. بدل ما أبلغ البوليس وتتحبس."

بالفعل رآه ينهض ويلج إلى الداخل، بعد أن ظهر الرعب على معالم وجهه بشكل واضح يكاد الأعمى يراه. فيما نظر إليه "جعفر" بطرف عينه وهو يبتسم بجانبية. لحظات وعاد إليه، وإحدى ذراعيه خلف ظهره. نهض "جعفر" بعدما شمله بنظراته الغير مريحة لبعض الوقت، حتى باغته "رامي" وأخرج سلاحه وأشهره بوجه "جعفر"، الذي باغتـه هو كذلك وضرب ذراعه ذاك ليسقط المسدس أرضًا، ويقوم "جعفر" بلكمه في وجهه بقوة، ليسقط "رامي" على الأريكة وهو يضع يده على وجهه متألمًا بقوة.

أكمل "جعفر" لكمه عدة مرات، ثم تركه حينما تأكد أنه لن يقدر على الوقوف ومنعه، ليتوجه سريعًا إلى الداخل، حيث تقبع غرفته، يبحث عن نقود رفيقه في كل مكان. لم يترك مكانًا إلا وبحث به، ليجدها أخيرًا في خزنة ملابسه. أخذها وتأكد من عددهم، ثم خرج مرة أخرى، ينظر إلى "رامي" نظرة مشمئزة، قبل أن يتركه ويرحل، تاركًا باب المنزل مفتوحًا.

خرج من البناية وتوجه إلى السيارة، ليجد "بشير" ممددًا على المقعد براحة، ممسكًا هاتفه مبتسم الوجه. ولج داخل السيارة مغلقًا الباب خلفه، مستشعرًا برودة الجو بسبب مكيف السيارة الذي كان يعمل. نظر إليه وأعطاه نقوده دون أن يتحدث، ليعتدل "بشير" في جلسته وهو ينظر إلى نقوده بذهول واضح. لا يصدق أن "جعفر" استطاع استعادة نقوده كاملة من ذاك اللص. "يا ابن اللذين! بسهولة كدا؟

" نطق بها "بشير" بذهول، وهو ينظر إلى رفيقه، الذي ابتسم بزهو واعتدل في جلسته دون أن يتحدث. "شكلك ركبته الرعب." "شويه وحياتك. وكان هيموتني. بس دا طلع سوابق يا عم. دا رفع عليا المسدس ابن المحترم. بس تصرفت يعني. أطلع بس عشان البوليس جاي دلوقتي يقبض عليه." رمقه "بشير" بذهول تام فور أن استمع إلى حديثه، ليراه يبتسم أكثر وينظر إليه قائلًا بمراوغة: "أصلي بلغت عليه."

تعالت ضحكات "بشير" بقلة حيلة على رفيقه، الذي يفاجه كل مرة. يقع في مشكلة جديدة. أعاد مقعده كمان كان، ثم أدار سيارته وتحرك بهدوء. نظر إليه وقال بنبرة هادئة: "على الحارة؟ "لا. هطلع على "أمي". وصلني بقى." "معاك أسبوع تقولي اللي نفسك فيه، وأنا عليا أنفذ عشان جدعنتك معايا." نطق بها "بشير" مبتسم الوجه، لينظر إليه "جعفر" نظرة ذات معنى مبتسمًا دون أن يتحدث، وألتزم الصمت حتى يذهب إلى حبيبته "شاي" ويخرج ما في جعبته لها.

_كانت "شاي" تقوم بإعداد الطعام بنفسها إلى ولدها الحبيب بسعادة وحب شديد، وهي تنتظر مجيئه على أحَر من الجمر. ولجت في هذه اللحظة "زينات" تلك المرأة مفسدة اللحظات السعيدة، لتراها تعد هذا الطعام كله وحدها، وكأن القادم أحد الشخصيات الهامة. هتفت بنبرة ساخرة إليها وهي تقول: "خير، اللهم اجعله خير. إيه دا كله عاملة وليمة ولا إيه؟ شعرت "شاي" بالضيق الشديد منها، لترمقها بطرف عينها نظرة حانقة، ثم عادت تنظر إلى ما تفعله،

قائلة بنبرة فاترة: "آه. أصل عقبال عندك نور عيني "يوسف" جاي. طبيعي هعمله وليمة." مصمصت "زينات" شفتيها بتهكم واضح عليها، لتبدأ ببخ كلماتها السامة في أذن "شاي"، التي بدأت تشعر بالضيق الشديد حينها، قائلة: "والله يا حبيبتي أنا شايفة أنها ملهاش أي لازمة يعني كل دا. هما صنفين حلوين أوي عليه مش محتاجة يعني. وبعدين يادوبك لسه عرفاه مبقالكيش شهرين. مش غريبة الحب دا كله؟

"لا هو أنا شايفة الأغرب. إنك بتتحشري فـ اللي ملكيش فيه يا "زينات". خليكي فـ حالك يا حبيبتي وركزي مع عيالك أحسن ما تركزي فـ حياة الناس. زي ما فرحانة بعيالك وبتعملي لهم المحمر والمشمر وقعدتي طول السنين اللي فاتت دي تقهريني باللي مش عندي. جه الدور بقى إني أدي لعيالي اللي اتحرموا منه فـ الدنيا. وخصوصًا حبيب قلبي "يوسف". أصله ما شاء الله الله أكبر عليه راجل ملّو هدومه. حرم نفسه من حلاوة الدنيا عشان خاطر يدوقها لأخته. بس

هنقول إيه بقى. في فرق بين اللي تعرف تربي قرد قاطع. وبين اللي الدنيا حرمتها من ابنها اللي اتربى بعيد عن حضنها وبرضه طلع راجل. بلاش نفتح كلام يا "زينات" في المواضيع دي عشان منزعلش من بعض. ولآخر مرة هقولهالك، ملكيش دعوة بيا أنا وعيالي. وشيلي ابني مـن دماغك عشان متصدعي."

أنهت "شاي" حديثها المؤلم إلى تلك المزعومة "زينات"، والتي شعرت في هذه اللحظة بالنيران تنهش صدرها والغضب يسيطر عليها. فهذه أول مرة تقوم بها "شاي" بالرد عليها، ويبدو أنها استعادت قوتها مرة أخرى، وستقوم بالوقوف أمامها ند بند. تركت المكان وخرجت كالإعصار، وهي تستشيط غضبًا أسفل نظرات "شاي"، التي ابتسمت ساخرة وعادت تكمل ما تفعله. في حديقة المنزل.

حيث يجلس "راضي" يقرأ بعض الأوراق الخاصة بعمله بإندماج شديد. شعر بظل يحجب رؤيته. رفع رأسه ليرى أخاه أمامه، والذي جلس بجواره دون أن يتحدث بحرف واحد. "في إيه يا "عماد"؟ مالك ساكت كدا ليه؟ مش عوايدك." هكذا هتف "راضي" بعد أن ترك أوراقه. ابتلع "عماد" غصته وقال بنبرة هادئة بها بحّة حزينة: "مفيش. كنت بزور "عدنان" وكالعادة اتأثرت."

"ربنا يرحمه ويغفر له. فـ الجنة بإذن الله. أنا محتاج أروح أزوره بقالي فترة مروحتش ودي مش عوادي." هتف بها "راضي" بنبرة غير راضية، بعد أن مسح بكفه على وجهه، ليربت الآخر على فخذه برفق دون أن يتحدث، فكلاهما متأثران بموت شقيقهما الحبيب، الذي كان طيب القلب وبشوشًا دومًا، يملك حنان العالم أجمع بداخله.

في هذه اللحظة، ولج "جعفر" إلى المكان وهو ينظر حوله بتيه، فهذه مرته الثانية وما زال يجهل المكان. رآه "راضي"، الذي قام بمناداته بنبرة عالية، ليلتفت إليه هو ويقترب منه. نظر "عماد" إلى أخيه، الذي ابتسم وقال: "ابن الغالي. "يوسف" ابن اخوك "عدنان" يا "عماد"."

أبتهج "عماد" فور رؤية ابن شقيقه الراحل، ليُصدم حينما رأى التشابه الكبير بينهما، وكأن "عدنان" هو من يقترب منه وليس "يوسف". نهض "راضي" وعانقه بحنو، ممسدًا على ظهره برفق، وهو يرحب به بشدة. شعر "جعفر" بالراحة حينما رأى عمه الحبيب أمامه، والذي ارتاح له قلبه مؤخرًا وأصبح قريبًا منه. "نوّرت يا "يوسف" والله. دخِلتك عليا خلتني مبسوط. أتمنى تتكرر كتير."

"أكيد يا عمي. أنتوا أهلي وناسي. أوعدك متكونش آخر مرة." هتف بها "جعفر" بنبرة هادئة، وهو ينظر إلى عمه، الذي مسد على ذراعه برفق، ثم أشار على "عماد" وهو يقول بنبرة هادئة: "عمك "عماد". توأم أبوك الله يرحمه."

نظر "يوسف" إلى عمه "عماد"، الذي ابتسم إليه وفرّق ذراعيه في الهواء. عانقه "جعفر"، ليضمه "عماد" إلى أحضانه، وألتمعت العبرات داخل مقلتيه تأثرًا. لا يصدق أن هذا اليوم قد جاء، ضاممًا هذا الشاب إلى أحضانه. بينما شعر "جعفر" بالراحة في عناق عمه الآخر والطمأنينة، ولذلك شد من عناقه إليه. "دا بقى توأم أبوك، مكناش بنعرف نفرّق بينهم بسبب التشابه الكبير اللي بينهم. "شاي" معاها صور أبوك، تبقى تفرجك عليهم وتقول بنفسك."

ابتسم إليه "جعفر" وشعر بالحزن في نفس الوقت بفراق والده الحبيب. ولكن استطاع التحكم في ذلك سريعًا، وابتسم إليهم، واستأذنهم للذهاب إلى والدته التي كانت تنتظره في بهو المنزل، تجلس تنتظره. صدح رنين جرس المنزل عاليًا، لتتوجه الخادمة وتفتحه له. ولج بهدوء، ليرى والدته تنهض مبتسمة الوجه، تفرق ذراعيها في الهواء إليه، تدعوه لمعانقتها.

لبّى هو مطلبها، واقترب منها، معانقًا إياها بحب شديد، فيما ضمته هي إلى دفء أحضانها، ممسدة على ظهره برفق شديد. لثم رأسها بقبلة حنونة، ثم شد من عناقه لها، وهو يقول بنبرة رخيمة متعبة: "كنت مستني الحضن دا من بدري يا "شاي". متعرفيش بيطبطب على قلبي إزاي وبيهوّن عليا كتير أوي. حضنك المسكن بتاعي اللي بيخفف تعبي."

"حضني ليك وموجود فـ أي وقت يا حبيب قلبي. حمدلله على سلامتك يا نور عيني. تعالى أقعد. أنا عملالك وليمة إنما إيه مقولكش. كان ناقصها "مها". بس مش مشكلة. تتعوّض المرة الجاية وهعملكم المحمر والمشمر كله. مش هحرِمكم مـن حاجة. اقعد انت بس وارتاح، وأنا هروح أجيب الأكل وأجيلك."

أنهت حديثها المتلهف، ثم تركته وذهبت مسرعة إلى المطبخ، أسفل أنظاره المحبة، التي كانت تتابعها بحنو. جلس على مقعده وانتظرها، وهو ينظر حوله يتفحص هذا المنزل الكبير والراقي. لحظات وولج "مؤمن"، الذي ابتسم إليه فور رؤيته له، ليتقدم منه مرحبًا به: "نوّرت يا باشا. إيه الزيارة الحلوة دي؟ كرّرها كتير بقى ها." ابتسم إليه "جعفر" وربت على ذراعه برفق، وهتف بنبرة هادئة وقال: "منوّر بناسه يا "مؤمن". أوعدك هتتكرر كتير."

"أستأذنك هطلع أغيّر هدومي وأجيلك. ولا تكونش جاي لـ طنط "شاي" بقى؟ " مازحه "مؤمن" مبتسم الوجه، ليضحك "جعفر" بخفة وقال: "جاي ليكم كلكم يا عم. إيه اللي بتقوله دا؟ هو مفيش غير "شاي" يعني؟ شوف دنيتك وأنا مستنيك نقعد مع بعض." "تمام. ساعة كدا وأجيلك عشان تقعد معاها براحتك. أو وقت ما تخلص معاها أبعتلي مسج على "الواتساب" قولي."

وافقه "جعفر" الرأي، ليتركه "مؤمن" ويصعد إلى غرفته حتى ينعم بالراحة قليلًا. جلس "جعفر" مرة أخرى، بعد أن رأى "شاي" تضع الصحون على سطح الطاولة، لينهض من جديد، يقترب منها قائلًا: "عنك يا سـت الكل. ارتاحي انتِ." "لا يا حبيبي خليك. أنا هطلعهم. أهو انت تلاقيك جاي تعبان وعايز ترتاح." "والله ما هيحصل. عنك يا حبيبتي أنا هطلعهم. مش دا بيتي برضوا ولا إيه؟ " هتف بها "جعفر" يوبخها على حديثها، ليراها تهتف مسرعة تنفي ظنونه:

"بيتك طبعًا يا حبيبي. محدش يقدر يقول غير كدا." "خلاص سيبيني أساعدك. أنا متعود أساعد "بيلا" فـ البيت." ساعدها بالفعل على وضع الصحون على سطح الطاولة، ثم جلس على إحدى المقاعد، وجلست هي أمامه تضع الصحون أمامه، لتسمعه يقول: "إيه كل دا يا سـت الكل؟ دا ولا كأنك عاملة وليمة."

"وماله يا حبيبي. عايزاك تتغذى كدا وتملا هدومك. مع إني يعني شايفة إن "بيلا" عاملة اللي عليها وزيادة." مازحته بحديثها وهي مبتسمة الوجه، لتراه يضحك ويجيبها قائلًا: "عامله معايا الصح والله. دي الوحيدة الحاجة الحلوة اللي فـ حياتي بعدك انتِ ومها وبناتي. شايلتني كتير أوي يا "شاي" وأستحملتني فـ أصعب ظروفي. دي تاج على راسي من فوق." "يا سلام على الكلام الجميل. أبقى سمعني كلام حلو زيك كدا يا "يوسف"."

"قسمًا بالله لو طلبتي عيوني أشيلهم وأديهوملك فـ لحظتها." ولج "جاد" في هذه اللحظة، مغلقًا الباب، وركض نحوه مسرعًا، يهجم عليه بالعناق والقبل الحارة، بعد أن أخبره والده بتواجده معهم. تفاجأ "جعفر" من هجومه ذاك، ولكنه ضحك سريعًا على جنونه الذي يراه لأول مرة، وهو يحاول تهدئته. بينما كانت "شاي" تشاهدهما مبتسمة الوجه، وهي ترى حب "جاد" وتعلقه الشديد بولدها. "ياض يا ابن المجنونة براحة هموت منك. مش كدا يخرّبيتك!

" هتف بها "جعفر"، الذي كان يحاول تحرير نفسه من حصار ابن عمه، الذي ضمه بشدة إلى عناقه، وقال بسعادة مفرطة، وكأنه يراه لأول مرة: "مبسوط أوي معرفش ليه. لما بشوفك قدامي بفرح فرحة أوڤر. بحبك أوي يا "يوسف" أقسم بالله." "يا عم حبني براحتك مقولتش حاجة. بس مش لدرجة إنك تموتني يا "جاد". راعي الست طيب. ملحقتش تفرح بيا." ابتعد عنه "جاد"، وجاوره في جلسته، وهو يثني ساعديه، وهو يقول مبتسم الوجه:

"مقدرش أقسم بالله. بتجيلي حالة كدا غريبة. إيه الأكل الحلو دا كله؟ أكيد دا بتاع طنط "شاي". ريحة وجمال. أنا نفسي اتفتحت على الأكل وهشاركك يا "يوسف"." "بالهنا يا عم. مد إيدك وشاركني بقى فـ الوليمة دي. أما نشوف هنخلصها إزاي."

أنهى "جعفر" حديثه، وهو يبدأ بتناول طعام والدته بتلذذ، مستمتعًا بطعم هذا الطعام الطيب، الذي أعدّ له بكل حب، وقد شاركه بالفعل "جاد"، الذي كان لا يقل عن الآخر شيئًا، أسفل نظرات "شاي"، التي كانت تنظر لهما بعينين ملتمعان وحزينة. استطاع "جعفر" قراءة ذاك الحزن سريعًا، ليأخذ قطعة اللحم ويمد يده نحوها. لم تستطع رفض طلبه، ولذلك تناولتها من يده، لتراه مبتسم الوجه لها، وبدأ يطعمها معه، وكأنها طفلة صغيرة، ليحاول إضحاكها، وهو يقص عليهما مغامراته وشجاره مع "فريد"، وقصة حبه الأسطورية مع والدة صديقه.

"والله يا "يوسف" قعدتك معانا كدا بالدنيا وما فيها. أنا حبيّت قعدتك. أنا هجيلك كل يوم وأشوف الكلام دا كله بنفسي." "هاخدكم معايا وأوريكم بنفسي إيه اللي بيحصل. يا ابني أنا بلطجي هناك. مش محترم أوي كدا زي ما شايفني. دا بس عشان جديد عليكم لسه. شوية وهتاخدوا عليا وهتشوفوا وش العـربجي بتاعي وقلة أدبي على حق."

في هذه اللحظة، ولج كلًا من "راضي" و "عماد"، ليبتهج قلبهما حينما وقع بصرهما على ابن شقيقهما، وهو يجلس مع والدته و "جاد"، يضحك معهما ويشاركهما يومياته. ظهرت في هذه اللحظة تلك المزعومة، لتقرر إفساد سعادة "شاي" تلك، وتحويلها إلى جحيم.

"ما قولتلك يا "شاي" كفاية عليه صنفين. مش عارفة إيه التبذير دا كله. هو آه ابنك وكل حاجة، بس يعني كنتي سبتلنا حاجة ناكلها. خزنة البيت قرّب يخلص، وهو ما شاء الله ما لي هدومه أهو مش محتاج يعني."

كان الحديث صادمًا على الجميع، مصدومين من وقاحتها. وقد شعر "راضي" بالغضب، فيما شعر "عماد" بالخجل من تواقح زوجته مع الجميع. نظر "جعفر" إلى والدته، التي شعرت بالخجل والحزن، خصوصًا حينما رأى مقلتيها ملتمعتين بعبراتها، ولذلك شعر أنها كانت ليست أول مرة، وكأن والدته تحمل حزن العالم أجمع داخل قلبها، وهي فقط صامتة لا تتحدث. أفضل سبيل التعامل معها الآن هو الوقاحة مع هؤلاء الإناس، كما اعتاد دومًا. ولذلك كان يتخذ سريعًا وضعية الدفاع عن والدته ورد كرامته بأقل مجهود منه.

"وانت مال أهلك؟ هو أنا باكل مـن جيب أبوك وأنا معرفش؟ ما تقوليلي كدا يا "شاي"، يمكن باكل مـن جيبها وأنا معرفش. وبعدين وانتِ زعلانة ليه؟

أنا قاعد فـ بيت عمامي حبايبي وباكل مـن خيرهم. وبعدين أنا واحد عيني شبعانة ودايق خيرات ربنا كلها فـ مش محتاج بصراحة. بس بترجع لأصلك وانتِ مليكيش أصل أصلًا. ومش مجبر أرد عليكي. أنا بس رديت عشان "شاي" أولًا وعشاني. وعندنا فيكي يا "عنايات". أنا هطب عليكم هنا كل يوم ومش هرحمك. إيه رأيك بقى؟

وأنا واحد مش متربي أساسًا ولساني فالت مني على طول. يعني بالبلدي كدا أنا تربية شوارع. فمتخلينيش أستخدم أسلوب مش حلو معاكي. عشان برضه انتِ فـ الآخر واحدة ست ومرات عمي اللي لسه معرفهوش لحد دلوقتي." أنهى حديثه وهو ينظر إلى والدته، وقال بنبرة باردة مبتسم الوجه: "عايزك يا "شاي" بعد ما أخلص الأكل التحفة دا، تلميهوملي فـ أكياس سودا. أصلي هاخده كله معايا وأنا رايح."

رمق زوجة عمه نظرات حادة ومتحدية، ليراها تشتعل أمامه، وهي ترمقه بحقد دفين. انحنى "جاد" نحوه وهتف بنبرة هامسة إليه وقال: "عاش عليك بجد. انت راجل مـن ضهر راجل وبريمو عشان وقفت فـ وشها. بس مش عايز أصدّمك وأقولك إنها مرات عمك "عماد" اللي واقف جنب أبويا دلوقتي."

صُدم "جعفر" وبشدة، ونظر إلى عمه "عماد" القابع بجوار عمه "راضي"، وهو يشعر أنه قد أفسد كل شيء. ولكنه في كل الأحوال كان سيتحدث ويقف أمامها الند بالند، مدافعًا عن والدته، التي صمتت حينما صدمت من وقاحتها. إنه هدف رائع، ولكنه في مرمانا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...