الفصل 101 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل 101 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
18
كلمة
7,405
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

رأيت في عينيك سحر الهوى مندفقا كنور من نجمتين فبت لا أقوى على دفعه من رد عنه عارضا باليدين يا جنة الحب ودنيا المنى ما خلتني ألقاك في مقلتين.

منذ بداية البشرية وخلق سيدنا آدم عليه السلام وحواء، كانت بداية الخير والشر على هذا الكوكب. الحرب التي نشبت منذ خلق البشرية حتى هذه اللحظة كانت ومازالت مستمرة وستستمر حتى يوم يبعث الخلق حينما يكون الخير منتصرا على الشر. وكانت هناك واحدة من ملايين القصص التي يتنازع فيها الخير والشر معا، وتلك كانت واحدة منهم، قصته مع الشر الذي لا يأبى تركه يعيش منفردا بعائلته، يعاند ويكابر حتى يكون النصر حليفا له. ولكن هل استسلم الملك قبلا في حربه وتنازل عن عرشه للعدو؟

"مرة واحدة يكن بها طوق النجاة في وسط البحار الغاضبة."

التبجح من سمات المرء في هذه الفترة، وعلى الرغم من أخطائه الفادحة، مازال يظهر في صورة الملاك ذو الأجنحة البريئة يرفرف في كل مكان. ضم صغيرته بقوة إلى أحضانه وعاد خطوتين إلى الخلف وهو ينظر إلى "شيراز" التي كانت تقف أمامه بالفعل وليست خيالات وهمية صورها له عقله. الصمت كان سيد المكان بينهما، هو يفكر كيف ينجو بصغيرته، وهي تفكر كيف تنفذ ما جاءت إليه. متناقضين ولن تجمعهما أرض محايدة سويا، بالرغم من أن الخير والشر يجتمعان، ولكنه من المستحيلات السبع أن يجتمع "يوسف" بها معا.

"إيه اللي جابك؟ جاية عايزة تاخدي مني بنتي، مش كده؟ مش هيحصل وربنا المعبود ما هخليكي تلمسي منها شعرة حتى لو على جثتي... بنتي لا يا شيراز، بنتي! أنا لو عايش وفيا نفس، داخل وخارج، هيكون عشانها. هي الحاجة الوحيدة اللي مخلياني مستحمل وبعافر فالدنيا دي عشان أشوفها كويسة. متجيش تاخدي روحي مني وتمشي كده، مش بالساهل... ساعات بسأل نفسي ليه الإنسان ممكن يحرم غيره من حاجة معينة بدون سبب؟

وفالآخر بوصل لسبب واحد مستحيل يتغير. أنت عشان معندكيش عيال مش حاسة بوجع غيرك لما تحرميه من ضناه. أنت متعرفيش يعني إيه طفل يبقى حتة منك بيكبر قدام عينيك كل يوم وفرحتك بتكبر معاه. لو كان عندك طفل واحد بس، أعتقد كنت هتحاربي وتعدي الدنيا كلها عشانه. مش سهل عليكي تتحملي وجعه ودمعة عينيه، ولا سهل تكسري بخاطره لو احتاج منك حاجة خارج مقدرتك. عمرك ما هتحسي بإحساسي اللي حاسس بيه دلوقتي بسببك، غير لما تبقي مكاني...

ساعتها بس لو بصيتي على نفسك وقتها، هتلاقي إن عندك قلب ومشاعر زينا، مش واحدة عايشة عشان تأذي اللي حواليها وتحرمهم من سعادتهم فالدنيا. طب أنت عندك مليون حاجة بتسعدك فحياتك، زي إنك تشوفيني مكسور ومذلول وبنتي تحت سيطرتك. بس أنا معنديش غيرها تعتبر سر سعادتي. لو لسه جواكي ذرة إنسانية، ولو بسيطة، أأذيها...

بس وقتها مش هتلاقي على إيدك غير دمي، وأنا بفديها بروحي عشان خاطر هي تعيش وتشوف الدنيا بعين غير عيني اللي شوفت بيها القسوة وبس."

رباه، لو كانت تنطق الأحجار لكانت صرخت ألما وبكت دما وندمت على ما اقترفته لهذا الشاب الذي يقف الآن أمام من تدعى شقيقته، يرجوها أن لا تؤذي ابنته. أب يحارب في أرض يرفضها ساكنيها حتى يوفر لها الأمن والأمان والاستقرار. الأبوة غريزة فطرية نشأت منذ يوم أن خلق، فالرجال خلقوا من أجل حماية نسائهم والدفاع عنهن والتصدي لأي شر يمكن أن يلحق بهن ويطولهن. في قانون الغابة، الأسد يفترس أي حيوان حتى وإن كان غزالاً. وفي قانون البشر، الأسد ما عليه سوى حماية الغزالة والدفاع عن عرينه، وإن كانت دماءه ثمن تضحيته، فلا يتحمل أي رجل أن يرى الأذى يطول زوجته وأطفاله، وإن كان ثمن التضحية دماء.

أما عن امرأة لا تملك المشاعر والعواطف، وقفت أمامه عاجزة، ولأول مرة منذ أن تلاقت به، تظهر هذا الضعف وهذا الانكسار وهذا الاستسلام، وتتخلى عن جشعها وسلطتها وكبريائها وولائها لمن تنتمي إليه. فقد كان حديثه قاسيا وبشدة عليها، مما جعلها تصاب بانتكاسة سوداء تعيدها عدة سنوات إلى الخلف. زاغ بصرها وأصابها التخدير في أنحاء جسدها، مما جعلها تستند على الجدار الماثل خلفها وتسقط برفق على أرضية المكان وهي تنظر في نقطة فارغة، بعدما استطاع حديثه إصابة ضربته في نقطته الصحيحة. ثوان معدودة وسقطت عبراتها على صفحة وجهها دون إرادة منها وبدون سابق إنذار، مما جعل "يوسف" يصدم، فبالتأكيد هذا ليس صحيحا أن تبكي "شيراز" أمامه وتظهر ضعفها، هذا ليس من السهل حدوثه بالتأكيد.

وقف برهة من الوقت مشدوها، فلم يكن يتوقع أن يكون حديثه ذاك له تأثير قوي عليها حتى يجعلها تضعف بهذا الشكل أمامه وتتخلى عن قسوتها وجموحها وتكون هشة كقطعة البسكويت الطازج. فكر لثوان ينتظر سماع الصوتين المتناقضين بداخله، فـ"جعفر" يرفض الانخداع بدموعها تلك ويخبره أنها حيلة جديدة من حيلها الماكرة، ولن تؤثر به دموع إلا دموع ثلاث سيدات يعتبرن محور حياته بأكملها، والأضلع الثلاث له. وفي نفس الوقت، صوت "يوسف" يعلو حتى يغطي على صوت هذا المتبجح المتمرّد، يخبره أن يصدق تلك العبرات، فهي من كانت سبب نجاتهما في الصغر حينما دلت والدتها على درب آخر غير الذي اتخذه هو رفقة شقيقته الصغرى.

"شـيراز، أنتِ بتعيطي بجد؟

كان مشدوها حتى خرج هذا السؤال منه دون أن يشعر، حتى يؤكد لنفسه مدى سلامة عقله وأنه لم يجن حتى هذه اللحظة ومازال بكامل قواه العقلية. كل ما قام بتحريكه هي إنسانيته وحسنه ونقاء قلبه، ولذلك تقدم منها خطوتين ثم جلس على ركبتيه أرضا أمامها، بصره مثبتا عليها، وابنته مازال يحتضنها بكل قوته، تحسبا لأي غدر يمكن أن يلحق به منها. وعنها، فقد كانت تبكي ولا تدعي البكاء، فقد ضغط على جرحها الذي لا يلتئم ولا يتعافى من نزيفه حينما أعاد لها الذكريات السوداء من جديد لتهجم عليها تلتهمها دون رحمة ولا سابق إنذار.

ازداد بكاؤها عن زي قبل، ليطيل "يوسف" النظر إليها دون أن يتحدث، وهو لا يعلم ماذا عليه أن يفعل، فحتى الآن هو لا يثق بها ولا يعلم نواياها الخبيثة، فلم يرى سوى الخبث منها. ولكن، وعلى نفس النقيض، صوت إنسانيته تعالى بداخله يخبره أن يتحرك ويفعل لها شيئا، لربما يعلم شيئا لا يراه حتى هذه اللحظة. ابتلع غصته بترو، ثم نظر لها قليلا قبل أن يقول بنبرة هادئة: "شـيراز، أنتِ كويسة؟ طب إيه اللي حصل خلاكي تعيطي بالشكل دا؟

أنا معملتش حاجة؟ دقائق من البكاء دامت حتى رآها ترفع رأسها تنظر إليه بعينيها الباكية، ليقابلها خضراوتيه الصافية التي تتطلع إليها بهدوء، ليأتيه صوتها الباكي حينما قالت بنبرة باكية: "أنا عشت طول عمري بحاول أعيش زي البني آدمين وحاولت كتير أوي أبقى زيك...

بس أبسط حاجة أي حد يعرف يعملها أنا فشلت فيها. الحاجة الوحيدة اللي نجحت فيها فحياتي إني أنقذت حياتك أنتِ وأختك زمان من أمي عشان متقتلكوش زي ما قتلت أبويا. بس دلوقتي مطالب مني أسلم أخويا اللي هربته زمان لـ "ماري" عشان تعمل اللي أمي ساعتها معرفتش تعمله...

أنا إيدي دلوقتي أعمل حاجتين مع بعض وأظن أنت عارفهم، بس أنا أضعف من كدا. أنا مش بالجبروت اللي بتشوفني بيه من زمان، أنا بني آدمة زيك بحس وعندي مشاعر وقلب ورحمة، بس كل دول اتدفنوا لما بقيت معاها. كلامك رجعلي نفسي اللي مدفونة مش قادرة تطلع وتطالب بالحرية. أنا مقدامييش دلوقتي غير الموت مستنيني."

لا شيء يستطيع التغلب على إنسانية المرء ومشاعره، والرحمة المكنونة بداخله. لا شيء يستطيع إبدال العاطفة بالكراهية، ولا الخير إلى الشر، إلا إذا سمح المرء بهذا. والآن هو ما بين المطرقة والسندان، لا يعلم أي الطرقات يجب أن يسلك. صرخة عالٍ تغطي على المكان حوله حينما استيقظ ما يكمن بداخله. صوتين مضطربين، كلاهما يسعى لفرض سيطرته وهيمنته على الآخر في حرب سافرة بين الطرفين. تفاجأ ونظر لها مشدوها حينما نظرت إليه وقالت بنبرة

باكية ونظرة كانت راجية: "أنا عارفة إني مش من حقي أطلب منك طلب زي دا، بس يمكن يبقى آخر طلب أطلبه منك قبل ما أموت وأتمنى تحققهولي ومتكسرش بخاطري ومتخيبش أملي، وخليك أحسن مني... أنا محتاجة حضن أخير يمكن أرتاح ويكون أول وآخر حضن أخده من أخويا الصغير قبل ما أمشي خالص وميبقاش ليا وجود تاني غير سيرتي الوحشة اللي عملتها بإيدي والكل خدها عني." رباه، أيُمكن أن يكون المرء مصدر رئيسي للألم؟

لم تأثر لها، ولم هو يبكي الآن، ولم يشعر بالألم في قلبه؟ لم يكن يتوقع أن يتألم لتلك الدرجة، ففي حياته هو لا يتأثر بسهولة. إذا لم هو الآن يبكي أمامها رغم ما فعلته به؟

لم يجد سوى أن يتجاهل الصوتين اللذان تعالى صرخاتهما حتى يردعانه عن فعلته تلك، ليأخذ هو القرار المناسب من وجهة نظره هو كإنسان يملك المشاعر والإنسانية، ليكون ملبيًا مطلبها حينما حمل صغيرته بذراعه الأيسر، وفرد ذراعه الآخر لها، داعمها، مرحبًا بها، لتسقط دموعها أكثر مرتمية داخل أحضانه، تعانقه بكل ما تحمله من قوة، وأجهشت في البكاء أكثر عن زي قبل.

لم يسبق وأن اجتمع الشرق مع الغرب، ولا اجتمع الليل مع النهار. لم يصل عدوان من قبل واتفقا على معاهدة سلام بينهما واستقلال كلا الطرفين. لم يسبق وأن ترك الأسد الغزال يتحرك أمامه حرا دون أن يفترسه. وها هو اجتمع الأسد مع الغزال وتعانقا سويا دون أن يفترس واحد منهما الآخر. تأثر "يوسف"، ولن ينكر أنه اقتنع وقام بتصديقها وشعر بصدقيتها وحسن نواياها. رأى الخوف والحزن والقهر في عينيها وخوفها من مصيرها المحتوم، ولذلك شدد من عناقه لها، وكأنه يحميها من شيء يجهله هو حتى هذه اللحظة، مثلما يقوم بحماية أهل بيته.

بكت أكثر ونبح صوتها داخل أحضانه، ليشعر هو بالعجز في هذه اللحظة، فلا يعلم ماذا عليه أن يفعل غير ذلك. فقام بتلبية مطلبها، ماذا تريد الآن؟ رفع كفه الذي يحتضنها، ومسد على خصلاتها السوداء اللامعة برفق، وأخذ يتلو آيات من الذكر الحكيم، مثلما تفعل معه والدته كي تهدأ ويطمئن قلبها.

"إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" ...

أنا يمكن مش متقن فالقراءة، بس عايز أقولك إني قعدت أحفظ فيها وقت طويل أوي لأنها بتطمني وبتريح قلبي. وأمي على طول لما تعوز تطمني، بتقرألي آيات من القرآن الكريم. وأنت كمان هترتاحي زيي. أنا جنبك وربنا موجود ومعاكي مش هيسيبك. وصدقيني لو مكتوبلك تموتي دلوقتي هتموتي، لأن ده مكتوب عند ربنا وهو وحده يعلم أمتى هتموتي، حتى لو كله أجمع على أنه يموتك دلوقتي وربنا ما أرادش، فده عشان لسه ليكي عمر تعيشيه. ومش عايزك تخافي، أنا جنبك

مش هسيبك لوحدك، أنتِ فالآخر أختي الكبيرة. ومهما الإنسان يغلط، مسيره يتعلم من غلطاته ويعالجها. كلنا خطائين وأنا مش ملاك برضه وبغلط، بس بتعلم من غلطي فيما بعد ومكررهوش تاني. مش عايزك تخافي من حاجة، أخوكي جنبك، وطالما خدتي صفه فهو مستحيل يخذلك وهينصفك قدام العالم كله."

طمأنها مثلما يطمئنه غيره ويحتويه. هكذا هو قلب "يوسف"، الفتى الصغير الكامن بداخله. قلبه كبير وحنانه لا حدود له، وعطفه على غيره هو سر مفتاحه في الحياة. شعر بها تشدد من عناقها إليه، وكأنها تحتمي به من وحش مفترس يلاحق بها مسافات كبيرة، يسعى للإمساك بها والنيل منها. شعرت معه بالأمان الذي افتقدته منذ صغرها بعد مقتل أبيها ووالدتها، وكأن أباها يضمها إلى أحضانه، وليس أخيها الصغير الذي لم يخيب آمالها.

فيما ابتسم هو بسمة هادئة، وزفر بعمق وهو يفكر ماذا عليه أن يفعل في هذا الموقف الذي وقع به الآن دون سابق إنذار. فيما أتاه صوتها الباكي حينما قالت بنبرة باكية: "أنا متوقعتش منك رد الفعل دا، أنا بجد مكسوفة أوي منك، رغم إني حاولت أأذيكم، بس أنت فالآخر عملت عكس اللي توقعته. أنت بجد ونعم الأخ. أنا طلعت صغيرة أوي قدام فعلك دا." ابتسم هو ليمسد على خصلاتها بحنو، أتبعها قوله الهادئ:

"متقوليش كدا يا "عليا"، أنتِ أختي الكبيرة وهتفضلي الكبيرة وأنا الصغير. واللي عملته دا هو دا اللي اتربيت عليه من صغري وبتعامل بيه دلوقتي. أخوكي موجود، وقت ما تحتاجيه هتلاقيه، بس طالب إني أفهم إيه اللي حصل معاكِ. محتاج أفهم كل حاجة... ممكن؟

ابتعدت عنه بهدوء، وهي تزيل عبراتها بأطراف أصابعها بهدوء، أسفل نظرات أخيها لها، والذي انتظر سماعها لتبدأ هي تقص عليه ما حدث معها منذ أن كانت صغيرة حتى أصبحت الآن، وكيف أصبحت مع هؤلاء الغرباء. فيما كان هو منصتا لها طوال الوقت، يستمع إلى الحقيقة التي كانت مدفونة منذ سنوات، وما الذي جعلها تفعل به وبصغيرته هذا كله، ليبدأ يتفهم كل شيء. على يقين أن هناك طرفا آخر سيقوم بتأكيد حديثها إن كان صحيحا بالفعل، أم أنها تكذب عليه وتخدعه، في انتظار الرد الرسمي من الطرف الآخر الذي يبدو أنه علم بالأمر.

في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي منزل عائلة "آلبرت"..

ولج "كين" إلى الداخل، جاهلا الأمر العاجل الذي أخفته "إيميلي" عنهم حتى عودته. هو يسير بخطى سريعة ظنا أن الصغيرة قد أصابها مكروه، وهي تخشى إخباره حتى لا يفقد السيطرة على نفسه ويدمر المكان من حوله. فمازالت تحتفظ بمكانتها الخاصة داخل قلبه الذي منذ أن رآها، تهللت أسا ريره فرحا وتعلق بها، رافضا الابتعاد عنها، وإن كان الثمن هو حياته. تقدم منهم ليرى الجميع يجتمعون في ردهة المنزل ينتظرون مجيئه، وعندما وصل قال بنبرة

حادة مترقبا الرد منهم: "ماذا حدث؟ لم طلبتم مجيئي بهذه السرعة المريبة؟ هل حدث مع الصغيرة شيئ؟ "إيميلي"؟

نظروا جميعهم إليه بهدوء، لا توجد إمارات الزعر أو الخوف أو أي مشاعر سلبية تجاه ما طلبوه لأجله، بل رأى التوتر، وهذا جعل عقله يبرمج تلقائيا أن الصغيرة بالتأكيد أصابها مكروه. ولذلك نظر إلى زوجته بفراغ الصبر، محاولا عدم الصراخ عليها، فلا تعلم الآن أنها تلعب على وتره الحساس، وهي ليست بحمقاء، بل تعلم خوفه ذاك جيدا، وتعلم مدى حبه للصغيرة وخشيته عليها من أي مكروه. ولذلك كان الحل الأمثل الآن أن تتحدث وتخبره بما حدث، حتى لا تطيل عليه أكثر من ذلك. أخذت نفسا عميقا، ووقفت في المنتصف بين الجميع،

وقالت بنبرة هادئة: "شـيراز ذهبت إلى "يوسف" الليلة وفعلت شيئا غريبا." تأهب لسماع ما هو قادم، وعقله يصوّر إليه آلاف المشاهد السوداء بذهابه إليهم، فمثلها لا يفعل شيئا سوى إيذاء الجميع من حوله. أما عن "إيميلي"، فقد رحمت به وأكملت حديثها، مصيبة هدفها ببراعة، حينما قالت:

"اعترفت إليه بكل شيء، وكانت مستعدة وكأن ثمة أحد يركض خلفها لينال منها. فعلت هذا بدون أن نعلم، على الرغم من أن "ماري" حذرتها مرارا وتكرارا أن لا تفعل هذا حتى لا تنتهي مملكتهم هم. "شـيراز" الآن تنفذ بحياتها وتختار أخيها وتتخلى عن "ماري" بعد هذه السنوات العديدة التي مضت. "شـيراز" تسرعت، ففعلت هذا، فإن علمت "ماري" هذا الأمر، ستقتلها في الحال. والآن يجب علينا حمايتها، فأنا أثق بأن "يوسف" قام بتصديقها، فهو لا ينخدع بسهولة ويعلم متى يكون المرء صادقا. إنها حمقاء، كان يجب عليها أن تستشيرنا في هذا الأمر. لا ينبغي بعد هذا كله تتصرف من تلقاء نفسها وتضعنا جميعنا في وجه المدفعية."

أنهت حديثها وهي تجلس على المقعد بيأس، تضع يدها على رأسها بإحباط شديد. فيما كان "كين" متفاجئا، لا يصدق ما يسمعه ويراه، فمثلما قالت زوجته، إنها تسرعت في قرارها ذاك، ولكن بالتأكيد يعلم أن "شـيراز" تخشى على أخيها منها، ولذلك تصرفت سريعا دون أن تفكر في الأمر. زفر بعمق، ومسح بكفه على وجهه بيأس، قائلا بقلة حيلة:

"لا مفر، ستعلم "ماري" أننا زرعنا "شـيراز" بينهم لتنقل لنا أخبارهم، وستعلم أن هذا كله تخطيطا جهنميا منا لإسقاط مملكتها والقضاء عليها، لنعيش نحن في موطننا الذي سرقته هي منا بكل تبجح ووقاحة. ولا نلوم علينا فيما نفعله الآن، لأننا نستعيد موطننا الذي سرق منا، ونحن ممنونين لـ "شـيراز" لموافقتها في الوقوف بجانبنا، ومثلما قالت "إيميلي"، يجب علينا أن نقف بجانبها ونحميها، فهذا واجبنا تجاهها."

قرار مصيري، ووضعوا به، ولا مفر للهروب منه، فلا يوجد شيء سوى المواجهة والدفاع عن الأرض والكفاح لاستعادتها. فلن ييأس أسير رأى الذل والمعاناة والتعذيب من معتدٍ أخذ موطنه وبيته بالقوة وزجه إلى الخارج. إن صمت الآن، فسيأتي يوما يخرج فيه عن صمته ذاك، ويخرج صارخا بعلو صوته حتى يرن في أنحاء العالم، ليعلموا أن ثمة أسير وغيره يتجرعون القسوة في صمت، دون أن ينتبه له أحد، لتكون هذه حينها هي بداية التحرير.

"لن ينسى الفتى قسوة الطفولة البريئة." مرحلة الطفولة تظل المرحلة الأساسية المترسخة في عقول البشر، وإن أصبح رجلا سبعين عاماً. فتخيل أن تكون مرحلة الطفولة خاصتك هي أسوأ مرحلة مررت عليك في مرحلتك العمرية، فبدلاً من استرجاع ذكرياتك البريئة لها، تهرب اليوم منها خشية أن ينال منك أشلاؤها.

اليوم يترك الفراش والمنزل بعد هذا الحادث الأليم، ويعود للتجول في أرجاء حارته الحبيبة. خرج من البناية بوجه مبتسم مشرق، ليقابل الجميع بابتسامته الهادئة التي كانوا يعتادون عليها دوما. وقف مكانه يشاهد الجميع من حوله بوجه بشوش، حتى سقطت عيناه على شخص ما غريبا بالنسبة إليه، يرتدي ملابسه. في بادئ الأمر ظن أنها صدفة، وليس هو وحده من يرتدي تلك الكنزة، ولكن حينما التفت الآخر وأصبح يواجهه، رأى أنها ملابسه بالفعل.

تفاجأ "بشير" كثيرا، وسؤال واحد يدور في رأسه... كيف استطاع الحصول على ملابسه التي من المفترض أن تكون في شقة شقيقته؟ شعر بالتشّتت، ليحادث نفسه بتعجب شديد، مستنكرا الأمر كله، قائلا: "هو في إيه؟ هو أنا عشان خدت هدوم "أكرم" ألاقي اللي واخد هدومي بعدها؟ هو "أكرم" سلّط حرامي يسرق هدومي ولا إيه؟

هكذا سأل نفسه، جاهلا، ليجد قدماه تقوده نحوه دون أن يشعر، يريد أن يتأكد من الأمر قبل أن يتهور ويفعل شيئا يندم عليه مؤخرا. أما عن "نادر"، فوقف يعبث في هاتف آخر غير الذي يملكه الأساسي، حتى لمح شابا يقترب منه، ويبدو أنه يقصده هو، ولذلك رفع عينيه ينظر إليه، ثم أغلق هاتفه، ليقف "بشير" أمامه وهو لا يعلم ماذا يقول وكيف يبدأ. تعجب "نادر" كثيرا وهو ينظر إليه، لا يفهم شيئا، ولذلك بدأ هو الحديث حينما قال بنبرة هادئة:

"خير يا ابن خالتي؟ في حاجة ولا إيه؟ هكذا سأله "نادر"، جاهلا ما يحتاجه هذا الشاب الذي توتر فجأة، وأصبح الأمر صعبا عليه، فهو يفكر الآن ماذا سيفعل إن كانت الملابس تخص الشاب نفسه، فسيكون الأمر محرجاً إليه كثيرا لا محالة. ابتلع "بشير" غصته، وقال بنبرة هادئة متوترة: "لا أبدا. أنا بس يعني كنت... كنت عايز أقولك إن أستايل لبسك حلو أوي. نفس ستايل لبسي تماما." ابتسم "نادر" إليه، وأجابه بنبرة هادئة، ممازحا إياه، قائلا:

"حبيبي يا ابن خالتي والله تسلم. هو في الحقيقة دي مش هدومي، دي هدوم أخويا بس أنا لابسها لأن عندي شوية ظروف كدا، بس هدومي معايا وقريبة من الأستايل دا برضه." تعجب "بشير" كثيرا حينما ذكر أن هذه الملابس تخص أخيه وليست إليه، ليعقد ما بين حاجبيه، مرددا باستنكار كلمته، قائلا: "أخوك؟! أكمل "نادر" بنفس النبرة ونفس الابتسامة، مجيبا عليه، قائلا:

"آه. بصراحة ليا أخت أكبر مني ساكنة هنا، جوزها اسمه "يوسف"، لو تعرفه، لأن اللي أعرفه إنه معروف هنا أوي. يعني هي اللي أدتني اللبس دا وقعدتني فأوضته لأن عندي شوية مشاكل مع أخويا الصغير وأمي، فاضطررت أسيب البيت وأمشي. وجيت هنا بصراحة مكنش عندي مكان تاني غيره، فبيت أول ليلة فالمسجد اللي هنا دا بتاع واحد اسمه "رمزي"، هو اللي قعدني فيه بصراحة عشان صاحب الشقة اللي المفروض هأجرها مسافر. فأختي عرفت وزعلت أوي مني وحلفت ما هتسيبني، وقالتلي أقعد بقى فأوضة أخويا لحد ما يرجع. أنا بصراحة معرفش هو فين، لأنها مجابتليش تفاصيل عنه غير إنه طيب ومش هيقول حاجة لو خدت هدومه...

حاسس إني قولت كل حاجة، بس مش مشكلة، أنت مش غريب وشكلك من هنا." كان "بشير" مصدوما بشدة مما يسمعه، وكأن دلوا من الماء البارد سقط على رأسه، أصابه بالصدمة، فلم يتخيل سماع هذا الحديث منه، والذي يقصدها هذه تكون شقيقته. شعر بالتيهة والتشّتت الذي داهمه منذ لحظات، ليحاول تماسك نفسه وإلقاء سؤال آخر ليس في الحسبان، حينما قال بنبرة هادئة مترقبة: "أختك اسمها إيه؟

تعجب "نادر" كثيرا من سؤاله، فلم يسأله عن اسم شقيقته وهو غريب عنها. نظر إليه نظرة ذات معنى لدقائق معدودة، قبل أن يقول بنبرة مترقبة: "وأنت عايز تعرف اسم أختي ليه؟ علم "بشير" أنه لن يخبره، ويبدو أنه بدأ يشك به، ولذلك أجاب هو على السؤال الذي طرحه، وقال: "اسمها "بيلا"، مش كدا؟ "بيلا فارس عوض"."

تفاجأ "نادر" حينما استمع إلى اسم شقيقته، بل صدم، فقد صدمه "بشير" الذي يقف أمامه الآن، ينظر إليه، بعد أن علم هوية "نادر" دون أن يفصح هو عنها. فلا وقت إليه الآن أن يتحدث، فهو في صدمة قوية، استطاع "بشير" أن يعطيها إليه بأقل مجهود منه. رفرف "نادر" أهدابه مرات عديدة متتالية وهو ينظر له، ليخرج أخيرا صوته بعد دقائق قليلة، يقول مند هشا: "أنت؟ أنت تعرف أختي منين؟

ابتسم "بشير" بسمة يرسم بها الألم الذي يكمن داخل قلبه، والذي لا يتركه سوى كان من أبيه أو أمه التي سببت إليه جرحا جديدا. نظر إليه وقال بنبرة هادئة مشيرا على ملابسه: "الهدوم اللي لابسها دي. تبقى بتاعتي. أنا "بشير"." صدمة أخرى تصيب هدفها ببراعة واحترافية، وتلك المرة كان الذي ينالها هو "نادر" الذي نظر إليه غير مصدق ما سمعه منذ ثوان. فيما حرك "بشير" رأسه برفق، يؤكد على حديثه قائلا: "أنا أخوها. من الأم التانية."

حسنا، لقد وضعت النقاط على الأحرف حتى تتضح الكلمة وتظهر كما البريق اللامع في الأفق. ابتسم "نادر" بسمة ساخرة، وهو يمد يده إليه كي يصافحه، قائلا: "وأنا أخوها وأخوك وأخوكم كلكم، معرفش عددكم، بس تمام. أنا اسمي "نادر"، من الأم التالتة."

حقيقة تبدو مضحكة لدى البعض حينما يتعرف الإخوة على بعضهم البعض في هذا العمر. ولكن، في الواقع هي حقيقة مؤلمة وصعبة، وليس من السهل التعايش معها والتأقلم عليها. كلاهما يشعر بالآخر، وكلاهما يمتلكان نفس المشاعر والألم والحزن. نظر "بشير" إليه قليلا، ثم بعدها إلى يده الممدودة، ليقوم بمد يده مصافحا إياه، ولكونه هو الأخ الأكبر إليه الآن، بادر وضمه إلى أحضانه، مرحبا به، ليقابله "نادر" عناقه، مشددا من عناقه إليه، ليشعر تجاهه بالراحة والطمأنينة.

من يراه ولا يطمئن إليه؟ من يمكن أن يراه ولا يرتاح إليه؟ يكفي بشاشته وأسلوبه اللبق في التحدث. ابتعد "بشير" عنه، ناظرا إليه بوجه مبتسم بشوش، ليبتسم "نادر" تلقائيا، ويبادر في الحديث قائلا: "ارتحتلك رغم إني أول مرة أشوفك، ودخّلتك عليا على قد ما هي مقلقة، بس مش مشكلة." ضحك "بشير" بخفة، ثم قال بوجه مبتسم يمازحه:

"ما أنت يعني لابس هدومي وقاعد فأوضتي وبتاع، وفي استحواذ على ممتلكاتي، ولا أكمني عملت نفس الموقف فـ "أكرم"، هتيجي أنت تطلعهم عليا." ضحك "نادر" على مزاح أخيه إليه، ليقابله "بشير" ضحكاته قليلا، ليهدأ كلاهما معاً، ويأتي سؤال "نادر" إليه حينما قال: "بس هو مين "أكرم"؟ "أكرم دا يا سيدي أخويا وأخوك الكبير، أكبرنا هو و "بيلا" و "كايلا" أخواتنا الكبار."

هكذا رد عليه "بشير" بوجه مبتسم، ليبتسم "نادر" في المقابل له، بسمة هادئة للغاية، ثم أخذ نفسا عميقا داخل صدره، ثم زفره بعمق، وقال بنبرة هادئة متسائلا: "وهو فين دلوقتي؟ "فالورشة، تعالى أعرفكم على بعض."

هكذا كان رد "بشير" على حديث أخيه، الذي ذهب معه نحو مقر عمل أخيه، يتحدثان سويا، ليبدأ "بشير" يعرف أخيه على المكان من حوله ويشرح له، وقد كان "نادر" يستمع إليه طوال الوقت منصتاً وبشدة، لما يقوله، حتى وصلا سويا إلى مقر عمل أخيه، ليولج "بشير" أولا، قائلا بنبرة عالية بعض الشيء: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا جاي أعتِب عليك."

توقف "بشير" وبجانبه "نادر"، الذي نظر إلى المكان حوله بهدوء. فيما التفت لهما "أكرم" ينظر إليه بعدما ترك المنشار من يده، قائلا: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تعتِب عليا ليه يا ننة عين أمك؟ جيت جنبك أنا دلوقتي ولا كلمتك؟ أنا فحالي أهو، ليه نكش الفراخ دا دلوقتي؟ أنا ساكتلك."

نظر "نادر" إلى أخيه الكبير، والذي يراه لأول مرة، يرى معالم وجه أخيه الجميلة، التي كانت مأخوذة من معالم وجه والده، فقد كانت معالمه رجولية وحادة بعض الشيء. فيما ابتسم "بشير" وقام بالرد على أخيه حينما قال بنبرة خبيثة: "وماله، أنا أحب النكش والمرازية في خلق الله. جاريني." "أنا راجل ورايا أشغال ياض، حل عن نفوخي النهاردة."

هكذا رد عليه "أكرم"، متصنعا الضجر، ليقوم "بشير" كالمعتاد بعدم الاكتراث إليه، ثم أخذ أخيه واقترب من أخيه الكبير بخطى هادئة، وكلما اقترب "نادر" زادت نبضات قلبه أكثر وأكثر، خوفا مما هو مقبل عليه، جاهلا مصيره الذي ينتظره بعد ثوان. وقفا أمامه ونظرا إليه، ليتولى "بشير" زمام الأمور، ويبدأ الحديث المثقل على قلب "نادر"، حينما قال: "أكرم، أحب أعرفك على "نادر" أخونا. "نادر" دا "أكرم" أخونا."

يا للعار، حينما يتعرف الإخوة على بعضهم البعض في هذا العمر. جميعهم قد بلغوا سن الرشد، ومنهم من استقل بحياته، ومنهم من مازال يبحث عن حياته الضائعة، وآخر مازال ينتظر خطوته تجاه مستقبل مشرق. تفاجأ "أكرم" وإن كانت تريد وصفا دقيقا، فهو صدم من حديث أخيه، لينظر إلى "نادر" الذي حاول إخفاء توتره والاحتفاظ بثباته، رغم صعوبة الأمر.

نظر "نادر" إلى "بشير"، الذي طمأنه، ونظر إلى "أكرم"، مشيرا إليه خفية، أن يتحرك ويفعل شيئا، وأن لا يظل صامتا هكذا، حتى لا يشعر الآخر بعدم الرغبة في بقائه، ولربما هذا ما يقوم "أكرم" بإيضاحه إليه. بالطبع، صدم "أكرم"، ولم يكن يتوقع حدوث ذلك. التفت موليهما ظهره، محاولا استيعاب الأمر دون أن يبدي أي رد لهذا الذي يجاور "بشير"، والذي كذلك تفاجأ بفعل أخيه.

الأمر صعب على جميع الأطراف، وليس بالشيء الهين بالنسبة إلى أي منهم. حاول الاحتفاظ بهدوئه أكبر وقت ممكن، ومحاولا تجاوز كل ذلك، حتى لا يؤخذ هذا الصمت بشيء ليس بصحيح. لم يفق من دوامته تلك، إلا حينما صدح صوت "بشير"، يوقف أخيه، الذي عزم على الرحيل والاكتفاء بهذا القدر، ففي بادئ الأمر هو ليس بمرحب به. التفت ينظر لهما، ليرى "نادر" يرحل من المكان، و "بشير" يحاول إيقافه ورجعه بشتى الطرق الممكنة، حتى أوقفه هو فجأة، حينما قام بمناداته دون أن يتحرك إنشا واحد.

توقف "نادر" فجأة حينما سمع أخيه يقوم بمناداته، وكذلك توقف "بشير" في المنتصف بينهما، ينظر إلى "أكرم"، الذي التفت لهما، ينظر إلى أخيه، الذي كان على وشك مغادرة المكان، ينتظر رؤية ردة فعله. أما عن "أكرم"، فقد تحرك تجاه أخيه بخطى هادئة، متجاوزا "بشير"، الذي تابعه بهدوء دون أن يتحدث، منتظرا رؤية ما سيفعله. توقف "أكرم" أمام "نادر"، ينظر إليه، ليرى مقلتيه تلتمعان وهو ينظر إليه، ليشعر أنه قد بالخ في ردة فعله، ولذلك بادر وعانق أخيه دون أن يتحدث، لبرهة من الوقت. فيما شعر "بشير" بالراحة، وجلس على المقعد الخشبي، ينظر لهما بهدوء دون أن يتحدث، على أمل أن يصلح أخيه ما حدث، ومصالحة هذا الشاب.

"انقطعت المدة قبل أن تكتمل والمفاجأة حاضرة." انقطاع المدة أو المهلة المحددة قبل اكتمالها بعد نفاذ صبر دام لوقت طويل ليس بقليل. تخطى الأمر قدرة تحمله، وأصبح الوضع بالنسبة إليه محتوما. لا تغضب حينما يخرج الأسد عن طور صمته، ويطلب الدفاع والمطالبة بحقوقه.

ولج إلى غرفته، مغلقا الباب خلفه، وهو يدندن بنبرة خافتة، ويبدو أنه في حالة مزاجية عالية. فيما كانت هي تجلس على المقعد، تأكله بعينيها منذ أن ولج، لتبدأ النيران تزداد لهيبها داخل صدرها، تنهشه دون رحمة، لتتحرك غريزتها الأنثوية، مقررة نزع تلك الحالة التي نادرا ما تتلبسه، لتقطع طريق سيره، حينما وقفت أمامه، تعقد ذراعيها أمام صدرها، وهي تنظر إليه.

فيما توقف هو، ناظرا إليها، وهو يعلم تمام العلم أنها ستنزع حالة الصفاء والهدوء تلك، كالمعتاد، لتختفي بسمته، ويحل مكانها الوجوم، حينما رآها أمامه. أتاه صوتها حينما أشارت بعينيها تجاه الهاتف، قائلة: "شايفة الغزالة رايقة يعني والحالة ١٠٠ فل و ١٠؟ بتكلم مين فالون؟ "وأنتِ مالك؟ هكذا رد عليها سؤالها بسؤال آخر لا يمت له بصلة، لتشتاط هي غضبا، وتبدأ صراخها به، كالمعتاد، قائلة: "يعني إيه وأنا مالي؟

دي مش مراتك أنا، وأنا من حقي أعرف! "صوتك بدل ما أزعلك. وبعدين أنتِ لسه فاكرة إن في واحد فحياتك اسمه جوزك عشان تقولي إنك مراتي؟ نسيتي حقوقي عليكي ولا إيه يا "تماسي"؟ مراتي دي تقوليها لما تديني حقوقي، غير كدا مش شايف بصراحة إن علاقتنا دي علاقة زوج وزوجة أصلا."

عاد يتمرد عليها وعاد يناطحها في الحديث، متخذا القوة سلاحه الدائم في كل مواقفه. للمرة الثانية يذكرها بما يريد، لتكون ردها الحاضر بالرفض التام، ليبدأ الشد والجذب بينهما. وقبل أن يرحل، أوقفته حينما دفعته إلى الخلف، تردع فعله، قائلة بنبرة حادة: "رايحة فين؟ أنا لسه مخلصتش كلامي على فكرة." نظر إليها نظرة حاقدة، وقد اشتعلت النيران داخل صدره، ليصق على أسنانه بغضب جام، قائلا بنبرة حادة:

"تعرفي لو واحد تاني مكاني وعملتي معاه الحركة دي، كان جابك من شعرك تحت رجليه ووراكِ سواد عمرك كله. بس نصيبك إني مش كدا. إيدك تتمّد وتتجرّأي أوي تاني، والجلالة تاخدك، هتلاقيني راميك لأبوكِ وراميكِ يمين الطلاق وبالتلاتة." جحظت عينيها بصدّمة كبيرة حينما استمعت إلى حديثه الذي قد أصاب هدفه، لترى التمرد والغضب باديان على معالم وجهه ونظراته، لتأبى هي الاستسلام إليه، وتقوم بالرد عليه والإصرار على ما تريده، قائلة:

"لتاني مرة بقولك وريني التليفون يا "محمود"، ومش هكررها تاني. إلا إذا تبقى بتخونى بقى وتعرف واحدة عليا، عشان كدا خايف توريني." وقبل أن يتحرك إنشا، أوقفه حديثها، لينظر لها من جديد، يرى التبجح عنوانها، كما اعتاد رؤيتها دوما. عاد خطوتين إلى الخلف، ووقف مكانه ينظر لها، ليقول بنبرة باردة:

"ولو أعرف يخصك، فإيه دا حقي. لأن الفلحوسة اللي متجوزها مطنشاني على الآخر، أو بمعنى أصح، شايلاني من حساباتها، فمن حقي بقى أشوف نفسي وأدور على واحدة تقدر وجودي فحياتها وتحترمني وتعرف إن معاها راجل مش قرطاس لب. وتديني حقوقي." ضغط على أحرف كلماته الأخيرة، وكأنه يؤكد عليها حقيقة الأمر الذي قد وضعتهما هي به الآن، ليشعل هو بهذه الكلمات جنونها، ليأتي الرد منها حينما قالت بنبرة غاضبة:

"لا يا حبيبي، انسى، عشان مفيش منه الكلام دا. لا تانية ولا تالتة يا "محمود"، أنت سامع؟ انسى خالص." "لا والله؟ ويا ترى هتمنعيني إزاي إن شاء الله؟ هتحبسيني فالأوضة ولا هتلسعيني بالشمعة؟ "تماسي"، حلّي عني بدل ما تزعلي، وياريت تعقلي شوية وتخلي عندك مخ، وتديني حقوقي عشان نعرف نكمل زي أي اتنين."

في بادئ الأمر كان يسخر منها، ثم بعدها توعد لها، وفي الأخير ألقى تحذيرا خفيا، عازما أن تكون هذه هي المرة الأخيرة، ليأتيه الرد الذي توقعه، حينما رفضت من جديد قربه، وقالت بنبرة غاضبة: "ما قولتلك لا يا "محمود"، هو في إيه اللي هنعيده؟ هنزيده كل شوية؟ قرّفتني فعيشتي دي، مبقتش عيشة، يا أخي ارحمني."

دام الصمت بينهما قليلا، بعد حديثها المنفعل به، والمثقل على قلبه، والذي يكون أشبه بالسيوف الحادة التي تخترق صدر المرء، لتطالعه بغضب. وصدرها يعلو ويهبط بعنف، ويطالعها هو بوجه ينطق بالألم والحزن، فلا تعلم أن بفعلتها تلك تطعن رجولته. ابتلع غصته بصعوبة، بعد أن اتخذ قراره، لينظر لها عازما على فعلها، فقد طفح به الكيل، فلن يضيع عمره المتبقي بجانبها، فيكفي ما مضى.

"تماسي، أنا خلاص خدت القرار، ومبقتش قادر أكمل على النمط المميت دا. أنتِ طالق. طالق. طالق. وورقتك هتوصلك بيتك، وأنتِ قاعدة معززة مكرمة. أنا مبقتش قادر خلاص."

أصاب هدفه في مرماه هذه المرة بمهارة واحترافية، جعلتها تصاب بالصدمة. جحظت عينيها، وألتمعت العبرات في مقلتيها، وهي تنظر إليه، لا تصدق ما سمعته منذ ثوان، فبالتأكيد هو يمزح معها، ولن يتركها. حاولت تماسك شتات نفسها، لتنظر إليه قليلا دون أن تتحدث، عقلها يحاول إسعافها، ويرفض في نفس الوقت تقبل الواقع. وأخيرا، وبعد دقائق معدودة، خرج صوتها، محاولة إخراج الكلمات من فمها، قائلة بنبرة متذبذبة: "محمود، لا أنت أكيد بتهزر صح؟

أنت بتهزر يا محمود، مش كدا؟ نظر إليها دون أن يخفي نظرة الحزن والألم عنها، فكيف ينتهي هذا كله في غمضة عين؟ كيف أن تنتهي العلاقات في ثانية، دون أن يكون لها تمهيدات قبل حدوثها؟ جاءت لحظة الألم والحسرة، كلٌ منهما بـتـرَت بداخله قطعة كبيرة. كلٌ منهما أصبح بداخله فراغ كبير، لن يمتلئ بسهولة كما كان سابقا. ابتسم بسمة متألمة، وقال بنبرة مثقلة بالألم:

"أنتِ اللي وصلتينا للمرحلة دي يا "تماسي". أنتِ اللي كتبتي أن تكون دي نهاية علاقتنا، وكنتِ أنانية فيها، وظلمتيني معاكِ. أنانية عشان مفكرتيش غير فنفسك وبس، كان كل اللي يهمك جسمك ميبوظش وتفضلي زي ما أنتِ، وظلمتيني معاكِ وحرمتيني من أبسط حقوقي عليكي. الناس مش تحت أمرك ولا مستنيين أمر منك يا "تماسي"، ولا خدامين تحت رجليكِ. ولا سهل عليهم يقبلوا الإهانة. بس أنا قبلتها، وقبلت كل حاجة، مش عشان أنا واحد معدوم الشخصية ومش عارف

أسيطر على مراتي، لا بالعكس. أنا كان قدامي حلول كتير أوي أقدر أعملها، بس للأسف كلهم مقدرتش أعملهم عشان كانوا أذية ليكي أنتِ فالآخر. وأنا مقدرش أأذي واحدة ست، ولا أرفع إيدي عليها، لأنها معززة ومكانتها كبيرة. نصيبك إنك خدتي واحد متربي بيحب من قلبه ومخلص للست وبيقدرها، وعنده استعداد يحارب عشانها. بس أنتِ معرفتيش تفهميني، ولا تقدري مشاعري، ولا تحافظي عليا. وده مصيرنا مع بعض. الطلاق أنسب حل لينا، لأني صبرت عليكي شهر، قولت

يمكن ربنا يهديها وترجع لعقلها تاني. بس للأسف دا محصلش. خليت خلاص يا "تماسي"، ورقتك هتوصلك، والنفقة والمؤخر هيكونوا عندك كاملين، وبكدا أنا عملت بأصلي واللي عليا. هتصل بأبوكِ عشان ييجي ياخدك، وأتمنالك حياة سعيدة. ونصيحة مني، يعني لو ربنا كرمك بواحد ابن ناس، بيتقي الله فيكِ، حافظي عليه، وشيلي الأفكار الهبلة دي من دماغك، عشان حياتك متبوظش أكتر، لأن قليل أوي لو لقيتي واحد بيتقي الله فالست اللي معاه."

أنهى حديثه المثقل والمؤلم على القلب، ليتركها ويخرج دون أن يلتفت إليها. رحل ورحلت معه سعادته وابتسامته وكل ما هو جميل. تركها وحيدة تنظر في أثره بصدّمة وخيبة أمل كبيرة. سقطت تجلس على المقعد، بعدما تهاوى جسدها، ومعها سقطت عبراتها على صفحة وجهها، بعدما أدركت ما يحدث حولها، وأن علاقتها به قد قطعت نهائيا، ولا سبيل للعودة. مثل الطفل الشريد الضائع في بلاده، لا يجد سبيلا للعودة من جديد، فقد ضاعت نفسه، أين من المفترض أن يجدها؟

"رحل الحبيب وهجرنا في ظلمة الليل." وما كان خطأ المحب سوى أنه كان مخلصا. "اثنان وعشرون رصاصة لم تصب المحب سوى الرصاصة رقم ثلاثة وعشرون." التخطيط ورسم حياة مستقبلية مشرقة مع من نحبهم. الحماس والسعادة واللهفة والتنظيم وتجهيز كل شيء. سعادة المرء تحركه دوما، وهي من تجعله يفعل كل شيء دون إرادة منه. ومع أول مطب له، يسقط دون أن ينهض.

مع انقطاعه عن الذهاب إلى الحارة لأيام، قرر اليوم الهروب من العمل والذهاب إلى ابن عمه لمفاجئته بالقرار الذي اتخذه. صف سيارته أسفل البناية المنشودة، وترجل منها بوجه مبتسم، وهو في كامل أناقته، يرتدي بنطالا قماشيا من اللون الأسود، يعتليه كنزة ثقيلة باللون الأسود، ويعتليها معطف طويل من نفس اللون، وكذلك الحذاء، فهذا هو لونه المفضل، بالإضافة إلى ساعة اليد الإلكترونية.

أغلق السيارة، وقبل أن يتحرك، أتاه صوت زغاريد عالية نابعة من البناية الخاصة بـ "يوسف"، ليرفع رأسه ينظر عاليا، ليرى الأضواء الملونة تزين وجهة البناية، والصوت نابع من شقة ابن عمه، ليعقد ما بين حاجبيه متعجبا، فلم يخبره ابن عمه أن ثمة مناسبة عم قريب. ولذلك نظر حوله، ليرى "منصف" يقف على الجهة المقابلة له، حاملا ابنته ويقوم بملاعبتها. ولذلك تحرك نحوه بخطى هادئة، عازما على معرفة ما يحدث، ومن الذي سيتزوج. "أزيك يا "منصف"؟

هكذا تحدث "جاد"، الذي نظر إليه، ليرفع الآخر رأسه ينظر إليه، ليبتسم قائلا بترحاب شديد: "أهلا أهلا بالغالي، ليك وحشة يا راجل، فينك؟ هكذا سأله "منصف"، بعدما رحب به، ليتبادلا أطراف الحديث والترحاب، حتى جاء سؤال "جاد"، الذي قال بنبرة هادئة متسائلا: "أومال إيه صوت الزغاريط دي كلها؟ هو "يوسف" قرر يتجوز التانية ولا إيه؟ "لا يا راجل تف من بوقك دا، يتدبح فيها قبل ما يفكر فيها. دا عريس جاي لـ "كايلا"، عقبالك."

هل سمع أحدكم صوت تكسير قلبه؟ صدمة مؤلمة، وأصابت قلب شاب كان يخطط لخطبتها، بعدما قضى معها بعض الوقت، وتأكد من شعوره نحوها، وصدق مشاعره إليها، حينما كان يصرخ القلب كل يوم، مطالبا بها. شعر بالدوار، وتشوش الرؤية أمامه، ليرفع رأسه من جديد، ينظر نحو الشقة بقلب يعتصر ألما. لا يصدق أن ثمة آخر غيره قد سبقه وذهب لخطبتها. لقد دمرت أحلامها بالكامل. "كان الفتى يرسم مستقبل مشرق له." حتى جاء المعلم وهدم سقف طموحاته.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...