فكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي وكم يسر أتى من بعد عسر ففرّج كربة القلب الشجي وكم أمر تساء به صباحا وتأتيك المسرة بالعشي إذا ضاقت بك الأحوال يوما فثق بالواحد الفرد العلي ولا تجزع إذا ما ناب خطب فكم لله من لطف خفي
كان المنعوت دومًا بالشريد المتبجح وكأنه نكرة بين الجميع ليس من حقه العيش بينهم ولا يفعل مثلهم، منذ زمن والجميع يرون المظاهر الخارجية فقط، فلو كان ذا مظهر جذاب سيرى الجميع يتحدثون عنه ويهتمون لأجله، وإن كان قبيحًا فبالتأكيد سيتم السخرية منه والنفور منه في الحال، ولكنه في حالة شاب بسيط مثله كان مزيجًا بين الطبقتين، رأى التضارب بأم عينيه ورأى الألم الجسدي والعذاب النفسي على أياديهم دون رحمة أو شفقة، وكأنه ليس ببشري مثلهم لديه قلب ومشاعر يبكي ويحزن.
في هذا الزمن ترى ذو المظهر الجيد والغني يهتمون لأجله ويسعون لتوفير كل شيء إليه، أما عن مسكين فقير، فلم يكن فقيرًا إلا لله عز وجل، فالفرق بين الاثنين أن واحد اختار متاع الدنيا وآخر سعى بها عبدًا فقيرًا. "لغز غامض كان المفتاح له بشيرًا."
كان يجلس مع شقيق زوجته الذي كان يضم صغيرته إلى أحضانه، والتي منذ أن رأته ترفض تركه، نظر "يوسف" إلى صغيرته التي كانت تحتضن خالها، واضعة رأسها على صدره متمسكة بسترته الشتوية حتى لا تبتعد عنه من جديد، وقد بدأت تذهب في ثبات عميق بعدما زار جفنيها، وهو كان يتولى دور الأب معها وليس فقط الخال، يضمها بحنو مطبقًا بذراعيه عليها يحميها من برودة الطقس ويسير بكفه على خصلاتها الناعمة، جاءه صوت "يوسف" الذي قطع هذا الصمت القائم بينهما منذ وقت، وهو ينظر إلى ابنته قائلًا
بنبرة هادئة:
"بقالها فترة ساكتة مبتتكلمش مع حد فينا وشبه منعزلة، حتى مبتجريش عليا لما بدخل من باب الشقة ولا بتضحك وتهزر، استغربت جدًا وقولت يمكن أنا مزعلها فحاجة، ولما حاولت أعرف من "بيلا" لقيت إنها معاها نفس المشكلة، دماغي كانت بتودي وتجيب وهجنن وبدأت أخاف والشك بدأ يزيد جوايا، بس لحد النهاردة لقيتها بتسأل عنك وزعلانة أوي، ولما قولتلها إنك فترة وهترجع رجعت تاني لحالتها القديمة، فكرت شوية لقيت نفسي باخدها وجايلك، ولما شوفت لهفتها عليك وفرحتها بشوفتك عرفت هي ليه كانت كدا...
"ليان" بتحبك أوي يا "بشير" ومتعلقة بيك بطريقة غريبة، مش عارف أمتى وازاي، بس اللي متأكد منه دلوقتي إن هي متقدرش تبعد عنك وبقيت أقرب حد ليها." حينها نظر "بشير" إلى الصغيرة التي ذهبت في ثبات عميق وهي متشبتة به، ليشدد من ضمته لها ويلثم رأسها بقبلة حنونة وهادئة، ثم نظر بعدها إلى "يوسف" وأبتسم إليه قائلًا بنبرة هادئة:
"يعلم ربنا أنا بحب "ليان" قد إيه وبعتبرها بنتي مش بس بنت أختي، وبصراحة أنا بحس معاها إني أب مش خال بيقضي معاها كام ساعة ويمشي، "ليان" علمتني كتير أوي يا "يوسف" وخلتني أحب الأطفال وأتعلق بيهم، خصوصًا بنات، بنتك ما شاء الله عليها ذكية، صعب يتضحك عليها بكلمتين، بدليل إنها خلتك تجيبها وتجيلي، ربنا يحميها ويباركلك فيها ويرزقك برزقها، وإن شاء الله تشوفها عروسة حلوة مع عريسها وتفرح بيها."
أبتسم "يوسف" بعدما استمع إلى حديثه ذاك، وفي النهاية أمن خلفه بوجه مبتسم، ثم قال بعدها بنبرة هادئة: "طمني عليك إيه الأخبار دلوقتي وحاسس بأيه؟ نظر إليه "بشير" وأجابه بنبرة هادئة قائلًا: "بخير الحمد لله، شوية كويس وشوية تعبان، وأهي ماشية هعمل إيه طيب؟ "معلش، أنا وأنت فمركب واحدة سوى، وعشان كدا أنا بقولك إني حاسس بيك، بس هتعدي إن شاء الله متقلقش."
أبتسم "بشير" إليه وقام بالتربيت على قدمه برفق دون أن يتحدث، فيما نظر "يوسف" إلى ابنته التي كانت متشبتة بخاله قليلاً قبل أن يقول: "أنا هضطر أمشي دلوقتي، خلي "ليان" معاك لأني واثق إنها مش هترضى تسيبك، وبليل هعدي عليك آخدها، دا لو رضيت يعني." أنهى حديثه ساخرًا، ليضحك "بشير" على حديثه ويقول: "ولو حبيت تبات معايا مفيش مشكلة، يا سلام أنت هتبص فحب البنت ليا ولا إيه؟
"يا عم ولا أبصلك ولا تبصلي، أنا بقولك اللي فيها، أنا عارفها، لو احتاجت حاجة كلمني، "أكرم" مضغوط اليومين دول فالشغل بعد ما طلبية الراجل الفقير دا اتلغت وهو متعفرت." زفر "بشير" بهدوء، ثم نظر إليه بعدما نهض "يوسف" ليقول: "ربنا يكرمه ويرزقه ويرزق اللي زيه، متقلقش مقضية الحمد لله."
أبتسم "يوسف" ثم انحنى بجذعه العلوي نحو صغيرته، يلثم وجنتها الصغيرة بقبلة حنونة، ثم ودع "بشير" وتركه وذهب ليتقابل مع "هناء" التي كانت تحمل صينية متوسطة الحجم معدنية يعتليها كوبين من الشاي الساخن، لتوقفه قائلة بتفاجؤ: "إيه يا حبيبي رايح على فين أنت لحقت تقعد؟ أبتسم إليها "يوسف" بسمة هادئة وقال بنبرة هادئة:
"معلش بقى يا ست الكل ورايا ميعاد ولازم أمشي، عايزك بس تاخد بالك من "ليان"، أنا هسيبها مع "بشير" عشان كانت زعلانة لما مشي، وبليل هعدي عليكم آخدها تكون قعدت معاه زي ما تحب." "متخافش عليها دي حفيدتي يعني عيوني من غير ما توصيني عليها."
هكذا جاوبه "هناء" مبتسمة الوجه، ليبتسم هو كذلك لها، ثم ودعها ورحل، لتنظر هي لأثره، ثم نظرت إلى غرفة "بشير"، ثم أكملت سيرها لتولج إلى الداخل وتراه جالسًا على المقعد ضاممًا الصغيرة إلى أحضانه، واضعًا الفراش الثقيل على جسدها، أبتسمت ثم اقتربت منه بخطى هادئة، وضعت الصينية على سطح الطاولة، ثم جلست بجواره قائلة بوجه مبتسم: "ياه على الحنية، إن ما شفت الدلع دا قبل كدا." نظر إليها "بشير" وأبتسم بسمة هادئة لها قائلًا:
"دي الحب كله، بحسني أب أوي وأنا معاها." "ومين سمعك... من ساعة ما جت على وش الدنيا وشايفة فيها حاجة لله، كانت عوض ليوسف عن الأيام المرة اللي عاشها، جت ملت البيت فرحة ودفى، كانت أول فرحته وحبيبة القلب اللي يفكر يزعلها أو ييجي جنبها بياكله بسنانه، سبحان الله مفيش حد مشافهاش إلا وحبها واتعلق بيها، هتفضل "ليان" الفرحة الأولى لينا والحنية اللي عمرنا ما شوفنا زيها ولا هنشوف."
أبتسم "بشير" ونظر إلى الصغيرة الماكثة بأحضانه، ليلمس بحنو على خصلاتها الناعمة، يلثم يدها الصغيرة بقبلة حنونة قائلًا بنبرة هادئة: "ربنا يبارك فعمرها ويحفظها من كل شر يارب."
أنهى حديثه داعيًا المولى عز وجل أن يحفظها ويبارك في عمرها ويحميها من كل سوء، فمنذ أن رآها وأحبها بشدة، وجد الصعوبة في الابتعاد عنها، وكأن حبها لعنة إن أصابت حققت، وإن فشلت حاولت، كانت فُتاته الأولى وستظل الأولى والأخيرة، فقد منحته مشاعر لم يكن بالنسبة إليه أن يعيشها حتى في أحلامه. "كانت بداية اللعبة مزحة طريفة، حتى أصبحت لعبة مميتة."
بداية اللعبة كانت مجرد لعبة طريفة ومزحة لهم، لم يتصور العقل ولو لمرة واحدة أن المزاح في بعض الأحيان يتحول إلى جدية مميتة لصاحبها، وهكذا كانوا هم حينما سخروا من تواجدهم على قيد الحياة معهم، حتى كانوا كابوسهم الأسود الأبدي، بدأت لعبة طريفة وانتهت بواقع مر المذاق ومؤلم للرأس، اليوم أصبحوا داخل دائرة سخريتهم في انتظار مصيرهم الأبدي تجاه هذه اللعبة اللعينة.
في إحدى القصور ذات الطراز العريق القديم، يظهر على مالكه الشر قبل الخير، كانت "شيراز" تقف خلف "ماري" التي استدعتها مؤخرًا لشيء في غاية الأهمية، تنتظر سماع ما سيقال عليها مثلما تتلقى الأوامر دومًا، وصدقًا لم تتأخر "ماري" عليها لتأتيها بالجواب حينما قالت بنبرة حادة: "ماذا تنتظرين يا "شيراز"؟ أتريدين أن أذهب أنا وأنهي حياة تلك الفتاة الصغيرة بنفسي أم ماذا؟ أبتلعت "شيراز" غصتها بتروٍ وقالت بنبرة جامدة ترد عليها:
"ليس هكذا هو الوضع، أنا أنتظر اللحظة الحاسمة فحسب، وإن أردتي ذلك فحسنًا، الليلة سأذهب وأنهي حياة الصغيرة تمامًا، ما رأيك؟ أبتسمت "ماري" بزاوية فمها بسمة ساخرة وقالت بنبرة جامدة: "أنتظر رؤية ذلك، أريد أن أرى حرقة والديها عليها وخصوصًا والدها، أريده أن يموت متحسرًا عليها هذه الليلة يا "شيراز"...
حينما تقتلين الفتاة تأتي به في الحال بعدما تقومين بتخديره، لقد اتخذت قراري حيال ذلك وسأقتله إن لم يكن اليوم فسيكون غدًا أو بعد غد." حركت "شيراز" رأسها برفق وقالت بنبرة جامدة: "سوف يحدث ذلك لا تقلقي، سأقتل الصغيرة عن طريق ذاك السم الأسود وبعدها سأقوم بتخديره والمجيء به حينها سريعًا." أبتسمت "ماري" مستحسنة فعلها لتقول بنبرة هادئة: "سأنتظرك الليلة."
وحينما تلقت الإذن بالذهاب، خرجت على الفور بكل هدوء ويسر، تاركة "ماري" التي كانت متحمسة وتنتظر رؤيته أمامها مذلولًا بفراغ الصبر، فحينما يحدث ذلك فستكون الحرب قد انتهت لا شك في ذلك، فانتهاء الفتاة يعني انتهاء الحرب تمامًا. "بداية جديدة يبدأها كلا الطرفين في انتظار مستقبل مشرق."
دقت الساعة الثامنة صباحًا بعدما أشرقت الشمس في يوم جديد وحافل يخبيء لهم الكثير، توجه "رمزي" إلى المسجد مستغفرًا ربه للإطمئنان على "نادر" بعدما تركه بعدما أنهى صلاة الفجر، قاطعًا وعدًا إليه أنه سيعود إليه في الصباح، وقف أمام باب المسجد يفتحه يردد ذكر الله، ثم دفع الباب ليولج إلى الداخل ملقيًا السلام، ثم أغلق الباب خلفه، يطوف بعينيه بعدها في أرجاء المكان باحثًا عنه حتى رآه يجلس في إحدى زوايا المسجد منفردًا بنفسه، ليتقدم منه بخطى هادئة.
فيما كان "نادر" جالسًا مستندًا بظهره على العمود الرخامي الكبير خلفه، يقرأ قصة أحد الأنبياء كما كان معتادًا، منعزلاً عن العالم بأكمله، حتى حينما جلس "رمزي" أمامه، ظل كما هو دون أن ينتبه إليه، أبتسم حينما يراه يقرأ في كتيب يعلمه تمام العلم، ولذلك تركه حتى دون أن يتحدث حتى ينتهي تمامًا.
ولكن شعر "نادر" بتواجد أحدهم معه حينما أنجذب إلى هذا اللون الأبيض الوهاج، ليرفع عينيه من على ذاك الكتيب، ينظر إلى الماكث أمامه، ليراه "رمزي" ومن سواه يستطيع الولوج إليه، ولذلك أبتسم إليه وقال بنبرة هادئة: "مش تقول يا راجل إنك هنا ولا تكح حتى، أنا مركز أوي فمش واخد بالي إيه اللي بيحصل حواليا." "لقيتك مندمج أوي محبتش أقاطعك لأني عارف لذة الإندماج دي كويس، فمحبتش أبقى رخمة وأقاطعك."
هكذا جاوبه "رمزي" مبتسمًا، ليبتسم "نادر" مغلقًا الكتيب قائلًا بقلة حيلة: "ياريت كل الناس زيك يا "رمزي"، يلا الحمد لله." "طب أديني فحياتك أهو ولا مش بتعتبرني أخوك الكبير بقى، لا لعلمك أزعل جامد." هكذا جاوبه "رمزي" متصنعًا الجدية في حديثه، ليأتيه قهقهات "نادر" الخفيفة، ثم بعدها حديثه حينما قال بنبرة ضاحكة:
"ربنا يعلم إني أرتحتلك أول ما شوفتك، مش بجاملك بس دي الحقيقة، أنت و "يوسف" أخواتي وربنا يعلم يعني أنا بحترمكم قد إيه وأنتم أهل كرم وضيافة، مشوفتش منكم غير الطيبة والجدعنة وأنتم معرفتكم شرف ليا والله، وبشكر الظروف إنها عرفتني على ناس معدنها أصيل زيكم." "لا لا لا لا بقى الكلام دا كبير عليا، أسمحلي أعزمك على العشا بقى، معلش أنا اللي بيقول فحقي كلمة حلوة بكرمه، ما بالك بقى باللي قال فيا أشعار وقصايد."
هكذا جاوبه "رمزي"، ليضحك "نادر" على حديثه بقلة حيلة وقال موافقًا على حديثه: "موافق، شوف عشان كلمة أخوك الكبير دي مش هرفضلك من بعدها طلب." أبتسم "رمزي" إليه وربت على ركبته برفق، ليقول: "طب قوم معايا بقى مشي رجلك فالحارة ناسها طيبة ونفوسهم صافية... مش كلهم يعني عشان مبقاش كداب بس الأغلبية كويسين وولاد أصول، لو عرفتهم مش هتبقى عايز تسيبهم وتمشي."
وبالفعل نهض "نادر" معه، بعدما وافق على مجاورته وخرجا من المسجد ليغلقه "رمزي" ويقوم بعدها بمجاوورة "نادر" يسير بين أولاد حارته، يلقي تحية السلام بين الحين والآخر، فيما كان "نادر" ينظر حوله يتفحص المكان بعينيه، ليشعر بالراحة والألفة بينهم بمجرد المرور من بينهم، فماذا إذا تحدث معهم وجاورهم؟ نظر "نادر" إلى "رمزي" وقال بنبرة هادئة متسائلة: "بقولك إيه يا "رمزي" متعرفش فين بيت "يوسف"؟ "قريب من هنا أهو هناك، بتسأل ليه؟
هكذا رد عليه بسؤال آخر، ليأتيه الرد من "نادر" الذي قال: "عايز أشوف أختي ميصحش أبقى هنا وهي متعرفش برضو." تفهم "رمزي" مقصده، ليبتسم إليه، مربتًا على كتفه قائلًا: "مفيش مشكلة وكلامك مظبوط، روح اتطمن عليها، ولو حابب تنزل أنا موجود لحد أذان الضهر بشوية عشان هروح أؤم بالناس." "حلو، قبل ما تروح كلمني عشان آجي معاك أساعدك ونصلي سوى."
هكذا جاوبه "نادر" مبتسم الوجه، ثم تركه وذهب بعدما ودعه، متجهًا إلى منزل شقيقته، وقد ساوره بعض القلق والخوف، ففي المرة السابقة مرت على خير، لا يعلم ماذا ستكون المقابلة هذه المرة، ولذلك كان يحاول تهدئة نفسه قدر المستطاع، أما عن "رمزي"، فقد جلس مع "حسن" في متجر والدته يتحدث معه، بعدما ألقى عليه تحية السلام والصباح، يتشاوران كعادتهما.
فيما وصل "نادر" إلى الطابق المنشود وبدأ يقرع على الباب قرعات خفيفة، ثم انتظر قليلاً حتى رأى الباب يفتح من قبل امرأة كبيرة، يظهر على معالم وجهها البشاشة، لينظر لها "نادر" وقد صمت لحظات يحاول تجميع شتاته الذي تبعثر فجأة، ليبتلع غصته بتروٍ قائلًا: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." هكذا ردت عليه "شاهي" بنبرة هادئة، وهي مازالت تجهل هويته، لتسمعه يقول بنبرة هادئة مبتسمًا:
"هو مش دا برضو بيت "يوسف"؟ "أيوه يا ابني هو، بس هو مش موجود دلوقتي، لسه ماشي من ساعة." "عارف إنه مش موجود، هو كلمني، بس أنا جاي أشوف "بيلا"." تعجبت "شاهي" من حديثه، ولكنه أتاها صوت "بيلا" من خلفها، والتي قالت متعجبة: ""نادر"!
نظر إليها "نادر" ومعه "شاهي" التي ألتفتت لها، ليبتسم هو إليها ملقيًا عليها تحية الصباح، لتجعله يولج، وهي مازالت مندهشة من تواجده، وبعد تبادل أطراف الحديث وتقديم كرم الضيافة، كان يجلس معها في غرفة المعيشة، بعدما قص عليها كل شيء حدث بينه وبين والدته وأخيه، لتشعر هي بالحزن عليه، ففي النهاية هو أخيها كذلك، زفرت مستغفرة ربها، ثم نظرت إليه قائلة:
"حقك عليا أنا يا "نادر"، أنا حاسة بيك وعارفه شعورك دلوقتي، بس بصراحة بقى أنا زعلانة منك، إزاي تيجي وتبات فمسجد "رمزي" و "يوسف" يبقى عارف وأنا لا." أبتلع "نادر" غصته بتروٍ ونظر إليها قائلًا بنبرة هادئة:
"بصراحة أنا اللي قولته ميقولكيش، لوميني أنا مش هو، هو عرض عليا آجي هنا، بس أنا اللي رفضت، محبتش أكون عبء على حد أو أقيد حريتكم، مبحبش كدا، فقولت أبات فالمسجد وخلاص لحد ما ربنا يكرمني وصاحب الشقة دا يرجع وأظبط أموري معاه." شعرت "بيلا" بالحزن والشفقة عليه، ولذلك صمتت قليلاً قبل أن تخطر على رأسها فكرة ما، نظرت إليه وقالت: "استنى شوية ورجعالك."
أنهت حديثها، ثم نهضت متجهة إلى الداخل، تاركة إياه مكانه ينظر حوله يتفحص المنزل بعينيه، مبتسم الوجه، فقد شعر بدفئه والحب الذي يغلفه، وقد دعا لهما بالهداية واستقرار الحياة، حتى عادت إليه بعد برهة من الوقت، تجلس كما كانت، وبيدها حقيبة كبيرة بعض الشيء، عقد ما بين حاجبيه، ثم نظر لها ليسمعها تقول بعدما نظرت إليه:
"دول شوية هدوم من هدوم "بشير" أخوك، هو تقريبًا بيلبس نفس مقاسك لأن جسمكم متقارب لبعض، فهدومه هتكون مقاسك وتقيلة عشان الجو سقعه جدًا الفترة دي، يعني هتدفيك ومش عايزة لا وحجج، هتاخدهم، هو طيب جدًا ومش بعيد يقسم اللبس معاك أساسًا، أنا حافظاه، وثانيًا بقى عايزاك تجاوبني على سؤال مهم جدًا." "إيه هو؟ هكذا سألها جاهلًا، ليأتيه سؤالها المفاجئ، والذي جعله يقول الحقيقة مرغمًا، حينما قالت:
"هو أنت لقيت حاجة تتغطى بيها بليل ولا نمت كدا؟ "بصراحة نمت كدا، مكانش فيه للأسف حاجة أتغطى بيها." صدق شعورها حينما جاوبها على سؤالها، لتنعنه هي بحديثها حينما قالت بضيق: "ينفع كدا يعني؟ ولما تاخد دور برد دلوقتي وتقعد فالسرير بالأسابيع تعبان هتكون مبسوط؟ وأنا فين؟
مش ساكنة فنفس المكان اللي أنت موجود فيه، أنت أخويا وزي ما عملت مع "بشير" هعمل معاك، أنتوا الاتنين أخواتي، مقدرش أتخلى عنكم، أنتوا سندي بعد ربنا، وماما عارف يعني إيه فضهري رجالة يا "نادر"." أبتسم وترقرق الدمع في عينيه تأثرًا بحديثها وحبها اللذان لامسا قلبه، وشعر بصدق كلماتها، ليحاول تماسك نفسه مبتسم الوجه قائلًا بنبرة مذبذبة أثر خضم مشاعره:
"أنتِ طيبة أوي يا "بيلا"، أنا متخيلتش المعاملة دي بصراحة، يعني مش واخد على كدا، فاجأتيني، طب أنا... أنا بصراحة كدا عايز أحضنك، أنا عايز أحس بحنية وحضن الأخت."
أبتسمت إليه، ثم نهضت وتركت الأغراض جانبًا، وفرقت بين ذراعيها، وهي تنظر إليه، فيما شعر أن السعادة تحومه، وأن المكان لا يتسع أجنحته، لينهض سريعًا، ولم ينتظر كثيرًا، وقام بمعانقتها، ليتكرر مشهد "بشير" للمرة الثانية أمامها، حينما جاء لاجئًا إليها، لتفتح هي الأبواب الموصدة في وجهه ترحب به بحفاوة.
عانقته ورحبت به، وكانت خير رفيقة إليه، فلم يكن يصدق أنها استقبلته، ليشعر أن الحياة عادت تبتسم إليه من جديد، أبتعد عنها ينظر لها مبتسم الوجه، فيما نظرت هي إليه مبتسمة الوجه، لتقول بنبرة هادئة: "أنا أختك غصب عنك وبيتي مفتوحلك فأي وقت، أنا بس عايزة أطلب منك طلب، يارب مترفضهوش... عايزاك تبات اليومين دول هنا لحد ما تاخد الشقة، أنا مش هقدر أسيبك بايت فالمسجد من غير أكل أو شرب أو غطى حتى، أنا مش هقبل الكلام دا إطلاقًا."
أبتسم "نادر" لها وقام بإجلاسها وجلس معها أسفل نظراتها، لينظر لها قائلًا بنبرة هادئة: ""بيلا" أنا بصراحة مبحبش أكون عبء على حد ومحور تقييد حرية غيري، أنا مرتاح كدا ومششتكتش."
"وأنا مش عاجبني الوضع دا كله بقى، أسمعني، أنت هتيجي وهتقعد فأوضة أخوك حتى لو رجع، هتفضل موجود، خير ربنا كتير، بس إني أقعد حد والتاني مرمي بره، لا أنا مش هقبل بالكلام دا، هتيجي تقعد وكل سبل الراحة متوفرة، و "يوسف" مستحيل يرفض، بالعكس، وأكيد أنا واثقة إنه عرض عليك تيجي، لو رفضت طلبي صدقني هزعل جامد أوي منك وصعب أتصالح عشان تبقى عارف... الكورة فملعبك، يا توافق بقى يا تشوف أنت هتعمل إيه."
أنهت حديثها وأشاحت برأسها بعيدًا عن مرماه، تدعي الضيق أمامه، فيما أبتسم هو وحرك رأسه بقلة حيلة، حينما رآها تضعه في موقف صعب كهذا، فقد لم تترك إليه فرصة الرفض، ليلتزم الصمت قليلاً يفكر في حديثها، فلن يسمح بأن يجعلها تحزن منه، ولذلك أبتسم ونظر إليها قائلًا بنبرة هادئة: "وأنا مقدرش أقول لأختي الكبيرة لا، أو أزعلها مني، أنا موافق."
أبتسمت سريعًا ونظرت إليه، ليرى هو لمعة عينيها التي كانت تدل على السعادة والفرحة، أبتسم هو كذلك، وقبل أن يتحدث بحرف آخر، عطس "نادر" فجأة، نظرت إليه "بيلا" بحذر، فيما نظر هو إليها كذلك لبرهة من الوقت، ثم أبتسم لها وقال: "حد شاف حاجة؟
حركت رأسها بقلة حيلة وهي تنظر إليه مبتسمة الوجه، ليضحك هو عدة ضحكات خفيفة، لتشاركه ضحكاته بقلة حيلة، فيما شاركتهما "شاهي" مؤخرًا، لتقوم "بيلا" بتعريفهما على بعضهما البعض، ليندمج "نادر" في الحديث مع "شاهي" سريعًا ويتبادلان أطراف الحديث، لتشاركهما كذلك بها "بيلا"، التي خالفت توقعات أخيها بالكامل، وكانت خير رفيقة إليه. في الصعيد حيث منزل عائلة "الأسيوطي".
كان "حليم" جالسًا في حديقة المنزل شارد الذهن وحيدًا، بعدما أعاده أخيه من جديد إلى أحضان والدته، التي حينها كانت تبكي فرحةً بعودة ولدها الصغير إلى أحضانها من جديد، وقد كانت حينها لحظات مؤلمة على كليهما، ولكنه أنهى "صلاح" هذا، حينما مازحهما مبتسم الوجه وأنهى كل شيء. خرج أخيه الكبير مقتربًا منه، حتى جاوره في جلسته، قائلًا بنبرة هادئة متسائلة: "قاعد كدا ليه وشايل الهم؟
مش رجعت تاني ونلت الرضا، إيه لازمته لواية البوز دي بقى والتنكيد على الصبح؟ دام الصمت بينهما قليلاً، بعدما ألقى "صلاح" سؤاله عليه، ليأتيه الرد من أخيه، حينما قطع هذا الصمت قائلًا: "مش عاجبني حالي دا يا "صلاح"، مضايق أوي وزعلان على عمري اللي ضاع دا، لا حققت حاجة ولا نفعت حد بحاجة، كل اللي عملته إني أذيت كل اللي حواليا وبس."
""حليم" إحنا سبق واتكلمنا فالموضوع دا كذا مرة وقولتلك أنا هتصرف، خلاص اللي فات مات مالوش وجود، بص على اللي جاي بعد كدا، هتقعد تندب على اللي راح هيضيع منك الحاضر والمستقبل...
أجمد وفوّق لنفسك شوية بقى، أسمعني كويس أوي، أنا جايبلك شغلانة فالقاهرة حلوة ومرتبها كويس وهتبقى قريب مني، مش عايز اعتراض، بص لنفسك بقى وفوّق قبل فوات الأوان، عايزك تجهز حاجتك عشان هنمشي بليل، ومن الوقت للتاني هنشقر على أمك عشان تبقى تحت عينينا، ولو أمكن أجيبها معانا هعمل كدا على طول، يلا يا حبيبي وأستعيذ بالله."
هكذا جاوبه "صلاح" معنفًا إياه بنبرة حادة في بادئ الأمر، ثم بعد ثوانٍ بدأت نبرته تلين، حتى أصبحت في النهاية حنونة، أبتسم "حليم" إليه وألمعت العبرات في مقلتيه، ليضع رأسه على كتف أخيه، الذي أبتسم وقام بدوره وعانقه، ضامًا إياه إلى دفء أحضانه، داعمًا ويؤازره كما اعتاد مؤخرًا.
شدد "صلاح" من عناقه لأخيه، الذي كان هادئًا على غير العادة، ليبتعد "حليم" عنه، عائدًا إلى الخلف خطوتين، ينظر إليه، ليُعطيه موافقته حينما حرك رأسه برفق مبتسم الوجه، ليبتسم "صلاح" له، مربتًا على ذراعه، ليتركه "حليم" ويتجه إلى الداخل ذاهبًا إلى غرفته، ليزفر الآخر بعمق، جالسًا على المقعد الخشبي، واضعًا كفيه على وجهه، فما هو مقبل عليه بالطبع ليس بالشيء الهين البتة. "وبعد مرارة الحياة وقسوتها، حظى الفتى بلذة النعيم."
وبعد تذوق قسوة الحياة ومرارة الأيام وألم الفراق، ها قد عادت الحياة تبتسم أمامه من جديد، بعدما بدلت وشاحها الأسود الداكن بآخر مليء بألوان البهجة والسعادة والفرحة والراحة، أمس كانت تجبره على ارتداء الملابس الذابلة القديمة، شريدًا في شوارع بلاده التي كانت تجبره على أنه بالنسبة إليها غريب، نكرة لا فائدة منه، اليوم أصبح فتى العصر الحديث، فلا أحد ينسى أصْله، وكان هو كذلك، فالأمس ارتدى ملابس ذابلة قديمة، واليوم يرتدي حلته الكحلية، ناثرًا عطره الفواح، مرتدياً نظارته الشمسية، كأنه رجل أعمال يسير مرفوع الرأس، لا يعبأ لأي واحد حوله.
وقف "يوسف" أمام الموظفة التي كانت تعمل على حاسوبها، ليقطعها بقوله الهادئ: "لو سمحتي عندي ميعاد مع الأستاذ "راضي المحمدي"، ممكن تديله خبر إني مستنيه." نظرت إليه الموظفة مبتسمة الوجه، لتقول بنبرة مهذبة: "ممكن تديني اسم حضرتك وهدخل أديله خبر إن حضرتك وصلت." أبتسم إليها "يوسف" بعدما حادثته بنبرة مهذبة، ليجاوبها قائلًا: "يوسف عدنان."
أكتفى باسمه واسم والده فقط، وأخفى لقب عائلته، حتى لا يثير الأجواء من حوله وتزداد الأقاويل الفارغة عديمة الفائدة، تركته وذهبت حتى تُعطي "راضي" خبرًا عن وجود "يوسف"، الذي طاف بعينيه المكان من حوله، يرى مدى رقي المكان من حوله، فقد كان كبيرًا وأثاثه عريق يليق بمالكه، ولبرهة من الوقت سأل نفسه: أهو بالفعل ابنًا لتلك العائلة الغنية، أم كل ما يحدث حوله مازال حتى هذه اللحظة حلمًا يصعب على المرء استيعابه؟
فكلما تذكر ما مضى به، ويقوم بمقارنته بوضعه الحالي، يشعر بالألم الشديد يعتصره قلبه دون رحمة، فما رآه لم يكن هينًا البتة عليه بالتأكيد. عادت الفتاة من جديد، وقد سمحت إليه بالولوج، مبتسمة الوجه، قائلة: "أتفضل يا أستاذ "يوسف"، الأستاذ "راضي" مستنيك فمكتبه."
أبتسم لها بسمة خفيفة، ثم توجه إلى الداخل بخطى هادئة متزنة، يشاهد المكان من حوله، فقد كان جدرانه رخامية سوداء اللون، وكذلك أرضية المكان وسقفها أبيض اللون، وبعض الإضاءات الحديثة البيضاء تنير المكان، وعلى جدرانها خطين رفيعين باللون الذهبي بعرضها، وفي نهاية الرواق يمكث مكتب "راضي"، الذي قد كتب على لوحة معدنية ذهبية اللون اسمه باللون الأسود، يعتليه لقب "المدير"، طرق على الباب برفق، ليسمع صوته يأذن له بالولوج.
ولج "يوسف" مغلقًا الباب خلفه، ليبتسم إلى عمه، الذي نهض من على مكتبه وتركه، مرحبًا به بحفاوة شديدة قائلًا: "أهلًا أهلًا بالغالى ابن الغالي، وأنا أقول المكان نور كدا ليه عن كل يوم، أتاري "يوسف" جاي يزورنا، نورت مكانك يا "چو"." عانقه "يوسف" مبتسم الوجه، يبادله تحيته بحفاوة، وبعد القليل من الوقت جلسا سويًا، وقد قدم له "راضي" كرم الضيافة، وبدأ حديثه الجاد معه، حينما قال بنبرة هادئة جادة:
"بص بقى يا "يوسف" أنا جايبك هنا عشان شغل، أنا عارف كويس مستواك المادي مش قد كدا، وأوقات بتتصعب على الإنسان، ودا وارد مع أي حد، وبصراحة أنا عارف إنك تعبت كتير من صغرك وصرّفت على أختك وعلمتها وتوليت مسؤوليتها، وحرمت نفسك من حلاوة الدنيا عشانها هي، وعارف إنك اشتغلت فحاجات كتير أوي، وعارف إنك كنت أوقات بتشتغل صبي باليومية عشان تكفيها، وبصراحة بقى أنا مبسوط منك وفخور بيك وبأصلك، وعاجبني فيك إنك بتعز نفسك ومبتنساش أصلك، وبدل ما تخبيه بتعرضه للكل بكل فخر...
"يوسف" تقدر تقول كدا ربنا كرمك وهيعوضك عن التعب والمر اللي شوفته فصغرك لحد اللحظة دي." كان "يوسف" ملتزمًا الصمت، يستمع إلى حديثه بكل هدوء، ثابتًا مرفوع الرأس، ينتظر القادم من عمه، الذي أكمل حديثه بعدما صمت قليلاً قائلًا:
""يوسف" أنا وعمامك بعد ما اتكلمنا واتفقنا على كل حاجة، أنا قررت أكلمك وأجيبك عشان زي ما بنقول أفتح طاولة القدر فوشك، تركة أبوك فذمتي أنا وكنت شايلها طول السنين دي أمانة رقبتي، لعل الغايب يرجع والحمد لله رجع، تركة أبوك الله يرحمه متوزعة بينك أنت وأختك، يعني هو الله يرحمه كان قايل لي قبل كدا وكاتب دا فالوصية بخط إيده، قال الشركة بتاعت المقاولات تتوزع بالنص عليك أنت وأختك، الشركة دي بسم الله ما شاء الله شغلها فالسما وإيراداتها وأرباحها السنوية عالية اللهم بارك، أبوك مكانش قليل فالسوق يعني."
أنتبه إليه "يوسف" في هذه اللحظة جيدًا، وبدأ يستمع إليه بإنصات شديد، ليأتيه قول عمه، حينما أكمل قائلًا:
"الشركة دي كبيرة يعني مش قليلة، والعمال فيها على أعلى مستوى، أبوك كان رهوان فالشغل يحب يكسب ويراضي اللي حواليه، معاها سايب ڤيلا فالتجمع الخامس، الڤيلا دي برضو كبيرة مش صغيرة وسعرها اليومين دول فالعالي برضو، قال هتتقسم ما بينكم، ووديعته فالبنك دلوقتي اللهم لا حسد، ربنا يزيد ويبارك، كبيرة أوي، "شاهي" كانت بتسحب مبالغ بسيطة على قدها تكفيها، فهو كاتب إن ليك ٤٠ مليون جنيه، وأختك ليها ٣٠ مليون، غير الشاليه اللي فالعين السخنة دا بصراحة سايبه لـ "ماما"، وفي مبلغ تاني كبير شوية سايبه عشان تجيبوا اللي نفسكم فيه بعيدًا عن الفلوس اللي سايبها...
تركة أبوك يا "يوسف" مش قليلة وعايزة واحد يمسك فيها بإيديه وسنانه."
كان "يوسف" مصدومًا مما تتلقاه أذنيه، بالطبع صدمة وذهول بالنسبة إليه، فلم يكن يتوقع أن أبيه كان يملك تلك الأشياء الثمينة، لم يتصور إليه عقله أن الوضع قد يكون كبيرًا إلى ذلك الحد، حاول استيعاب الأمر مرارًا وتكرارًا، ولكن العقل يرفض تقبل ذلك، فالأمر كبير وبشدة بالنسبة إليه، لا شك في ذلك، أما عن "راضي"، فقد كان ينظر إليه مبتسم الوجه، متفهمًا ما يشعر به "يوسف"، ولذلك أبتسم أكثر وقال:
"دا حقك وحق أختك يا "يوسف"، دا مال يتامى، كان لازم أحافظ عليه لحد ما صحابه يرجعوا تاني، والحمد لله كل حاجة رجعت أهي، وواجب بقى الحاجة دي ترجع ليكم مش كدا ولا إيه؟ عمومًا مش عايزك تقلق، أنا بعت "جاد" ينقل كل دول بأسمك أنت وأختك، بالكتير يومين وكل حاجة تبقى فإيديكم، وأنت وشطارتك بقى تكمل وتخلي اسم أبوك ماشي رهوان فالسوق ولا توقعه، مستني أشوف رد منك فالشغل دا."
لوهلة شعر أن رأسه ثقيلة، فالأمر كان صادمًا بالنسبة إليه، وعقله لا يسعفه لأستقبال المزيد، فقد كان كل شيء صادمًا إليه، طلب له "راضي" عصير ليمون، ثم بعد القليل من الوقت، استطاع استيعاب الأمر، ولذلك نظر إليه "يوسف" وقال بنبرة هادئة: "أنا عمري ما كنت أتوقع إن التركة تكون كبيرة بالشكل اللي يجيب لي هبوط دا، أنا مكنتش أتوقع إن بابا معاه فلوس كتير بالشكل دا ولا كبير أوي كدا، أنا حقيقي فصدْمة مش عارف أصدقها ولا أتخطاها."
تفهم "راضي" شعور "يوسف" تجاه هذا الأمر، ولذلك أبتسم بسمة صافية، وقال بنبرة هادئة: "أنا مقدر شعورك وحاسس بيك، بس لازم تتخطى الصدمة عشان تعرف راسك من رجليك، وقت ما "جاد" يخلص إجراءات النقل هبلغك على طول، وهخلي "عماد" ينزل معاك يفهمك الدنيا ماشية إزاي هناك، لأن هو و "عامر" و "محمود" اللي ماسكينها دلوقتي... عايزك فموضوع تاني غير دا." عقد "يوسف" ما بين حاجبيه، وأشار إليه مترقبًا، حينما قال بحذر: "إيه؟
ناقص تقولي في مصباح سحري لو فركته يطلع لك العفريت يحقق لك ٣ أمنيات." ضحك "راضي" من قلبه على حديث ابن أخيه، الذي كان دومًا تلقائيًا في كل شيء يقوله ويفعله، فيما كان "يوسف" ينظر إليه مترقبًا، فهذا الذي ينقصه بالفعل، نظر إليه "راضي" وقال مبتسم الوجه:
"لا يا سيدي خالص، أنا عايز أكلمك فحوار المصنع اللي "جاد" قال عليه، بخصوص موهبتك النادرة دي، أنا عايز أقولك إن الترابيزة اللي عملتها ونزلتها أنا عندي جابت ريتش عالي جدًا، والناس كانت مذهولة بالتحفة الفنية دي، وخلي بالك دي بشارة خير ليك، المصنع دا هيتفتح وأنت اللي هتمسكه، والعمال هيرجعوا تاني، ولو على المواد الخام نجيبها وتورينا الدماغ الألماظ دي مخبيالنا إيه، ولو على الفلوس مش عايزك تشيل همها، ربنا هيكرمك بعد فتحة المصنع بإذن الله، بس جرب وقولي وصدقني مش هتندم."
حسنًا، إنه عرض بالنسبة إليه، لا بالأحلام، فهذه مثلما نقول "الفرصة الذهبية"، إن لم تغتنمها، فبالتأكيد ستعود باكياً نادمًا على ضياع فرصة كتلك، لا تأتي للمرء سوى مرة واحدة فقط لصاحبها، فإن كنت ذكيًا، فلن تضيعها بالتأكيد، ولذلك نظر إليه "يوسف" مبتسم الوجه، دون أن يتحدث، فوراء تلك البسمة يكمن الكثير والكثير من الخبايا، لا يعلمها غيره هو. "صدفة عابرة تتحول إلى بداية لقصة حب خالدة."
لا يوجد أجمل من الصدف العابرة، التي تتحول في لمح البصر، إلى بداية لقصص حب خالدة مدى الحياة، منذ أن رآها وأصبح مجنونًا بها، لا يستطيع تجاهلها، فرغمًا له العقل خاضع، والقلب عاشق، والروح وما تهوى، ولج إلى الكافيه الذي كان راقٍ وهادئ كما المعتاد، بخطى هادئة، يطوف بعينيه في أرجاء المكان، حتى سقط بصره عليها، لاحت ابتسامة هادئة على ثغره، وقد غير مسار سيره وتوجه نحوها.
فيما كانت هي جالسة على المقعد المجاور إلى وجهة الطبيعة الخالدة، تمسك زهرة حمراء اللون، تقطف أوراقها، وهي تردد: "العوض جه... لسه مجاش"، هكذا كانت تردد، حينما تقطع ورقة تليها ورقة، حتى شعرت بظل يحجب عنها الرؤية، لترفع رأسها تلقائيًا، تنظر إليه، لتراه أمامها ينظر لها بوجه مبتسم، لتشعر بالكلمات تهرب من فاهها، أما عنه، فقد ألقى التحية عليها وقال مبتسمًا: "صباح الخير، عاملة إيه؟
أبتلعت غصتها بتروٍ، وأجابته بنبرة هادئة، بعدما استفاقت من صدمتها سريعًا: "بخير الحمد لله." أشار نحو المقعد المقابل لها، وأضاف محتفظًا ببسمته: "تسمحيلي أقعد معاك؟
نظرت إلى موضع المقعد قليلاً، تفكر بينها وبين نفسها، قبل أن تعطيه إجابتها، فهي حينما تراه تسعد وتشعر بالعديد من المشاعر نحوه، ولكنها كانت تعجز دومًا عن البوح بها وإفشائها، أما عنه، فقد كان لا يقل عنها شيء، فحاله كحالها تمامًا، وقد وجد أخيرًا الفتاة التي كان يبحث عنها منذ زمن، تمكث أمامه الآن، تعطيه موافقتها بوجه مبتسم. جلس أمامها مبتسمًا، ثم نظر لها، حينما أعادت هي خصلة شاردة خلف أذنها، ليقول بنبرة هادئة:
"مكنتش متوقع أشوفك بصراحة، فرحت إني شوفتك صدفة." شعرت بالخجل، حينما صوب بصره نحوه، ينظر إليها، فهي تعلم أنه قد وقع في شباكها لا محال، لا مجال للمفر، فقد سقط الفأر في مصيدة المكر، وانتهى الأمر، تحدثت دون أن تنظر إليه بنبرة هادئة خجلة: "تحب تشرب حاجة." "أحب أجي أشرب شربات... عندكم شربات؟
حسنًا، حاصرها وأفصح عن ما يكمن في جعبته دون تردد، لتتفاجأ هي من ردّه كثيرًا، ولذلك أشاحت برأسها بعيدًا، والخجل طاغيًا على معالم وجهها، أما عنه، فقد كان مبتسم الوجه، متعمدًا قول ذلك، حتى يرى كيف سيكون ردة فعلها، ليأتي قوله من جديد، حينما قال مبتسم الوجه: "صحيح لازم يبقى عندكم شربات، دا السكر بنفسه قاعد فالبيت معاهم."
أبتسمت رغماً عنها، وقد تدرجت الحمرة وجهها وازدادت نبضات القلب أكثر، لتقرر عدم الرد عليه، والالتزام بالصمت، أما عنه، فقد اتسعت بسمته، وخطف زهرة حمراء اللون من أمامها، وبدأ يقطف أوراقها، مثلما فعلت، وهو يردد قائلًا: "بحبها، بحبها أوي."
كان يقطف كل ورقة يليها الأخرى، ويردد هاتين الكلمتين، وهو ينظر لها، يرى بسمتها التي تحاول إخفاءها عنه، ليبتسم عازمًا على فعل ما ينوي عليه معها، فقد رأى أن هذه هي ساعة الصفر، ووجب عليه التحرك في أسرع وقت ممكن. "والصمت في حضرة المحبوب حبًا."
كانت تجلس في المطبخ على إحدى مقاعد الطاولة المتوسطة، تقوم بتقطيع الخضروات بهدوء، والصمت سيد المكان، بعدما خلدت الصغيرة إلى النوم، لتنتهز هي الفرصة، وتقوم بتحضير طعام المساء قبل عودة زوجها من الخارج، فيما ولج هو لها بخطى هادئة، ينظر إليها مبتسم الوجه، ليراها كما اعتاد رؤيتها دومًا، اقترب منها بخطى هادئة، ثم وقف خلفها، وحاوطها بذراعيه، يلثم رأسه بقبلة حنونة قائلًا بنبرة هادئة: "وحشتيني أوي."
أبتسمت حينما وصلها عبقه المميز والفريد من نوعه، وقد شعرت كذلك بدفئه يحاوطها، لترفع رأسها حتى تنظر إليه بشكل أوضح، تلثم وجنته بقبلة هادئة قائلة: "وأنت كمان، جيت بدري النهاردة عن كل يوم." أبتعد عنها جالسًا على المقعد المجاور لها، قائلًا بنبرة هادئة: "لقيتهم بيقولولي كفاية عليك كدا مع السلامة، أقولهم لا يعني؟ عقدت ما بين حاجبيها ونظرت إليه، بعدما لم تفهم حديثه، ليقول هو موضحًا الأمر: "يعني من الآخر استغنوا عني."
انتابها الرعب حينما فهمت مغزى حديثه، الذي أوقع قلبها أرضًا، لتعلو ضحكاته عاليًا، حينما قالت بنبرة عالية بعض الشيء متحسرة: "يا نهار مش معدي يا "منصف"... طردوك! "لا يخرب بيتك، فهمتي إيه؟ أنا قصدي استغنوا عن خدماتي كمهندس بائس زيك، وعينوني المرة دي مدير للمشروع الجديد اللي مطلوب منا، وأنا بنفسي اللي هدي للطلبة الجدد دورات تدريبية."
جحظت عينيها قليلاً حينما تلقت هذا الخبر السار، لتستغرق القليل من الوقت، تحاول استيعاب الأمر، لتقول بعد برهة من الوقت بسعادة طاغية، مفاجئة إياه برد فعلها دون أن تشعر بنفسها: "قول والله العظيم يا "منصف"، دا بجد يا حبيبي، طب احكيلي بسرعة عايزة أعرف شوقتني! أعتدل في جلسته ونظر لها بنفس الحماس الذي يحومها، منذ أن علمت ليقول بنبرة سعيدة حماسية:
"بصي يا ستي، جالنا صفقة جامدة أوي بعون الله هناكل من وراها الشهد، ركزي معايا، الصفقة دي عن روبوتات، بس دي هتكون لرجال أعمال يكونوا مسؤولين عن تنظيم الصفقات بشكل متسلسل، ممكن نستغنى عن فكرة السكرتير دي ونحط بداله روبوت يعرف الخصم اللي بيبقى داخل مع صاحبه، الداتا بتاعته كبيرة وهيبقى عنده كل معلومات الخصم، نقاط القوة والضعف، وكسب صفقات قد إيه، وسير الشركة ماشي إزاي، وهل تستحق ندخل مناقصة ولا لا، حاجات كتير أوي يا
"شيرين" وكبيرة، بس إن جيتي للحق، الصفقة دي هتساعد ناس كتير، وهتكون فرصة ليا أنا إني أكون مدير للمشروع دا مخصوص، وكمان هدي للطلبة الصغيرين دورات تدريبية، بحيث يكتسبوا شوية خبرة، بالله عليكي تدعيلي، أنا محتاج الدعوات دي أوي، عايز أحقق اللي بسعى عشانه."
أللمعت مقلتيها بوميض لامع، لتقوم بمعانقته بسعادة واضحة، مشددة على عناقها له، فيما أبتسم هو وضمها إلى أحضانه، يلثم وجنتها بقبلة حنونة، لحظات وأبتعدت عنه، حتى تتيح لها رؤيته بشكل أوضح، لتقول بنبرة سعيدة حماسية:
"ربنا ييسرلك الطريق ويرزقك من حيث لا تحتسب، ويجعلك فكل خطوة سلامة، ويوفقك فاللي جاي يا "منصف" يا ابن حوا وآدم، وأشوفك حاجة كبيرة كدا بقى، طالع على المسرح بتتكرم على نجاح المشروع دا، وأنت بقى لابس البدلة الكحلي وبتستلم شهادتك، لا لا التخيل فرحني أوي." تعالت ضحكاته حينما رأى طريقتها في التحدث وحماسها الكبير وسعادتها به وبما سيصل إليه، ليقوم بمعانقتها هو هذه المرة، قائلًا بنبرة ضاحكة مبتسم الوجه:
"يا حبيبتي وربنا أنا أمي كانت راضية عني عشان ربنا يرزقني بيكي، تعرفي أنا عمري ما أقدر أحب غيرك، أنتِ الأولى والوحيدة في حياتي، مش عايز غيرها." أبتسمت هي وضمته إلى أحضانها، تشاركه سعادته وحماسته، فيما هو مقبل عليه، مسدت على ظهره برفق، ثم أبتعدت عنه بعد دقيقة، لتعاود فعل ما كانت تفعله، لتسمعه يقول بنبرة هادئة متسائلة: "عملالنا إيه النهاردة بقى؟ أجابته بوجه مبتسم، دون أن تحيد ببصرها بعيدًا عن ما تفعله، قائلة:
"عملالك بصارة." "أيوه كدا كدا أنا بقيت قمة سعادتي ووش." هكذا أجابها بمرح، لتضحك هي بخفة، ثم قالت: "أنت طلبتها مني قبل كدا، وأنا بصراحة مبقدرش أرفضلك طلب." "تسلم إيدك يا حبيبتي... أومال فين "وتين"؟ هكذا سألها عن صغيرته بعدما شكرها، لتجاوبه هي قائلة: "نايمة، قعدت تعيط كالعادة حبة حلوين لحد ما زهقت ونامت، وبصراحة مصدقت، خليني أشوف اللي ورايا شوية قبل ما ترجع تصحى تاني وتقعد تعيط."
حرك رأسه برفق دون أن يتحدث لبرهة من الوقت، قبل أن ينهض قائلًا بنبرة ظهر عليها الإرهاق: "طب أنا هروح آخد شاور وأرتاح شوية، ولما تخلصي تعالي خديلك ساعة معايا، كدا كدا أنا مش جعان، وقت ما أصحى نبقى ناكل." حركت رأسها برفق مبتسمة الوجه، دون أن تتحدث، ليتركها هو ويذهب، لتنظر لأثره برهة من الوقت، قبل أن تعاود فعل ما كانت تفعله، مبتسمة الوجه، والسعادة تغمرها، فقد سعدت كثيرًا لأجله، لا شك في ذلك.
"لحظة لم تكن تخطر على خاطره بدلت محور اللعبة بأكملها."
قضى اليوم بأكمله في الخارج كعادته المعتادة، خاتمًا يومه بممازحات صبيانية مع "بشير"، ثم أخذ صغيرته التي كانت تغوص في ثبات عميق، دافنة رأسها داخل عنقه، لتقوم "هناء" بوضع الغطاء الصغير الثقيل عليها، حتى لا تمرض، ثم ودعت زوج ابنتها وذهب هو في طريقه إلى منزله، كان يسير بخطى هادئة، والمكان هادئ للغاية من حوله، فجميع المتاجر قد أغلقت بسبب برودة الطقس من حولهم، وأستقروا في منازلهم، ولج إلى ردهة العمارة، مغلقًا الباب خلفه بهدوء، وحينما حانت منه لحظة الصعود، منعته "شيراز" التي كانت تقف على أولى الدرجات، تنظر إليه بهدوء.
فيما تفاجأ هو؟ بل صُدم من وجودها، فلم يكن يتوقع وجودها أو مجيئها إلى هنا، حتى لم يتواصل مع "كين" في الآونة الأخيرة، مما جعله يهدأ نوعًا ما، ولكنه الآن تفهم هذا الهدوء الصامت الذي كان ملازمًا إياهم مؤخرًا، وسريعًا ضم صغيرته إلى أحضانه أكثر، حاميًا إليها من شر الماكثة أمامه، رامقًا إياها بنظرات حادة قاتلة، فيما نظرت إليه برهة من الوقت، قبل أن تبتسم إليه قائلة: "أزيك يا "يوسف"، وحشتني أوي." متبجحة؟
نعم، هذا أول شيء قاله "يوسف" داخل عقله، حينما رآها تبتسم وترحب به، ليُوقن أن ساعة الصفر قد حانت، وإن علم "كين" الآن تواجدها هنا، فسيُعطي شارة رفع رايات الحرب على الجميع، فبالنسبة إليهم ابنته خط أحمر عريض، لا ينبغي على أحدهم تخطيه، وإن كان بالخطأ. "إن كان القريب غدارًا والنفس أمارة، فمرحبًا بهم في جحيم الجبارة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!