الفصل 90 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل التسعون 90 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
17
كلمة
7,168
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

شيء مؤلم حينما يتحد الجميع ضدك. أن تشعر فجأة أنك أصبحت منبوذ بين الجميع. وكما كانت تلك العبرات تتردد دومًا في أذني، غدوت كالغريب بين الجميع أبحث عن الأمان. وهم في الأساس الخطر بأم عينه. *** "جاءه الغدر في ثوب الأحباب ليقوم بطعنه دون رحمة" ماذا يحدث حينما يتم الغدر بك من أقرب الأشخاص إليك؟ ما الذي يجب عليك أن تفعله حينما ترى شخصك الأقرب إليك من نفسك يقوم بطعنك بالسكين التي كان يحميك بها دومًا؟

الآن قامت من تدعى والدته بطعنه بكل قسوة وهي من المفترض أن تكون أكثر الأشخاص وفاءً. الآن هي أبعد ما يكون عن ذلك. سقطت عبراته على صفحة وجهه وهو ينظر إليها ليرى في مقلتيها القسوة التي كانت تتلبسها في الماضي حينما كان طفلًا صغيرًا. يرى أخرى ليست بوالدته التي كان الحنان يغلف قلبها ونقاءها باديًا على تفكيرها وأفعالها. أيعقل أن يكون أبيه كان محقًا حينما أخبره أنها ماتت ورحلت عن عالمهم؟

أيعقل أن يكون قد رآها منذ هذه اللحظة ميتة في ناظريه؟ أيعقل أنه اليوم فعل الشيء الصحيح الوحيد في حياته إليه وقام برحمته وأبعدها عنه حتى لا تتأذى نفسيته ويصبح رجلًا غير سوي نفسيًا؟ كلماتها ترن في أذنيه كالموسيقى الصاخبة التي يزعج موسيقاها صميم أذنيه. شعر بألم قلبه يعتصر صدره دون رحمة. وضع كفيه على وجهه وسمح لعبراته بالسقوط على صفحة وجهه وسمح لكل الآلام الجسدي والنفـسي بإحتلاله، كاحتلال المغتصب لأرض فلسطينية الحبيبة.

"بشير، صدقني دا كان ماضي وراح لحاله خلاص. أنا جيت أصلح الوضع زمان وأعوضك عن اللي حصل." نبرتها المرتجفة مع ارتعاشة يديها واضطرابها كانوا واضحين وضوح الشمس. حاولت التقرب منه واحتواءه، ولكـن حينما لامسته يدها أبعدها عنه بعنف، وكأن ثمة شرار كهربي ضربه في مقتل. ابتعد عنها بجسده وهو ينظر لها نظرات ميتة، نظرات تحمل الاتهام والكره.

نظرات ضربتها هي في مقتل، فلم تكن تتوقع أن يكون هذا رد الفعل منه. كانت تتوقع الاحتواء والحنو والاشتياق لها، ولكـن فاجأها هو تلك المرة وخالف توقعاتها بالكامل. "بشير، عشان خاطري صدقني أنا غلطت وجيت أهو أصلح غلطي." "بس بطلي كذب ونفاق!

صرخ بها منفعلًا وهو ينظر إليها بعينان حمراوين وصدره يعلو ويهبط بعنف. فيما تفاجأت هي من أفعاله التي باتت عدوانية في لمح البصر نصب عينيها. الوجع والقهرة والحزن والصدمة والكراهية. كل تلك المشاعر صدرت منها هي، المرأة الملقبة بلقب الأم. "يعني هو كان صح طول العمر دا كله؟ هو كان عنده حق لمّا قالي إنك موتي وبعدك عني عشان خاطر متأثرش أنا بتربيتك وجبروتك وتطلعيني إنسان غير سوي؟ ليه؟ أنا عملت فيك إيه عشان تعملي فيا كدا؟

خبيتوا ليه إن عندي إخوات؟ حرمتوني ليه من عزوتي وونسي اللي بقيت عايش عشانه دلوقتي؟ "هو اللي خبى عليك مش أنا. أنا الزوجة التانية ليه...

"بس، كفاية كذب وتحوير بقى أنا مش عيل صغير برياقة بتضحكي عليه. هو آه خبى عليا وغلط زيك بالظبط هو برضوا كان كويس معايا أنا مش هقدر أنكر دا ومشوفتش منه القسوة اللي شافوها أخواتي. بس اللي عمله مؤخرًا خلاني قفلت منه ومبقتش طايقه. أنتوا الاتنين دمرتوني وأنتِ أكتر منه. أنتِ جبّارة سبتي عيل صغير وسافرتي. روحتي فين بقى وعملتي إيه خدك مني كل السنين دي؟

أنهى حديثه المنفعل والغاضب وهو ينظر إليها، ينتظر إجابتها التي لربما ترحم قلبه، أو تضربه الضربة الأخيرة. انتظر الشفقة أو اللين منها لقلب طفل صغير مثله دُهس بأبشع الطرق. حاولت تماسك نفسها فالأمر محتوم والمواجهة حاسمة لا مفر للهروب. ابتلعت غصتها بتروٍ وهي تزيل عبراتها بكفها المرتعش وهي تحاول تهيئة نفسها لإلقاء ما في جعبتها إليه بكلمات تكسر ظهر البعير.

"أيوه أنا سبتك ومشيت ومندمتش وقتها حتى ولا تأثرت بعياطك ورجائك ليا عشان أفضل معاك. أنا قرفت منه وتعبت كل شوية خناق وقرف وأنا تعبت. حصلت بينا مشكلة كبيرة وديتنا للطلاق وآه أنا اتطلقت فـ نفس اليوم اللي سبتك ومشيت فيه. سافرت الكويت واتجوزت وعايشة حياتي دلوقتي معاه عادي أهو بقالي سنين." "بيعملني أحسن معاملة وملبسني أحسن لبس وبيأكلني ويشربني أحلى شرب. العيشة مع أبوك بقى ولا مع الراجل دا؟

أنا لحقت نفسي بدري أوي عشان العيشة مع أبوك كانت مستحيلة." علت الابتسامة ثغره وهو ينظر إليها. ابتسم وهو ينظر إليها ويستمع إلى حديثها الذي كان أشبه بسيف حاد يغرز داخل صدره. استطاعت إصابته في مقتل لا محال، لقد نجحت في تحطيمه عن جدارة واستحقاق. سقطت عبراته أكثر وأكثر كونه وثق بها ووضع أمله بأكمله فيها لتقوم هي للمرة الثانية على التوالي بتخـييب آماله بها. وإن كان بداخله ذرة أمل نحوها فقد قضت عليها تمامًا.

أزال عبراته بعنف طفيف بكفيه عن صفحة وجهه ليقوم بأخذ كوب زجاجي شفاف أسفل ناظريها بأيدي جامدة ثم نظر إليها من جديد لبرهة من الوقت فيما كانت هي تتابعه بنظراتها المذبذبة تنتظر القادم منه. ترك الكوب فجأة ليسقط على الأرض الصلبة الرخامية منكسرًا إلى أشلاء صغيرة تناثرت في كل مكان. نظرت هي إلى الكوب المنكسر بهدوء للحظات ثم عادت تنظر إليه لتسمعه يقول بنبرة ملكومة وكأن حزن العالم بأجمعه تجمع به:

"قلبي زي الكوباية اللي اتكسرت دي دلوقتي وصوت كسرتها رن فـ المكان. لو جمعت الكوباية دي دلوقتي وداويت كسورها بلزق طبي هتتكسر تاني عشان خلاص اتكسرت. واللي بيتكسر مبيتداويش للأسف الشديد. وأنتِ مدورتيش غير على نفسك مش كدا؟ يبقى مترجعيش تسألي على اللي كان ابنك عشان مبقاش ابنك خلاص." أصابها بحديثه في مقتل. حديثه ما كان إلا خط إنذار إليها لتقترب منه سريعًا وهي تحاوطه بكفيها المرتجفين وهي تقول بنبرة مذبذبة ومرتعبة:

"لا لا، لا إيه اللي بتقوله دا لا مش هينفع. إيه اللي بتقوله دا أنت ابني وهتفضل ابني غصب عنك سامع؟ أنا لسه مموتش عشان تعتبر نفسك يتيم الأم يا بشير." نظر إليها في هذه اللحظة نظرة مليئة بالخيبة والكسرة، نظرة لا يتحملها بشري ولا يتخطاها إنسان سوي. أبعد يديها عنه وهو يهتف بنبرة جامدة محمّلة بالقسوة:

"بس أنت فعلًا ميتة بالنسبة لي، ومبقتيش تفرقي معايا من اللحظة دي زي ما أنا ما كنتش فارق معاك وأنا عيل صغير بعيط لحد ما صوتي اتنبح وزوري اتجرح عشان متمشيش. أنا كمان هعمل نفس اللي عملتيه وهشربك من نفس الكاس عشان تعرفي قد إيه الناس بتتعذب بأفعال اللي زيك ويحسوا بيهم. الدنيا دوارة وربك مبينساش. لو الإنسان بينسى فـ رب السماوات السبع عمره ما نسي."

أنهى حديثه الذي كان قاسيًا بكل المعاني وهو ينظر إليها ليراها تنظر إليه بصدمة شديدة وقد شعرت هي أن لسانها قد شُل عن الحركة في هذه اللحظة وقد تهاوى قلبها أرضًا وسقطت عبراتها أكثر على صفحة وجهها وهي تراه يترك المكان بأكمله ويذهب دون أن يلتفت إليها أو يعيرها أي أهمية.

صفع الباب خلفه بعنف ليهتز جسدها بعنف وعلى أثره وتزداد سقوط عبراتها أكثر وهي تراه يبتعد عنها دون أن تملك هي القدرة على منعه. رحل ولربما لا يعود إليها مرة أخرى. وهذه المرة حملها المسؤولية كاملة وألقى اللوم عليها أكثر مما ألقاه على والده. ظلت تبكي وتنتحب مكانها وهي تؤنب نفسها على ما اقترفته بحقه في صغره ليبدأ الندم يتآكلها من الداخل وهي تعلم إن غابت شمسها، فلن تعود للشروق مرة أخرى مهما تفعل.

فيما استلقى هو سيارته وبدأ يضرب بقبضتيه على مقود السيارة بعنف وبدأ يصرخ بقهر وحزن على ما أصابه كان السبب الرئيسي في ذلك والديه للأسف الشديد. صدح رنين هاتفه بجواره يعلنه عن اتصال من شقيقته ليتجاهله هو وهو يشعر بأن روحه تنسحب منه رويدًا رويدًا. "حرام عليكي، حرام عليكي دمرتيني، دمرتيني أقول إيه يا رب. ياريتك ما رجعتي ولا ظهرتِ تاني وجعتيني أكتر ما أنا موجوع!

ظل يبكي ويبكي بقلب مفتور من البكاء. تمزقت روحه وأرهقتها الحياة وأصبح في تلك اللحظة طير جريح بترت جناحيه بفعل صاحبه الذي استأمن معه وكان أمنه وأمانه في إحدى الأيام.

صدح رنين هاتفه مرة أخرى عاليًا ليأخذه بعنف من على المقعد المجاور إليه وأغلق المكالمة ويليها هاتفه كليًا ثم ألقاه على المقعد من جديد وأجهش في البكاء مرة أخرى وكأنه طفل صغير حُرم من والدته وحنانها وعاقبته بابتعادها عنه وكأنها تقوم بتأديبه هكذا حتى لا يكرر خطأه. أيا بشر تأمل في قلوبها الرحمة جاءتني أمي اليوم أمام الجميع تخبرني "أنا التي قتلتك حيًا مرتين، ولا أشعر بالندم! *** "تمرّد الفأر في ساحة عدوه قد يكلفه المزيد"

لطالما كانت دائمًا الفئران تختبئ في جحورهم حتى لا يتم قتلهم على أيادي البشر. فل طالما هو كائن سام فلا بد من قتله في الحال حتى لا ينتشر سمه في الحال. خرج "يوسف" من بـنايته رفقة ابن عمه "جاد" الذي كان كالظل بالنسبة إليه قد خرجا للتنزه قليلًا حتى يأتي "بشير" إليهم وتكتمل سهرتهم الليلية. "رايحين على فين يا يوسف؟ نطق بها "جاد" بنبرة هادئة ومتسائلة وهو ينظر إلى ابن عمه الذي أجابه بنبرة هادئة وقال:

"هوريك حاجة محدش يعرف عنها حاجة غيرك." أنهى "يوسف" حديثه وهو ينظر إليه بطرف عينه ليتـرك الآخر في حيرة من أمره يفكر في هذا الشيء المجهول حتى الآن بالنسبة إليه. وبعد خمس دقائق سيرًا على الأقدام وصلا أخيرًا إلى المكان المنشود، شقة فارغة في الدور الأرضي مغلقة بإحكام.

فتح "يوسف" الباب بالمفتاح بهدوء ليقابله الظلام الدامس في الداخل. ولج بخطى هادئة وقام بإضاءة الأضواء ليقابله شقة ذات جدران بنية اللون. تعجب "جاد" كثيرًا ونظر حوله قائلًا: "إيه الشقة دي يا يوسف؟ هو أنت ناوي تبيع أعضائي بجد ولا إيه؟ أنا كنت بهزر على فكرة." ابتسم "يوسف" ليترك أغراضه على سطح الطاولة ثم بعدها توجه إلى أحد الصناديق الكبيرة وأشار إليه نحوه قائلًا بإبتسامة: "إيه رأيك؟

نظر "جاد" إلى ما يشير إليه ابن عمه ليتعجب كثيرًا مما يراه أمامه. ولذلك أشار هو الآخر نحوه وقال متسائلًا: "إيه دا يا يوسف؟ مش فاهم برضوا؟ أخذ "يوسف" نفسًا عميقًا ثم زفره بتروٍ وأجابه بنبرة هادئة يفصح عن أولى أعماله اليدوية بقوله الهادئ:

"أقدم لك اختراعي الجديد واللي صدمني مؤخرًا، طرابيزة وكراسيين من برميل كبير كان مركون ملهوش أي تلاتة لازمة. فكرت كتير أوي بصراحة أعمل إيه بيه مفيد وينفع الناس وأكون استغليت حاجة مركونة. روحت ماسكته فـ أسبوعين خرج مـن تحت إيدي ترابيزة بـ كراسيين متنجدين كمان. إيه رأيك؟

كان "جاد" مصدومًا وبشدة وهو ينظر إلى ذاك الصندوق كبير الحجم الذي استطاع ابن عمه استغلاله وأخرج منه طاولة ومقعدين. تقدم منه بهدوء وهو يتفحصه أسفل نظرات "يوسف" الهادئة التي كانت تتابعه مشدوهًا. فلم يرى شيئًا كهذا من قبل إنه تخطى تفكيره بمراحل عدة.

تذكر حديثه مع العم "رأفت" حينما سأله عن موهبة ابن عمه في إخراج إبداعات من الخردة وحينها كان يجهل الأمر. الآن قاده ابن عمه بنفسه ليريه ما صنعه في لحظة لم تكن في الحسبان فكان حينها غاضبًا وأراد إفراغ غضبه بشيء بعيدًا عن البشر ولذلك ظل يعبث بذاك الصندوق حتى أخرج منه أولى إبداعاته.

طاولة متوسطة الحجم ومقعدين رائعين صُمما بدقة واحترافية. من يراها لا يتوقع أنها كانت صندوقًا ليس له فائدة من قبل. ألتفت إليه وهو حقًا مدهوشًا ليتحدث بنبرة هادئة يغلفها طابع الحماس: "يوسف، أنت بجد صدمني. أنا مش قادر لسه أستوعب إنك عملت كدا بجد. كأني بحلم أزاي بجد قدرت تعمل حاجة زي دي يعني أكيد مكانتش لحظة عابرة والسلام. دا أنت عالمي."

ابتسم "يوسف" ابتسامة هادئة وهو يتطلع إليه ليقترب منه "جاد" بعد أن حاول إزاحة دهشته وذهوله قدر المستطاع وأكمل بنبرة سعيدة وفخورة:

"أنا حقيقي فخور بيك أوي. أنت عملت حاجة برا الصندوق ممكن تضرب فـ العالي وتكسر الدنيا. يوسف بجد أنا من ساعة ما شوفتك وأنا حاسس إنك هيطلع منك كتير أوي. أنا عارف كويس أوي اللي حصلك فـ حياتك أثر على نفسيتك بطريقة سلبية وخلاك عدواني بتفكر بمنظورك أنت وفكرك أنت بس لا دا مش صح. ربنا وهبك ذكاء وسرعة بديهة مش عند حد آه مش متعلم بس دماغك توزن بلاد وتحسب الحسبة صح."

"بس حقيقي أنت جواك موهبة نادرة لسه مش عارف تحط إيدك عليها بس هتظهر بإذن الله وأول ما تبان للناس حالك هيتبدل ويا عالم ربنا شايلك إيه بس اسمحلي أصور التحفة الفنية دي وأنزلها على مواقع السوشيال ميديا. عايز كل الناس تشوف موهبتك وتعرف إن ابن عمي فنان وشخص غريب ميتوقعش منه حاجة. وهوريها لبابا. عايزّه يشوف بنفسه وأنا واثق إنك هتتنقل نقلة تانية خالص بس مش دلوقتي وبكرا تقول جاد كان عنده حق."

كان يستمع إليه مبتسم الوجه، يشعر بعدة مشاعر لم يشعر بها قط. فقد رأى الحب والحنان والدفء والسعادة حينما عاد إلى عائلته مرة أخرى. رأى نفسه وصورته الصحيحة في أعينهم جميعًا. رأى الخير والمحبة والتسامح مع ذاك الشاب الماثل أمامه يثرثر بسعادة طاغية لأجله مفتخرًا به وبصناعته. لقد جاءه العوض من رب العالمين بعد سنوات كثيرة. في محل الشقيقين "فتوح" و "فتحي".

كان "فتوح" جالسًا على المقعد الخشبي يضع ساق فوق أخرى وهو يسحب قدرًا كافيًا من السيجارة التي كانت ملتفة بشكل مريب بداخل أوراقها المواد المخدرة في جوف الليل والناس نيام. كان تحت تأثير المخدر لا يعي لمّا يحدث حوله فقد غيّبت المواد المخدرة عقله بالكامل. نظر إلى بـناية "يوسف" وتحديدًا إلى سطحها حيث كان "سراج" واقفًا رفقة زوجته يتحدثان سويًا ويبدو أنه يمازحها ليبتسم هو ساخرًا ويقول متهكمًا: "أنا أترفـض عشان خاطر ***** دا؟

عجب والله، أكمنه موظف فـ البنك ومرتبه فـ العالي اتجوزتيه؟ عيلة **** مبتدورش غير على الفلوس والـ***** الكدابة. يلا الله لا يصلح حالكم ولا تدوقوا طعم الراحة طول ما أنتوا مع بعض."

الحقد والغـل والكراهية عوامل مشتركة كارثية إن تواجدت في المرء جميعًا فهو بالكاد أمر كارثي. يكره الخير للآخرين ويحبه لنفسه. يحب أن يكون كل شيء لأجله هو ويرى الناس في ناظريه أوغاد عديمي المروءة وطماعين يعشقون المال كأعينهم. إنها الحسرة بعينها فوالله ما رأيت بني آدم يتمنى الخراب والشر لغيره إلا وقد استعذت بالله ودعوت له بالهداية.

سحب نفسًا عميقًا وزفره بتروٍ وهو ينظر إليهما بحقد والغـل يعتصر صدره تجاههما فمنذ زمن وهو يكره "يوسف" وأصدقائه ودائمًا يمقتهم ويحاول تشويه صورتهم في مرأى الجميع. ولكـن كان "يوسف" دائمًا له بالمرصاد. كان كالشوكة الحادة العالقة في حلقه يسعى لقتله مختنقًا وتخليص البشرية من أمثاله. بينما على سطح الـبـناية خاصتهم.

كان "سراج" يجاور زوجته يتحدث معها بنبرة خافتة لتضحك هي بين الفينة والأخرى على حديثه ليشاركها هو الضحك ويكمل حديثه. "يا بت اسمعي مني وهتدعيلي والله. أنا عمري قولتلك على حاجة وحصل عكسها؟ "لا يا سراج مش هيحصل أنا عمري ما عملت اللي بتقول عليه دا. دا كفاية يوسف لو عرف هيطير رقبتي وشكلك شايفلك شوفة تانية وعايز تخلص مني."

أنهت حديثها وهي تنظر إليه بطرف عينها نظرة ذات معنى حادة ليأتيها الرد في الحال حينما أشار إلى نفسه وهو يتصنع الصدمة قائلًا: "أنا يا مها؟ أنا يا بنت عدنان شايفلي شوفة تانية إخص عليكي. مكانش العشم يا ختي والله. يعني وبعدين يعني هشوف شوفة تانية إزاي هو أنتِ مديني فرصة دا أنا حيالله بتنفس بإذن منك." "نعم؟ يعني فـ نيتك واحدة تانية بقى؟ لا أنت محتاجلك وقفة بقى عشان شكلها كدا هتسيب ونخيب."

صاحت بها في وجهه بغضب عارم وهي تنظر إليه فيما أشار هو إليها وقال: "بس بس بس. إيه ماصورة وفتحت فـ وشي مش كدا؟ أنا مفيش حد عشان أبصله أصلًا مفيش غيرك اللي حلوة فـ الحارة دي. وبعدين أنا ماضي على قايمة بقد كدا يعني خربانة خربانة. المهم فكك مـن الحوارات العبيطة دي وشوفة تانية وتالتة وركزي معايا عشان مقلبهاش على دماغكم كلكم وأنتم عيلة يعني بتعشق المشاكل قد عنيها." على الجهة الأخرى وبالقرب من محل "فتوح" و "فتحي".

كان "يوسف" يسير رفقة ابن عمه عائدًا إلى منزله من جديد بعد أن جلس رفقته قليلًا وأغلق الشقة وهما يتحدثان سويًا مع بعضهما مارين بالقرب من محل "فتوح" الذي نظر إليهما نظرة ذات معنى. "متقلقش هظبط الدنيا مع بابا وهو مش بعيد ييجي بنفسه ويشوف والدنيا بإذن الله تعالى هتظبط وتبقى لوز اللوز متشيـلش هم حاجة."

استطاع "جاد" طمأنته قدر المستطاع ليتفهم "يوسف" حديثه ويربت على كتفه برفق مبتسم الوجه، فيما نهض "فتوح" وأقترب منهما بخطى واهنة وهو في حالة سكر غير عادية فقد تغيب عقله تمامًا بسبب المواد المخدرة التي تجرعها منذ وقت قليل ووقف أمامهما يمنع طريقهما. توقف "يوسف" فجأة ورمقه نظرة قاتلة وهو يرى السكر باينًا على معالم وجهه وحالته يرثى عليها، فيما ترنح الآخر في وقفته وهتف بنبرة غير واعية وهو ينظر إليه قائلًا:

"جرى إيه يا عم الجهة؟ مش ناوي تصفي الحسابات بقى وتدفع اللي عليك ولا هي بقت بجاحة؟ "أدفع اللي عليا؟ ليه قاعد فـ كومباوند اللي جابوك وأنا مش واخد بالي." هكذا جاوبه "يوسف" ساخرًا وهو ينظر إليه متهكمًا، فيما أغتاظ "فتوح" كثيرًا وقال بنبرة ناقمة: "ولو جبت سيرة أبوك الـ*** دلوقتي بقى بالغلط؟

اشتعل "يوسف" حينما سمع سبابة أبيه من ذاك السكير الماثل أمامه لتتراقص شياطينه أمام عينيه لتحضر شخصية "جعفر" الجامحة في الحال لتبدأ الحرب الطاحنة بينهما في الحال. دفعه "يوسف" بعنف إلى الجدار الماثل خلفه وقام بإمساكه من عنقه وضغط على قبضته وهو ينظر إليه وكل ما يتردد في صدى أذنيه سبابة أبيه من هذا الحقير وما زاده ذاك إلا عنفًا وشرًا.

ظهرت علامات الإخـتناق على معالم وجهه بشكل واضح حتى بدأت بشـرته تميل إلى اللون الأزرق وتنقطع أنفاسه. شعر "يوسف" بدفعة قوية تقوم برد جسده إلى الخلف بعنف وصوت صراخ "جاد" يفيقه من غيبوبته تلك. "فوق يا يوسف أنت اتجننت؟ هتموت واحد *** زي دا وتضيع مستقبلك عشانه؟ مش كدا يا أخي!

رمقه "يوسف" نظرات حاقدة وصد" يعلو ويهبط بعنف ليسمع صوت "جعفر" بداخله يدفعه للإنتقام منه بأبشع الطرق ورد الحق لأصحاب الحق من عديمي المروءة أمثاله. ولذلك كان صوته في هذه اللحظة يرضيه بشكل كبير ولذلك أطاعه وهجم عليه من جديد لتعلو الصرخات ممن حولهم تزامنًا مع تدخل "جاد" و "أكرم" والشـباب لإبعاده. وفي ذات اللحظة تدخل أيضًا "فتحي" و "حديدة" و "عصفورة" للدفاع عن "فتوح".

كانت "شـاهي" تشعر بالرعب على ولدها الذي فقد عقله في الحال وفعل ما لم يتوقعه عقلها. بينما كانت تجاورها "مها" التي كانت بالطبع خائفة على أخيها من شرهم إليه وعلى الجهة الأخرى "بيلا" التي كانت لا تقل عنهما شيئًا فهي تعلم زوجها جيدًا وما يفعله خارج نطاق فكرهم.

حاولوا فك هذا الاشتباك بينهما خصوصًا حينما تمسك به "فتوح" ورفض تركه إلا حينما يثأر. عجبًا لأول مرة أرى متبجحًا يثأر لنفسه وهو المخطئ. على كل هذا متوقعًا منه. بينما حاول الشباب كثيرًا إبعاد صديقهم الذي كان في هذه اللحظة قويًا بما فيه الكفاية حتى يثأر لنفسه ولذويه فكان كالحجر الصلب الكبير الذي يصعب إبعاده عن الطريق.

"يمين بعظيم ما هسيبك يا فتوح. مش هسيبك يا *** ****** وهاخد حقي كله منك أنت وشوية ******* اللي معاك ومبقاش يوسف المحمدي لو ما خليت راسكم فـ الأرض يا ****** أبويا أشرف منك أنت وعيلتك الـ**** كلها يا ***."

سباب لاذع وعنف شديد ووعيد لمن أخطأ في حقه وحق أبيه الذي حرك بداخله الكثير والكثير رغم عدم تذكره إليه. ولكن لن ولم يسمح له بالتطاول على أبيه مهما حدث فأبيه بالنسبة إليه خط أحمر عريض ليس مسمح لأي شخص منهم بالتطاول عليه وذكر اسمه بسوء. وما زاد الطين بلة حديث هذا السكير الذي تحدث من جديد بنبرة غير واعية وهو يلقي حبات الملح على جرحه الغائر حينما قال بما أصابه في مقتل: "جرى إيه يا ***؟

فاكر نفسك مين عشان تفتح صدرك أوي كدا وتتحمق لأبوك؟

دا أنت حيالله معندكش أب يعني مكسور الضهر ومعدوم العافية. اللي أنت فيه دا حلاوة روح مش أكتر أنت ميت من زمان أوي. أنت عشت غريب وبقيت فـ يوم كبير منطقة عابدين كلها مش حارة درويش بس. إيه يا عم ما تفوق لنفسك وتعرف مقامك ولا عشان أبوك يا حرام مات فهتسوق العوج على اللي جابونا ما إحنا بلطجية برضوا وبنعرف ناخد حقنا بالدراع ولو خدنا حقنا يا عمي يمين بعظيم ما هيكون فيك روح طالما عايزها بقى تصفية حسابات وامك دي هتموت بحسرتها عليك ودا يبقى الحق بحق وحقيقي."

حديثه سام ومؤلم كما كان لا يملك الرحمة في قلوبهم. كيف لأمثاله أن يكترثوا إلى معرفة الرحمة والمساواة والكلمة الطيبة؟ أما عن كلمات تقال لشاب مثله يعاير بيتمه وهو ليس له ذنب في ذلك. فلا يختار أن يكون يتيم الأب أو الأم أو لا. هذا كله بيد الله وحده. ولكن كيف سيتغير الوضع ونمضي قدمًا ونحن مازلنا نكره الخير لبعضنا البعض ونعاير بعضنا بما ليس لنا يد فيه؟

الكلمات سقطت على "يوسف" كالصاعقة جعلت جسده يتهاوى كالريشة الخفيفة التي تحركها نسمات الهواء كيفما تشاء. الجميع أصيب بالصدمة حتى اندفع "جاد" إليه كالقنبلة الموقوتة يمسكه من تلابيبه وهو يصرخ به بغضب جام يدفع عن عمه المتوفى وابن عمه الذي أصابته ضربة "فتوح" في مكانها الصحيح: "أنت عارف بتقول إيه يا *****؟

ولو فاكر نفسه مين هيبقى يوسف المحمدي ابن أكبر التجار فـ السوق كله اللي أبوك ساعتها كان بيقوله يا سيدي. يعني توقف مظبوط وتتكلم عدل معاه وبإحترام عشان هو أعلى منك بكتير. ومـعايرتك ليه إنه يتيم فـ لو أبوك لسه عايش وربنا مبارك فـ عمره مسيرك تعيش اليتم دا فـ يوم وتدوق الوجع اللي هو فيه وتعرف الكلمة اللي بتخرجهاله بتعمل فيه إيه."

"ثم إن عمي أشرف منك ومن عيلتك كلها يعني يوم ما تجيب فـ سيرته تجيبها بالخير ولو مش هتعرف تسكت تكتم خالص عشان الكلمة اللي هتخرج منك عليه أنت مش هتبقى قدها ولو فاكر إنك هتعرف تدوس على يوسف تاني وتيجي عليه أكمنه ملهوش أهل فـ I'm Very Sorry عشان رجالة عيلته أقل واحد فيهم شغال محامي يعني هيلففك حوالين نفسك زي الأهبل."

"وكبير منطقة عابدين و حارة درويش غصب عن عين أبوك وأنت أقل من إنه يقل معاك ولا ينزل لمستواك ولو هتعرف تلمس شعره منه يا دكر وريني عرض كتافك ومتهلفـتش كتير عشان أنت واحد سكران دلوقتي ولو اتعاملت معاك هكسرك." أنهى حديثه ودفعه بعنف وهو يرمقه بنظرات يملؤها الشر والوعيد إليه، فيما سقط الآخر أرضًا أثر دفعة الآخر إليه ليتحرك في السريع "حديدة" الذي وقف أمام "جاد" بالمرصاد بعد أن أخرج مدّيته يرفعها في وجهه قائلًا:

"قد الحركة دي يا ابو الرجولة؟ "قدها بأضعاف يا حيلة أمك ولو شايفني واحد ابن ناس فـ دا عندها عشان أنا من اللحظة دي واحد تاني خالص هيكسر اللي يقف قدام ابن عمي وهيعادي اللي يفكر يأذيه وقول على نفسك يا رحمان يا رحيم."

ردّه كان قويًا وجادًا، لم يتراجع ولـم يشعر بالخوف ولو للحظة واحدة بل وقف أمامهم الند بالند منتظرًا صدور ردّة فعلهم على حديثه ليثأر لابن عمه. وعلى ذكره أبعد أصدقائه عنه وشيطانه قد تحكم به وصوت "جعفر" طغى على صوت ذاك الطفل البريء الكامن بداخله ليُعلن رفع رايات الحرب على الجميع.

ابتعد عن الجميع واتجه إلى صالة الألعاب الرياضية الخاصة بالعم "رأفت" أسفل أنظار والدته وجميع النسوة اللواتي وقفن في الأعلى يشاهدن ما يحدث بترقب وحذر. رأى العم "رأفت" "يوسف" يقترب منه ليقول بنبرة لينة يحاول تهدئة الآخر بكلماته: "هتعمل إيه يا يوسف؟ صلّي على النبي يا ابني وأعزي الشيطان وفكك منه دا عيل بتاع مشاكل وحوارات وأنت عارف كدا."

فشل في إيقافه بالطبع ليراه يسحب العصا الخشبية الكبيرة خاصته التي يستخدمها في إغلاقها وكاد أن يرحل. أوقفه هو حينما وقف أمامه يردع فعلته تلك بقوله المرتعب: "يوسف فوق يا ابني متودي نفسك فـ داهية هتضيع مستقبلك عشان خاطر الـ*** دا. فكر فـ أمك الست الغلبانة اللي هتموت عليك دي وأختك اللي ملهاش غيرك ومراتك وبـناتك اللي أنت بالنسبالهم كل حاجة وملهومش غيرك. أعزي الشيطان يا ابني وأهدى."

نظر إليه "يوسف" وهتف بإنفعال كبير وهو يصرخ به قائلًا: "وأبويا اللي اتشتم واتقال منه فـ تربته دا إيه يا عم رأفت؟ أبويا أشرف وأنقى مـن إن سيرته تيجي على لسان الـ*** دا. أنا حلفت ما هسيبه وحلفاني عمره ما نزل أبدًا. يا أنا يا عيلة الجزار الليلة دي قسمًا برب السماوات السبع ما هتعدي على خير وإن ما خليتهم عبرة فـ عابدين كلها يبقى عدنان مخلفش راجل."

أنهى حديثه ثم تركه وخرج متوعدًا إليهم بينما هوى قلب العم "رأفت" أرضًا برعب عليه وألتفت ينظر له بخوف وهو يدعو أن يحفظه رب العالمين وأن يحميه من شرور أنفس الحاقدين. وحينما رأته "بيلا" يحمل تلك العصا الخشبية ضربت على خدها وهي تقول برعب مما ينتوي عليه زوجها: "يالهوي، يالهوي يا لهوي هيودي نفسه فـ داهية."

هوى قلب "شـاهي" أرضًا حينما علمت ما ينتوي عليه ولدها الذي لن يصمت إلا بإفتعال كارثة كبيرة نهايتها وضعه خلف القضبان الحديدية لسنوات وسنوات، أو لربما يلقى مصيره الوحيد ألا وهو الإعدام إن قتل الآخر. ولذلك حينما رأته يقترب منه في استعدادًا لضربه بها صرخت بالشـباب حتى يمنعوه مما ينتوي عليه.

بينما اقترب "يوسف" منهم من جديد وكل ما يتردد في أذنيه سباب والده ولذلك لن يدع الأمر يمر مرور الكرام على الجميع وأولهم "عائلة الجزار" التي كانت محطة سوداء في حياته منذ الصغر. وقبل أن يرفعها عاليًا ويسقطها على الآخر كان "رمزي" يمنعه هو و "لؤي" الذي خشي على صديقه في هذه اللحظة وليس على الآخر فكل ما يهـمه الآن هو صديقه. "إهدى يا يوسف هتودي نفسك فـ داهية مش كدا!

صرخ به "رمزي" بعنف وهو يحاول إرداعه عن ما يريد لينظر إليه الآخر ويصرخ به في المقابل قائلًا: "هموته قسـ... "متقسمش عشان أنا ولا أي واحد فينا هيستناك تقسم وتنفذ قسمك. هتروح فـ داهية وكلنا هنتمـرمط معاك دا اللي هما عايزينه يا يوسف إنهم يغلطوك عشان يبعدوا عنهم الشبهات ويطلعوا منها بإصابة واحد فيهم ومحضر عدم تعرض وأنت مش حمل كل دا. فوق يا صاحبي وحقك وحق والدك راجع بس مش ترجعه وتروح أنت فـ داهية."

"اللي مقويه ومخليه يقف قصادك كدا الزفت اللي شـاربه غير كدا مش هيتجـرأ يقف قصادك ويقول اللي قاله دا. صلّي على النبي يا صاحبي ووحد الله وأعزي الشيطان وأرمي العصايا دي. والدتك مش هتفرح هي وأختك ومراتك وهما شايفينك بتودي نفسك فـ داهية عشان واحد زي دا معدوم الإنسانية."

ردّ "رمزي" عليه ردًا قويًا كعادته. حديثه معه كان صارمًا وبشدة وتلك كانت طريقته الوحيدة حتى يردع الآخر عمّا كان ينتويه. وللحق استطاع السيطرة على صوت "جعفر" وتفوّق عليه بجدارة وأخمده تمامًا بحكمته وقوة شخصيته التي وقفت أمام شخصية الآخر بالمرصاد.

أخذ "سراج" العصا منه وأعادها إلى العم "رأفت" الذي اطمأن قلبه وهدأت روحه من ما كانت عليه حينما رأى "رمزي" الذي كان بينهم طوق النجاة استطاع أخيرًا الوقوف أمامه وإيقافه عمّا كان ينتويه. فيما شعر "يوسف" بالتيـه بينهم لينقذه من نفسه حينها "رمزي" الذي ضمه إلى أحضانه يشدد من عناقه إليه.

ذاك الشاب الملتزم وحده من يستطيع الوقوف أمامه وإرداعه عمّا كان ينتوي فعله. دومًا كان كالغوث لهم جميعًا. فيما تقدم "منصف" من الآخرين حتى وقف في مواجهة "فتحي" يرفع سبابته في وجهه قائلًا بنبرة تحذيرية صارمة:

"الكلام اللي هقوله دلوقتي وما ليك عليا حلفان، إن ما لمّيت أخوك السكير دا وبعدتم عن سكة يوسف ليكون تعاملنا معاكم وقتها مش لطيف ولحد دلوقتي مش عايزين نتجه للمحاكم ولو روحنا فعلًا أنت طبعًا عارف لؤي محامي عقرب ومش سهل وهيـ ـلبسها لأخوك يعني هيـ ـلبسها فـ خـف كلام عشان أنتوا خلقكم مش وش أفعال. آمين." ثم حينما أنهى حديثه ألتفت إلى رفيقه الذي كان دومًا خير صديق له دومًا ليقول بنبرة حادة وقوية:

"اسمع أنت كمان عشان عارفك دماغك ناشفة ودمك حر ومش هتهدى غير لمّا تعمل اللي يرضيك. أي همسة أي نظرة أي كلمة إن شاء الله لو كانت إيه عايزك تقلبها على دماغ اللي جابوهم كلهم وأي حد هيفتح بوجهه ويعارض يتحمل اللي هيجراله وطالما سراج الدالي قال كلمة تبقى سيف على رقاب الكل واللي هيتعرض له مـنكم ميلوش إلا نفسه وقد أعذر من أنذر. اللي يتعرضلك تاني يا عمي انطح فيه وميهمكش ودكر فيهم يقف قصادك يمين بعظيم ليكون عبرة للكل."

كان الحديث مرضيًا لـ "لؤي" والذي جعله يشعر بالإنتشاء. بينما كان "حسن" يشعر بالغضب والكراهية تجاههم لتجرأهم على المساس بصديقه. فيما كان "جاد" يتمسك في ابن عمه يمنعه عن فعل أي شيء يمكن أن يلحق به بضرر. "يلا يا يوسف، يلا متركبش نفسك غلط يلا."

نطق بها "رمزي" وهو يدفعه برفق إلى الخلف حتى يردعه عمّا ينتوي لينفذه في ذلك. ليساعده في ذلك "منصف" الذي تولى المهمة وأبعده عن مرمى رفقة "جاد" الذي أخذه وصعد به إلى الأعلى من جديد. فيما رمقهم نظرة ذات معنى حادة قبل أن يتركونه ويعودوا كلٌ منهم إلى مكانه. أقتربت "شـاهي" سريعًا من ولدها الذي صعد إليهم من جديد رفقة ابن عمه وصديقه وهو يتوعد بالويلات إلى "فتوح" لتضمه قائلة بنبرة خائفة: "يوسف أنت كويس يا حبيبي؟

الواد دا عملك حاجة؟ قولي." "متخافيش يا مرات عمي يوسف كويس مفيهوش حاجة وزي الفل أهو." نطق بها "جاد" يطمئنها على ولدها لتبتعد هي عنه وهي تنظر إليه قائلة بنبرة معاتبة: "ليه اندفاعك وتهوراتك دي يا يوسف؟ ليه مبتفكرش فيا أنا وأختك ومراتك؟ ليه مش حاطط فـ دماغك إننا ملناش غيرك دلوقتي وأنت الراجل بتاعنا دلوقتي وعايشين تحت ضلك؟ من غيرك هنتمـرمط صدقني يا حبيبي أنا مليش غيرك والله. ترضى المرمـطة لينا يا يوسف؟

لو ترضاها صدقني أنا مش هتكلم ولا هعاتبك." زفر هو بعمق ولثم رأسها بحنو ثم أزال عبراتها العالقة من على أهدابها قائلًا: "أنتِ كنتِ عايزاني أعمل إيه معاه؟ أسمع شتيمة أبويا بوداني وأسكت ومتكلمش؟ طب أزاي؟ أنا كنت هموته بجد لولا هما اتدخلوا ومنعوني. متحملتش أقسم بالله دمي غلي. أنا واحد دماغه ناشفة ودمه حر مبسكوتش على حقي وحق اللي مني."

تأثرت بحديثه كثيرًا وألمعت عبراتها من جديد في مقلتيها لتضمه من جديد إلى أحضانها وهي تتشبث به وقد شعرت بالفخر والراحة تغمر قلبها بعد أن تأكدت أنها أنجبت رجلًا لا يهاب أحدًا ولا يخشى شيئًا. فيما مسد هو على ظهرها بحنو ثم ضم شقيقته كذلك إلى دفء أحضانه وقد شرد بعيدًا وهو يفكر في كيفية استرداد الحق مـن براثين العدو. *** "وجد الضال ضالته بعد رحلة بحث طويلة"

لا أحد يعلم ماذا تخبئ الدنيا للمرء، ولا أحد يعلم ما الذي ينتظره. ضغطة صغيرة تكفي لتحويل محور اللعبة بأكملها. صف سيارته على جنب وترجل منها بهدوء ثم أغلق الباب خلفه وهو ينظر حوله يبحث عن غايته رفقة أخيه الآخر. ظل واقفًا مكانه ينظر حوله حتى رآها أمامه تتجه إلى بـنايتها. تفاجأ كثيرًا حينما رآها ليلحق بها سريعًا وهو يشد خطواته نحوها قبل أن تولج إلى بـنايتها ليقوم بمناداتها بنبرة عالية بعض الشيء: "بيلا!

توقفت هي مكانها ونظرت إليه وهي تعقد ما بين حاجبيها خصيصًا حينما رأت شابًا يصغرها في كامل أناقته وكأنه شخصية هامة في المجتمع. بينما وقف هو أمامها ونظر إليها مبتسم الوجه قائلًا: "بيلا فارس عوض مش كدا؟ إزداد تعجبها أكثر عن زي قبل لتنظر إليه قائلة بنبرة هادئة: "أيوه أنا. أنت مين ولا تعرفني منين؟ ابتسم هو لها وقال بنبرة هادئة يرد عليها:

"أعرفك بنفسي. أنا نادر فارس عوض أخوك من الأب. أظن عندك خلفية إنه كان متجوز أربعة مش كدا برضوا." تفاجأت هي كثيرًا بحديثه حتى جحظت عينيها بعدم استيعاب وهي تحاول إسعاف عقلها وترتيب ما يقال لها داخل رأسها لتسمعه يكمل حديثه قائلًا بنبرة هادئة:

"أنا عارف إنك مش فاهمة حاجة ولا مستوعبة اللي بيتقالك بس أنا هشرحلك كل حاجة وجاي كمان أديك حقك. أنت ليك عندي حق لازم تاخده يا بيلا بصرف النظر عن اللي حصل زمان واللي صدر من بابا وتقسيمه للوَرث بشكل غريب جدًا بس أنا حقاني ومبحبش أجي على حد ولا آكل حق حد وعشان كدا أنا جيتلك النهاردة."

وزعت نظراتها بينهما بالتساوي وهي تشعر بالتشـتت بينهما لترى "يوسف" يقترب منهما حينما رآهما يقفان مع زوجته، شابين لا يعلم ماهيتهما ولأول مرة يراهما في حارتهم ليقف بجوارها وهو ينظر إليهما قائلًا: "خير يا حضرات أنتوا مين؟ في حاجة يا بيلا؟ نظرت إليه زوجته وهي تشعر بالتشوش لتكون نظراتها إليه في هذه اللحظة مترجية أن ينقذها مما بها. بينما استطاع هو تولي الأمر ووجه حديثه إلى الشابين قائلًا بنبرة جامدة:

"أنتوا مين يا حضرات خير في حاجة." رد عليه في هذه اللحظة "أمير" الأخ الأصغر لـ "نادر" بنبرة جادة يقول: "وأنت مالك ومين أنت عشان تدخل بينا إحنا بنكلمها هي." شعر "يوسف" بالغضب من تواقح الآخر عليه ليرد عليه بوقاحته المعتادة دومًا بقوله:

"أنا جوزها يا حيلتها يعني متسألنيش أنا مين وبتدخل بصفتي إيه أكيد مش عيل *** من الشارع مزقوق عليها وقبل ما تهـلفط فـ الكلام لازم تبقى عارف أنت بتكلم مين كويس عشان أنا مش سهل وأتقي شري عشان مينولش منك وترجع تعيط وتندب." اشتعل "أمير" أكثر وصاح بوجهه دون أن يكترث لحديثه إليه وقال بإنفعال واضح: "واضح مين فينا هنا اللي شوارعي؟ أنت تطول ياض تقف تتكلم معايا أنا أعلى منك ومن عيلتك كلها يا جعان." "أمير!

صاح به "نادر" يهدر بوجهه بعنف وهو ينظر إليه بغضب. فيما غضبت "بيلا" أكثر واتخذت وضعية الدفاع عن زوجها قائلة بنبرة حادة: "وأنا ميشرفنيش أدخل واحد زيك بيتي، وياريت تحترم نفسك وتعرف أنت بتكلم مين كويس أوي عشان لو أنت أعلى منه شأنًا فهو أعلى منك فـ الأصول والضيافة وعارف كويس أوي إزاي يبقى محترم وأزاي يبقى قليل الأدب مع اللي زيك وإياك تغلط فـ جوزي تاني عشان أنا وقتها اللي هزعلك ومننصحكش تقف قدامي خصوصًا لو دايسلي على طرف."

شعر "يوسف" بالرضا والزهو في نفسه وهو يرى امرأته الحبيبة قد كشـرت عن أنيابها أمام مـن تطاول عليه لتتولى هي كيفية الدفاع عنه حتى ولو لم يكن بالشكل الذي كان سيفعله هو. فيكفيه أنها تحدثت. فيما أغتاظ "أمير" منها كثيرًا ثم أشار نحوها وهو ينظر إلى أخيه قائلًا: "بقى دي اللي حاربت عشانها شهور عشان توصلها؟ دي مستحيل تكون أختي دي واحدة شو.ارعية بإسلوبها دا."

جذب "يوسف" زوجته نحوه وأوقفها خلفه حتى حجب عنهما رؤيتها وفي غضون ثوان كان يجذب "أمير" من تلابيبه وهو يهدر به بعنف قائلًا بوقاحته: "يمين بالله ما حد شوارعي وقليل الأدب ولسانه طويل هنا غيرك. ولو كلمة كمان خرجت هزعل عيلتك كلها. آمين." "فاكرني هخاف وأكش منك ولا إيه؟ لا يا حلتها أنت لسه متعرفنيش ولو عرفتك على نفسي هتزعل العمر كله."

ابتسم "يوسف" وقد حضرت في هذه اللحظة شخصية "جعفر" التي تتحكم به دومًا وتجعله يفعل ما تريده دون أدنى مجهود ليقوم بإخراج مدّيته سريعًا من جيب بنطاله وقام بفتحها ووضعها على عنق الآخر لتجحظ الأعين وتنحبس الأنفاس حينما استمعوا إليه يقول:

"المطوة دي آخر مرة فتحتها كانت من ٣ شهور ووعدت نفسي إني مش هفتـحها مهما حصل بس شكلك بتقول يا شر اشطر وأنا شري شاطر أوي ولو قالي دلوقتي غـز اللي جابوه هعملها ولو عيلتك فيها ذكر واحد يقف ويمنعني."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...