الفصل 39 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
20
كلمة
5,995
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

ضمها جعفر بحنان ومسح على رأسها بينما ارتشفت بيلا القليل من الماء. لتقترب منها ليان تأخذ الكوب وتضعه على الطاولة بجانبها. جلس جعفر على طرف الفراش وكانت هي تقف أمامه. تحدث جعفر وهو ينظر لها قائلًا: مش هتكسبيني برضوا خلي بالك. ابتسمت ليان ابتسامة لطيفة وقالت: لا هكسب زي ما كسبتك هناك. جعفر بابتسامة: شكلك هتبقى منافس صعب أتغلب عليه بسهولة. أقتربت منه ليان واستقرت بأحضانه التي أصبحت ملجأها وأمانها من قسوة العالم.

بينما كانت بيلا تنظر لهما بابتسامة وهي سعيدة بعلاقة صغيرتها مع أبيها. نظر لها جعفر ثم نهض وحمل ليان واتجه للجهة الأخرى ثم جلس بجانب بيلا وبأحضانها صغيرته ليحاوطها بذراعه ضامًا إياها إلى أحضانه مع صغيرته ليطبع قبلة على رأسيهما بحنان دون أن يتحدث. *** كان يجلس في بهو منزله وهو يفكر فيما هو مقبل عليه. شارد ينظر في نقطة سوداء يود محيها من حياته.

فكلما ابتسمت له الحياة تعود سريعًا لتصفعه بقوة وكأنها عازمة على إلقاء دروسها القاسية على رأسه دون رحمة أو شفقة. البارحة خسر طفله وكاد يخسر زوجته ورفيقه واليوم يود الأسد الثأر ورد الصاع صاعين. ماذا سيفعل؟ وما هي أولى خطواته؟ فهو لا يريد سوى تعذيبه مثلما يشاء لا أحد يمنعه. فهو لن يهدأ سوى بالثأر لها لا أكثر من ذلك. أخرجه من شروده وأفكاره صوت هاتفه الذي صدح فجأة لينتشله من بقعته السوداء التي تستوطن عقله وقلبه.

"عملت اللي قولتلك عليه" أتاه صوته وهو يقول بجدية: عملت وبزيادة ومحدش حس بأي حاجة وكله في السليم. جعفر بهدوء: حلو. أنت عارف هتعمل إيه بعدها. لؤي بهدوء: عارف. مسافة ما أخلص هكلمك برضوا وأعرفك. جعفر: مش عايز أي حد يحس بيك ولا يلاحظوا غيابك. تتعامل عادي خالص قدام الناس وكأن مفيش حاجة حصلت لحد ما أكلمك تاني. أنهى حديثه معه ثم أغلق الهاتف ووضعه مرة أخرى على الطاولة.

ومن ثم مسح على وجهه وخصلاته وهو يشعر بأن رأسه ستنفجر لا محال. لحظات وشعر بجسد صغير يلتصق بجسده لينظر بجانبه ولم تكن سوى صغيرته التي أرهقت قلبه حبًا وعشقًا لها. ضمها إلى أحضانه لتضع هي رأسها على كتفه وتعود للنوم مرة أخرى. تاركة إياه ينظر لها بحب. كان يلعب في خصلاتها بحنان وهو شاردًا بها. هذه الصغيرة استطاعت بأن تجعله شخصًا آخر دون أن يشعر. استطاعت إخراج الجانب الآخر المدفون بداخله بكل سهولة.

سمع صوت طرقات على باب منزله لينهض هو حاملًا إياها على ذراعه ثم اتجه إلى الباب وفتحه بهدوء ليرى سراج أمامه. دلف جعفر ودلف سراج خلفه وأغلق الباب خلفه. ثم أقترب منه وهو يقول: أنا قولت أجي أتطمن عليك... إنت كويس. زفر جعفر بهدوء وقال: أيوه. نظر له سراج بشك وقال: لا مش حاسس... بالمنظر ده لا مش كويس. هنفضل نقولك كام مرة أنسى دلوقتي وركز في مراتك. زفر جعفر بملل ليتركه ويدلف إلى المطبخ.

بينما تطلع إليه سراج بتعجب شديد ولكنه أبى أن يتركه وذهب خلفه. بدأ جعفر بإعداد فنجان قهوة بعدما شعر ببعض الألم في رأسه. ليقف سراج بالقرب منه ينظر له بهدوء. بينما جعفر لم يعيره أي أهمية. لحظات من الصمت والهدوء بينهما. ولكن كان لصراعاتهم الداخلية رأي آخر. أشعل جعفر النيران التي تذكره دائمًا بانتقامه. ثم وضع وعاء يستخدم لعمل القهوة عليها. ليتركها بهدوء ويستند بظهره على الجدار خلفه. زفر سراج وقال بحده:

جعفر يكون في علمك أنا مش هسيبك تنفذ الهبل اللي بتفكر فيه ده دلوقتي مهما حصل. وخليك عارف إن أنا مش هسمحلك تعمل أي حاجة توديك في داهية. أنا عارفك كويس أوي وعارف دماغك فيها إيه وبتفكر إزاي. فحذاري يا جعفر تعمل أي حاجة من غير ما تكون معرفني. ابتسم جعفر ابتسامة جانبية ساخرة وهو ينظر بعيدًا عن مرماه. فهو لا يعلم بأنه اتخذ خطوته بالفعل وسيقوم بتنفيذها خلال ساعات. أقترب منه سراج حتى وقف أمامه مباشرًا ونظر له بترقب.

لينظر له جعفر بهدوء دون أن يتحدث. لحظات وصق سراج على أسنانه بقوة وغضب ليقول: حلو... بتعاندني مش كده. جعفر ببرود: أعاندك في إيه مش فاهم. سراج بحده: انت فاكر نفسك بتضحك على مين يا جعفر. عملتها. جعفر ببرود: يعني عرفت. سراج بغضب: منك... عرفت منك إنت. انت ناسي إن أنا قادر أقرأ أفكارك ولا إيه. أنا قادر أقرأ أفكارك وأمنعك عن اللي في دماغك بمنتهى السهولة. جعفر ببرود: ده على أساس إني هسمحلك مثلاً. سراج بغضب: مش هستنى إذنك.

أنا قادر أمنعك من غير ما تقولي. إنت أمنعني... طول ما نفسك بتزاولك على جرائم عواقبها رقبتك. أنا قادر أمنعك. جعفر بغضب: وأنا مش هسمح لأي حد يقف في طريقي ويمنعني عن أني آخد حق مراتي وبنتي مهما حصل. سراج بصراخ: بس أنا هقدر غصب عنك وعن عين أهلك. انتفضت ليان فزعًا على صوت صراخهما وهي تنظر لهما بخوف. شعر جعفر بالغضب يعمي عينيه ليدفع سراج بعيدًا عنه بقوة وهو يقول بغضب: لو راجل وريني هتمنعني إزاي وأنا هنسى إنك صاحبي يا سراج.

في هذه اللحظة دلفت بيلا على صوتهما العالي وهي تنظر لهما. استندت على الجدار بجانبها تنظر إلى جعفر الذي كان ينظر إلى سراج بغضب والذي كان يبادله نظراته بأخرى مشتعلة. حرك سراج رأسه برفق وهو يقول بتوعد: حلو أوي. أقترب منه مرة أخرى ووقف أمامه ينظر له ليتحدث وهو يضربه بخفة على كتفه باستهزاء قائلًا: أنا بقى هوريك الراجل ده قادر يمنعك إزاي يا جعفر. ولؤي أنا هيكون ليا تصرف تاني معاه.. عشان يمشي ورا واحد مجنون زيك.

نهاية اللي بيعمله موت. أبعد يده عنه بعنف ثم جذبه من قميصه لينظر له بعينين حمراوين قائلًا بنبرة خافتة: حلو وأنا مستني أشوف. وخف بقى عشان أنا ماسك نفسي عنك بالعافية عشان خاطر بنتي مش أكتر. بس كلمة زيادة كمان هتتفاجئ باللي هعمله. وإنت آخر شخص أتمنى إنه ميشوفش جناني على حق. كلامنا خلص لحد هنا. أنهى حديثه ودفعه بعيدًا وهو يرمقه بشر وكأنه يتحداه على فتح فمه بحرف واحد بعد حديثه. نظر له سراج بغضب شديد

وحرك رأسه برفق وهو يقول: ماشي.. هنشوف مين اللي كلامه هيمشي في النهاية. صرخ به جعفر بجنون وهو يدفعه بعيدًا قائلًا: أطـــلـــع بـــرا. نظرت بيلا إلى صغيرتها التي تركها جعفر مؤخرًا وقالت بنبرة مهزوزة: ليان روحي أوضتك يا حبيبتي وأقفلي الباب. ذهبت ليان إلى غرفتها بالفعل كما طلبت والدتها منها وأغلقت الباب خلفها. لتعود بيلا وتنظر لهما لتقول: كفاية خناق بقى لحد هنا كدا مش هينفع هتخسروا بعض عشان خاطر إيه. سراج بحده:

قوليله هو الكلام ده. شوفي جوزك بيعمل إيه ونهاية اللي بيعمله إيه وبعدين أبقي قوليله الكلام ده. نظرت بيلا إلى جعفر الذي كان يقترب منه مرة أخرى في نية ضربه. لتقترب هي سريعًا تقف أمامه تمنعه عما يدور برأسه وهي تنظر له قائلة: كفاية يا جعفر عشان خاطري. نهاية اللي إنتوا بتعملوه ده مش حلوة عشان خاطري. توقف جعفر مكانه وحاول التماسك من أجلها فقط. لتنظر هي إليه ثم إلى سراج لتقول: بعد إذنك يا سراج امشي دلوقتي.

خرج سراج بالفعل فوجوده دقيقة أخرى كانت ستسحقه. سمعت صوت انغلاق الباب لتنظر هي إلى جعفر مرة أخرى الذي تركها وخرج أيضًا تاركًا إياها تقف وحيدة تنظر إلى أثره بهدوء. مسحت على وجهها برفق ثم استندت على الرخام بيديها بشرود. *** كان يسير وهو لا ينتبه لأي شيء حوله. حتى اصطدم به وشعر فجأة به يجذبه بعنف معه لإحدى الأزقة بعيدًا عن مرمى الجميع. "كنت فين" كلمتان خرجتا من فمه تبدوان عادية للجميع. ولكن بالنسبة إليه هي ليست كذلك.

رفع لؤي بصره إليه بعدما كان ينظر إلى يديه التي كانت تمسك بقميصه بقوة ليقول ببرود: مشوار عادي. تصنع سراج الذهول وقال: مشوار عادي أه. ويا ترى المشوار ده في مكان مقطوع برضوا. أصل أنا أول مرة أعرف إن الناس مشاويرها بتبقى في أماكن مقطوعة. رمقه لؤي ببرود وقال بحده: أيوه اللي بترميله صح. عايز إيه بقى؟ عايز تمنعه أنه ياخد حق مراته وحقه وحق أي حد يخصه.

عايز تمنعه ويعدي الموضوع وكأن اللي حصل ده محصلش ولا يتقبل كل ده من غير رد فعل. خسر ابنه اللي مكانش يعرف عنه حاجة ويوم ما يعرف إن ليه وجود يختفي. وشوية وكان هيخسر مراته وربنا كان غفور رحيم بيه وحمدنا ربنا إن البت محصلهاش حاجة كمان. عارف لو البت كان حصلها حاجة كان جعفر جراله إيه. إنت تحمد ربك إنه عايش دلوقتي. غيره كان مات بحسرته.

بتتكلم وكأن اللي حصل ده حاجة بسيطة وإنت مش حاسس بحرقته على مراته وعلى منظرها قدامه ولا على ابنه اللي بيحلم بيه كل يوم وهو عايز يكون في سند لبنته. إنت مش عارف ولا هتعرف جعفر بيفكر إزاي وجواه إيه. صاح به سراج وقال: عـــايـــز أفـــوقـــه مــن غـــفـــلــتــه. مــش عـــايـــز ه يــخــســر حــيــاتــه عــشــان رد فــعــل غــبــي مــنــه.

جــعــفــر قــادر يــاخــد حــقــه بــمــلـيـون طــريــقــه بــعــيــد ا عـن إنـه يــوقــع نــفــســه فـي مــشــاكــل وبــلاوي مــحــدش شــايــفــهــا ولا حــاسس بــيـهــا. فكروا في اللي هيحصل بعدها مراته دي هتفرح لما يدخل السجن ها بنته هتبقى مبسوطة ربنا خالقنا بعقل نفكر بيه يا أغبية مش كل حاجة بالدراع.

أنهى حديثه وصدره يعلو ويهبط بعنف، فهؤلاء الحمقى لا يفهمون إنهم يوقعون بأنفسهم في المهالك، وهو الوحيد الذي يعلم نهاية ما يحدث، ولذلك يحاول لفت أنظارهم إلى هذه النقطة، فالغضب وتلك النقطة السوداء التي تكمن بداخل جعفر تعميه عن رؤية أي شيء آخر، وهو يخشى عليه من الوقوع في المهالك. ولذلك يحاول إفاقته بشتى الطرق، حتى وإن كلفه ذلك عناء حبسه في منزله لمنعه من ارتكاب هذه الجريمة. تحدث لؤي

هذه المرة وهو يقول بهدوء: محدش هيعرف أي حاجة عن اللي بيحصل أو اللي بنعمله، وانت مش هتفتح بوقك بحرف، وجعفر هياخد حقه بالطريقة اللي تطفي ناره، لا أنا ولا انت ولا أي حد هيقدر يمنعه عن اللي عايزه. مش هنعرف نمنع واحد مراته أجهضت واتضربت تحت إيد واحد مريض زي حليم. زفر سراج بقوة وتركه لينظر له لؤي بهدوء دون أن يتحدث. لحظات

وقال سراج بقلة حيلة وحزن: أنا خايف عليه يا لؤي. خايف عليه يحصل معاه حاجة هو مش عامل حسابها. كنا هنخسر واحد ومش مستعد نخسر التاني. أنا مش متخيل إن ممكن ييجي يوم نبقى مع بعض أحنا الأربعة. مسافة ما بفكر في النقطة دي بتجنن يا لؤي، أنا خايف عليه من المصايب اللي مستنياه. أقترب منه لؤي وربت على كتفه وهو

يقول بنبرة هادئة وتفهم: أنا عارف أنت حاسس بـ إيه وعايز تعمل إيه. بس أنا قولتلك على اللي فيها يا صاحبي. جعفر مش هيسكت غير وهو عامل اللي في دماغه سواء برضانا أو غصب عننا. وأنا مفيش في أيدي حاجة أعملها غير إني أنفذله اللي هو عايزه، لعل دا يطفي ناره شوية يا صاحبي ويهدى. سيبه يعمل اللي هو عايزه وإن شاء الله خير، ربنا هيسترها معاه زي ما ساترها معاه على طول. مسح سراج على وجهه وهو يقول بهدوء: ونعمة بالله. ***

"مالك يا صلاح سرحان في إيه من إمبارح كدا" أردفت بها أزهار وهي تجلس بجانبه تنظر له بهدوء ليقول هو بعد لحظات: في أخويا والجحيم اللي هيشوفه على إيد جعفر. نظرت أزهار بعيدًا وقالت بتردد: متزعلش مني يا صلاح بقى أخوك يستاهل. حرك صلاح رأسه برفق وهو يقول بشرود: عارف. عشان حطيت نفسي مكان جعفر ولقيت إني كنت هعمل كدا وأكتر. يعني إيه أخسر أبني على إيد أخويا سواء كان عمدًا أو لا. أزاي أصلًا هشوفه بيمد إيده عليكي دا أنا أقطعهاله.

أزهار بهدوء: من زمان وهو كدا يا صلاح وانت كسلت تعرف إيه اللي مخليه كدا. صلاح بحده: بيتنيل على عين أهله بيحبها. نظرت له أزهار وقالت بأستنكار: بالمنظر دا. دا كدا حب يا صلاح. دا مرض. نظر لها وقال: عرفتي بقى بيلا كانت لازم تتجوز جعفر ليه. الحب مش بالعافية يا أزهار وهي رفضاه، أنا هفرض نفسي على واحدة مش حباني ولا قابلة وجودي ليه. أزهار: أديك قولتها يبقى اللي أخوك فيه دا مرض مش حب يا صلاح. زفر صلاح ومسح على

وجهه وهو يقول بقلة حيلة: مش عارف أعمل إيه ولا أقول لـ أمي إيه. أقولها أبنك بيلعب في عداد موته. دي لو عرفت هتروح فيها. أزهار بحيرة: ما هي دي الكارثة. كدا هتعرف وكدا هتعرف. صلاح بهدوء وتوهان: أنا حتى مش هقدر ألين قلب جعفر من ناحيته مش هيجيلي عين بصراحة. أزهار: حط أختك مكانها يا صلاح واللي مش هتقبله على أختك أكيد مش هتقبله على بنت عمتك.

زفر صلاح ودفن وجهه بين كفيه وهو يفكر فيما سيصيب أخيه خلال الساعات القادمة على يد جعفر. *** دلفت بهدوء إلى الغرفة القابع بها لتجده يجلس على طرف الفراش وهو ينظر في نقطة فارغة. أغلقت الباب خلفها وتقدمت منه وهي تحمل فنجان القهوة التي تركها وخرج بعدما تشاجر مع سراج. وضعت الكوب على الطاولة الصغيرة بالقرب منه ثم جلست بجانبه بكل هدوء وهي تنظر له دون أن تتحدث بحرف واحد.

بينما كان هو مازال شاردًا، لقد أنقلب كل شيء فجأه دون سابق إنذار لتتحول حياته إلى جحيم. أستفاق أخيرًا على لمسة يدها لينظر لها ويراها تضع رأسها على كتفه بهدوء. زفر هو ومسح على وجهه يحاول نسيان ما حدث حتى تسير حياته مع بيلا بالشكل الذي يريده دون عائق قد يؤثر على علاقتهما. تحدثت بيلا بنبرة هادئة وهي تقول: أنت اللي هتنضف البوتاجاز يا جعفر. عقد جعفر حاجبيه بتعجب ليقول بعدم فهم: مش فاهم. تحدثت

بيلا بنفس الهدوء وهي تقول: القهوة اللي كنت بتعملها فارت على البوتاجاز وأنا مش قادرة أنضفه فـ هتقوم زي الشاطر تنضفه قبل ما تنشق عليه وساعتها أبقى قابلني لو عرفت تنضفه. جعفر بهدوء: وانت عملتي غيرها. حركت رأسها برفق دون أن تتحدث ليقول هو: مكنتيش عملتي حاجة. بيلا: متقلقش مش هعمل حاجة أصلًا عشان الشوية اللي وقفتهم دول تعبوني إحمد ربنا إني جيت بالقهوة لحد هنا سليمة كان زمانك بتغسل السجادة اللي برا.

أبتسم جعفر بخفة وقال: يا ستي ملكيش دعوة أنا راضي وهعملها. بيلا: خلاص حيث كدا بقى نبهدل الشقة عشان تقوم زي الشاطر كدا تنضفها وتدوق شوية من اللي بدوقه كل يوم. جعفر بأبتسامه: وأنا مستعد يا ستي وعلى قلبي زي العسل كمان. أبتسمت بيلا وقالت: لا لا خلاص عشان انت هتفرهد من أول تنضيفتين وتقولي مش قادر خليك زي ما انت أحسن. نظر لها وقال: تمام يا ستي الله يسامحك مش هكلمك وهعديها بمزاجي على فكرة.

أتسعت أبتسامتها وعانقت ذراعه ولم تتحدث. أخذ فنجان قهوته وأرتشف منها القليل في نفس الوقت الذي سمع فيه صوت نداء بأسمه في الأسفل. زفر جعفر بضيق وهو يقول: يا شيخ ربنا ياخد جـ... لم يستطع إكمال جملته بعدما وضعت بيلا يدها على فمه وهي ترمقه بنظرات غاضبة مشتعلة لتقول وهي تصق على أسنانها: أنا بتعصب وبتجنن ها بطل شوية عشان ماخدش موقف يزعلنا من بعض.

أنهت حديثها وهي ترمقه بنظرات مشتعلة لينظر هو لها دون أن يتحدث. عاد صوت نداءه مرة أخرى ليبعد يدها عن فمها وينهض خارجًا إلى الشرفة تحت نظراتها المشتعلة التي تتابعه. رمقه بسخط وهو يقول بحده: عايز إيه يا جاموسة انت من زفت. نظر له هاشم بحقد وقال: تصدق أنا ابن جزمة وغلطان طب مش قايل حاجة. كاد يذهب ولكن أوقفه جعفر الذي قال بحده: ولما أنزلك دلوقتي. توقف هاشم ورفع رأسه يرمقه

بنظرات مشتعلة ليقول بغضب: خلاص قولتلك مش قايل حاجة دا انت مستفز خليك كدا دماغك تفضل شغالة زي الولية اللي ما بين نارين ومتعرفش إذا كان جوزها بيخونها ولا مع صحابه. ذهب هاشم بغضب وهو يتمتم بضيق من ردود أخيه التي تغضبه دائمًا، بينما كان جعفر مازال واقفًا يرمقه بشر ليقول بغضب مكتوم: وربي لوريك يا هاشم الكلب بس أصبر عليا. ***

"مالك يا سراج انت من ساعة ما رجعت من برا وانت مش على بعضك ومتضايق هو في حاجة في الشغل أو مع العيلة دي" أردفت بها مها التي كانت تجلس بجانب سراج تنتظر إجابه منه ليحرك هو رأسه نفيًا وهو يقول بنبرة هادئة: مفيش حاجة يا مها أنا كويس. نظرت له بأستنكار وقالت: سراج متضحكش عليا أنا عرفاك كويس وحفظاك أكتر من نفسك. قولي في إيه أحنا مش متعودين نخبي حاجة على بعض صح. زفر سراج بقوة وصمت للحظات ثم قال: أخوكي هيجنني قريب. عقدت

مها حاجبيها بتعجب وقالت: ليه. قص عليها سراج ما حدث بالكامل حتى أنهى حديثه مع لؤي وتركه. بينما كانت هي تستمع إليه بهدوء حتى انتهى وهو يقول: وبس وأنا من ساعتها دمي محروق بسببه. وضعت مها يدها على كتفه وقالت بهدوء: متقلقش جعفر مستحيل يعمل كدا. نظر لها بأستنكار وقال: أنا بقولك زين وانت تقوليلي عبيد.

مها: صدقني أنا عارفه جعفر أخويا هو في المواقف دي بتلاقيه مندفع وعصبي وبيقولك أنا هعمل وأسوي بس لما بيهدى ويقعد يفكر مع نفسه بهدوء بيعرف يحلها من غير إثارة جدل ولا أي حاجة لو تفتكر فتوح لما كان بيضايقني وانت أدبته ولما جعفر عرف وجه مسح بكرامته الأرض قدام الحارة وإداه العلقة التمام هو برضوا عمل نفس الحوار مع بيلا هو اه معملش دا بالظبط بس هيتجبر إنه يعمل العكس اه هيأدبه تأديبه حلوه زي ما بيعمل وبعد كدا هيحبسه ولو

الموضوع كمان طلع فيه مرض نفسي حليم هيروح المصحة النفسية يتعالج عشان هو كدا من زمان شايف بيلا آخر بنات العالم مع إنها رفضته بس هو صمم إنه يفضل وراها بس وجود أخويا في الموضوع الوضع هيختلف تمامًا ومش بعيد يعمل اللي قولتلك عليه فعلًا وبكرا تعرف إن انا كلامي صح.

نظر لها وقال: تفتكري ممكن يعمل كدا فعلًا. حركت رأسها برفق وهي تقول: أنا متأكدة من اللي بقولهولك لو فكرت فيها هتعرف إني عندي حق.

صمت سراج وهو يفكر بتركيز شديد فيما قالته مها منذ لحظات. تذكر نظراته المهزوزة وتردده في بعض الأوقات وصراخه وغضبه. جميعهم يرشدونه إلى العديد من الطرق والتوقعات الوارد حدوثها بالفعل والتي قد ذكرتها أيضًا منذ قليل. أستغرق القليل من الوقت حتى ربط جميع الأحداث ببعضها البعض وتوصل إلى تلك النقطة التي ذكرتها زوجته أيضًا.

تحدث سراج بهدوء وهو ينظر إلى مها قائلًا: تصدقي طلع عندك حق. أنا مخدتش بالي خالص من كل دا. أنا أزاي مفكرتش فيها كدا بجد. بس هو بدء ينفذ أنا شوفت دا. حركت مها رأسها برفق وهي تقول نافية: بيوهمك يا سراج وانت صدقته بسهولة.

تفاجئ سراج ليسمعها تقول: هاشم تواصل مع إيميلي وعرفها كل حاجة وهي قالتله أن هو مش هيقدر ينفذ أي حاجة من دي هو بيعيشه حالة من الرعب عشان لما يتسلم تكون أدلة ضده إنه مريض وأعترف بجريمته من غير ما يحس ودي فيها دخول من غير خروج على كلام هاشم ليا. سراج بهدوء: طب هو ليه قالي كدا. ليه خرجني عن شعوري وخلاني أزعق وأهدد. ليه مش عايز يفهمني اللي ناوي عليه.

مها بهدوء: عشان هو مش عايز أي حد يساعده في أي حاجة عايز يعمل كل حاجة بنفسه عشان يحس إنه رجعلها حقها هي والطفل اللي راح. سراج بهدوء: بس أنا وعدت منصف إن حقه في رقبتي أنا... وأنا لازم أوفي بوعدي ليه مهما حصل... محدش هياخد حق منصف غيري أنا.

دلف إلى المقابر بعدما شعر بأنه يريد رؤيتها ولأول مرة والتحدث معها لأول مرة منذ ثلاثون سنة تكون هذه أول زيارة لها. سار بين المقابر وهو يبحث عن قبرها، ينظر إلى الأسماء المدونة على باب كل قبر وكأنه يبحث عن صغيرته الضائعة. يبحث عن اسمها بلهفة، ينظر هنا وهناك على أمل بأن يلقاه.

ظل يسير قرابة الخمس دقائق يبحث عن اسمها أو اسم والده، وما لبث لحظات حتى رأى اسم والدته أمام عينيه. ألتمعت عيناه وهو يرى اسمها يزين باب قبرها "شاهي محمد السيد". ظهرت ابتسامة خفيفة على ثغره وهو ينظر لها وكأنه وجد ضالته أخيراً.

اقترب من القبر بهدوء وعيناه مثبتة على اسمها يتأمله بحنين. جلس على ركبتيه أمامه وهو ينظر لها بعينين دامعتين لا يصدق مرت ثلاثون سنة ليشاء الله وتتكشف الحقائق ويأتي اليوم ولدها وحبيبها ومدللها ليأخذ بثأرها. مد يده ووضعها على باب قبرها وهو يتلمس حروف اسمها وقد شعر بالعديد والعديد من المشاعر في هذه اللحظة لم ولن يشعر بها من قبل سوى في هذه اللحظة.

سقطت دمعة من عينه ولم تكن سوى بداية لوصلة بكاء تهز الصخر من مكانه. سقطت دموعه وهو ينظر لها فهو أتعس إنسان على هذا الكوكب. عندما كشفت له الحقيقة ظن بأنه سيرى والدته ويرتمي بأحضانها بعد مرور كل هذه السنوات. ولكنه لم يعلم بأن القبر كان يحتضن جسدها في هذه اللحظة منذ سنوات.

مر شريط ذكرياته وعاد حديث غزالة يرن بأذنيه ككل يوم وكأنها تريد ثأرها. لقد مر ما يكفي حان وقت الثأر لها. بكى جعفر بضعف شديد وأستند بجبهته على باب القبر وأخذ يبكي بنحيب لأول مرة. عانق قبرها وهو يبكي يا له من شعور مؤلم فبدلاً من أن تحتضن جسد والدتك تحتضن قبرها. تحدث وهو يبكي قائلاً بنبرة متألمة: وحشتيني أوي يا أمي... وحشتيني ووحشني حضنك أوي... حرمتني منك بدري أوي يا شاهي...

حرموني وحرموا مها من حبك لينا وحضنك اللي بنحس إنه أأمن مكان في العالم كله. حرموني وقتلوكي وقتلوا طفولتي وبراءتي معاكي... أنا أتقتلت معاكي يا شاهي وأنا مش حاسس... أنا تعبت أوي يا أمي أنا شوفت من الدنيا دي اللي محدش شافه صدقيني... أنا مستقبلي أتدمر على إيد شوية حيوانات معندهمش رحمة... أنا عارف إن حالي مش عاجبك... ولا عاجبني أنا كمان بس أنا مفيش حاجة في إيدي قادر أعملها أنا أتدبحت بمنتهى القسوة ومصعبتش على حد...

أنا اللي الدنيا علمتني القسوة والجبروت... علمتني ميبقاش ليا لا قريب ولا عزيز بس بالرغم من دا كله حاولت أخلي جوايا نقطة بيضة في وسط السواد اللي حواليا. بكى بعنف وهو يكمل قائلاً بحرقة: مهربتيش ليه يا شاهي منها؟ هو كان كدا كدا ميت. مهربتيش ليه على الأقل كان زمانك معايا دلوقتي وفي حضنك مش شايل هم حاجة ولا دا كان بقى حالي...

بس أنتِ استسلمتي ومخدتيش في قتلك نص دقيقة وكان دمك سايح حواليكي وكان ذنبك الوحيد إنك أتجوزتيه. طب هو ليه مقالهاش إنه أتجوزك ليه مصارحهاش على الأقل كانت سابتك ليا أو قدر هو يهربك. ليه أتحرم أنا ومها منكوا بسببها؟ أنا تعبان أوي يا أمي... أوي... سكاكين كل يوم بتقطع قلبي وأنا شايفك في الحلم كل يوم بتقوليلي ريحني يا جعفر. كل شوية أشوفك تعبانة وزعلانه مني ومبتتكلميش معايا ومفيش على لسانك غير ريحني يا جعفر...

القصاص يا جعفر... حقك عليا عشان سايبك تعبانة لحد دلوقتي وأنا لسه متحركتش ولا جيبتلك حقك. حقك عليا أنا والله تعبان وتايه ومش عارف أعمل إيه. سقطت دموعه أكثر وأكثر لقد ذاق من العذاب ما يكفيه حتى الممات ألا يستحق أن يرى السعادة ولو لوقت قصير؟

يا لها من حياة قاسية غير عادلة. كان يبكي بكاء حارق لقد أكتفى من العذاب يريد الراحة يكفيه ما رآه. شعر بيد توضع على كتفه وتشدد عليه ليرفع رأسه ينظر إلى هذا الوجه الهادئ وصدره يعلو ويهبط بعنف. جلس الشاب بجانبه وبدون سابق إنذار كان يعانقه وهو يقرب على ظهره لينفجر جعفر في هذه اللحظة معلناً عن سقوطه ودمار حصونه التي تحملت لسنوات العديد والعديد.

شدد الشاب من عناقه له وهو يقرب على ظهره بمواساة فكان يقوم بزيارة والده برفقة والدته بالقرب منه وسمع كل ما قاله جعفر وكم ألمه حديثه. ليقرر الجلوس معه ومواساته بقدر الإمكان. تأوه جعفر ألماً بأحضان وكأن الله سخر له هذا الشاب ليقوم بمواساته. نظر الشاب إلى والدته التي اقتربت منه وهي تنظر إلى ابنها وجعفر الذي كان يستوطن أحضانه فيبدو بأنه بعمر ابنها وكم ألمها قلبها عليه هذا المسكين بعد سماع حديثه دون قصد. تحدث جعفر وكأنه

مغيب عن الواقع وهو يقول: آسف يا أمي... حقك عليا... حقك عليا سامحيني والله لأجيبلك حقك منها... هجيبلك حقك وهريحك صدقيني أنا مش هخلف بوعدي ليكي بس بالله عليكي ما تزعلي مني. ربت الشاب على ظهره برفق لتقترب والدته منه وتجلس بالقرب من جعفر لتقرب على رأسه بطيبة وحنان لينظر لها جعفر وكأن لمستها أيقظته من غفلته لتستقبله بابتسامة ودودة وحنونة. إمرأة كبيرة ذات وجه بشوش لا يعلم من تكون تهون عليه أوجاعه وحزنه.

تحدثت السيدة بابتسامة بشوشة حنونة وهي تقول: يمهل ولا يهمل...

طول ما أنت لسه مخدتش الخطوة ولا رجعلها حقها فاعرف إن معاد القصاص لسه مجاش. ووقت ما ييجي هتلاقيه أتنفذ من غير ما تكون مرتب لأي حاجة. كل حاجة ليها معاد هتتنفذ فيه بس الأكيد إن القصاص هيحدث مهما مرت السنين خليك عارف ومتأكد إنه جاي وزي ما أتعمل في والدتك هيتعمل فيها. بس قدام العالم كله أنت اصبر شوية كمان وهتلاقي ربنا أخد حقك وحق كل واحد أتظلم ربنا مبينساش حد وعارف وشايف وحاسس باللي جوانا. قرب من ربنا أكتر وصلي وأعمل أي

حاجة تقربك ليه ومتسمحش للشيطان إنه يسولك نفسك في جرايم عواقبها النار. صلي وأقرأ أذكار اللي دمرك وخلاك إنسان عندك صفات مش حاببها وشايفها سلبية على اللي حواليه غيره هيوعيك وهيحطك على الطريق الصح دا ربنا بيقولك أنا عند حسن ظن عبدي بي طول ما أنت حاطط ربنا قدامك فأتأكد إنك لما تحتاجله هتلاقيه هيهون عليك ويريح بالك. وهي مش زعلانه منك أنت معملتش حاجة تزعلها هي جايه تقولك القصاص مش عشان أنت تاخدلها حقها لا هي تقصد إن معاد

القصاص قرب حقها راجع بس مش بيدك أنت. استنى شوية كمان وهتعرف وهتفهم كل حاجة وهتعرف كل حاجة لوحدك وتأكد إن مهما المعاد يطول مسيره يخلص ويرجع الحق لأصحابه.

كان يستمع إليها وهو لا يعلم كيف حدث ذلك ولكنه أيقن بأنها رحمة الله فقد كان حديثها له كالضماد الذي التف حول جرحه النازف يلملم بقايا حطامه لإعادته كما كان سابقاً. تحدث جعفر برجاء وهو ينظر لها قائلاً: ممكن تحضنيني؟ أنا أتحرمت من حضن الأم بدري أوي ومفتقده.

ابتسمت السيدة العجوز وضمته وهي تقرب على ظهره بحنان ليشعر هو به أخيراً بعد سنوات طويلة. لأول مرة يشعر بلذة هذا العناق وكم هو حنون ودافئ. سقطت دمعة من عينه وشعر بالعديد والعديد من المشاعر التي أفتقدها منذ صغره تعود من جديد له عن طريق هذا العناق الدافئ الحنون. عناق الأم الذي لا يعلم الكثير عن قيمته إلا عندما يفتقده للأبد. ربتت

على ظهره بحنان وهي تقول: ربنا يطبطب على قلبك يا ابني ويهون عليك أنت لسه صغير ولسه العمر قدامك أستغله صح وكفاية اللي ضيعته منه. ابتعد عنها جعفر ومسح دموعه بهدوء وقال بنبرة باكية: مش بإيدي... منها لله اللي خلتني بالصورة دي. السيدة: أنت بقى في إيدك تصلح كل دا وتخلي نفسك إنسان تاني خالص. حرك جعفر رأسه برفق وهو يقول بشرود: صعب... البيئة اللي حواليا مش مسعداني على كدا للأسف بس بحاول عشان خاطر بنتي.

السيدة بتساؤل: أنت متجوز؟ تصدق والله ما خدت بالي شكلك صغير وما باين عليك. نظر لها جعفر وقال بابتسامة خفيفة: أعتبرها مجاملة لطيفة منك. السيدة: لا والله ما بجاملك حتى أبني بص مصدوم أزاي. نظر له جعفر وأبتسم ليسمعه يقول: أنت كام سنة أنا تقريباً من سنك. جعفر بهدوء: عندي تلاتين مش باين عليا. حرك الشاب رأسه نافياً وهو يقول بابتسامة: خالص وبالمناسبة أنا برضوا عندي تلاتين لسه مكملهم إمبارح. جعفر بابتسامة: كل سنه وأنت طيب.

أنا أكبر منك بشهر. الشاب بابتسامة: وأنت طيب يا غالي. شوف جت من الغريب ومجتش من القريب. السيدة: قصدك إيه؟ أنا قيلالك كل سنة وأنت طيب أول واحدة فيهم. طب والله يا ابني الواد ده مفتري. ابتسم جعفر لينظر إلى الشاب مرة أخرى، والذي قال: يا ولية اتقي الله، ده أنت مفتكرتنيش غير لما شفت الاستوري بتاعتي. هو أنا عبيط يا نوجه؟ نجلاء بضيق: قصدك إيه ها؟ قولي الراجل مش غريب، يعني مصر كلها أوضة وصالة.

نظر الشاب إلى جعفر وقال: معندكش أوضة أبات عندي عشان أنا والست دي مش هنعديها على خير النهاردة. ابتسم جعفر وقال: تعالى بات عندي، المكان يسيع من الحبايب ألف. نظر الشاب إلى والدته وقال: خلاص أنا عرفت هبات فين النهاردة. يلا يا ستي مع السلامة. أنت بقى أنا هقعد مع الراجل الطيب ده... آه صحيح، أنت ساكن فين؟ نظر له جعفر وقال: حارة درويش. جحظت عينين الآخر وقال بصدمة: قول أقسم بالله! أنا جنبك على فكرة... استنى كدا... أنت جعفر؟

حرك جعفر رأسه برفق وهو يقول بابتسامة: أنت تعرفني؟ الشاب بصدمة: أنت مش فاكرني؟ أنا رمزي فواز. فاكر حجز الكورة الخماسي اللي كنا بنحجزه وننزل نلعب؟ كان في وقتها ملعب هناك. عقد جعفر حاجبيه وهو ينظر له يحاول تذكره ليقول رمزي: فاكر لما كنا بنلعب وواحد جه اتعرضلي وضربني؟ قمت أنت جيت دافعت عني وضربته لحد ما شوهت وشه. فاكر؟ جعفر: أنا آه فاكر الموقف بس مش قادر أفتكرك. أخرج رمزي هاتفه وعبث به قليلاً ثم

وضعه أمام عينيه وهو يقول: أهو مش ده أنت برضو؟ نظر جعفر إلى الصورة ورأى نفسه يقف بجوار ولد، ولم يكن سوى رمزي. نظر جعفر إليه مرة أخرى وقال بعدم تصديق: رمزي... قول أقسم بالله! رمزي بابتسامة: افتكرت. جذبه جعفر إلى أحضانه وهو يقول بسعادة: وحشتني أوي يا رمزي. ابتسم رمزي وبادله عناقه وهو يقول بابتسامة: صاحبي السوابق اللي لما كان حد بييجي على سكتي كان بياكله. ضحك جعفر وشدد من احتضانه

له وهو يقول بسعادة: حبيبي يا رمزي، أنا مش مصدق. ابتسم رمزي وقال: شوفت سبحان الله؟ اتفرقنا بقالنا قد إيه ويشاء الله ونتقابل تاني وتجمعنا نقطة واحدة. جعفر بسعادة: أنا مبسوط أوي والله... أحلى صدفة بجد. حمدلله على سلامتك يا صاحبي. ربت رمزي على ظهره برفق وهو يقول بابتسامة: الله يسلمك يا صاحبي. ابتعد عنه ونظر رمزي إلى والدته وقال: منسيتيهوش صح؟ نجلاء بابتسامة: أنا بشبه عليه بس خوفت أسأله ميطلعش هو وأتحرج.

جعفر بابتسامة: يا ريتك كنتي سألتيني. نظر له رمزي وربت على ذراعه برفق وهو يقول بابتسامة: كفارة يا صاحبي. صدح أذان العصر ليقول رمزي: بينا نصلي العصر مع بعض. نظر رمزي إلى والدته التي نهضت وهي تقول: طب هسبقكوا أنا بقى، ولما تخلصوا صلاة تعلولي عند مصلى السيدات. ذهبت نجلاء لينظر رمزي إلى جعفر الذي نظر إلى قبر والدته بحزن، ليُربت على كتفه برفق وهو يقول بمواساة: في الجنة ونعيمها يا صاحبي إن شاء الله. ربنا يرحمها ويصبر قلبك.

جعفر بهدوء: اللهم آمين. نهض رمزي ومد يده له، ليتمسك به جعفر وينهد أيضاً. نظر للقبر نظرة أخيرة قبل أن يذهب برفقة رمزي الذي حاوط كتفه وتحدث معه. *** دلف بقدمه اليمنى وهو يسمي الله، وخلفه جعفر الذي نظر حوله وشعر بأن هذا هو أنسب مكان يشكو فيه ربه بكل ما يحمله من ثقل وحزن. نظر إلى رمزي وقال: رمزي. ألتفت له رمزي ينظر له، ليقول جعفر بخجل: أنا مصليتش بقالي فترة طويلة وحاسس إن أنا يعني مقصر جامد أوي. ابتسم رمزي

عندما فهم مقصده ليقول: ربنا مستنيك تقرب منه من جديد... ربنا غفور رحيم يقبل توبة العبد الذي يعود إليه نادمًا في حقه يطلب منه المغفرة وينوي نية التوبة فيتقبل الله توبته ويعفو عنه ويغفر له... كيف يرفض توبتك وهو التواب الرحيم؟ كيف يرفض غفرانك وهو الغفور الرحيم؟ إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه وحبب فيه جميع خلقه... توضأ يا رجل وصلي بخشوع وأخرج ما يكمن داخل صدرك له، حتى وإن ركعت باكيًا فوالله إنها أحب خلوات العبد إلى ربه...

توضأ يا صديقي ودعنا نصلي العصر جماعة. توضأ بالفعل وبدأ الجميع يصلي، وكانت هذه من أفضل الأوقات وأحبها إلى قلبه، فكان دائمًا يواظب على صلواته الخمس وكان يجلس ليصلي قيام الليل معه، ولكن عندما ذهب رمزي لم يجد جعفر من يشجعه ويأخذ بيده ويعلمه أمور دينه، ولكن يبدو بأنه قد عاد الآن وسيعود جعفر القديم مرة أخرى. أنهوا صلاتهم وجلسا معًا. نظر جعفر إلى رمزي وقال: حسيت إني ارتحت.

نظر له رمزي وأبتسم قائلاً: الصلاة تزيل همومك ومتاعب الحياة، فأنت تقف أمام ربك الذي يناديك كل يوم خمس مرات كي تحدثه وتخرج له ما يكمن داخل صدرك من ألم وحزن... الله أكبر يا صديقي. أستند جعفر برأسه على الجدار خلفه وهو ينظر في نقطة فارغة وهو يردد بهدوء قائلاً: الله أكبر. صدح صوت الشافعي رحمه الله عليه من الراديو وهو يقول: "حتى وإن بدت السماء بعيدة... إن الذي فوق السماء قريب... فارفع يديك إلى الإله مناجيًا...

إن الجروح مع الدعاء تطيب... ما ضرنا بعد السماء وإن علت... مادمت يارب السماء قريب". ردد جعفر بشرود وهو يقول: إن الجروح مع الدعاء تطيب. ربت رمزي على قدمه برفق وهو ينظر له بابتسامة ليشرد جعفر مرة أخرى في عالمه الخاص، عازلاً نفسه عن الجميع. *** "ماما براحة شوية، أنتِ مستعجلة على إيه؟ هو المسلسل هيطير؟ أردفت بها ليان بصوت طفولي أنثوي رقيق وهي غير راضية عما تفعله والدتها، وهي تمسك بيدها بيديها الصغيرة وتقوم بإسنادها لتقول

بيلا وهي تسير بجوارها: أيوه ومش هعرف أتفرج على الإعادة عشان بابا هييجي يتفرج على الماتش وأنا عايزة أعرف إيه اللي هيحصل النهاردة. جلست بيلا على الأريكة لتنظر لها ليان قائلة بتذمر: مش مهم، أنتِ تعبانة يا ماما. طبعت بيلا قبلة على خدها وهي تقول بحنان: أنا كويسة يا قلب ماما صدقيني. تركتها ليان وعادت للغرفة لتمر ثوانٍ وتعود لها من جديد تقف

أمامها قائلة بجدية لطيفة: العصر أذن وبابا قالي قبل ما يمشي أحطلك الكريم ده بعد العصر، وبليز يا مامي متعترضييش عشان مش هخليكي تشوفي المسلسل ولما بابي ييجي هقوله مامي مرضيتش تخليني أحطلها الكريم. نظرت لها بيلا وأبتسمت رغم عنها، فقد أحبت أسلوبها ونبرتها في الحديث وجديتها التي زادتها لطفًا. جذبتها بيلا لأحضانها وطبعت قبلة عميقة على خدها وقالت بلطف: ينفع تخلي بابا ينكد علينا سوى؟

ما هو أنا مش هسيبك تضحكي وتهزري معاه وهو منكد عليا بسببك. ليان: عادي هبوسه وهيتصالح. نظرت لها بيلا ورفعت حاجبها وهي تقول بغيرة: تبوسي مين؟ تحدثت ليان وهي تخرج الأنبوب قائلة ببراءة: بابي. بيلا: ومين هيسمحلك إن شاء الله؟ ليان: هو عشان أنا على طول ببوسه وبقوله إني بحبه وهو بيتبسط وبيجبلي شيكولاته كل يوم. جذبتها بيلا وهي تمسك بذراعيها وهي تقول بحدة وغيرة: لا والله ليلته سودة معايا أبوكي ده لما يرجعلي.

ليان: عادي لو زعل هبوسه وأصالحه وهديه شيكولاته. نظرت لها بيلا وقالت: بت بطلي استفزاز بدل ما أبيتك أنتِ وابوكي على السلم. ليان ببراءة: عادي هنروح عند عمتو مها وعمو سراج. أنهت حديثها وهي تضع الكريم على كتف والدتها ثم قامت بفرده، بينما قالت بيلا بتوعد: ماشي هنشوف الحوار ده لما جعفر يرجع من برا...

ده الموضوع فيه بوس وشيكولاته بتتجاب كل يوم من ورايا ورومانسية وأنا زي الهبلة نايمة على وداني إن ما عبرني بلبانه دكر ولا تف في وشي حتى بالغلط... ماشي يا جعفر. طبعت ليان قبلة على خدها بحنان وهي تنظر لها بابتسامة لطيفة لتقول بيلا بجدية: لا مش هتأثر ولا هرجع في كلمتي. طبعت ليان قبلة أخرى على خدها لتقول بيلا بإصرار: ولو مش هرجع عن قراري برضوا انسى.

أنهالت عليها ليان بالقُبل لتتفاجأ بيلا من هجوم صغيرتها عليها حتى تعفو عن والدها. ضحكت بيلا على أفعال صغيرتها البريئة ليدلف جعفر في هذه اللحظة من الخارج ويغلق الباب خلفه ويبتسم فور رؤيته لهذا المشهد اللطيف والذي أسعد قلبه بشدة. ترك أغراضه على الطاولة واقترب منهما قائلاً بابتسامة: ده إيه الحب ده كله؟ طب أنا مليش من الحب جانب ولا إيه؟

جلس جعفر بجانب بيلا براحة لتبتعد ليان عن والدتها وترتمي سريعًا بأحضان والدها الذي ضحك وهو يراها تنهال عليه بالقُبل أيضًا ليضمها بحنان قائلاً بنبرة ضاحكة: لا عجبني الاستقبال ده هنغيره ونستقر على ده. أبتعدت ليان ونظرت له قائلة برقة: عجبك. ابتسم جعفر وطبع قبلة عميقة على خدها وهو يقول: أوي. ليان بابتسامة: خلاص كل أما ترجع من برا هستقبلك كدا. أتسعت ابتسامته وقال: ده أحلى استقبال في حياتي كلها وشيكولاتك عندي يا ستي.

بيلا بغضب: وأنا بنت البطة السودة ولا أكون شفافة وأنا مش واخده بالي إن ما عبرتني بباكو بسكويت بالغلط يا راجل. ضحك جعفر بقوة لتقول ليان بإغاظة: عشان أنا حبيبته الوحيدة وهو بيحبني أنا وبس. شعرت بيلا بالغضب ليضحك جعفر أكثر لتقول هي بغضب: يعني إيه الكلام ده؟ ده جوزي على فكرة وبعدين متبوسيهوش كده أنا بغير. ليان: وأنا مالي يا ماما هو اللي حلو ولو سمحتي متقربيش منه عشان بغير عليه. ضحك جعفر

مرة أخرى لتقول بيلا بغضب: أنت بتضحك على إيه؟ شوف بنتك بتقول إيه. نظر لها جعفر وقال بنبرة ضاحكة: بتغير على أبوها يا بيلا، إيه اللي مزعلك؟ نظر جعفر إلى صغيرته التي نظرت له بجدية ليقول بعدما نظر إلى بيلا مرة أخرى: خلاص متقربيش مني عشان حبيبتي بتغير عليا بسيطة. بيلا بحدة: لا والله.

ابتسمت ليان وطبعت قبلة على خده ثم ضمت رأسه وهي تنظر لها لتشعر الأخرى بالغيرة الشديدة لتنسى ألمها وجروحها وهي تنهض وتنقض عليهما وهي تبعد ليان عن جعفر لتتمسك به ليان ترفض تركه لتعلو ضحكاته مرة أخرى وهو يرى شجار زوجته مع طفلته عليه، هذه تريده وتلك تريده أيضًا.

أنتصرت بيلا عليها وها هي تلتصق بجعفر وتضمه إلى أحضانها بقوة وهي تنظر لها بتحدي، والتي كانت تقف أمامهما وتعقد يديها أمام صدرها بعدم رضا. أحبت بيلا إغاظتها مثلما فعلت معها لتطبع بيلا ثلاث قُبل على خده ومن ثم وضعت رأسها على كتفه وهي تنظر إلى ليان بابتسامة واسعة وسعادة.

ضحك جعفر وهو يرى تعلق زوجته به وإغاظة صغيرته كما فعلت معها. نظر جعفر إلى ليان ينتظر ردًا منها، وكأنها فهمت نظرة والدها لتقترب منه تضمه من الجهة الأخرى وهي تنظر بضيق إلى بيلا التي رمقتها بحدة ليشعر بالأثنتين تشددان من عناقهما له، ليضحك عليهما وهو لا يصدق ما يراه ليضمهما إلى أحضانه وهو يقول ضاحكًا: خلاص صلوا على النبي، هتموتوا بعض عليا مش كده...

خلاص يا توم خلاص يا چيري أنا هسيبلكوا البيت خالص عشان ترتاحوا سهلة وبسيطة أهي. كانت كل منهما ترمق الأخرى بضيق وغيرة ليقول جعفر: لا الموضوع شكله كبير... أوعي أنتِ وهي كدا؟ لا أنتِ ولا هي ريحوا نفسكوا. كاد يبعدهما وينهض ليشعر بهما يمنعانه ليُصيح بنبرة عالية وهو يطلب النجدة قائلاً: يا ربــــــــــــاه ألـحـقـنـي يا ســــــــراج.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...