قيل في الوداع إلى اللقاء وقيل مجيب السائلين حملت ذنبي وسرت على الطريق إلى حماك ورحت أدق بابك مستجيرا ومعتذرا ومنتظرا رضاك دعوتك يا مفرّج كل كرب ولست ترد مكروبا دعاك وتبت إليك توبة من تراه غريقا في الدموع ولا يراك نصر الدين طوبار
وما للشّتات أن يجتمعا سويا، لكنّها كانت صدفة وليدة لكلاهما. فآخر ظنّ أنه غير مرغوب به، والسعي في بناء علاقته مع جميع عائلته أصبحت معدومة. وآخر رفض أن تكون تلك نهاية السعي، وقد اتخذ المسار السليم واختار الطريق الصالح وسار على نهجه وعاد لرشده، واضعا كفه بكف الآخر يعطيه أملا لمستقبل مشرق يخبره أن السعي له نهاية ولا يجب أن يذهب هباء دون الوصول إلى غاية. أعطاه الإشارة الخضراء وأخبره أنه يريد إكمال السعي وتوطيد العلاقة
بينهما، ولذلك كان حاضرا في الحال منتظرا المراد. وما كان الآخر سوى أن كان خير رفيق حينما وافق على ما أراد، عازما على استرداد حقوقه المبعثرة بين الجميع، متخذا التسليح بالعقل والحكمة والرزانة. فدومًا لم يكن العلم وحده يتسم بهذه الصفات، بل اليوم جاء وأثبت للجميع أن العلم ليس مقياسا، بل هو بدونه أصبح كبيرا وذكيا، فهذا ما رآه في نفسه وهذا هو اقتناعه بما رآه، ولا يهم بالنسبة إليه أي شيء آخر.
المكافحة والعزيمة لم يقللا من شأنه، بل جعلاه كبيرا بين الكبار. الطريق لم يكن سهلا عليه، ولكن عناده وسعيه في الكفاح وصل أخيرا إلى ما رأى نفسه به. "زارنا ضيف كريم في ديارنا فأكرمناه." كان يجلس مع رفيقه يستمع إلى "عامر" الذي كان يتحدث ويخبره عن ما حدث، وشر والدته وسعيها في توليد الكراهية والغل بينهما. وقد كان الطرف الآخر خير مستمع إليه، حيث كعادته وشخصيته القوية، قام بالتربيت على قدمه وهو ينظر إليه مبتسم الوجه قائلا:
يا ض يا "عامر" أنت ابن عمي، يعني من لحمي ودمي وفرد من أفراد عائلتي اللي كان نفسي أكمل حياتي معاهم لحد ما أبقى راجل زي ما أنت شايف. حتى لو كنت سمعت لمرات عمي، أنا كنت هعاملك حلو وهحاول معاك. أنا عمري ما أذيت شخص عزيز عليا، كان بينا عيش وملح، ما بالك بابن عمي بقى. أنا مبسوط إنك اخترت الطريق الصح وجيتلي. مجيتك دي على راسي من فوق، وطالما حبيت تكون واخد صفي فأوعدك إني عمري ما أفكر أجي عليك ولا أكون واخدك كوسيلة انتقام. مش أنا ولا هكون. ونورتني عودة حميدة يا حبيبي.
شعر "عامر" بالعديد من المشاعر المتضاربة، وشعر بالحرج الشديد تجاه ابن عمه، خصوصا حينما أخجله هو في المرة السابقة حينما امتنع عن الرد عليه. وما كان عليه الآن سوى أن ينهض ويعانقه عناق الأخوة، عناق فيه تسامحت الأرواح وتعانقت القلوب وتصافت النوايا السوداء، عناق كان بداية للمستقبل ونهاية للجميع. ابتسم "محمود" الذي شعر بالسعادة تغمره والراحة تحوم حوله ليقول بنبرة مرحة:
أيوه كدا يا جدعان، هي دي الحاجات اللي تفرح. بيلوا الشربات يا جدعان. نظر إليه بعدما ابتعد "عامر" وجلس بجوار ابن عمه الذي عانقه، وتولى الرد على "محمود" قائلا بوجه مبتسم: الشربات دا هيتوزع كتير الفترة الجاية. خلاص خلصنا مدة الحكم. نحن الآن على نظام برائني. أصل القلب بريء بس مش ناسي. ليكوا عليا لأمرجح الولية البومة دي، ما أخليها عارفة راسها من رجليها إن ما خليتها تقول حقي برقبتي مبقاش ابن الحج "عدنان".
نظر إليه "عامر" ومعه "محمود" إلى "يوسف" الذي كان ينظر إليهما مبتسم الوجه، ليتساءل "عامر" حينما قال: هتعمل إيه يعني؟ أوعى تتجنن وتجننها معاك. متقلقش. هي من ناحية إنها هتتجنن فهي هتتجنن فعلا وهاخد حقي منها وحق أمي. شوية وهتشوف الجنان على إيدي وربنا المعبود لاخلي أيامها سودة وحياتها جحيم. فككم من سيرتها الهباب دي عشان بتخنقني وتعالوا أعرفكم على حبايبي ويعتبروا حياتي بمعنى أصح.
أنهى "يوسف" حديثه مبتسم الوجه، ليوافقا كلاهما على حديثه، ويقوم هو بمهاتفة أصدقائه والذين هم بمثابة إخوته والعين التي يرى بها، يخبرهم أن يصعدوا إليه. وبعد مرور القليل من الوقت، صعدوا إليه واحد تلو الآخر، ليكون أول الوافدين "منصف" الذي رفع يده عاليا يشير إلى الجالسين مبتسم الوجه قائلا: سلام عليكم يا رجالة. متجمعين عند النبي إن شاء الله.
ردوا عليه تحية السلام، وقد بدأوا بالولوج واحد تلو الآخر حتى التزموا جميعهم أماكنهم، وبدأ "يوسف" بتعريفهم على أولاد عمه، مشيرا أولا تجاه "سراج" قائلا: أعرفكم، "سراج" أولا يبقى صاحبي وأكتر من صاحب كمان. هو يعتبر أخويا اللي مجبتوش أمي. رجولة وجدعنة ومبيتاخرش عن حد في حاجة. وثانيا هو جوز أختي، وفي الحقيقة يعني قرابة تشرف، وأحسن محاسب فيك يا عابدين. ابتسما الأخوين ورحبا به، ليأتيهما صوت "يوسف" الذي أشار نحو "منصف" وقال:
ودا "منصف" بعون الله معاك حتى لو على خط الموت. صاحب صاحبه وجدعنة من الآخر. لو واقع في ضيقة تجري عليه ومبيتاخرش على حد في حاجة، وبثق فيه جامد. وبالمناسبة أحسن مهندس ميكانيكا، يعني واحد تقيل بمعنى أصح. يتفاخر بأصدقائه ويعظمهم أمام الغرباء قبل الأقرباء، وكأنهم ذوات نفوذ كبيرة. وقد فاق توقعاتهم، فقد توقعوا أن تكون مقابلة سطحية، ولكن كان لـ "يوسف" رأي آخر في ذلك. أشار بعدها إلى "لؤي" وقال:
دا بقى "لؤي الدالي" حبيبي، ويعتبر الشخص الوحيد فيهم اللي ممكن يستحمل جناني وغضبي ويبقى على قلبه زي العسل. ميشتكيش ومبيسبش حد غير وهو مطمن عليه وإنه بقى كويس. "لؤي" بصراحة بعزه جدا. ولو قعدت معاه على ترابيزة واحدة هيخليك تاكل غصب عنك، لأنه أكيل جدا ما شاء الله عليه. وبالمناسبة أي قضية محتاجة محامي عقار زي ما بنقول، فالعبد الله أجدع محامي فيك يا عابدين بيكسب قضايا وهو مغمض عادي.
تعالت الضحكات الخفيفة بينهم وهم ينظرون إلى "لؤي" الذي نظر إلى "يوسف" وقال مبتسما: هاين عليا أقوم أبوّسك والله. أخويا يا عم ويخرب بيت الجدعنة. ضحك "يوسف" على حديثه ونظر إليه مبتسم الوجه ليقول: وصل يا عمنا. أكمل بعدها وصلة تعريفه على أصدقائه حينما أشار نحو "حسن" قائلا:
دا بقى "حسن" كوكتيل مننا. حمقة "لؤي" تلاقي غباوة "منصف" تلاقي لسان طويل وقلة أدب تلاقي احترام وتدين "رمزي". تلاقي، ومبيجامـلش حد. اللي في قلبه على لسانه على طول، وأحسن دكتور نفسي، والحمد لله إنه دكتور نفسي. تعالت الضحكات على حديث "يوسف" الذي ابتسم ونظر إلى "حسن" الذي وجه حديثه إليه حينما قال ضاحكا: أوعى الواد الدكتور اللي هيكشفلنا ببلاش عشان إحنا صحابه.
ومن جديد تعالت الضحكات بينهم، ليأتي الرد من "رمزي" الذي وجه حديثه إليه حينما قال ضاحكا: استغلال دا. خلي بالك أنت كنز بالنسبة ليهم، جو الصحوبية والمرجلة والكلام دا كله، يعني مقولكش أنت حر. يا عمي أنتوا حبايبي مش هاخد منكم فلوس يعني من أمتى بينا الكلام دا. هكذا كان رد "حسن" على حديث "رمزي"، ليأتي الرد من "محمود" هذه المرة والذي قال ممازحا إياه: طب بالمناسبة بقى أنا عايزك تعالجني لاحسن أنا جالي ترؤما من كل حاجة.
نظر حينها "حسن" إليه مبتسم الوجه ليقول مشيرا بسبابته على كلا عينيه: من العين دي قبل العين دي يا غالي، وبالمناسبة بقى أي حد من طرف "يوسف" هيتعالج مجانا. يلا إن شاء الله عن ما حد حوش. رجولة وجدعنة أقسم بالله. تسلم يا أبو الجدعنة. هكذا رد "يوسف" على صديقه وهو يضع كفه على صدره مبتسم الوجه، ثم بعدها بثوان أشار على آخر رفيق إليه وهو يقول بكل فخر:
دا بقى حبيبي واخويا والمحترم الوحيد اللي فينا، الشيخ "رمزي إبراهيم". إمام مسجد متدين وأي لفظ بيخرج بيسمعنا عليه مرشحات. أقسم بالله مش واحد جدعنة، وأحسن واحد ينصح وياخد بإيد الواحد للطريق الصح، ومدرس لغة عربية. يعني إحنا بنعاني معاه بسبب أغلب الكلمات اللي بتطلع منا. ابتسم "رمزي" حينها ولم يتحدث، ليشعر بنظرات "محمود" و"عامر" مصوبة تجاهه، لينظر لهما تلقائيا ويتعجب من نظراتهما إليه، ولذلك نقل بصره إلى رفيق
دربه الذي ابتسم قائلا: عايزين يقولولك إن في كام فرد في العيلة عايزين إعادة تأهيل لعقولهم من ناحية الدين، بس مكسوفين، وأولهم أمهم. ألا يخجل حينما يتحدث عن زوجة عمه بهذه الطريقة؟ وكيف يصمتان هذان الشابان على حديثه كأنهما يسمحان إليه ولا يشعران بالغضب منه؟ عدة أسئلة طرحت على عقله، ليأتيه الجواب من رفيقه حينما قال:
هما عارفين إن أمهم عايزة ضرب النار ومعترفين بكدا. يا ابني إحنا عيلة معترفة ومتصراحة جدا مع الغريب قبل القريب عادي. نظف "رمزي" حلقه وابتلع غصته بتروٍ، ثم نظر إلى الشابين وقال ببعض الخجل: متأخذونيش يعني، بس "يوسف" اللي يكمل علاقته معاه يضمن إنه هيتضحك رسمي. الظاهر إنه بيعز الحجة جامد يعني. أوي يا "رمزي". أصل طنط "ويلات" دي ليها معزة خاصة في قلبي، فتلاقيني بذكرها كتير في كلامي.
هكذا رد عليه "يوسف" مبتسم الوجه، وكأنه يعانده، ليرمقه "رمزي" نظرة ذات معنى، مغتاظا، ثم زفر بعمق واستغفر ربه بداخله سرا، ليأتي إليهم صوت "منصف" الذي أشار تجاه "يوسف" قائلا: أعرفكم أنا بقى على البيه، "جعفر" سابقا و "يوسف" حاليا. قليل الأدب وبلطجي ومبيهمهوش حد، ومن الآخر ربنا على الظالم والمفتري.
حينها أغتاظ "يوسف" كثيرا منه، ليقوم بأخذ الوسادة التي كانت بجواره وقام بإلقاءها نحوه بعنف، ليتفاداها الآخر حينما انحنى بنصفه العلوي إلى اليسار، ثم عاد كما كان ناظرا إلى الآخر، ليقوم بإغاظته كالمعتاد، لتعلُ أصوات الضحكات بينهم وهم يشاهدون هذا الشد والجذب بينهما، لينظر "محمود" إلى أخيه "عامر" الذي تأكد أن والدته بالفعل كانت تسيطر عليه، حتى تتولى زمام الأمور، وقد اتخذ قراره أخيرا تجاه هذا الوضع غير لائق، لينظر إلى ابن عمه يناديه باسمه، لينظر إليه الآخر منتظرا سماع ما سيقال، لتتجه جميع الأنظار إليه كذلك، ليتحدث "عامر" بنبرة جامدة
حاسمة وهو ينظر إليه قائلا: أنا معاك يا ابن عمي فأي حاجة حتى لو على خط الموت. ابتسم إليه "يوسف" وقد ابتسم "محمود" كذلك، ليتبادل النظرات بينه وبين ابن عمه الذي نقل بصره نحو "عامر" وأردف مبتسم الوجه: حمدلله على سلامتك يا ابن عمي. وإن كان الشر ماكرا فالقناص ماهرًا.
منذ أن علم الحقيقة من أخيه الصغير، وعزم على أن يحظى بوقت أكبر في الصعيد لأجله، حتى يثبت براءته أمام الجميع، فقد كان المجني عليه مثلهم تماما وضحية لأفعال شخص كأبيه. لجأ إلى المنزل وهو يتحدث في الهاتف مع زوجته قائلا: مش عارف لسه هعمل إيه يا حبيبتي، بس أكيد مش هسيب أخويا غرقان كدا. حاضر أنا ناوي على كدا فعلا. بإذن الله خدي بالك من نفسك ومن الولاد، وبليل هكلمك تاني أطمن عليكم. فرعاية الله.
أنهى مكالمته مع "أزهار" التي كانت تطمئن عليه منذ أن تركها وسافر ليرى والدته، تقترب منه مبتسمة الوجه لتقول: حمدلله على سلامتك يا حبيبي. مش تقول إنك جيت أخلي أختك تحضرلك الغدا. لا يا حبيبتي مش جعان. أنا جاي أكلمك في موضوع تاني مهم. تعجبت هي كثيرا لتعقد ما بين حاجبيها قائلة: خير يا حبيبي موضوع إيه دا؟ قولي. أخذها "صلاح" وتوجه إلى غرفة المعيشة وهو يحدثها قائلا: تعالي نقعد بعيد عن الكل ونتكلم سوى على رواقة.
لبّت إليه مطلبه وذهبت معه إلى حيث يريد، ليجلسا سويا معًا بجوار بعضهما البعض، تنتظر سماع ما سيقوله مبتسمة الوجه. أما عنه، فنظر إليها قليلا برهة من الوقت ليقول: أنا ناوي على حاجة وقولت آخد رأيك فيها. خير يا حبيبي قول. ابتلع هو غصته حينها بتروٍ وتماسك نفسه وجمع شتاته، ليقول بنبرة هادئة جادة لا تقبل الرضوخ:
أنا رحت زرت "حليم" أخويا، وقبل ما تقاطعيني، مدير المصحة كلمني وقالي إنه محتاجني ضروري، والنهاردة قبل بكرة. بيني وبينك أنا خوفت عليه وقولت أخويا حصـله حاجة. متأخرتش بصراحة، سيبت مراتي وولادي وجيت جري وأنا مرعوب عليه. دماغي طول الوقت عمالة تودي وتجيب. ولمّا روحت لقيته زي الفل، بس الحزن واكله ووشه بهتان وخاسس. قعدت معاه وسمعته، وبصراحة هو صدمني جامد أوي وحكالي بلاوي سودة عارفها وساكت عليها.
وأخذ يقص عليها كل شيء قاله أخيه إليه بالتفصيل الممل، دون أن ينقص حرفًا واحدًا، فيما كانت هي تستمع إليه طوال الوقت، لا تصدق ما تسمعه، وكأنها تستمع إلى قصة لفيلم ما أو شيئا من هذا القبيل. فيما كان هو يسرد ويسرد دون أن يتوقف، وهي تستمع إليه مصدومة مما تتلقاه أذناها. أبعد هذا كله يكون زوجها هو السبب الرئيسي فيما وصلوا إليه الآن؟
ترقـرقت مقلتاها بالعبرات وهي تشعر وكأن عصا حديدية سقطت على رأسها، أطاحت بعقلها بعيدًا. شعرت بثقل في جسدها ورأسها، وببرودة أطرافها، وآلام قلبها. فهذا من المفترض أن يكون زوجها وحبيب العمر، كيف له أن يكون بكل تلك القسوة؟
سقطت العبرات على صفحة وجهها، ووضعت كفها على رأسها التي انكسـتها إلى الأسفل، تبكي بحسرة على ما مر من عمرها برفقة رجل كان الغل والشر يملآن قلبه. فيما آلمه قلبه وهو يرى حالتها المؤلمة تلك، وهو ما عليه سوى أن يواسيها ويؤازرها، فما عليه سوى أن يفعل ذلك. ضمها إلى أحضانه يواسيها، متمنيا أن يأخذ هذا الألم من قلبها إلى قلبه هو. شدّ من ضمته لها ولثم رأسها بحنو، ممسدًا على ظهرها برفق وقال:
بالله عليك ما تعيطي، دموعك غالية عليا أوي يا حبيبتي. حقك عليا، أنا عارف إنك موجوعة أوي دلوقتي ووجعك مضاعف، بس هنعمل إيه هي دي الحياة. أهدي، أنا جنبك ووعد وعهد عليا هرجعلك "حليم" لحضنك وهيبقى جنبك وأنا جنبك ومش هسيبك. ووعد اللي غلط هيتعاقب. بابا غلط كتير أوي سواء في حقك أو حقنا. وعد يا حبيبتي. أنهى حديثه وهو يلثم رأسها بحنو، ممسدًا على ظهرها برفق، ليسمعها تقول بنبرة باكية: رجعلي "حليم" يا "صلاح". رجع أخوك لحضني تاني.
وعد هيرجع. أنا ناوي إني أرجعه صدقيني. هجيبهولك لحد عندك وهيرجع لحضنك، وهيتجوز اللي يشاور هو عليها، وهتفرحي بيه وبعوضه وتشيلي عياله كمان. متقلقيش عليه، "حليم" راجل وصالب طوله، يتهز آه... بس ميوقعش. ربتت بكفها على صدره بحنو وابتسمت ابتسامة خفيفة مليئة بالوجع، ليُعاود هو لثم رأسها بقبلة حنونة، ثم قال:
أنا من ساعة ما كنت عنده آخر مرة وأنا بحاول أخرجه. أدعيلي ربنا ييسر لي الطريق وأخرجه أخويا كويس. أنا عارف الفترة اللي ببعد فيها عننا اتعالج فيها وخف، بس أبويا ما نـع عنه الخروج، وبحاول بقصارى جهدي أخرجه منها. هيخرج وربنا هيكرمك وترجعوا لحضني مرة تانية. أنا عايزة أفرح بيه زي ما فرحت بيك. ربنا يكرمك وييسر لك الحال يا ابني.
ابتسم "صلاح" ولثم جبينها هذه المرة، وقد شعر أن الطريق أصبح ميسرًا أمامه بعد هذه الدعوة، ولذلك قضى بعض الوقت بجانبها وبجانب شقيقته "بهيرة" التي تسعد حينما يجاورهم، ليودعهما سويًا ويتحرك نحو وجهته المنشودة، عازمًا على عدم العودة إلا في حضرة أخيه.
ولج إلى المصحة وتوجه مباشرة نحو مكتب المدير الخاص بها، ليقف طارقًا على الباب، ليسمع بعد لحظات صوته يسمح إليه بالولوج، ولذلك ولج إليه، ليراه ينهض من مجلسه يرحب به بحرارة، ليبادله "صلاح" بأخرى فاترة، ثم قال دون مقدمات: قولي أبويا الحج "عبد المعز الأسيوطي" دافعلك كام عشان "حليم" أخويا يدخل، وهدفعلك الضعف ويخرج.
حسنًا، استطاع توجيه ضربته دون أن يُرهق نفسه كثيرا، ليرى تندي جبين الآخر، الذي ابتلع غصته بتروٍ وحاول الحفاظ على ماء وجهه أمامه، ليتحدث بتلعثم قائلا: إيه الكلام الغريب دا يا أستاذ "صلاح"؟ فلوس إيه وكلام فاضي إيه؟ المصحة دي مصحة محترمة.
تعالت ضحكات "صلاح" تدوي في أرجاء الغرفة ردًا على حديث هذا المخادع المنافق، الذي يقبل الرشوة وكل ما هو محرم دون خوف أو خشية بأن هناك رب كريم يطلع على العباد، ليقوم بوضع الكثير والكثير من الرزم النقدية، يرمق المدير نظرة ذات معنى حادة، ثم قال بنبرة هادئة:
معاك 10 بواكي وأظن كتير فأهلك، بس ميغلوش على أخويا. هروح آخد أخويا، ولو ربنا كرم الحج وعرف يكلمك، متنساش تقوله ابنك "صلاح" بعتلك السلام وبيقولك المستخبي مسيره يبان. ودافع 10 بواكي وخد أخوه ومشي، وتقطع لا كلمة زيادة ولا أقل. سامع؟
حرك المدير حينها رأسه برفق بحركات سريعة يوافق على حديثه، ليبتسم "صلاح" ويخرج متجهًا إلى الخارج بعدما وضع النقود أمامه على سطح المكتب، ليأخذ أخيه بعدما استطاع إيجاد ثغرة يولج بها نحو هذا الحقير معدوم الضمير، ليقف في صالة الاستقبال منتظرا أخيه، بعدما أوصى ممرضا بتجهيزه وتجهيز أغراضه، حتى يخرجا من هذا المكان ويعود الفتى لموطنه الأصلي.
ظل ينتظر وينتظر، فبعد أن مر ثلاثة أيام على آخر مقابلة بينهما، وبعد التفكير الطويل، أخذ قراره الأخير وعزم على تنفيذه. فلو اجتمع العالم أجمعه على الوقوف أمامه بالمرصاد، فلن يقدر عليه أحد. فالأسد الجائع لا يهدأ سوى بإشباع معدته. العديد والعديد من الدقائق تمر عليه، حتى لمح طيفه من بعيد يقترب منه بخطى هادئة. لاحت معالم وجهه حينما رآه أمامه يقترب منه، ليبتسم دون إرادة منه، ويقوم بالتفريق بين ذراعيه في الهواء، يستقبله بعد أعوام عديدة من الانقطاع التام.
فيما شد الآخر خطواته نحوه، ليقوم بالارتماء داخل أحضان أخيه الأكبر، يعانقه بكل ما يحمله من قوة. أما عن "صلاح"، فقد طبق بذراعيه عليه، يضمه أكثر إلى أحضانه، غير مصدقا أن أخيه أصبح في حمايته وطوعيته بعد أعوام عديدة من العداوة الأخوية خلقها الأب بين الشقيقين. كل منهما يحتاج إلى الآخر، وكل منهما داعم وواقي للآخر، لا ينبغي أن ينقطع الوصال بينهما مهما حدث. وحشتني أوي يا "صلاح". وحشتني أوي يا خويا.
كان هذا "حليم" الذي تحدث بنبرة شبه منكسرة حزينة، يخبر أخيه كم هو مشتاق إليه، وكم هو بحاجة إليه كذلك، ليأتي الرد من الأخ الأكبر الذي شد من عناقه لأخيه الصغير وقال: واحشني يا "حليم". حمدلله على سلامتك يا حبيبي. عودة حميدة. ابتعد "حليم" عن أخيه، ينظر إلى معالم وجهه التي افتقدها كثيرا، لتلمع العبرات في مقلتيه، ليسمع أخيه يقول، معنفا إياه قائلا: متعيطش. أنت كنت ضحية مش ذنبك اللي حصل دا نهائي.
غصب عني يا "صلاح". أنا كل ما افتكر إني كنت لعبة في إيديه بتوجع أوي. عامل زي العيل الصغير يقوله تعمل دا ومتعملش دا، روح قول كذا ومتقولش كذا. دمرني يا "صلاح" وضيعني. حزن "صلاح" لأخيه كثيرا، ولذلك تسلح بالشجاعة والقوة أمامه، يسانده ويدعمه بكلماته قائلا بنبرة صارمة:
"حليم الأسيوطي" ميوقعش مهما حصل، حتى لو جاب آخره. حركة زي دي تجمدك متضعفكش. عايز تضعف يبقى تضعف بينك وبين نفسك، وقدام الكل تبقى عديم الإحساس. ميحوقش فيه حاجة لمّا يشوفك جبل ولسه على رجلك، صالب طولك هيتغل، وهيعرف إنه فشل في إنه يوقعك. سامع ولا لا؟
حرك "حليم" رأسه برفق دون أن يتحدث، يوافق على حديثه، ليشدد الآخر من أزره، مربتًا على كتفه، ثم أخذه وتوجه إلى الخارج، عازمًا على فعل ما انتوى عليه فعله. فإن كان الشر ماكرًا، فالقناص ماهر في التلاعب معه. توجه به عائدًا إلى المنزل مرة أخرى، والصمت يسيطر على المكان، فقد كان "حليم" شاردًا رأسه خاوية من أي شيء، وبجواره أخيه يفكر في خطواته المقبلة، وهل سيحالفه الحظ ويسير كل شيء كما يريد، أم سيكون للقدر رأي آخر.
وأخيرًا اكتشف حقيقة الأمر فأطمأن قلبه. وبعد مرور ثلاثة أيام من الخصام والبعد بينهما، قررت اليوم تصليح الأمر بينهما وإعادة الود بينهما من جديد. كانت تجلس على طرف الفراش تنتظر قدومه، وهي تنظر إلى تلك العلبة الكحيلة بين كفيها، تنظر لها بشرود، حتى استفاقت على ولوجه إلى الغرفة بهدوء، كما اعتادت في خصامهما، لتراه ينزع جاكته بهدوء. شعرت بالتوتر في حين أنها كانت تخطط لمصالحته، وحينما رأته تبخر كل ما كانت تفكر في القول به.
وبعد الصراع الطاحن الناشب بينها وبين نفسها، نهضت أخيرًا واقتربت منه بخطى هادئة، حتى وقفت خلفه، وابتـلعـت غصتها بتروٍ قبل أن تقول بنبرة جاهـدت حتى تخرج هادئة ومتسائلة: هتفضل زعلان مني كدا كتير ومبتكلمنيش؟ وكما كانت تظن، لم يأتها الرد منه، ولذلك حاولت معه من جديد قائلة: على فكرة بقى أنا ميهونش عليا زعلك، وخصوصا لو مني أنا. والله ما أقدر على زعلك وخصومتك. حاسة إن ناقصني حاجة كبيرة أوي في يومي.
وكانت النتيجة كسابقتها، عدم الرد. تركها وتوجه نحو الأريكة الصغيرة وجلس عليها بهدوء دون أن ينظر إليها، ونظر إلى الأسفل حيث أرضية الغرفة. أما عنها، فلم تيأس في مصالحته، بل جلست بجانبه وقامت بمعانقته قائلة بأسف: أنا آسفة، حقك عليا. والله ما كنت أقصد أي حاجة من اللي قولتها دي. أنا مقدرش أزعلك، بس أنا في لحظة غضب قولت كدا. بس صدقني أنا مقدرش أزعلك ولو حتى بفعل صغير. سامحني، اعتبرني زي "ليان" وغلطت، إيه مش هتسـامـحني يعني؟
أنت حبيبي اللي شايل همي قبل همه، وخلاني أكمل تعليمي عشان آخد الشهادة ويشوفني كبيرة، وتوليت مسؤوليتي وشيلت هم كبير فوق طاقتك. حقك عليا بالله عليك ما تزعل. أنا عارفة إني غلطت وزعـلتك جامد بكلامي. ممكن تسـامحني وتقبل اعتذاري.
تأثر بالطبع بحديثها، ولكنه لا يزال غاضبًا منها، ولذلك كان يتخذ الصمت معها ردًا على كل ما تقوله، وهذا ما كان يزعجها دومًا، ولذلك حتى هذه اللحظة هي لم تيأس، بل لجأت إلى تلك العلبة الكحيلة، لتنظر إليه وإليها قليلا قبل أن تمد يدها بها إليه. أما عنه، فقد نظر إلى ما تريد إعطاءه إليه، لينظر إليها من جديد ويقول متسائلا: إيه دا؟ شوفها بنفسك.
نقل بصره مرة أخرى إلى ما تريد إعطاءه إياه، ليقوم هو بأخذها بالفعل أسفل نظراتها، ويبدأ في فتحها، جاهلا ما يكمن بداخلها. لحظات ورأى ساعة يد فضية اللون تزينها بعض الفصوص الفضية اللامعة كإلتماع النجوم في السماء ليلا. تبدو باهظة الثمن، ولذلك نظر إليها من جديد، ليسمعها تقول مبتسمة الوجه: بصراحة دي عشانك. حبيت أصالحك وأديك حاجة، ففكرت كتير وملقيتش غير الساعة دي قدامي. شدتني جدا، وبصراحة مترددتش إني أجيبها.
بس أنا مبتصالحش بالهدايا. أنا أهم حاجة عندي من الهدايا إن الإنسان يتعلم من غلطه، وبكلمة واحدة يقدر يصلح كل حاجة. أنا مش بتاع هدايا يا "بيلا"، وبصراحة مستغرب إنك بعد كل دا لسه متعرفيش أنا بتصالح إزاي. تلاشت بسمتها الحماسية تدريجيًا حتى اختفت تمامًا من على وجهها، وبالأخير التزمت الصمت برهة من الوقت، فقد كانت هذه أملها الوحيد الآن، أخمد آمالها أجمع. أما عنه، فقد تذكر حديث والدته إليه في الصباح الباكر، ولذلك ابتلع غصته
وأعاد يكمل حديثه قائلا: بس أنا مقدرش أرفض أي حاجة منك، لأنك ليكي مكانة كبيرة أوي في قلبي ومقدرش أزعلك. وعشان كدا قبلتها منك، بس أنا واثق إنك عارفة أنا بتصالح إزاي. وعلى الرغم من كل دا، برضوا كنت بتسعي عشان تراضيني، ودي حاجة كفيلة إنها تخليني أساـمحك وأقبل اعتذارك.
نظرت إليه بذهول بعدما استطاع جذب انتباهها بحديثه، لتراه أخيرا ابتسم إليها بعد عتمة ليل طالت لثلاث ليال. أما عنه، فبطيبة قلب "يوسف" وحب "جعفر" الكبير لها، قد صفح تلك الورقة، ليبدأ من أول السطر معها، في صفحة بيضاء خالية من الشوائب والأحبار السوداء. حاوطها بذراعه، ضاممًا إياها إلى أحضانه، يحوطها بحصونه المنيعة التي تحمي مملكته من أي أذى قد تطولها.
أما عنها، فقد كانت سعيدة وبشدة حينما استمعت إلى حديثه، وكذلك حينما قام بمعانقتها إلى أحضانه، لتكون مرحبة بهذا العناق الذي كانت تنتظره منذ ثلاثة أيام، لتعانقه كذلك، تلف ذراعيها حول عنقه، والسعادة تغمرها، لتعلو ضحكاته على أفعالها التي تكون مندفعـة بعض الشيء، ليقوم بمحاوطتها بذراعيه، ممسدًا على خصلاتها الناعمة دون أن يتحدث، ليلتزما الصمت كلاهما، فقط يسعد كلاهما بتلك اللحظة الهادئة والحبيبة على القلب. في الخارج.
كانت "شـاهي" تحمل "لين" وتلاعبها، لترى تجاوب الصغيرة معها وعلـو ضحكاتها، لتضحك هي كذلك وتقوم بلثم وجنتها الصغيرة. نقلت بصرها إلى حفيدتها الأخرى "ليان"، التي كانت هادئة للغاية على غير العادة، لينتابها الخوف كثيرا عليها، فإنطوائها ذاك يقلقها وبشدة. دقائق معدودة، وخرج ولدها ومعه زوجته، لترى البسمة تزين ثغر "بيلا"، ولذلك ابتسمت فور أن علمت أنها استطاعت مصالحته.
اقترب "يوسف" من والدته ليقوم بأخذ صغيرته، حاملا إياها بين كفيه، ليُـلـثـم وجنتها الصغيرة بحنو، تليها أخرى، ليراها تتحرك بتلهف، تبدي سعادتها بتلك القبلتين اللتان جاءتا بغتة، ليبتسم هو ويمنحها واحدة أخرى، ثم بعد دقائق معدودة أعطاها إلى والدته، ثم توجه نحو حبيبة الفؤاد التي كانت تلتزم الهدوء، ليجلس بجانبها ويقوم بمحاوطتها بذراعه، ضاممًا إياها إلى دفء أحضانه، ماسحا بكفه على رأسها برفق، ليسمع والدته تقول متسائلة:
هي مالها يا "يوسف" يا ابني ساكتة كدا ليه؟ هو أنت مزعلها؟ نظر إليه "يوسف" ونفى قولها ذاك حينما قال: لا والله أبدًا. مقدرش أزعـلها دي حبيبتي. أومال مالها ساكتة كدا ليه؟ نظر هو حينها إلى صغيرته وقام بحملها وإجلاسها على قدمه، ضاممًا إياها إلى أحضانه، ليحدثها بنبرة خافتة قائلا: مالك يا كتكوتة بس ساكتة ليه وحرمـانة من صوتك الرقيق دا ليه؟ حد زعلك؟ حينها حركت رأسها تنفي حديثه ذاك، ليُمسد على خصلاتها بحنو من جديد قائلا:
أومال إيه بس؟ قوليلي لو حد زعلك هجيبه من زمارة رقبته كله إلا أنت يا "لولو" عندي. رفعت رأسها حينها تنظر إليه، لتقول بنبرة هادئة: أنا عاوزة أشوف خالو "بشير". هو مشي ليه؟ ممشيش يا حبيبتي، هو عند تيتا قاعد شوية وهيرجع تاني. عادت تلتزم الصمت من جديد، ولم تتحدث بحرف واحد، لينظر هو حينها إلى والدته التي كانت تنظر إليه دون أن تتحدث، ليفكر قليلا بينه وبين نفسه، قبل أن ينهض حاملا إياها على ذراعه، ليوجه حديثه إلى والدته قائلا:
هروح مشوار قريب منكم هنا وراجع يا ماما. مش عايزة حاجة أجيبهالك. ابتسمت إليه وأجابته بنبرة هادئة قائلة: لا يا حبيبي تسلم. تركها وتوجه نحو الباب، وقد أخبر زوجته أنه سيأخذ الصغيرة معه، ليتحرك بعدها تاركا المنزل لهما، لتعاود "بيلا" بإعداد الغداء من جديد، ملتزمة الصمت، وهي تفكر في حال صغيرتها وما حدث لها فجأة. شيء واحد حدث يغير محور الحياة بأكملها.
وصل إلى وجهته المنشودة وغايته الأخيرة وأمله الوحيد في هذه اللحظة. ترجل من سيارته وهو ينظر حوله، فهو يجهل سكان هذا المكان، ولا بأس في المحاولة. تحرك وبدأ يسير وهو ينظر حوله، يتابع الأجواء من حوله، حتى وصل بعد دقائق ورأى صالة رياضية، ولذلك توجه سريعًا نحوها، فقد كانت المفضلة إليه منذ الصغر، ولذلك حينما ولج طاف ببصره إلى الآلات الرياضية الحديثة التي يحبها كثيرا، ولذلك تحرك نحو تلك الآلات يشاهدها.
انبهر بها وأحبها كثيرا، ولذلك كان يشاهد المكان حوله مبتسمًا، حتى رأى شابًا قريبًا منه أمام آلة المشي الرياضية، ولذلك اقترب منه بخطى هادئة، حتى وقف بجواره وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. التفت "لؤي" ينظر له، ليقول بنبرة هادئة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أقدر أساعدك؟ ابتـلع "نادر" غصته بتوتر وقال بنبرة هادئة: أنا بصراحة كنت بدور على شقة كدا على القد هنا. متعرفش حاجة هنا؟ إيه اللي معرفش حاجة هنا؟
دا أنا مفيش نملة بتعدي من هنا غير وأنا عارف هي مين وجاية ليه وعايزة إيه. هكذا كان رد "لؤي" الساخر على حديثه، ليأتيه رد "نادر" حينما قال: طب قولي أقدر ألاقي شقة فين وإيجارها يعمل كام دلوقتي؟ نظر إليه "لؤي" نظرة ذات معنى برهة من الوقت، ثم قال بنبرة هادئة: شكلك مش من هنا. تعالي يا عمي نقعد على القهوة نشربلنا خربوشين شاي حلوين ونتكلم على رواقة.
وبالفعل أخذه وجلسا سويًا على تلك القهوة المفضلة إليهم، وبعدما قدم إليه "لؤي" كرم الضيافة ورحب به، بدأ يستمع إليه حينما قال: أنا اسمي "نادر فارس عوض". وقبل أن يكمل حديثه، رأى "لؤي" يبصق ما في فمه بصدمة كبرى، لم يكن لعقله أن يتوقعها قط. فيما تفاجأ "نادر" من ردة فعله تلك، ونظر إليه قائلا بنبرة قلقة: مالك يا "لؤي" أنت كويس؟ نظر إليه حينها "لؤي" بذهول شديد، لا يصدق ما تلتقطه أذناه قبل قليل، ليقول بنبرة متسائلة: أنت؟ أنت؟
أنت قولت "فارس عوض"؟ تعجب "نادر" ولكنه أجابه حينما حرك رأسه برفق، يؤكد إليه قوله، ليُحرك الآخر شفتيه يمينًا ويسارًا مرات قليلة، قبل أن يقول: يادي المصيبة. يادي المصيبة السودة. هو عم "فارس" دا مكانش بيهد خالص؟ هو متجوز كام واحدة ولا مخلف قد إيه؟ هو الراجل دا مكانش بيهد أبدا. استنتج "نادر" من حديث "لؤي" أن أباه كان سيء الطبع، لا يتحمله بشري قط، ولذلك ابتلع غصته وقال بنبرة شبه هادئة:
أيًا كان إيه تفكيرك تجاه أبويا، فأنا مش زيه. هو للأسف غلط غلطات كتير وإحنا اللي بندفع تمنها دلوقتي، بس الحمد لله يعني. أنا ابن الزوجة التالتة، ويعتبر الكبير، لأن عندي أخ أصغر مني بـ 3 سنين. في الحقيقة أنا مش حابب سيرته تتجاب، سواء كان بالحلو أو بالوحش، لأني حقيقي كل ما أسمع سيرته بتعب نفسيًا. حقك وكلامك على الراس. إذا إحنا القريبين مش طايقينه واستحملناه بالعافية، هتستحمله أنت؟
روّق يا عم وصلّ على النبي، أهو راح عند اللي أحسن من الكل، ويجوز عليه الرحمة، وما علينا سوى إننا نقول ربنا يسامحه، وحقنا عند ربنا. قولي طيب أنت شغال في إيه ولا بتدرس إيه؟ هكذا كان الرد من "لؤي"، الذي رأى الضيق على معالم وجه "نادر" حينما ذكر اسم "فارس" أمامه، ليأتيه الرد من "نادر"، الذي أجابه قائلا:
أنا كنت في كلية الإعلام، والحمد لله درست واتخرجت بقالي سنة، وحاليًا ربنا كرمني واتوظفت، وحاليًا بغطي أحداث مهمة زي الجرايم بمختلف أنواعها أو غيره. كان الله في العون. كلنا بنتعب بصراحة. طب بص شكلك جدع، وأنا هقف معاك في شقة هنا، أصحابها لسه معزولين ومفاتيحها موجودة. تحب أكلمك صاحبها ونتفق؟ وافق "نادر" على الفور وقال متسائلا:
مفيش مشكلة طبعًا. بس رسيني على المبلغ. أنا شبه على الحديدية دلوقتي، فلو ينفع يستنى عليا حبة أظبط أموري، يبقى كثر ألف خيره ويشكر. مش هيوافق أروح أدور بره. عيب عليك. إحنا ولاد بلد ومنقدرش نرفض لحد طلب. أعتبر الموضوع خلصان.
أنهى "لؤي" حديثه مبتسم الوجه، ليشعر "نادر" بالراحة، ليبتسم كذلك، شاكرًا إياه وممتنًا إليه كذلك. اقترب منهما "يوسف"، الذي كان يحمل صغيرته، ليقوم بإلقاء التحية عليهما، فيما نظرا كلاهما إليه، وقد نهض "لؤي" مرحبًا بالصغيرة حينما أخذها من صديقه، وهو يُـلـثـم وجنتها بحنو. فيما نظر "يوسف" إلى "نادر" عاقدًا ما بين حاجبيه، يشعر وكأنه رآه من قبل، ولكنه لا يتذكر حتمًا أين، ليقوم الآخر بالترحيب به حينما مد كفه كي يصافحه قائلا:
أزيك يا "يوسف"؟ أنا "نادر" أخو "بيلا". لو ناسي جيت هنا قبل كدا. وسريعًا تذكره، ليقوم بمصافحته، وقد ابتسم إليه بسمة هادئة وقال: الحقيقة أنا كنت بحاول أفتكرك، لأن شكلك مش غريب عليا. نورت، بس مطلعتش ليه يعني؟ جاي صدفة ولا قاصدها؟ فالحقيقة قاصدها. أنا بصراحة بدور على شقة هنا، و"لؤي" قالي في شقة وهيخلصلي مع صاحبها عشان آجرها. عقد "يوسف" ما بين حاجبيه، ونظر إليه نظرة ذات معنى، ليجاوبه "نادر" حينها قائلا:
الدنيا أسودت في وشي بصراحة، واتقفلت كل البيبان قدامي. كل اللي حيلتي دلوقتي العربية، لا معايا فلوس ولا مطرح أقعد فيه. مخبيش عليك، أنا واحد جد طول عمره مبحبش الحال المايل. فمن ساعة آخر مرة كنت هنا مع أخويا عندكم وتصرفه معاكم وقلة أدبه، أنا قررت أعاقبه عشان يحترم بيوت الناس اللي بيدخلها ويحترم أهلها، فأضطريت إني أحبسه. وطبعًا قـُـمت الدنيا عليا، وماما وقفت في صفه عشان الدلوع متقدرش تقوله لا. بعدها شديت معاه تاني لمّا
جيت عشان أزوركم، كنت عايز ه يكون موجود معايا، بس برضوا زعقنا وتعـلى صوته عليا، وكان عايز يخرج مع صحابه، فحـلفت إني أحبسه وعملت كدا فعلا. وبرضوا كلم ماما، زعق معاها وجت هي من بره خرجته. دلوقتي طبعًا مقموص، وأحتاجني، فاتصل بيا، مردتش كذا مرة. الحقيقة كنت خارج شوية، فاستعان بماما، وماما جت كلمتني، وحقيقي لمّا عارضتها وقولت مش هعمله حاجة، لقيت في عيونها قسوة أبويا. مع الشد والجذب، سبتها ودخلت لميت شنطة هدومي، وأنا حالف
يمين ما هقعد ثانية كمان، لأني تعبت، وكله جاي عليا ومش حاسين بيا. كل حاجة أنا اللي بعملها، مبقتش قادر حقيقي.
محاولتش تمنعك لمّا عملت كدا؟ كان هذا سؤال "يوسف" الذي كان مستمعًا إليه في هذا الوقت بكل هدوء، ليأتيه الرد من "نادر" الذي حرك رأسه يؤكد ذلك قائلا:
حصل وحاولت وهددتني إنها هتاخد مني كل حاجة، بس أنا اللي مهتمتش ومهتمش بيا ولا بمشاعري وإحساسي، وأجبرتني أكلمه وأشوفه، بس أنا عاندت وقـفلت موبايلي عشان محدش يكلمني ولا يوصلي، ومشيت. جيت أسحب فلوس من الفيزا لقيتها واقـفة، عرفت ساعتها إنها ووقفتها عشان تجبرني أرجع، بس أنا عاندت ولقيت نفسي جاي هنا بصراحة. مبحبش فرض الآراء على الآخرين، ولا حد يتحكم في غيره، حقيقي بكره البني آدمين اللي من النوعية دي. أنا راجل حر نفسي، بعمل
اللي شايفه صح. أنا عمومًا مش هفتح موبايلي نهائي، خليهم كدا عشان يعرفوا قدام قيمة البني آدمين لمّا تلاقي اللي كان بيصرف ويتمرمط عشانهم مبقاش موجود، هيعرفوا قيمتي. مخبيش عليك، أنا عايز أشوف حياتي ومستقبلي، وعايز أستقر وأضمن حياتي. مسيري هتجوز وهكون مسؤول من بيت، مش معقول هصرف على بيتين.
وافقه حينها "يوسف" الرأي، مربتًا على كتفه قائلا بنبرة هادئة:
عين العقل يا "نادر". كلامك كله صح، مفيهوش غلطة. أنا حاسس بيك، مش مجرد كلام، لا أنا بجد حاسس بيك. ربنا يعينك ويقويك عليهم. اعتبرني الأخ الكبير ليك بعد "أكرم" و"بشير". أي حاجة تحتاجها رقبتي سداادة، ومتشيلش هم الفلوس. إحنا مبنبصش على فلوس، أهم حاجة الصحبة الحلوة. بص يا ابن الناس، قدامك حلين ملهومش تالت دلوقتي، لأن الشقة مش هتتجاب بسهولة دلوقتي، لأن صاحبها مسافر اليومين دول. فيا تبات في المسجد بتاع صاحبي لحد ما ربك يفرجها، يا تقعد في أوضة "بشير" أخوك مؤقتًا.
رفض "نادر" اقتراحه الثاني، حينما قال بجدية شديدة لا تقبل النقاش: لا يا عم كثر ألف خيرك. دلني على طريق المسجد دا، وأنا هبات فيه، معنديش مشكلة. كلمهولي وأنا هظبط أموري في السريع، مش عايز أبقى حمل على حد، بالله عليك. كل واحد بيبقى واخد راحته في بيته، فمجيش أنا أفرض نظام تقييد الحرية. قولي المسجد منين. لا يعلم "يوسف" لم؟
أعجب بتفكيره بهذه الطريقة، ولذلك ابتسم إليه، وربت على كتفه، ثم استأذن من صديقه، الذي طمأنه على فـتـاتـه معه، حتى يعود، وأخذه وذهب إلى المسجد، حيث شارك رفع أذان المغرب. وبعد بضع دقائق وصلا، ليولج "نادر" بهدوء، ومعه "يوسف"، الذي اتجه نحو رفيقه، الذي كان يقوم بتجهيز المسجد للمصلين، ليقول: السلام عليكم يا شيخنا.
ألتفت إليه "رمزي" ينظر إليه، ليرد تحية السلام، وبعد التعارف وشرح مبسط لحال "نادر"، وافق "رمزي" سريعًا دون تفكير، وهو يقول بنبرة هادئة مبتسم الوجه:
بيت ربنا مفتوح للجميع، فأي وقت، ومش هما نـع ولا أرفض طلبك يا "يوسف"، أنت عارف كدا كويس. وبعدين يعني مهما كان هو ضيفنا، فالأول والآخر، ولو قدرت أساعد والله ما هبخل عليه، بس هتتيسر إن شاء الله، كلها في الآخر فانـية. معرفش مقطعين بعض ليه على حاجات تافهة زي دي، بس ما علينا، سوى إننا ندعيلهم بالهدايا. على العموم متقلقش عليه يا "يوسف"، هو في رعاية الله وحفظه. ابتسم إليه "يوسف" وشكره ممتنًا إليه، ثم نظر إلى "نادر"
وقال بنبرة هادئة: لو احتجت حاجة كلمني، مش هتتأخر عليك. خلي بالك من نفسك. ابتسم "نادر" وعانقه شاكرًا إياه على ما فعله لأجله، ليتركه "يوسف" ويذهب. شرد في ما هو مقبل عليه، وما ينتظره لبرهة من الوقت، قبل أن ينتشله صوت "رمزي" من شروده ذاك، حينما قال: لسه صغير على السـرحـان دا، أنت لسه بتشوف دنيا. نظر إليه "نادر" وزفر مبتسمًا، ليقترب منه قائلا بقلة حيلة: نعمل إيه بس؟
بنتـلـطـش يمين وشمال، وبيتداس علينا، ومش عايزني أبقى بالمنظر دا. ترك "رمزي" ما كان يفعله، واقترب منه بخطى هادئة، ثم وقف أمامه مباشرة، وابتسم إليه قائلا:
محدش معصوم منها، بس مش معنى كدا إننا نقع مع خبطاتها ومنقومش. فانـية يا "نادر"، صدقني، ومش محتاجة. بس لو فضلت تقع من غير ما تقوم، صدقني ما هتلاقي اللي يقومك غير نفسك. كله بيصارع عشان نفسه، محدش بيشيل هم حد. أنا عارف إنك بتمر بمشاكل كتير وصعبة، وشايل مسؤولية أكبر منك، بس افتكر إن ربك كبير وموجود، إلجأ له، واقعد اتكلم معاه، وخرج كل حاجة جواك تعباك، وادعيلهم بالهدايا. الزمن دا صعب يا "نادر"، ولمّا البني آدم بيشوف بلاوي
الناس اللي حواليه، بتهون عليه بلوته. نصيحة أخوية من أخ لأخوه الصغير، شوف نفسك، وسيب أخوك يشيل المسؤولية شوية. لازم يعرف قيمة الجنيه اللي بيصرفه، ويحس إنه متعوب عليه، مش بييجي من فراغ، ولا السما بتمطر فلوس. اللي زي أخوك لازم يتعلم دلوقتي، قبل ما يفتح بيت ويبني أسرة، وأنت خدلك راحة، وشوف حياتك ونفسك شوية. إذا كنت هتشتغل بقى، أو ناوي تكمل دينك وتتجوز، دي حياتك، ودا حقك زي أي إنسان. أعتبر نفسك واخد هدنة، واقعد عيد
حساباتك تاني مع نفسك يا "نادر"، وحط النقط على الحروف، قبل ما تقول يا ريت اللي جرى ما كان.
أنهى حديثه، مربتًا على كتفه برفق، مبتسم الوجه، قبل أن يتركه ويذهب، حتى يرفع الأذان بصوته الهادئ والعذب، تاركًا هذا الشاب يفكر في حديثه من جديد، بعدما جلس على أرضية المسجد، مستندًا بظهره على العمود الرخامي الكبير القابع خلفه. زفر بعمق، وأغلق جفنيه، لتمر ثوان معدودة، ليأتيه صوت "رمزي" الهادئ، يرفع الأذان بصوته العذب، مناديًا العباد كي يؤدوا فريضة المولى عز وجل. ترك عقله يستريح من هذا الضجيج، وتهدأ روحه، تاركًا نفسه إلى صوت "رمزي"، الذي أراح روحه، وداوى ندوب قلبه.
وأخيرًا اكتشف حقيقة الأمر فأطمأن قلبه. كانت "فاطمة" تقوم بوضع الملابس على المنشر الخاص بالملابس بهدوء، حتى أتاها صوت "لؤي" من الداخل وهو يقوم بمناداتها عاليًا، لتقوم بمجاوبته، ليأتيها صوته العالي من جديد حينما قال: مش كان في كبدة باقية من امبارح راحت فين؟ توقفت عما كانت تفعله فجأة، لتلتفت خلفها تنظر إلى الداخل، لتقول بنبرة حادة: هو دا الدايت اللي حضرتك بتعملهولي يا حبيبي؟ جرى إيه يا "لؤي"؟ إحنا هنبتدي نخيب ولا إيه؟
لم يأتيها الرد كما توقعت، لتترك ما تفعله وتولج إلى الداخل، وهي تشعر أن زوجها يفتعل كارثة ستجعل النوبة الصدرية تنتابها بالتأكيد. ولجت بخطى بطيئة إلى المطبخ، وهي تستمع إلى ضجيج متخالف يصدر من الداخل، لتولج وهي تختلس النظر كاللصوّص إليه، لتراه يجلس على أرضية المطبخ، ويلتفت حوله عدة صحون تحتوي على عدة أصناف مختلفة لا تتناسب مع بعضها البعض.
جحظت عينا "فاطمة" بصدمة حقيقية، وهي ترى "لؤي" يأكل طعامًا لا علاقة إليه بالنظام الغذائي الذي وضعه إليه الطبيب، فصحن به "رنجة"، وآخر صغير به بعض "البصل"، وآخر به بعض "البطاطا المقلية"، وآخر به "المخلل"، وآخر به "فسيخ"، وكوبًا مليء بالمشروب الغازي. في الحقيقة، قد صدمها كثيرا وأطاح بعقلها بعيدًا، لتضرب بكفها على صدرها بصد -مة كبيرة، وهي تقول: يا نهار أبيض ومش معدي! إيه اللي بتعمله دا يا "لؤي"؟
رفع "لؤي" رأسه ونظر إليها، ليبتسم ويقوم بالإشارة نحوه قائلا: تعالى عملت طبق رنجة يستاهل بوقك. تعالي كلي معايا. وقفت مكانها، تستند بنصفها الأيسر على الجدار المائل بجوارها، واضعة كفها على فمها، متحسرة على ما تراه، ليعاود هو تناول الطعام من جديد، متلذذًا به، لتقول هي: والدايت يا "لؤي"؟ طـُـظ. أنا جعان، مش هينفعني نظام السيكي ميكي دا. أنا واحد بيحب الأكل. لوت شفتيها بحسرة، وهي تضرب بكفها على ظهر كفها
الآخر بحسرة قائلة بسخرية: يا حظك المنيل يا "فاطمة". قال وهبدأ جد يا "فاطمة". كله إلا صحتي يا "فاطمة". هخس يا "فاطمة". دي "فاطمة" تكة وهتقعلك بالصوت. ضحك "لؤي" عاليًا على أسلوبها في التحدث معه، فيما لوت هي شفتيها بتهكم دون أن تتحدث، لتسمعه يقول من جديد: تعالي بس وفكك من الجو اللي مبيأكلش عيش دا، وأقعدي شاركيني يلا. قال يعني هتعملي نفسك مش مهتمة، وأنت أصلًا عينك على الطبق وبتعاندي نفسك، أكمني مش عارفك أنا يعني.
حسنًا، كشفها للمرة التي لا تعلم عددها أمام نفسها، لتزفر بعمق وتتقدم منه بخطى هادئة، حتى جلست بجواره، لتراه يعطيها الخبز مبتسم الوجه، لتأخذه مبتسمة الوجه كذلك، لتبدأ بمشاركته تناول الطعام، حينما بدأت معدتها تطالبها بالطعام. وفي الحقيقة، بعد أن مر بعض الوقت، كانت تحاول ترك الطعام بعدما امتلأت معدتها، كانت حينها كلما نظرت إليه، تراه يتناول الطعام بطريقة تجعلها لا تريد ترك الطعام، لتكمل تناوله معه.
وبعد مرور الوقت، تركت الطعام، وهي تشعر أن معدتها ستنفجر من كثرة تناولها للطعام، لتنظر إلى "لؤي"، الذي حمد ربه على دوام نعمته، ونظر إليها ليقول مبتسم الوجه: شكلك بيقول إنك خلاص. بصراحة مش قادرة فعلا، شبعت الحمد لله. معرفش ليه لمّا بقعد معاك على الأكل وناكل، بتفتح نفسي على الأكل حتى لو مليش نفس. ابتسم حينها بزهو، ورفع رأسه بتكبر وهو يقول: عشان تعرفي إنك معاك عملة نادرة، المفروض تحمدي ربنا عليها.
يا خويا بحمد ربنا عليك من غير ما تقول دا، أنت العوض. نظر إليها في هذه اللحظة بطرف عينه برهة من الوقت، مبتسمًا، قبل أن يقوم بومض جفنه الأيسر بخفة وعبث، قائلا: أكمني بقى مش هعرف أعمل حاجة دلوقتي، لا عندي استعداد أقوم أغسل إيدي وأجيلك. بس تعرفي كلامك دا مكيفني، آه وربنا المعبود بيعملي حالة مزاج كدا. القهوة بتاعت "لمونة" مبتعملهاش. ضحكت "فاطمة" على حديثه، الذي يروق لها كثيرا، لتنظر إليه مبتسمة الوجه برهة من الوقت،
قبل أن تقول: طب ما تقولي كلمتين حلوين، وكمل جميلك بقى. ابتسم حينها "لؤي"، ونظر إليها نظرة ذات معنى، يراها تغلق جفنيها، مبتسمة الوجه، استعدادًا لسماع حديثه المعسول، لينتظر لحظات، ليقول حينها بما جعلها تصاب بالصدمة الشديدة: بحبك يا بجرة، حب محبهوش الجاموس لجاموسته. أصابـتها الصدمة الشديدة حينها، والتي جعلتها تفرق بين جفنيها، تنظر إليه، جاحظة العينين، لتر اه ينظر إليها مبتسم الوجه، بسمة استفزتها كثيرا،
لتقول بنبرة غاضبة: هو دا الكلام الحلو يا "لؤي"؟ أنا على آخر الزمن، وبعد دا كله يتقالي يا بقرة؟ ومالها قمورة وعسولة؟ حد قال غير كدا؟ أشاحت برأسها بعيدًا عن مرماه، والغضب يتأكلها حية، فكانت تتوقع منه رومانسية من نوع آخر، ولكن يبدو أنه يختلف كليًا عن بقية الرجال، ولذلك كانت صدمة كبيرة بالنسبة إليها. أما عنه، فقد اتسعت ابتسامته أكثر، واقترب منها بهدوء، يقوم بلثم وجنتها بحنو، قائلا: جرى إيه يا "فطوم"؟ أنت زعلتي ولا إيه؟
دا دلع مش شتيمة أو قلة قيمة والله. رمقته نظرة حاقدة، بعدما ازداد غضبها أكثر عن زي قبل، ليمتص هو غضبها ذاك سريعًا، حينما قال بنبرة هادئة مبتسم الوجه: طب خلاص بلاها البقرة. يمشي معاك حتة سمسمية حلوة ومهلبية. طب إيه قولك إنك أحلى من السمسمية، ولعلمك أنا بعشق حاجة اسمها سمسمية، على فكرة لو تفتكري.
حاولت بقصارى جهدها ألا تبتسم في حضرته، وخصوصًا في هذه اللحظة، لتكمل نهج خطأها، لترى عدم اليأس منه، حينما حاول مجددًا معها في مصالحته، وقد ظل يحوم حولها طوال اليوم دون ملل منه، حتى رضخت إليه في نهاية المطاف، وابتسمت، ليسعد هو كثيرا، ويقوم بلثم وجنتها بعمق، بقبلة بث فيها حبه إليها، لينتهي ذلك بقوله ممازحًا إياها: عسلية بس شقية حبتين. وأخيرًا اكتشف حقيقة الأمر فأطمأن قلبه.
اتجه بصغيرته نحو منزل "هناء"، التي استقبلتهما مبتسمة الوجه، مرحبة بهما حينها بسعادة طاغية، حينما أخذت حفيدتها منه، وبدأت تـ نـ اـ دل عليها بالقبلات الكثيرة، حتى ضحكت الصغيرة إليها، مستسلمة لها. وحينها رمقه "يوسف" نظرة ذات معنى، ليقول بعدما أغلق جفنيه نصف غلقة: يعني أنا أفضل أتحايل عليك عشان تضحكي، وأعمل اللي ما يتعملش، وفي الآخر تيجي الحجة دي ببوستين تلاتة تضحكي؟
طب ما أنا كنت عملت كدا بقى من الأول، ولا غاوية تتعبيني معاكِ؟ يا خويا تتعـبك وماله، فداها. هي ليها مين غيرك يعني؟ خليها تدلع براحتها، دي أول فرحتنا، وليها مكانة كبيرة في قلوبنا، وزعلها يزعلنا كلنا. براحتك يا "لولو"، أعملي اللي نفسك فيه يا حبيبتي، لو متعـبـش عشانك يعني، هيتعـب عشان مين؟
أنهت حديثها إلى حفيدتها الصغيرة، التي ابتسمت بسمة خفيفة، ثم طافت بعينيها المكان بدقة، حتى لمحت طيفًا في إحدى الغرف شبه المغلقة، لتقوم بالتملص، كي تنزلها جدتها، ثم بعدها تحركت نحو هذه الغرفة بخطى هادئة، حتى فتحت الباب بهدوء شديد، مراعاة لخصوصية صاحب هذه الغرفة، لترى الحبيب الذي غاب عنها دون سابق إنذار، جالسًا على طرف الفراش.
اتسعت ابتسامتها فور أن رأته، وألمعت عينيها بوميض ساحر، عاد لرونقه من جديد. فيما ابتسم هو إليها، وفرّق بين ذراعيه في الهواء، لتركض هي سريعًا إليه، مرتمية داخل أحضانه، ليطبق هو عليها بذراعيه، مبتسم الوجه، ليُـلـثـم وجنتها بحنو، تليها أخرى، ليسمعها تقول بنبرة سعيدة: وحشتني أوي يا خالو. مشيت ليه وسيبتني؟ أنا كنت زعلانة أوي. شد "بشير" من ضمته إليها، ولثم وجنتها من جديد، ومسح بكفه على خصلاتها، قائلا بنبرة هادئة:
أنا آسف يا حبيبتي، حقك عليا. أنا عارف إنك زعلانة مني، بس غصب عني صدقيني.
أنهى حديثه معتذرًا إليها على ذهابه المفاجئ، والذي أحزنها كثيرا، لتقوم هي بمعانقته أكثر، مبتسمة الوجه دون أن تتحدث. أما عن "يوسف"، فقد كان يقف على باب الغرفة يشاهدهما، ليفهم في هذه اللحظة سبب حزن صغيرته وصمتها الدائم طوال الوقت، وقد كان السر يكمن داخل "بشير"، الذي ما إن رأته، تبدل حالها مئة وثمانون درجة، ولذلك في هذه اللحظة علم أنها تعلقت به، وأصبح قريبًا منها وبشدة، وتحزن على مفارقته.
كان السر ومفتاح اللغز في هذا الفتى. كان اللغز مجهولًا، والمفتاح كان "بشيرًا". في المجيء جاءني اللقاء"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!