أكبر إهانة يمكن أن تلحقها بإنسان في عصرنا ومن جنسنا، هي أن تنعته بأنه محروم من الأصالة، والإرادة، والمواهب الخاصة، وأن تقول عنه: إنه رجل عادي. –فيودور دوستويفسكي. *** ألا وأنا المحارب في معاركي، وسيف لامع في المخاطر يرافقني، ألا وأنا بالذكر طيب الأثر، فبأي حق تقول أنا المنتصر؟ خطت الأيادي بالأحبار على الأوراق، وكنت أنا كاتب المخطوطات، فيا عدو ظننت أنك بثائر، كيف للشر أن يثأر في أرض تطالب بالعدالة.
"كان يظن أن القدر دومًا حليفه، لا يعلم أن الأقدار تتغير." كانوا مندمجين في إبداع هذا الشاب الذي كان يتابعهم مبتسم الوجه ويشعر لأول مرة بالفخر بنفسه حينما شعر أنه فعل شيئًا مفيدًا لأول مرة في حياته. كان يشعر بالزهو والراحة وقد راق باله كثيرًا حتى تبدل في لمح البصر حينما استمع إلى صوت الباب في الخارج يغلق يليه صوت المفتاح في المزلاج يتحرك مغلقًا الباب بإحكام.
ألتفت برأسه سريعًا نحو الخارج ثم تحرك بخطى واسعة نحوه ليقبض بكفه على مقبض الباب محاولًا فتح الباب ليراه محكم الغلق. تذكر أنه قد نسي أمره حينما تركه في المزلاج وولج نحو الداخل، ليلعن نفسه بغضب. تركه وولج من جديد إلى الداخل متخطيًا إياهم بخطى واسعة ليولج إلى الشرفة ينظر إلى الأسفل وتحديدًا تجاه بوابة البناية منتظرًا تأكيد شكوکه. فإن كان هو بالفعل فلا بأس في أن يلاعب الفأر القط مرة أخرى فسيكون أكثر من مرحبًا به.
تأكدت ظنونه حينما رآه يخرج واضعًا كفيه في جيوب سترته الثقيلة يسير وكأنه لم يفعل شيئًا عائدًا إلى مقر عمله. ابتسم "يوسف" بسمة عابثة على ثغره ورَمقه نظرة خبيثة، فأن كان يظن نفسه ذكيًا وبفعلته تلك قد نَفَد منها فبأحلامه، فليس هو المحارب الذي يستسلم في منتصف المعركة ويرفع راياته البيضاء.
أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بتروٍ يتابع أثر عدوه اللدود، فهو مازال حتى هذه اللحظة منتظرًا اللحظة الحاسمة والفاصلة بينهما. فأفعال "فتوح" وأمثاله تدل على أنه ناجح، وإن لم يكن في دراسته بل في حياته العامة، وهذا ما يجعله يسعى للنيل منه. ***
"صحيح، قالوا زمان الفأر يحب يناكش فالقط من بعيد لبعيد عشان يستفزه. بس نسي إن القط غدار ولو فضل ساكت كتير عليه فدا مش ضعف منه قد ما هو مستني اللحظة اللي هيغدر بيه فيها. براحتك يا "فتوح"، بس الأهبل دايمًا ينسى إني معايا نسخة ثانية من المفاتيح. لسه متخلقش اللي يلاعبني يا ولد "الجزّار"."
أنهى حديثه مبتسمًا، ففي هذه اللحظة هو سعيد وبشدة. فدومًا يظنوه أحمقًا كونه جاهلًا في الأمور الدراسية ولا يملك شهادات تفوقه مثله، أنه أحمقًا في كل ما يحدث حوله، فدومًا نحرم من شيء لأحوال صعبة، ولكن المولى عز وجل يعطيه ما أثمن منه بمراحل عدة، وكان عطاءه "الذكاء"، ففكره يعادل فكر الفتى المتعلم بل ويتخطاه أيضًا. فإن كنت تظن أنه بجاهل، فتهانينا لك فأنت الجهل بأم عينه.
أخرجه من شروده ذاك صوت "عماد" الذي كان يناديه، ليستفيق هو من ما كان عليه، ثم ولج إليهم ينظر لهم قائلًا: "مؤاخذة، كنت بشم هوى بس بره." ابتسم إليه "عماد" الذي اقترب منه بخطى هادئة يرافقه في وقفته، مربتًا بكفه فوق كتفه قائلًا:
"أنت أبهرتني يا "يوسف" حقيقي، دماغك حلوة بس عايزة اللي يستغلها صح ويتعامل معاها. بصراحة أنا صورتها وهعرضها على صفحة الشركة، وأنا اتفقت مع "راضي" إننا هنفتح المصنع تاني وأنت اللي هتديره وكل اللي شغالين فيه هيكونوا تحت إشرافك أنت." *** تفاجأ "يوسف" كثيرًا من حديث عمه الذي فاجأه بحديثه دون أن يمهد إليه أي شيء، ليحاول فهم ما يحدث حوله حينما نظر إليهما وقال متعجبًا: "ثواني معلش، مصنع إيه اللي هديره وهشرف على مين؟
أنا مش فاهم حاجة خالص! أتاه الرد هذه المرة من "راضي" الذي أجابه بنبرة هادئة: "هتفهم كل حاجة وقتها يا "چو". عايزك تجيلي بعد بكرة الشركة هتبعتلك اللوكيشن تسعة بالدقيقة هكون مستنيك، بس أهم حاجة متتأخرش عليا عشان هيكون عندي اجتماع مهم محسوب بالثانية. متفقين؟
وما عليه سوى أن يرضخ إليه ويوافقه، ليبتسم إليه دون أن يتحدث، ليشرد عقله محاولًا فهم ما يحدث حوله وماذا يخبئ له القدر حتى وقتنا هذا. خرجوا جميعهم بعدما عادوا إلى المنزل مرة أخرى مارين من أمام محل "فتوح" الذي كان يدخن نوعًا من أنواع المواد المخدرة في الداخل، وحينما رآهم أمامه جحظت عينيه بشدة غير مصدقًا ما يراه أمامه. فهو متأكدًا وبشدة أنه أغلق عليهم الباب بالمفتاح.
وعلى ذكر المفتاح وضع كفه داخل جيب سترته ليستشعر بوجود المفتاح بداخله، ولذلك شعر أنه لا يفهم شيئًا. أما يراه مجرد تهيؤات أم أن هذا المخدر لم يعد يؤثر على عقله؟
نظر إلى الخارج من جديد ليرى "يوسف" يقترب منه بخطى هادئة ثابتة ونظراته باردة كبرودة الطقس من حولهم. ولج إليه مطلعًا عليه دون أن يتحدث، فيما نهض "فتوح" وهو يحملق به غير مصدقًا ما يراه أمامه حتى هذه اللحظة، فيتمنى أن يكون في النهاية "حديدًا" أو "عصفورة" وليس هذا الذي قام بحبسه هو ومن معه في تلك الشقة. ولكن ليس كل ما نتمناه نحصل عليه، فقد سمع صوته يشق السكون من حولهما حينما رمقه نظرة متشفيّة قائلًا: "إيه؟ مش مصدق صح؟
حقك بصراحة، ما أنت قافل عليا بالضبة والمفتاح وفاكرني يا حرام طير ضعيف ومكسور الجناح مش هيعرف يطير. بس مش أنا يا "فتوح" اللي بيستسلم بدري ويرفع الراية البيضاء. مش أنا ولا هكون لأني نفسي طويل مع الأشكال اللي زيك كدا بالظبط. هقولك أنا خرجت إزاي عشان متفضلش تفكر كتير وتتجـnn أنا لسه عايزك عاقل."
أنهى حديثه ثم رمقه نظرة ذات معنى تبوح بالتشفي والإنتصار، ليقطع المسافة الفاصلة بينهما مستندًا بكفيه على سطح المكتب الخشبي منحنيًا بجذعه العلوي قليلًا نحوه قائلًا بنبرة خافتة أقرب للهمس: "أصل أنا معايا نسخة ثانية من المفاتيح يا ابن العبيطة." رأى الصدمة بادية على تقسيم وجهه بوضوح، وهو ينظر إليه مجحظ العينين، ليبتسم هو إليه قليلًا ثم قال مكملًا حديثه:
"بقيت تصعب عليا أوي يا "فتوح"، بس هنقول إيه ناس خدت العلام وشهادات ياما وأخرتها قعدة على مكتب في محل بيع إزاز، وناس تانية مخدتش العلام بس الحمد لله خدت الذكاء، ودا الفرق بيني وبينك يا ابن "الجزّار". صحيح مش شبه بعض، بس أنا حاطط عليك وعلى عيلتك كلها كبيرها وصغيرها عشان اللي زيكم مشافش رباية ومبيفهموش فالأصول. المفتاح يا شاطر يطلع يلا، وأوعى شيطانك يوزك وتروح هناك تكسر الباب عشان مش هيتكسر للأسف، أصل أنا عامل الكالون كمبيوتر."
أنهى حديثه ساخرًا وهو يبتسم بتهكم، يطالعه بإستخفاف، ليرى ماء وجهه الذي فشل في الاحتفاظ به، واللون الأحمر الذي احتل وجهه حينما شعر بالغضب الشديد تجاهه وبالحقد الذي ازدَاد بداخله نحوه أكثر. أخرج المفتاح بالفعل وألقاه في وجهه بعنف، ليصطدم بوجه الآخر ثم يسقط على سطح المكتب. فيما أغلق "يوسف" جفنيه محاولًا تماسك نفسه قدر المستطاع، ليفرق بينهما بعد دقائق، ليعاود النظر إليه لبرهة من الوقت ليبتسم له قائلًا بنبرة مستفزة:
"مش بقولك أنتوا عيلة بنت *** مشافتش رباية." ازداد غضب الآخر أكثر عن زي قبل وهو ينظر إليه، فيما سحب "يوسف" مفتاحه واستقام في وقفته أسفل نظرات "فتوح" الذي كان يأكله حيًا بنظراته، أرسل إليه قبلة هوائية ثم التفت وسار خطوتين ليتوقف فجأة ويعاود الخطوتين ملتفتًا إلى "فتوح" الذي كان مازال ينظر إليه ضاغطًا بقوة على أسنانه، ليراه يومض جفنه الأيسر بعبث مع ابتسامة ماكرة يليها قوله الخبيث:
"ابقى غير الصنف واستنضف شوية، دا أنتوا واكلينها والعة يا ولد النصابة." ألقى جملته ثم التفت مغادرًا المحل مبتسم الوجه والراحة تغمر قلبه، تاركًا هذا الذي يشتعل غضبًا مكانه. وللحق لم يستطع التحكم في نفسه كثيرًا ليصرخ بالصبي بعلو صوته قائلًا بغضب شديد: "هاتلي شيشة يا "لمونة" بسرعة! ***
مر الوقت بهم سريعًا حتى ذهبوا جميعًا، ولم يتبقى سوى "شـاهي" حتى ترافق ولدها وترعاه كما اتفقت مع "بيلا". أطمئنت "بيلا" على فتاتيها معًا، ثم يليهما حماتها التي كانت تبيت في الغرفة المجاورة لغرفة "بشير" أخيها الصغير الذي يرافق والدتها الآن وتهتم به. أغلقت جميع مصابيح المنزل عدا الخافتة التي تعمل ليلاً، ثم توجهت إلى غرفتها بعدما أطمئنت أن كل شيء بخير، لتجاور زوجها من جديد.
رافقته في نومته على الفراش ثم سحبت الغطاء الثقيل على جسدها واستلقت بجواره تنظر إليه، لتراه مغمض العينين ومن انتظام أنفاسه علمت أنه غطى في ثبات عميق بعد انتهاء هذا اليوم المرهق. زفرت بعمق ودثرت نفسها جيدًا حينما شعرت بالبرودة تداعب أذنيها ليبدأ رجيف جسدها. نظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار لتراها أصبحت الواحدة بعد منتصف الليل، لتعلم أنها لن تستطيع النوم بسهولة في هذا الطقس البارد.
لحظات وشعرت بذراعي زوجها يتسللان نحوها ثم قربها منه ضامًا إياها إلى أحضانه يطبق عليها بذراعيه بعدما شعر برجيف جسدها بجانبه، ليتولى هو الأمر واضعًا القبعة الصوفية على رأسها يقوم بتغطية أذنيها حتى تستطيع النوم بشكل أفضل. "أنا لسه صاحي منمتش، كنت مستنيك عشان عارف إنك مبتعرفيش تنامي فالسقعة دي بسهولة."
نظرت إليه لتراه مازال مغمض العينين لتبتسم رغمًا عنها، فغيره لن يتذكر تلك الأمور البسيطة وسيغرق في ثبات عميق بسبب إرهاق اليوم ولن يشعر شيئًا. ولكن هو كان ليس كذلك، حتى في أشد أوقاته مرضًا تكون هي أولى اهتماماته.
انتظرت قليلًا حتى بدأ النعاس يتسلل إلى جفنيها رويدًا رويدًا حتى أوقعها في شبكاته وذهبت في ثبات عميق، آخر ما شعرت به قبلته الحنونة على جبينها، ثم لحق بها هو الآخر وذهب في ثبات عميق بعدما انتهى يوم شاق عليهم جميعًا. *** "أشرقت شمسه من بعد ظلمة الليل." في صبيحة اليوم الموالي.
أستيقظ وأستيقظت معه شمسه من جديد تستعد لبدء هذا اليوم بعد مرور يوم كان صعبًا عليه وهرَب منه عن طريق النوم. قام بالاستحمام ثم خرج يبدأ في تصفيف خصلاته بعدما ارتدى ثيابه والتي كانت عبارة عن بنطال من خامة الجينز ذو اللون الأسود ويعتليه كنزته السوداء والتي بها نقوش بعدة أحرف إنجليزية بيضاء على صدره.
نظر تجاه الفراش ولم يجدها كالمعتاد ليزفر بملل ثم يبدأ بتصفيف خصلاته السوداء بهدوء لبضع دقائق حتى انتهى ليقف ينظر إلى انعكاس صورته في المرآة برضا. ولجت في هذه اللحظة إليه مغلقة الباب خلفها لتراه قد استيقظ بالفعل ويبدو أنه يستعد للذهاب. لم تتحدث ولم تهتم كما تفعل دومًا، ولذلك تخطته متجهة نحو غرفة الملابس ليوقفها صوته حينما قال بنبرة باردة: "حتى صباح الخير مبتترمش." ظهر الضيق على تقسيم وجهها بوضوح، وهي
توليه ظهرها لتزفر قائلة: "صباح الخير... استفدت حاجة بقى؟ نظر إليها بعدما التفت لها ليقف خلفها مباشرة، عاقدًا ذراعيه أمام صدره قائلًا: "وإيه لازمة لاوية البوز دي على الصبح؟ ما تصطبحي يا "تماسي"." التفتت إليه "تماسي" ترشه بنظراتها الحانقة لتقول بنبرة يملؤها الضيق: "إيه يا "محمود"؟ هو أنت عايز تتخانق على الصبح وخلاص؟ "لا أنا مش عايز أتخانق بس شايف واحدة محترمة مش طايقة لجوزها كلمة بدون سبب."
زفرت بعمق من جديد وعقدت ذراعيها هي الأخرى أمام صدرها قائلة بوقاحة معتادة: "محمود أنا على آخرى، عدي اليوم أحسنلك." بدأ يقترب منها بخطى هادئة وهو يرشقها بنظراته حتى توقف أمامها مباشرة، وقد قال: "أعدي يومي؟ ليه إن شاء الله لو معدتهوش يعني هتعملي إيه." أنهى حديثه ثم قبض على ذراعها بقوة ضاغطًا عليه وهو يعيد حديثه مرة أخرى بعد أن تحول مئة وثمانين درجة عليها ليهدر بوجهها بغضب قائلًا:
"ردي عليا آخرصيتي ليه دلوقتي ولا فاطلة تهللي على الفاضي والمليان؟ بجـحة وعمري ما شوفت واحدة زيك. أنت متنسيش نفسك يا "تماسي"، مش معنى إني لسه محاسبتكيش على اللي عملتيه في مرات "مؤمن" إني نسيت. لمي دورك عشان بدأت أجيب آخري منك." "آه أنت بتهددني بقى؟ بس لا يا حبيبي معلش مش أنا اللي أتهدد وأخاف يا "محمود"، مش "تماسي محرم" اللي تسكت عن حقها." ناطحته في الحديث كعادتها الوقحة ولم تعبأ بأي شيء حولها، فيما ابتسم
هو بسمة ساخرة ثم قال: "حلو إنك فتحتي حوار حقك دا، عشان أنا كمان مبسكوتش عن حقي." عقدت ما بين حاجبيها وهي تنظر إليه تنتظر القادم منه، وهي تعلمه تمام العلم، ولكن تريد سماعها حتى تناطحه وتعانده من جديد. وصدقًا لم يتأخر عنها وقال بنبرة باردة:
"أنا كمان عايز حقوقي، أظن دا مفيهوش كلام وياما صبرت عليك وطاوعتك، بس أنا فاض بيا ومبقتش حامل أفعالك دي. جبت آخري و "محمود" اللي كنت بتقوليله كلمة وتزعقي فيه ويسكت مبقاش موجود، فأعملي حسابك بقى النهاردة." أنهى حديثه ثم ترك ذراعها وتحرك تاركًا الغرفة لها بعد أن شعر بالضيق يحوم حوله، ليوقفه صوتها حينما أعطته الرد قائلة: "وأنا مش عايزة وسبق وقولتلك أنا مش مستعدة أبوظ منظري وشكلي عشان خاطر سعادتك. أنا لسه عند قراري."
التفت إليها بجسده يرشقها بنظراته الحادة ليقول: "متشوفيش نفسك أوي كدا بس أنت أصلًا عادية مش ملكة جمال إنجلترا يعني. وبعدين هي الهانم متعرفش إنها لم ترضى بدون أعذار الملائكة بيفضلوا يلعنون فيها لحد ما توافق ولا مدرستيش دين قبل كدا؟
حديثه هذه المرة كان قاسيًا وبشدة، فقد طعن أنوثتها وكبريائها لأول مرة منذ زواجهما الذي دام عامين حتى يومنا هذا، فالآن يجب أن يكون لديه طفل صغير، وهذا حقه، ولكن هذه الحقيرة المدعوة في الأوراق زوجته تحرمه من أبسط حقوقه، فلا تأتي بعد فوات الأوان تبكي على اللبن المسكوب. توجهت نحوه بخطى واسعة حتى وقفت أمامه مباشرة، وقد توسطت يديها خصرها وهدرت في وجهه بعلو صوتها قائلة: "أنت بتقولي أنا الكلام دا؟
وبعدين مالي يا حبيبي كنت واخدني على عيبي لسمح الله ولا كنت ضربتك على إيدك عشان تتجوزني؟ هو أنت كنت تطول أساسًا! "صوتك وأنت بتتكلمي معايا." "لا مش هوطي صوتي وهعليه كمان وكمان، هتعمل إيه يعني؟ ولعلمك اللي دماغك مش هيحصل لو عملت إيه حتى وأنا على مبدأي ومش هغيره عشان أرضي جنابك. حلو كدا يا أستاذ "محمود"! هدر بوجهها بعلو صوته حتى وصل إلى البقية في المنزل حينما قال: "صوتك بدل ما أعملها وأمد إيدي عليك بجد!
مترجعيش تزعلي بقى، لم أبص بره هنا، بقى أنا ليا أعذار وحقي. شهقت عاليًا بطريقة سوقية وقد لوحت بيدها في الهواء قائلة بنبرة عالية: _ليه يا حبيبي كنت ناقصة إيد ولا رجل عشان تبص بره؟ طب أعملها وأنا يمين بالله ما هقعدلك فيها. _ياريت والله، عشان أنا قررفت وزهقت، دي بقت عيشة تقرف! صرخ بها ثم تركها وخرج كما الإعصار، صافعًا الباب خلفه بعنف، تاركًا إياها.
فيما كانت "نسمة" تجلس في غرفتها مع زوجها تستمع إلى شجارهما سويًا، حتى انتهى بصراخ "محمود" بعد أن طفح به الكيل وخرج. نظرت إلى زوجها الذي كان حزينًا على حال ابن عمه، محتقرًا تلك الحقيرة التي حتى الآن ترفض وتكابر إعطاءه حقوقه الشرعية. زفر بعمق ثم مسح بكفه على وجهه بهدوء، مستغفرًا ربه قائلًا: _دي مستحيل تكون بني آدمة بجد، منها لله نكدت عليه على الصبح. نظرت إليه "نسمة" والحزن باديًا على تقاسيم وجهها لأجل هذا
الشقيق بالنسبة لها لتقول: _بصراحة بقى هو غلطان، مخليها ليه على ذمته لحد دلوقتي؟ وهي قليلة الأدب عشان ترفض بدون سبب وتقف تبجح وتقل أدبها عليه، مش مراعية إن دا جوزها وواجب عليها تطيعُه. ياريت يطلقها والله ويشوف حياته ويرتاح. البت دي لو فضلت معاه هتموته. _ربنا يقدم له اللي فيه الخير ليه، أنا عايزه يكون مرتاح والله مش عاجبني حاله دا، بس هنقول إيه بقى، ما باليد حيلة.
وافقته الرأي ثم سمعته يقول حينما نهض استعدادًا للخروج قائلًا: _أنا هنزل أشوفه وأتطمن عليه، وأنتِ خلصي وهتلاقيني تحت. حركت رأسها برفق إليه، ليتركها هو ويرحل، عازمًا على الذهاب إلى ابن عمه ومواساته، فهو يعلم أنه طيب القلب ويستحق حياة أفضل من هذه بكثير. ولأنه يعلم موقع جلوسه، توجه إليه مباشرة ليراه يجلس على المقعد الخشبي في الحديقة، مستندًا بمرفقيه على قدميه، متكئ الرأس.
ألمه قلبه كثيرًا عليه، ليتقدم منه بخطى هادئة حتى رافقه في جلسته مؤازرًا إياه. _وأخرتها يا "محمود"؟ لا طايل سما ولا أرض، متشعلق زي اللي عليه حكم مستني تنفيذه. ما تريح نفسك يا ابن الناس وتطلقها وتشوفلك غيرها، ماسك فيها كدا ليه وحاطط أملك فيها؟ متأخذنيش صوتكم كان جايب لأوضتي وسمعتكم أنا و "نسمة"، وبصراحة أنت لازم توقفها عند حدها، هي ساقت فيها أوي وشايفة نفسها عليك ومهتمة بنفسها أكتر ما هي مهتمة بيك.
أنهى حديثه وهو ينظر إليه منتظرًا تلقي الإجابة من ابن عمه الذي التزم الصمت برهة من الوقت دون أن يتحدث أو يفعل شيء. حتى رفع رأسه ينظر إليه ليقول بنبرة هادئة: _ما هي مجايب أمي، قعدت تزِن على دماغ اللي خلفوني وتجملها في عيوني لحد ما شيلت أنا الليلة فالآخر. مسألتش نفسك "عامر" أخويا متجوزش ليه لحد دلوقتي؟
عشان عايزاه يتجوز اللي على مزاجها هي. جايباله عروسة وعمالة تقنع فيه ليل نهار وهو قافل دماغه معاها بالضبة والمفتاح وحالف يمين ما تكون واحدة على ذمته غير اللي عايزها هو. أمي بتجيب اللي شبهها يا "مؤمن". متفتكرش أبويا مبسوط معاها ولا الضحكة اللي بيضحكهالها قدامكم دي من قلبه. بالعكس أبويا أول ما يجيب آخره هيرمي عليها اليمين. أبويا مش مرتاح بس بيبينلنا العكس.
_والله يا ابن عمي كلنا عارفين، وياما عمي "عدنان" الله يرحمه حذره منها. قاله دي مش شبهنا ولا زينا، دي واحدة ما صدقت تشوف دنيا ويوم ما تشوفها هتشوفها عليك. وكان عنده حق، كلامه صدق دلوقتي، كان ليه نظرة فالناس وعارف طبعهم من نظرة عيونهم. بس ربنا أراد كدا بقى هنعمل إيه غير إننا نرضى يعني؟ نظر حينها "محمود" إليه برهة من الوقت، عينيه تصرخ ألمًا وتطلب النجاة من هذا العذاب الذي تحمله بداخلها، ليقول بنبرة مليئة بالوجع:
_تعرف يا "مؤمن" أنت زي "عامر" أخويا بالظبط ومبخبيش عليك حاجة. أنا قررت أديلها مهلة شهر عشان أكون خلصت ذمتي وضميري منها. لو فضلت على حالها أنا هرمي عليها اليمين بالتلاتة ومش هتردد وقتها ثانية واحدة. أنا زي اللعبة بقالي سنتين بينها هي وأمي. كل ما كنت بقرر أخد منها موقف أمي تمنعني وتقولي معلش خدها واحدة واحدة، معلش مش متعودة، أصلها محرجة. وأنا كنت بقول حاضر واسكت. بس دلوقتي بجد تعبت. لم قعدت حسبتها مع نفسي لقيتني غلطان. أنا مخدتش رد فعل شديد معاها عشان كدا هي بتشوف نفسها عليا. وأقسم بالله لولا إني تربية الحج "عماد المحمدي" كنت مديت إيدي عليها. بس مينفعش وواخد عهد على نفسي وقدام ربنا إن إيدي متتمدش عليها. مش عايز بسببها أخون العهد.
أخذ "مؤمن" نفسًا عميقًا ثم زفره بعمق، لينظر إليه قائلًا بنبرة هادئة ورزينة:
_عشان تكون عملت اللي عليك لحد الآخر، ويوم ما أبوها ييجي يفتح بوقه معاك تعرف تكتُمه. أعمل زي ما قولت وأصبر عليها شهر، وخلاله حاول تجيبها بالحنية، جايز ربنا يهديها وترضى. لكن لو صممت على اللي عايزاه بقى، وقتها أنت محدش هيقدر يلومك. أنت من حقك تخلف وتعمل أسرة، متضيعش عمرك مع واحدة مبتقدركش يا ابن عمي. روّق كدا وقوم روح لابن عمك أتطمن عليه وأقعد معاه شوية. والله لترجع من عنده مبسوط والضحكة منورة وشك. حاول تقرّب منه، صدقني "چو" طيب أوي شبه عمي الله يرحمه وقعدته لذيذة. متعملش زي أخوك الأهبل دا.
_بحاول والله يا "مؤمن". عمومًا هروحله دلوقتي، سايبهالها مخضرة عشان مش طايق أقعد في المكان اللي فيه دلوقتي، حاسس إني لو شفتها ببرودها دا هبطحها بأي حاجة في دماغها أجيب أجلها. ضحك حينها "مؤمن" على حديث ابن عمه وما وصل إليه فكره، ليربت بكفه فوق كتفه برفق، يواسيه ويدعمه مبتسم الوجه.
فيما نظر إليه "محمود" وأبتسم، وقد حضر هذا المجلس "عامر" الذي اقترب من أخيه ليطمئن عليه ويستفسر منه عما حدث بينه وبين زوجته، ليعيد حديثه عليه هو الآخر، شارحًا الأمر، فيما كان الآخر منصتًا إليه باهتمام دون أن يقاطعه. كانت تقف في المطبخ تعد الفطور والضيق باديًا على معالم وجهها، فمنذ أمس تنفرد بعيدًا عن زوجها الذي كان يراقبها بين الفينة والأخرى نظرة ذات معنى ساخرة. ففي النهاية ستلوّمه كما اعتاد دومًا.
كانت تقوم بتجهيز الغداء في نفس الوقت، فما زال هناك أشياء أخرى تنتظرها في الخارج، ولذلك أرادت اكتساب الوقت. ولج إليها بخطى هادئة ينظر إليها وإلى ما تفعله، ليتقدم من الثلاجة فاتحًا بابها، يشمل ما بداخلها ببصره، حتى التقط صحنًا به شطائر الخبز المحشو باللحم، ليلتقفه بكفه، مغلقًا الباب من جديد. وضعه بصحن آخر ثم وضعه داخل الميكروويف وقام بتشغيله، منتظرًا إياه أن ينضج، وهي بجواره تتجاهله عن عمد.
استند على الثلاجة بظهره ونظر إليها قائلًا: _والله؟ وآخرتها إيه؟ لاوية البوز دي، إيش حال لو ما كنتيش غلطانة بقى كنت قاطعتيني يعني؟ _أنا مبتكلمش معاك، وياريت متوجهليش كلام. نطقت بها بنبرة باردة وهي تقوم بتقطيع البصل، ليرفع هو حاجبه عاليًا وهو ينظر لها ليقول متهكمًا: _لا والله؟ دا إيه شغل العيال دا؟ ولم أحتاج حاجة أقولك إزاي إن شاء الله؟ _ابعتلي مسدج على الواتساب.
أستفزه ردها بشدة، ليقترب منها ممسكًا بذراعها، يديرها نحوه لتصبح في مواجهته، ليقول مغتاظًا: _نعم يا روح خالتك؟ جنان مش عايز أعقلي. أنا مغلطش معاك، بالعكس أنت اللي غلطتي. رمقته مجحظة العينين لا تصدق ما تسمعه، ليقول هو بقوة: _آه إيه بتبصيلي كدا ليه؟ خدتي إذني قبل ما تنزلي؟ نازلة ليه تبعبعي في خناقة رجالة مش فاهم؟
نبهت عليك قبل كدا وقولتلك بلاش تهوراتك دي يا "فاطمة"، مسمعتيش الكلام وبرضوا بتعملي اللي في دماغك. هو أنا طرطور هنا يعني كلامي مبيتسمعش؟ طبيعي هعاملك بالمنظر دا، مش هسقفلك يعني. أشاحت ببصرها بعيدًا عنه دون أن تتحدث وتجيب على حديثه، لتسمعه يتحدث من جديد بنبرة هادئة عن سابقتها حينما قال: _"فاطمة" أنا آه بحبك وكل حاجة وواخد على تلقائيتك، بس في أوقات مينفعش فيها التهور دا. يرضيك وقتها يتقال عليا كلمة مش كويسة؟
لما واحد ملهوش لازمة يقولي مش عارف تحكم مراتك؟ هتقبلي يتقال في حقي كلمة زي دي؟ حينها عادت تنظر إليه بعدما لانت معالم وجهها، تفكر في حديثه، لتحرك رأسها تنفي ما قاله، ليقول هو: _طب إيه بقى؟ نبقى عاقلين ونسمع الكلام ونبطّل قرارات مجنونة، ولا نكمل فالجنان دا؟ بس ساعتها مش هتشوف مني غير الجنان على حق، وأنت عارفاني أجن منك ومن اللي خلفوك.
أبتسمت إليه "فاطمة" وهي تنظر إليه لتشاكسه كما المعتاد، بعدما ضربته برفق على كتفه قائلة بنبرة بها بعض الدلال: _ما أنا عارفة، مش محتاجة يعني تقولي، شفته كتير. أبتسم إليها بسمة عابثة، ليحاوط خصرها بذراعيه قائلًا بخبث: _طب إيه؟ نختار العقل؟ ولا الجنان؟ _عقل إيه يا خويا؟ خدنا منه إيه يعني؟ خلينا فالجنان شوية على الأقل نفرفشنا شوية.
أعجبه ردها كثيرًا، ولذلك بدأ يدغدغها بخبث، لتعلو ضحكاتها الرنانة تملأ المكان ويتغلغل إلى أذنيه يطربها، ليزيد من دغدغتها أكثر، لتزداد ضحكاتها أكثر وتقول من بينهن بأنفاس لا هيئة: _خلاص يا "لؤي"، مش لدرجة إنك تموتني. أجابها مبتسم الوجه دون أن يتوقف قائلًا: _مش بتحبي الجنان؟ أنا بقى بعشقه هو واللي يحبه. _يا راجل خلاص هموت منك، مش كدا؟ مش قادرة آخد نفسي.
توقف عما كان يفعله، ليراها تحاول أخذ أنفاسها الهاربة، وهي تنظر إليه لتراه ينظر لها مبتسم الوجه، ليقوم بلثم وجنتها المتوردة، ثم قال: _كدا نبقى متصالحين ومش هنكرر عملتنا تاني. نظرت إليه مبتسمة الوجه، لتلثم وجنته هي الأخرى قائلة: _خلاص، هتجنن هنا بره البيت، لا هحاول أبقى عاقلة... بس يا "لؤي"، هما اللي بيستفزوني وبيخرجوني عن شعوري. _ما أنا ساعتها هتلاقيني جايبك من شعورك وأنت ونصيبك ساعتها. "فاطمة"، أنتِ ادتيني كلمة.
اتسعت ابتسامتها وهي تنظر إليه لتقول بنبرة ضاحكة: _خلاص بقى، طالما ادتك كلمة يبقى خلاص خدها ثقة. حرك رأسه برفق، ليراها تعانق شطري وجهه بكفيها تنهال عليه بالقبلات، ليتفاجأ هو من فعلها ذاك، ليقول: _في إيه بنت المجانين؟ حد يخض حد كدا برضوا؟ أبعد يديها عن وجهه حينما أشم رائحة البصل، وكذلك حينما انتقل إلى عينيه اللتان بدأت بزرف العبرات واحتلال الحرقة بداخلهما، ليضع كفيه على عينيه قائلًا:
_يا "فاطمة"، حرام على أبوكِ يا شيخة، هتعميني بالبصل دا، مش كدا. نظرت إليه مبتسمة الوجه لتقول بتلهف: _بعد الشر عليك يا حبيبي، متقولش كدا. روح طيب اغسل وشك وهتهدى. _هروح فين؟ هو أنا شايف حاجة يا ست أنتِ؟ مش قادر أفتحها. ناطحها في الحديث، لتُبعد هي كفيه عن عينيه، ترى عبراته التي تسقط على صفحة وجهه، لتصطحبه إلى المرحاض برفق.
فتحت صنبور المياه، ليبدأ هو بغسل وجهه مرات متتالية أسفل نظراتها، حتى أنهى ذلك بعد دقائق، ليسحب المنشفة ويبدأ بتجفيف وجهه جيدًا أسفل نظراتها إليه، ليبعد المنشفة أخيرًا عن وجهه وهو يطالعها بنظرة حادة، لتلاحظ عينيها قليلاً وهي ترى احمرار عينيه.
فيما تعجب هو من نظراتها إليه، ولذلك وجه بصره نحو المرآة، تزامنًا مع ركض "فاطمة" إلى الخارج هربًا منه، ومن ما سيفعله بها بعد قليل، ليرى الحمرة تكتسي عينيه، ولذلك أخذ نفسًا عميقًا، ثم زفره، قبل أن يصرخ بها متوجهًا إلى الخارج يبحث عنها، لينقلب الأمر ويُخرج هو جنونه عليها هذه المرة، متوعدًا إليها.
كان يجلس خلف مكتبه، يدخن سيجارته، وبصره يأتي ويذهب مع المارين أمامه، فبعد أن كان يظن نفسه ذكيًا بالأمس، اليوم أصبح محط للأنظار ومصدرًا للسخرية من بعد الأعوان التابعين إلى "يوسف" بالنسبة إليه. تقدم منه "حديدة" وجلس بجواره قائلًا: _قال الكلام اللي وصلي دا يا "فتوح"؟ الواد المفعوص اللي لا راح ولا جه دا علم عليك إمبارح وخرج من الشقة زي القرد. جرى إيه يا "فتوح"؟ بدأنا نخيب ولا إيه يابا؟ صحصح معايا الله لا يسئك.
رمقه "فتوح" بطرف عينه نظرة قاتلة برهة من الوقت، قبل أن يقول بضيق: _اصطبَح، اصطبَح عشان خلقي في مناخيري من امبارح ومش طايق دبان وشي. _وأنا مالي يا عم؟ حد قالك إني أديته المفتاح؟ هو عارفك كويس وعشان كدا كل ما تفكر تحط عليه، طاق يحط عليك 24 قيراط. فكر بعقل شوية يا أبو مخ مفوت. نظر إليه "فتوح" حينها نظرة ذات معنى لدقائق معدودة، قبل أن يقول: _ازاي يعني مش فاهم؟ بتفكر في إيه يا أبو مخ شيطان أنت؟
أبتسم إليه "حديدة" بسمة خبيثة للغاية، ثم قال بنبرة يخفي خلفها الكثير والكثير: _صحصح معايا وبعون الله الواد دا مش هيبقالُه عين يقعد في الحارة دي تاني. أستطاع "حديدة" جذب انتباه صديقه حينما بدأ يقص عليه ما ينوي عليه، بعد أن خطط ودرس الأمر طول الليل جيدًا، ليأتي بتلك الفكرة الجهنمية التي بالتأكيد ستقضي على "يوسف" تمامًا وإلى الأبد. حتى أنهى حديثه قائلًا بتخابث: _ها يا عمنا؟ مش فكرة حلوة برضوا وتستاهل؟
نظر إليه "فتوح" مذهولًا برهة من الوقت، قبل أن يبتسم مبديًا إعجابه الشديد بأفكار رفيقه، ليقول: _جدع ياض يا "حديدة"، فكرة شيطانية تستاهل مكافأة عليها والله. ليك عليا ياض لو ظبطت المرة دي لنغنغج. نخلص بس منه على خير الأول وبعدها يحلها المولى.
تخطيط شيطاني يُدرس للتخلص من هذا الشاب الذي حظى بمكانة كبيرة في قلوب أهل هذه الحارة، فقد كان غريبًا بها أمس واليوم أصبح ابنًا لها، يرعاها ويقف أمام عدوه الند بالند دون أن يهاب أحدًا منهم. واليوم يتم التخطيط إليه للتخلص منه مهما كلفهم الأمر، فلن يتركوه أكثر من ذلك، فمن منظورهما يظنان أنهما الأكثر أحقية بتولي هذا الدور بدلًا عنه. ولكن هل يوجد حاكم مليء بالفسا...
د كهذا الشاب الذي يخطط حتى الآن لزج هذا عن طريقه إلى الأبد ويحتل مكانته دون وجه حق؟ يبدو أن الجميع سيشهد حربًا عظيمة ستجمع كلاهما مرة أخرى، فالحرب بينهم لا تنتهي سوى بموت واحد منهم وفوز أحد الطرفين. لا أحد يعلم ما يتم تخطيطه سوى المولى عز وجل، ولذلك هو عليم بهم ويعلم ما يكمن داخل نواياهم سواه. في منزل "يوسف". كان يجلس في غرفة المعيشة على الأريكة يتحدث في الهاتف، وتجلس صغيرته الحبيبة داخل أحضانه هادئة كعادتها.
خرجت "بيلا" إليه حتى تتحدث معه، لتراه ما زال يتحدث في الهاتف للمرة التي لا تعلمها، ولذلك شعرت باليأس من جديد يرافقها، لتلتفت من جديد عائدة إلى المطبخ، ليوقفها هو حينما قام بتحريك المقعد الصغير الخاص بطفلته بقدمه، لتلتفت هي من جديد تنظر إليه، لتراه يشير إليها بعينيه للجلوس.
وبالفعل لبّت إليه مطلبه وعادت لتجلس على المقعد المجاور إليه، تنتظره حتى ينتهي، تنظر بين الفينة والأخرى إلى صغيرتها التي باتت تلتزم الصمت مؤخرًا بطريقة عجيبة، مما أثار حفيظتها، لتجعلها تسأل نفسها العديد من الأسئلة التي تجهل إجابتها حتى الآن. دقائق أخرى مرت، لتراه أصبح منصبًا بتركيزه معها قائلًا: _خير يا "بيلا"؟ شايفك رايحة جاية عليا كل شوية وأنا بتكلم. عايزة تقولي إيه؟ أنا سامعك أهو.
نظرت إليه قليلًا، ثم حاولت تهدئة نفسها خوفًا من الإجابة التي ستتلقاها قائلة: _كنت محتاجة أقولك على حاجة، بس بصراحة خايفة ترفض. عقد ما بين حاجبيه ونظر إليها نظرة ذات معنى وقال متسائلًا: _عايزة تقولي إيه؟ وخايفة ليه؟ أنا هعضك يعني؟ قولي. ابتَلعت غصتها بتروٍ، وهي تفرك كفيها ببعضهما البعض أسفل عينيه التي كانت تتابعها بهدوء، متعجبًا من حالتها تلك، ليقول: _ما تقولي يا "بيلا"؟ هو أنا هاكلك؟ في إيه؟
_بصراحة جايلي شغل دلوقتي محتاج يخلص خلال أسبوعين، ودي فرصة كبيرة لأني هعمله لناس كبار واختاروني بعد ما شافوا شغلي. ألقت بحديثها دفعة واحدة في وجهه، وأشاحت ببصرها بعيدًا عنه خشية من ردود أفعاله.
أما عنه، فكان هادئًا كما هو، لم يفعل شيء، فقط ينظر إليها بهدوء غير عادي، ليزداد توترها أكثر وتعلو معها نبضات قلبها، لتنظر إليه بتردد، وهي تدعو بداخلها أن يوافق، لتراه ينظر لها مبتسم الوجه، لتبدأ تهدأ قليلاً حينما رأت عكس ما كانت تظن، لتبتلع غصتها بتروٍ، ثم حاولت تماسك نفسها لتقول بنبرة متوترة بعض الشيء: _قولت إيه يا "يوسف"؟ موافق صح؟ _عايزة الصراحة ولا أختها؟ _لا طبعًا الصراحة.
أجابته مبتسمة الوجه والتوتر باديًا على معالم وجهها، ليعتدل في جلسته بهدوء، ناظرًا إليها بهدوء برهة من الوقت، قبل أن يقول: _لا مش موافق. حسنًا ما كانت تخشاه قد حدث بالفعل، فقد ضربها في مقتل بحديثه ذاك، فلم يرفض مسبقًا على عملها، لَم هذه المرة قد رفض، على الرغم أن العرض المقدم إليها ليس بالشيء الهين، لتعتدل في جلستها مقتربة منه قليلًا، وهي تنظر إليه قائلة: _ليه يا "يوسف"؟ مش موافق ليه؟ دي فرصتي.
_وأنا مش موافق، ومش هوافق حتى لو دفعولك ملايين يا "بيلا". أجابها بنبرة هادئة حتى لا تسمع ابنتهما أي شيء، وهو ينظر إليها نظرة جادة، لتحاول هي معرفة سبب رفضه ذاك قائلة: _أيوه رافض ليه؟ قولي أسبابك، متقوليش رافض وتسكت. أنا مصدقت الفرصة دي تجيلي، تحرمني منها ليه يا "يوسف" دلوقتي؟ وأنت عارف أنا بتعب قد إيه عشان خاطر أوصل للحظة دي، ليه قولي؟
_عشان أنا مش مرتاح للشغل دا يا "بيلا"، مش مقتنع ناس زي دي يكلموك أنت مخصوص ويعرضوا عليك مبالغ كبيرة بالشكل المرعب دا. الموضوع دا مش داخل دماغي ومش مريحني، ورافضه بشكل قاطع، وتقدر ترفضي عادي، محدش هيجبرك على حاجة.
رمقته وهي لا تصدق ما تسمعه وتراه، فبالتأكيد هو يمزح معها الآن، فهو أكثرهم علمًا أنها كانت تنتظر هذه الفرصة على أحر من الجمر، وحينما تأتي إليها الآن يرفضها هو بكل بساطة ويسر هكذا، متحججًا بعدم ارتياحه لهذا العمل. ابتَلعت غصتها وقالت: _يعني إيه؟ تقصد إيه بكلامك دا يا "يوسف"؟ هو أنت شايفني قليلة ومش قد المقام؟ _لا أنا مقصدش كدا. نفى حديثها سريعًا دون تفكير، وهو ينظر لها، لتجاوبه هي بعدما فقدت السيطرة
على نفسها قائلة بضيق: _لا تقصد كدا. معنى كلامك كدا ملهوش تفسير تاني. وبعدين أشمعنى جاي ترفض دلوقتي؟ ما أنا اشتغلت مع غيرهم وأنت معترضتش، أشمعنى المرة دي بقى إلا إذا كنت غي... ران بقى. رمقها نظرة قاتلة بعدما استمع إلى حديثها ذاك، والذي بالتأكيد لن يمر مرور الكرام عليهما، ليوجه حديثه إلى ابنته دون أن يحيد بنظره عن الأخرى قائلًا: _"ليان" خشي أوضتك دلوقتي يا حبيبتي عشان محتاج أتكلم مع ماما شوية، ممكن؟
لبّت الصغيرة مطلب أبيها وذهبت بالفعل إلى غرفتها، مغلقة الباب خلفها بهدوء، تاركًا والدها في مواجهة والدتها في حرب مشتعلة بينهما الآن. لحظات من الصمت دامت بينهما، قطعها "يوسف" الذي قال بنبرة حادة وعالية: _اعتراضى لأسباب تانية خالص يا هانم، مش عشان غيران والهبل دا. هغير منكِ فأيه إن شاء الله؟ ومن أمتى أنتِ بتفكري فيا بالطريقة دي؟
أنا أكتر واحد بيتمنى يشوفك ناجحة وليكِ مركزك. أنا أكتر واحد كنت داعم وسند ليكِ، وعمري ما غيرت منك ولا من نجاحك فوقي. واعرفي أنتِ بتقولي إيه ولمين. أنا اللي وقفت جنبك وخليتكِ تكملي تعليمك رغم إن ظروفي كانت زفت وكنت كل يوم بنام ودماغي فيها مليون حاجة هتحصل في اليوم اللي بعده. ويوم تخرجك أنا أكتر واحد كنت مبسوط بيكِ وشايف نفسي فيكِ، وقولتلك أنا أولى المهم عندي أنتِ. جاية بعد دا كله تقوليلي إني غيران منكِ ومن نجاحك في شغلك!
فقد قدرته في السيطرة على غضبه، فحينما رأى تفكيرها المختل ذاك، كان يجب عليه أن يردع فكرها ذاك وبقوة، حتى وإن أصبح عنيفًا معها. فحينما رأى نظرتها إليه، جن جنونه ولم يستطع تماسك نفسه وأفرغ غضبه بها، حتى اشتد عليه جرحه وآلمه، ليتأوه بصوت حاد وهو يضع كفه على موضع الألم وقد انكمشت معالم وجهه ألمًا. وقد أفاقَت هي على صوته المتألم، ولذلك اقتربت منه حتى تطمئن عليه، منعه هو حينما أبعدها عنه قائلًا بصوت حاد متألم:
_متقربيش مني، ابعدي، مش عايز منك حاجة. في هذه اللحظة خرجت "شـاهي" من غرفتها، بعدما كانت تحاول منع نفسها من التدخل بينهما حتى لا يفسد الأمر، ولكن عند هذه النقطة خرجت مقتربة منهما لتطمئن على ولدها الذي كان يتألم قائلة بنبرة مليئة بالقلق: _مالك يا حبيبي؟ إيه اللي حصل؟ ماله يا "بيلا"؟ في إيه؟
وجهت سؤالها إلى الأخرى التي كانت تنظر إلى زوجها الذي يرفض اقترابها الآن، لتحاول للمرة الثانية الاقتراب منه، ليمتنع هو مجددًا حينما دفع يدها بعيدًا عنه، لتلاحظ "شـاهي" توتر الأجواء بينهما، لتنظر إلى "بيلا" ممسكة بكفها دون أن تتحدث، لتنظر لها الأخرى، ترى نظرتها لها، لتنقل بصرها إلى زوجها الذي ينظر بعيدًا عن مرماها، لتبدأ في الابتعاد عنه بخطى هادئة دون أن تتحدث.
جلست "شـاهي" بجواره على الأريكة تنظر إليه، لتضع كفها على كتفه والآخر تمسك به كفه، لتقول بنبرة هادئة: _حاسس بإيه يا حبيبي؟ قولي. _وجع شديد أوي، سكاكين بتتغذ فيا مش قادر. أجابها بنبرة متألمة، فيما كانت تمسح هي بكفها على كتفه، ثم تركته وذهبت لتجلب له دواءه، وقد أخذت "بيلا" معها حتى لا يزداد الأمر سوءًا بينهما، تاركة ولدها الذي كان يحاول تهدئة نفسه وتهدئة هذا البركان المشحون بداخله، فحديثها أشعل فتيلة غضبه لا شك في ذلك.
ولجت "شـاهي" إلى الغرفة ومعها "بيلا" التي رأيتها تلتفت إليها تنظر لها لبرهة من الوقت، قبل أن تقول: _خليكِ هنا دلوقتي، هو متعصب دلوقتي وهيعقد الدنيا أكتر بينكم. سيبيه لحد ما يهدأ وبعدين هنتكلم. أنا هخرجله العلاج وأتطمن عليه وهجيلك، لينا كلام سوى.
أنهت حديثها وأبتسمت إليها بسمة هادئة، ثم تركتها وخرجت إلى ولدها، تاركة الأخرى تنظر في أثرها بهدوء قليلًا، قبل أن تجلس على طرف الفراش تنظر في نقطة فارغة، فلم تقصد أن تقول مثل هذه الكلمات إليه هو خصيصًا. مسحت بكفيها على خصلاتها وزفرت بعمق، متمنية أن تقوم حماتها بإصلاح الأمر بينهما.
عادت إليه بالدواء وجاورته في جلسته، تبدأ بإعطاءه الدواء وهي تسمي بالله وتدعو إليه بالشفاء قريبًا، وهي تنظر إليه بهدوء، حتى أخذ هو دواءه وترك الكوب دون أن يتحدث. زفر بعمق، ومن ثم مدت ذراعيها تضمه إلى أحضانها، ممسدة بكفها على خصلاته بحنو، وقد التزمت الصمت إجابة على ما حدث بينه وبين زوجته، منتظرة أن يهدأ قليلًا حتى تستطيع التحدث معه كيفما تشاء.
كان يجلس وحيدًا في الحديقة شارد الذهن كالمعتاد، لا يفكر في شيء، فرأسه هذه الأيام فارغة تمامًا من أي شيء يمكن أن يعكر صفوها. تقدم منه والده بخطى هادئة حتى جاوره في جلسته، ينظر حوله دون أن يتحدث. فيما نظر إليه "عامر" بطرف عينه دون أن يتحدث، ثم أشاح بصره بعيدًا منتظرًا سماع ما سيقوله أبيه. فيما كان "عماد" هادئًا للغاية، ملتزمًا الصمت ما يقارب الخمس دقائق، حتى شعر بالملل، ولذلك قطع هذا الصمت القاتل حينما قال:
_أنا جاي أتكلم معاك شوية. بما إنك راجل دلوقتي وواعي وفاهم الدنيا حواليك ماشية إزاي، فواجب لما تلاقي حد بيتحكم فيك وبيفرض رأيه عليك توقفه عند حده وتمنعه وتمشي اللي شايفه أنت صح. أمك مش هيهدالها بال غير وهي مجوزاك اللي على مزاجها، وأديك شايف أخوك أهو كل يوم متنكد عليه ومش عارف يعيش حياته صح ولا عارف يتعامل معاها. حرمانه من كل حاجة حتى حتة العيل اللي أي واحد في الدنيا دي بيتمناه. عشان كدا عايزك تتمسك بقرارك يا "عامر" ومتسمعش كلامها. أمك هتدمركم، دي مبيفرقش معاها حد قد نفسها.
زفر "عامر" وشبّك أصابعه ببعضهم البعض، مستندًا بمرفقيه على قدميه قائلًا: _عارف يا بابا وفاهم كل كلمة بتقولها، وأنا لسه عند قراري ومش هغيره لو عملت إيه حتى. يا أتجوز اللي بحبها وعايزها، يا متجوزش خالص. بعدين أنا مش فاهم هي بتتحكم فينا كدا ليه؟ إحنا رجالة يا بابا مش بنات هتفرض رأيها عليهم؟
صدقني أنا بجد على آخري، ولما شوفت "محمود" أخويا بالحالة دي تعبت أوي وتوجعت عشانه. مش عايز أبقى مكانه يا بابا، أنا عايز أختار أنا، دي حياتي وأنا حر فيها. مش معقول الجو دا بجد دي غريبة أوي. _أنا فاهم وعارف كويس الكلام دا كله يا ابني، وعشان كدا أنا بقولك خليك زي ما أنت. لحد ما نشوف كلام مين فينا اللي هيمشي، وساعتها متجيش تزعل. أنا حال ابني الصغير مش عاجبني وعمال أفكر طول الوقت فيه. تاعبني معاه.
نظر إليه "عامر" ثم مد كفه نحو كف أبيه، ممسكًا به، مشددًا من ضمته إليه، ليرى أبيه ينظر إليه منتظرًا سماع ما سيقوله. وللحق هو لم يتأخر عليه كثيرًا، حيث أخرج ما يكمن داخل جعبته إليه. أراد البوح بما يكمن بداخله، فهو عنيد وإن لم يفعل ما يحلو له، فهو تبا للجميع حتى وإن كانوا أقرب الأقربين إليه. إن كانت والدته تظن أنها بذلك ستجعله يرضخ لها، فبأحلامها، فهو لن يفعل ذلك مهما كلفه الأمر. ابتَلع غصته بتروٍ، ليقول
بنبرة هادئة بعض الشيء: _أنا مش هتجوز غير "أمل"، ولو طولت أتجوزها غصب عن أمي هتجوزها وتعمل اللي تعمله بقى، مش هتفرق معايا وقتها. _حلو يا أستاذ "عامر"، حلو. وإيه كمان؟
هكذا جاء صوتها من خلفهما، ليلتفتًا سويًا على أثره، ينظران إليها دون أن يتحدث أي منهما، ليرى كلاهما الغضب والشرار يتطايران من مقلتيه نحوهما، وخصوصًا إلى ولده الذي اتخذ البرود رفيقًا إليه في هذه اللحظة، لتصبح نظراته إليها باردة كلوح الثلج، لا يهتم لها، ولم ما تقوله، ليعود جالسًا كما كان، موليًا ظهره إليها قائلًا:
_هتجوزها وهاخد شقة بره وأعيشها فيها معزة مكرمة، مضمونش أجيبها هنا ألاقيكم كل يوم مبهدلاها. دا أنا مش بعيد ألاقيكم مشغلينها خدامة عندك أنتِ والست "تماسي". مراتي تاج على راس الكل، واللي معترض يخبط راسه في الحيط. أنا خلاص خدت قراري. فرحي على "أمل بهيج" الشهر الجاي. مفاجآت صادمة وأحاديث كثيرة معقدة، لا يستطيع عقلها إسعافها لاستيعاب كم هذا الهجوم عليها. تشعر وكأن مطرقة تسقط بشكل مستمر على الحديد الساخن.
بالتأكيد هي تحلم، فستكون كارثة فجأة عليها إن فعل ولدها ما يقوله، هذا بالتأكيد هي مزحة. نقلت بصرها إلى "عماد" الذي كان راضيًا عن حديث ولده، والنظرات الشامتة والمتحدية ترسل لها عن طريقه، ليجن جنونها كالمعتاد، وتتقدم منهما بخطى واسعة، تقف أمامهما وهي ترشهما بنظراتها، قائلة بنبرة حادة تهدر في وجهه قائلة:
_اسمع يالا الكلمتين دول عشان مش هكررهم تاني، مفيش جواز من بنت الشحات دي. جوازك منها على جثتي ومش هتتجوز غير اللي أنا جايباهالك وبس، فاهم ولا لا؟ ولو رفضت، لا أنت ابني ولا أنا أعرفك وهغضب عليك ليوم الدين. قرر. _بس أنا مش عايز غيرها هي. ولو سمحتِ، متغلطيش فيها قدامي تاني عشان أنا مبحبش حد يقول في حقها كلمة مش كويسة حتى لو كان أنتِ.
ولدها يعارضها ويقف أمامها الند بالند، متمسكًا بتلك الفتاة كانت بالنسبة إليه أمله في العيش مرة أخرى بعدما تدمرت أحلامه بفعل والدته. لن يتخلى عنها مهما حدث، حتى وإن حارب العالم أجمعه لأجلها، فلأجل عينيها تُكرم. فيما هو انتصب في وقفته أمامها ينظر إليها نظرة باردة وكأنه لم يقل شيئًا، ليرى ما زالت تتحداه، لتقول بتكبر واستعلاء: _حلو. أنت اللي اخترت بقى، والقرار في إيدك. يا أنا يا البت دي.
إن كان الخيل يخرج عن طوعية خياله، فوجب عليه ترويضه حتى لا يتحدّاه مرة أخرى. وعنه، فكان خيل حر يرفض القيود ويحب الحرية والانطلاق في ساحة الميدان، ولذلك قرر التمرد على خياله حتى وإن كان ثمن هذا التمرد كبيرًا. وفي جوف الليل عشاق ساهرون.. وفي ليله تمرد الجموح أمام التجبر لرؤية المنتصر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!