صراخ سمع في الأسفل، وامرأة تصرخ وتستغيث بالجميع. نظروا إلى الأسفل ورأوا أن التجمع والصراخ نابع من محل فريد، فركض جعفر إلى الخارج ليرى ما حدث. كانوا جميعهم مجتمعين حوله، وأصوات بكاء وصرخات واستغاثات. اقتحم جعفر الدائرة، يليه لؤي وسراج ومنصف. صاح جعفر بصدمة: "فــــريــــد! أبعد الجميع وهو يجلس بجانبه، ومعه سراج الذي كان يتفحصه. على الجهة الأخرى، حاول لؤي ومنصف إيقاظه. ضرب جعفر على وجه فريد بخفة وهو يقول بذعر: "فريد...
فريد إصحى... فريد." وضع سراج يده على موضع قلبه ليشعر بتوقف نبضه. صعق سراج واتسعت عيناه بصدمة وهو يقول بهدوء: "فريد مات." دام الصمت بينهم لوقت ليس بقصير. صدمة، هلع، لا أستطيع إيجاد وصف دقيق لتلك اللحظة سوى الصدمة. الصدمة هي التي تحتل معالم وجوههم جميعًا. نظر جعفر إلى فريد وحرك رأسه نافيًا وهو يقوم بتحريكه، قائلاً برفض: "فريد عايش... فريد إصحى، قولهم إنك كويس... فريد قوم قولهم إنك عايش وبتختبرنا... قوم يا فريد يلا."
نظر منصف إلى فريد بصدمة. كيف يموت وهو لم يعتذر له بعد عما فعله معه في الصباح؟ كيف يرحل بهذه السرعة دون الاعتذار منه؟ بالتأكيد هم يمزحون. حرك رأسه نافيًا، يرفض سماع ما يقال حوله، وهو يمسك بملابس فريد ويحركه لينبض، ولكنه كان كالجثة الهامدة. صاح جعفر بقوة وهو يصرخ في الجميع: "حد يطلب الإسعاف! أنتوا واقفين تتفرجوا عليه؟ يــــلا!
نظر إلى فريد مجددًا وبدأ يقوم بالضغط على موضع قلبه، يقوم بإنعاشه عله ينهض، تحت مراقبة سراج ولؤي، وجلوس منصف بعيدًا عنهم وهو يضم قدميه إلى صدره وينظر إلى فريد بعينين تائهتان. نظر لؤي إلى سراج وقال: "انت متأكد إنه مـ ـيت؟ صرخ به جعفر بغضب وهو ينظر إليه بعينين دامعتين ويقول: "مـــمـــا،تـــش... مـــمـــا،تـــش."
تفاجئ لؤي من هجومه العدواني نحوه. بينما عاد جعفر يتفحصه حتى تأتي الإسعافات، وهو يمسك بمعصمه ويستشعر نبضه، وأيضًا عنقه وموضع قلبه. أي مكان ينبض يتفحصه. اقترب حسن منهم وهو يقول بنبرة عالية صارمة: "وسعوا كلكوا خلوا بتوع الإسعاف يتحركوا يلا أوعوا." أفسحوا جميعهم ليدلف المسعفان ويتفحصانه. اقترب سراج من جعفر وهو يجلس القرفصاء بجانبه ويهمس إليه قائلاً: "جعفر سيبهم يشوفوه وإبعد." حرك جعفر رأسه نافيًا وهو يتشبث بثياب فريد.
ليقول سراج: "كدا مينفعش يا جعفر سيبه." جعفر بغضب: "مش هبعد إفهم بقى... انا مش هسيبه لوحده." فريد ملهوش حد فاهم يعني إيه. أنا مش هسيبه لوحده. نظر سراج إلى منصف لينظر إليه أيضاً جعفر نظرة ذات معنى، نظرة تملؤها العتاب واللوم، بينما كان منصف في عالم آخر لا يشعر بمن حوله. نهض المسعف وهو يقول: لازم ننقله المستشفى حالته في النازل. نظر إليه جعفر وقال: عايش. نظر إليه المسعف وقال: عايش بس لازم ننقله المستشفى محتاج رعاية. جعفر:
إحنا هنرعاه هنا مش لازم يروح المستشفى. أشار المسعف إلى مساعديه وهو يقول: مينفعش يا أستاذ لازم يتحط على أجهزة حالته مش أحسن حاجة دلوقتي. وضعوا فريد على الفراش وأخذوه وخرجوا ليلحق به جعفر ومعه لؤي وحسن. تقدم سراج من منصف ومد يده إليه ليرفع منصف حدقتيه نحوه وهو ينظر إليه ليحرك الآخر رأسه برفق. أمسك منصف بيده ليجذبه سراج وهو يعود إلى الخلف. نهض منصف ونظر إلى جعفر الذي رافق فريد في عربة الإسعاف. ربت
سراج على ظهره برفق وقال: يلا عشان نلحقه. نظر إليه منصف بدموع ليربت سراج على ظهره برفق وهو يقول: داري دموعك.. مش عايزين كلام وشوشرة. مسح منصف دموعه جيداً وخرج رفقة سراج الذي قال بعدما ابتعد عن الجميع: لؤي حكالنا اللي حصل وكلامنا هيتأجل لحين إننا نتطمن على فريد وحاول تبعد عن جعفر عشان هو على آخره دلوقتي وشايط.
طرقات متواصلة على باب منزل بيلا التي تقدمت وفتحته لترى فاطمة وشيرين وكايلا ومها أمامها. دلفن أربعتهن لتغلق بيلا الباب وتتقدم منهن. جلست فاطمة وهي تضرب على فخذيها قائلة: شوفتي انتِ وهي اللي حصل.. شوفتوا الكارثة دي. مها بحزن: أنا زعلت أوي عليه بجد.. عمو فريد دا أطيب منه مفيش بجد. كايلا: منصف السبب على فكرة بقى. فاطمة:
تصدقي عندك حق.. منصف طول عمره زي الدبش كل تصرفاته بطيش وماشي ورا عقله على طول عمره ما فكر يمشي ورا قلبه مرة واحدة زي ما لؤي وجعفر وسراج بيعملوا. مها: منصف زودها أوي وبعدين إيه يعني لما يتجوز أمه مكانتش الأولى والأخيرة بيحسسني إنه بيطلب منه المستحيل. فاطمة: لو فريد حصله حاجة ذنبه في رقبة منصف وجعفر.. جعفر إداه نظرة تخلي الواحد يموت في جلده وهو واقف.. دا جعفر يدفنه وراه على طول. مها:
بصراحة بقى منصف يستاهل أي حاجة هتحصل. صرخت بهما شيرين وهي تقول: بس بقى انتِ وهي إيه مصدقتوا لقيته حاجة تفصصوا فيها انتِ وهي.. ما انتِ يا فاطمة يوم قراية الفاتحة مكنتيش طيقاه عشان قالك العصير ماسخ وجوزك برضوا أتفلسف مع إنه كان بيهزر عادي وانتِ يا كايلا هانم مصدقتي تعومي على عومها انتِ مكنتيش موجودة أصلاً يومها.. إيه منصف بقى وحش دلوقتي وإبن كلب كلكوا تتهموه. فاطمة: ما هو اللي حبكها أوي يا شيرين. شيرين بغضب:
وأنا كلمته وخلص الحوار.. أقسم بالله لو واحدة فيكوا فتحت بوقها لتكون آخر معاملة بيني وبينها سامعين. ساد الصمت المكان بينهن بينما كانت بيلا تقف وهي تعقد يديها أمام صدرها وتنظر إليهن دون أن تتحدث، لكن عينيها تقول الكثير والكثير. قاطعت هذا الصمت وهي تقول: خلصتي انتِ وهي.. مسمعش بقى نفس واحدة فيكوا زيكوا زي الكراسي اللي قاعدين عليها عشان أنا مخنوقة وعلى أخري ولو مسكت فـ واحدة فيكوا هتزعل مني.
حركت شيرين قدميها بعصبية وهي تنظر في نقطة فارغة بعينين دامعتان تكسوهما الحمرة. بينما نظرت كل واحدة منهن إلى الجهة الأخرى بضيق وساد الصمت المكان مرة أخرى. جلست بيلا على المقعد وهي تستند بمرفقها الأيمن على الطاولة بجانبها وتستند برأسها على راحتها ويدها الأخرى على بطنها. "وبعدين يا رمزي طب ما تروح وتطمن عليه دول كلهم راحوا معاه." جلس رمزي على المقعد وهو يقول: رايح حالاً أهو. تقدمت والدته وهي تقول:
إبقى طمنا يا رمزي بالله عليك. أجابها رمزي وهو يقوم بربط حذائه قائلاً: حاضر يا أمي إدعوله بس. نهض رمزي وأخذ هاتفه واغراضه ثم نظر لهما وقال: سلام عليكم. خرج رمزي وأغلق الباب خلفه لترد عليه زوجته ووالدته السلام. زفرت تسنيم وجلست على المقعد وهي تستغفر ربها ومعها والدته. "يا جعفر إهدى بقى روشتني مش كدا يا أخي إن شاء الله هيكون بخير وهيخرج."
أردف بها لؤي وهو ينظر إلى جعفر الذي كان يدور حول نفسه والغضب والخوف باديان على معالم وجهه بوضوح. وبالطبع لم يستمع إليه جعفر وظل كما هو وهو يحاول التماسك. تحدث سراج هذه المرة وهو ينظر إليه قائلاً: يا جعفر صدقني هيكون كويس مترعبناش أكتر ما إحنا مرعوبين. وظل الحال كما هو وكأنهم لا يتحدثون بينما كان عقل الآخر منشغل وحديث فريد يتردد بأذنيه كرنات الهاتف المتواصلة.
كان جعفر يسير بهدوء ذاهباً إلى بنايته حتى أوقفه نداء فريد. توقف جعفر ونظر نحوه ليراه يشير إليه بالتقدم ولذلك لم يتردد جعفر وتقدم منه بهدوء. وقف جعفر أمامه وهو ينظر إليه قائلاً بتساؤل: في إيه يا فريد؟ نظر إليه فريد وقال: حمدلله على سلامتك الأول. جعفر: الله يسلمك.. خير. فريد: بص يا جعفر انت فـ مقام إبني أو إبني.. وعايز أكلمك فـ حاجة مضيقاني. جلس جعفر على المقعد ونظر إليه قائلاً باهتمام: قول يا فريد أنا سامعك.
سحب فريد مقعد آخر وجلس أمامه بهدوء. نظر إليه فريد وقال: أنا مكنتش عايز أكلمك وقولت أتحمل بس بصراحة أنا مش قادر أتحمل أكتر من كدا. جعفر بقلق: في إيه يا فريد انت تعبان. فريد بحزن: جعفر انت عارف إن أنا بعاملكوا كلكوا زي ولادي.. وربنا يعلم أنا بحبكوا قد إيه وبحب قعدتكوا وهزاركوا معايا بعيداً عن إني ببقى رخم فـ هزاري معاكوا. ربت جعفر على قدمه وهو ينظر إليه قائلاً بنبرة هادئة:
متقولش كدا يا فريد.. إحنا بنحب هزارك ورخامتك علينا مفيش يوم بيعدي غير وانت عاملنا نِوّش في الحارة.. يومنا مبيكملش غير بيك يا فريد انت من شلتنا وفرد أساسي فيها أينعم انت أكبر منا سنّاً بس بنحبك وربنا يعلم. ربت فريد على يده برفق وهو يقول: عارف يا جعفر.. الكلام دا مبيطلعش غير منك انت وربنا يعلم انا بحبك أزاي ومبحبش أشوفك مضايق أو مهموم. جعفر بترقب: في إيه يا فريد انت عمال تلف وتدور.. مالك انت تعبان.
أدمعت عينين فريد ونظر إليه وحرك رأسه بإيجاب. جعفر بذهول: فريد انت هتعيط. سقطت دموع فريد وحرك رأسه نافياً وهو يمسحها قائلاً: لا خالص.. أعيط إيه بس يا جعفر، هو أنا بتاع عياط ونكد برضوا. جعفر بترقب: لا بس دا اللي باين قدامي. في إيه يا فريد، حد زعلك في غيابي صح؟ قولي أيوه يا فريد، حد زعلك مش كدا. متعيطش يا فريد، قولي وأنا هقطعه قدام الحارة كلها. قولي يا حبيبي مين زعلك، قول. نظر إليه فريد وهو يبكي قائلاً: منصف يا جعفر.
جعفر بذهول: منصف؟ حرك فريد رأسه برفق ودموعه تسقط حزنًا على خديه، ليقول جعفر: عملك إيه؟ زعلك ليه وعملك إيه، قولي وملكش دعوة. فريد ببكاء: لا خلاص، أنا مسامح. أنا عارف إنه أكيد مش قصده. جعفر بحدة: عمل إيه يا فريد، رد. عمل إيه؟
تحدث فريد وهو يبكي قائلاً: بيضايق فيا ويعاملني وحش يا جعفر. بيقعد يزعلني كل شوية ويضايق فيا في الرايحة والجاية من غير ما أعمله حاجة. كل ده عشان هتجوز أمه يا جعفر، ده المفروض يفرح زي ما أنا فرحان. ده أنا فرحان عشان هيكون ليا ناس وعيلة بدل الوحدة اللي أنا فيها دي. أموت وسط عيلتي ومموتش وأنا لوحدي في شقتي. أنا حتى طلبتها منه وعلى يدك أنا عملت إيه وأنت شاهد. كلكوا مبسوطين عشاني إلا هو. من ساعة ما قرينا الفاتحة وهو مش
طايقني ونظراته ليا بتقتلني يا جعفر. أنا معملتش حاجة غلط عشان أتعامل المعاملة دي. أنا إنسان ورجل كبير وبحس. أنا مش قليل عشان يعمل فيا كدا. أنا واخد على خاطري أوي وزعلان أوي يا جعفر. ده أنا بعامله زي ابني. كلكوا ولادي. أنتوا عوضتوني عن ولادي اللي مبيسألوش فيا بقالهم سنين ونسيوني بعد ما ربيت وصرفت وكبرت وعلمت عشان لما يكبروا يبقوا سندي وفي الآخر فضلت لوحدي وكل واحد فيهم اتخلى عني بعد ما خدوا اللي هما عايزينه. وربنا
عوضني بيكم وزرع حبكم جوه قلبي وكلكوا ولادي كمان مش زيهم. ليه يعمل معايا كدا؟
أنا معملتش حاجة غلط ولا عيب عشان يعاملني كدا يا جعفر. أنا مش صغير معاه. أنفجر في البكاء بحرقة، ليُنهض جعفر ويُعانقه وقد سقطت دموعه رغماً عنه، فقد ألمه حديثه كثيراً ولمس قلبه. ربت جعفر على ظهره برفق وحنان قائلاً
بنبرة متأثرة: متعيطش يا فريد. لا عاش ولا كان اللي ينزل دمعة منك، دموعك غالية يا فريد. ربنا يعلم كلنا بنحبك إزاي وبنخاف عليك وكلنا فرحنالك لما اتقدمت لـ طنط زينة. أنت اللي بتضحكنا في عز همومنا وحزننا. متعيطش بالله عليك، حقك عليا أنا. أنا اللي هجيبلك حقك وصدقني هخليه ميزعلكش تاني. إيه يا فريد ده انت اللي عمري ما شفتك بتعيط، بتعيط دلوقتي؟ طب تيجي إزاي؟ ربت جعفر على ظهره برفق مجدداً
وطبع قبلة على رأسه وقال: خلاص يا فيرو بقى، هتخليني أعيط واسمر ييجي يقفشني وهيزن على راسي ويقولي بتعيط ليه يا جعفر وهيسيحلي في الحارة وأنا ليا وضعي برضوا.
نظر إليه جعفر ومسح دموعه بحنان وهو يقول مبتسماً: والله لأجوزهالك وأكون شاهد كمان. عندك وعشان زينة بتحبك. وبعدين مش خايف زينة تقفشك وتجري تقولك مالك يا سي فريد بتعيط ليه يا سي فريد وتقلبوها ليالي الحلمية وأنا راجل خلقي ضيق مش هستحمل رومانسيتكوا دي. هروح خارج وأقولك متعرفنيش تاني يا فريد. ابتسم فريد ومسح دموعه ليقول جعفر مبتسماً: وغلاوتك عندي لأنفوخلك أمه. اتقل عليا. نظر إليه فريد وقال: لا أنفوخه هو، ملكش دعوة بـ زينة.
جعفر بمرح: أيوه يا نمس يا خلبوص، خايف على حبيبة القلب مني. فريد: فاكر جواباتي اللي كنت بخليك تبعتهالها. جعفر: أيام الله لا يعودها. ضحك فريد وابتسم جعفر وعانقه مجدداً وهو يمسد على ظهره قائلاً: حبيبي يا فيرو يا هيرو حبيبي. *** تحدث رمزي وهو ينظر إلى سراج قائلاً: هو جعفر سرحان كده من بدري؟ حرك سراج رأسه برفق وقال: جعفر من ساعة ما شاف فريد واقع وهو مش مظبوط.
تقدم منصف من جعفر بهدوء شديد وهو يسير ببطء تحت نظرات كل من سراج ولؤي وحسن ورمزي. وقف أمام جعفر الذي كان ينظر أمامه بهدوء، والذي رفع رأسه ونظر إليه نظرة ذات معنى. ابتلع لؤي غصته بخوف وتوتر وهو يرى نظرات جعفر التي تتحدث عما تكمنه داخلها لمنصف وحديث فريد يتردد في أذنيه وبكائه أيضاً وحزنه الشديد كالأنغام الصاخبة في أذنيه. تحدث منصف بهدوء وهو ينظر إليه بعينين دامعتين قائلاً: فريد عايش صح؟ فريد كويس؟ فريد كويس؟
كان جعفر ينظر إليه وهو ما زال على وضعه، لم ينطق بحرف واحد والترقب والهدوء من أصدقائهما. تحدث منصف بهدوء بعد وصلة صمت دامت لدقيقة وهو يقول: فريد هيبقى كويس يا جعفر، مش كدا؟ سقطت دموعه وهو يقول: قول آه عشان خاطري. طمني.
صفعة قوية سقطت على وجهه من جعفر، الذي لم يستطع تمالك نفسه أو منع نفسه من صفعه. صُدموا جميعهم وهم ينظرون إلى جعفر بصدمة كبيرة. بالطبع صدمة لهم، فمنذ صداقتهم في الطفولة ولم يجرؤ أحد على صفـ ـع الآخر أو ضربه تحت أي مسمى. عتابهم وتوبيخاتهم تخرج على هيئة صرخات غاضبة وليس ضرباً. رفع منصف رأسه بهدوء ورفق وهو يضع يده على وجهه وينظر إلى جعفر بصدمة كبيرة وذهول شديد. تحدث جعفر الذي كان ينظر إليه قائلاً بهدوء: أديني طمنتك.
صرخ به بغضب وحقد كالمجنون قائلاً: أتمنى إني أكون طمنتك. ليه... ليه تعمل فيه كدا، ليه ها ليه يا منصف، ليه ها ليه؟ بسببك وبسبب كل حاجة عملتها معاه هو دلوقتي بين الحياة والموت، بسبب كلامك ورخامتك وبرودك شوفت وصلته لإيه. هو معملش حاجة يستاهل يتعاقب عليها بالمنظر ده. كل ده عشان عايز يتجوز أمك ها، وفيها إيه قولي فيها إيه؟
أنت السبب يا منصف، ولو فريد حصله حاجة، أول حاجة ذنبه في رقبتك، ثم إني مش هسكتلك وأعديهالك كدا، لا. أنا وعدت فريد إني ليا وقفة معاك وحدود هتتحط. حاول سراج تهدئة الأجواء قائلاً: يا جماعة صلوا على النبي، مش كدا. جعفر بغضب: ها، معندكش رد؟ مش كدا. عارف ليه؟
عشان أنت معندكش رد وعارف إنك غلطان وباين أوي على عينيك ووشك، بس بعد إيه. بعد إيه يا منصف. اتحمقت ومن حقك، محدش مغلطك. بتغير على أمك ومتكلمتش، بس مش من حقك تجرح مشاعر حد عشان خاطر ترضي نفسك وتقول أنا بغير على أمي، لا. فريد حكالي كل حاجة على فكرة قبل ما يحصله اللي حصل ده. أنا مش نايم على وداني. كان منصف يستمع إليه ودموعه تسقط على وجهه، وحتى لم يفكر في التحدث أو الدفاع عن نفسه. أكمل جعفر وهو ينظر
إليه بعينين حمراوين وقال: أنا أول واحد واقف ضدك، بغض النظر عن مين هيشفق عليك ومين هيقف ضدك، بس أنا مبحبش كدا وأنت عارف كدا كويس. فريد أول ما يعدي من الأزمة الصحية دي، أنا بنفسي اللي هنهي كل حاجة ومش هجوزه أمك وهتخلى عن وعدي ليه لأول مرة، وده عشان خاطره هو عشان أنا مقبلش ليه الإهانة مهما كانت شكلها، حتى لو هيزعل شوية أحسن ما يعيش اللي فاضله وهو زعلان. وإذا كان على قعدته لوحده، فـ أنا هقعد معاه يومين في الأسبوع وهبات معاه ومش هحسسه بالوحدة اللي هو حاسسها دي. خلينا لك أمك، إشبع بيها يا منصف.
أنهى حديثه ثم تركهم وذهب دون أن يتحدث، تاركاً منصف ينظر أمامه ودموعه تتساقط بغزارة على وجهه، والحمرة تكتسي عينيه. نظروا إليه بحزن وشفقة وهم لا يعلمون إلى من ينحازون، لكنهم ضد منصف وما فعله هذه المرة. ترددت عدة عبارات في أذنيه وكأنه ما زال يقف أمامه ويوبخه: "ليه تعمل فيه كدا، ليه ها ليه يا منصف، ليه ها ليه؟
" و "أنت السبب يا منصف، ولو فريد حصله حاجة، أول حاجة ذنبه في رقبتك". و "أنت معندكش رد وعارف إنك غلطان وباين أوي على عينيك ووشك، بس بعد إيه". و "أنا مقبلش ليه الإهانة مهما كانت شكلها، حتى لو هيزعل شوية أحسن ما يعيش اللي فاضله وهو زعلان". و "خلينا لك أمك، إشبع بيها يا منصف". سقط أرضاً وهو ينظر أمامه بشرود ودموعه تتساقط دون توقف. صفعة وراءها صفعة، ويا ليته يستيقظ. نظر إليه رمزي قليلاً قبل أن يتركهم ويذهب خلف جعفر.
اقترب سراج ولؤي وحسن منه بهدوء حتى وقفوا أمامه وهم ينظرون إليه، ليبكي منصف وهو يخفض رأسه أرضاً. *** كان جعفر يقف أمام غرفة العناية القابع بها فريد وهو ينظر إليه بهدوء عبر النافذة الزجاجية بشرود. اقترب رمزي منه ووقف بجانبه واضعاً يده على كتفه. نظر إليه جعفر ولم يتحدث، بينما قال رمزي: متقلقش، هيبقى بخير. نظر جعفر إلى فريد مرة أخرى وقال: ادعيله يا رمزي. لعلك أقرب مني لربنا. ادعيله. ربت
رمزي على كتفه بهدوء وقال: بدعيله يا جعفر، والله بدعيله. زفر جعفر والتزم الصمت ومعه رمزي الذي نظر إلى فريد بهدوء. دقائق وأقتربت ممرضة ووقفت بالقرب منهما وقالت: لو سمحتوا. نظرا إليها لتقول هي: مصاريف الأستاذ فريد متدفعتش. نظر رمزي إلى جعفر الذي قال: أنا هنزل وراكي أدفعهاله. حركت رأسها برفق وهي تقول: في الاستقبال تحت يا فندم. حرك جعفر رأسه برفق لتتركهما وتذهب. نظر رمزي إليه وقال: تدفع إيه وأنت عارف المصاريف كام؟
جعفر بهدوء: أي كانت يا رمزي، أنا هدفعها. هتيجي ولا تفضل هنا معاه؟ رمزي: لا، هاجي معاك طبعاً. وبالفعل ذهب رمزي مع جعفر. وعندما وصلا وجدا سراج ولؤي وحسن ومنصف يقفون أمام الاستقبال. لم يهتم جعفر واقترب من الموظفة بهدوء ووقف أمامها وقال: بعد إذنك، مصاريف فريد كام؟ الموظفة: دقيقة بعد إذنك. نظرت إلى حاسوبها للحظات ثم نظرت إليه وقالت: ألف وميتين. تفاجأوا من الرقم، ليقول جعفر بداخله: آه يا ولاد الكلب يا حرامية.
أخرج جعفر النقود من جيب بنطاله وقام بعدهم، بينما فعل رمزي المثل وكل واحد منهم. نظر جعفر إلى رمزي وقال بهدوء: معايا خمسمية. أخرج رمزي خمسمائة جنيه وأعطاه إياهم قائلاً: إمسك. لؤي: كتير، كل واحد فيكم يدفع خمسمية. إحنا نقسمها علينا كلنا، هندفع محدش هيتحمل حاجة لوحده. وافقه سراج الرأي قائلاً: لؤي عنده حق، كلنا نشيلها مع بعض. رمزي: يبقى كل واحد يدفع ميتين جنيه.
أخرجوا جميعهم النقود وبدأ كل واحد بإعطاء النقود إلى جعفر، حتى مد منصف يده إليه بالنقود. نظر إليه جعفر نظرة ذات معنى، وللحق، لقد تجاهله جعفر والتفت إلى الموظفة وأعطاها النقود تحت نظراتهم جميعاً. التفت جعفر إليهم مجدداً ونظر إلى منصف الذي كان ما زال يمد يده إليه ليقول: وأنا؟ جعفر ببرود: مش محسوب. منصف بهدوء: يعني إيه؟ أظن إني سمعت صح لما لؤي قال نشيلها كلنا.
جعفر: وأنت مش محسوب. فلوسك تـ ـحر م على فريد. متقـ ـتلش القتـ ـيل وتمشي في جناـ ـزته. تركهم وذهب عائداً إلى فريد مرة أخرى. زفر رمزي وذهب قائلاً بقلة حيلة: لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يهديكم. نظر لؤي إلى منصف وقد رق إليه قلبه، ولذلك اقترب منه ورتب على كتفه بمواساة وعانقه، ليبكي الآخر وكأنها كانت الإشارة الخضراء من لؤي له كي يبكي ويخرج ما يمكث داخله. ***
"والآن والدتك لا تعلم أنني هنا، كيف لي المبيت أيتها الصغيرة الشقية؟ ابتسمت ليان وقالت: وما المشكلة؟ أبي يعلم ويمكنك المبيت في الشرفة مثلما فعلت المرة الماضية. عقد ڤيكتور ذراعيه أمام صدره وقال باستنكار: حقاً يا فتاة، أنا ساحر ولستُ بحيوان أليف حتى تضعيني في الشرفة. ليان: يمكنك الاعتياد على ذلك حتى يعود أبي. زفر ڤيكتور وقال: حسناً، كم الساعة الآن؟ نظرت ليان إلى ساعة الحائط ثم إليه وقالت: العاشرة مساءً.
ڤيكتور: حقاً، نحن في أمريكا الآن تكون الرابعة صباحاً. ليان: فارق التوقيت بين مصر وأمريكا ست ساعات عمي. ڤيكتور: حسناً، سأنتظر. ما عليَّ سوى الانتظار. نظر ڤيكتور إلى الشرفة المقابلة إلى شرفتها وقال: ولكن ليان، ساكني هذه الشرفة غريبي الأطوار... يفعلون أشياء غريبة. ليان: لا تهتم لهم عمي. والآن تصبح على خير. تركته ليان ودلفت وأغلقت الستار خلفها، لينظر ڤيكتور إلى أثرها ويزفر بهدوء ويجلس على الأرض مجدداً
وهو يقول: كـ ـتـ ـب عليك المكوث أرضاً ڤيكتور... يا للعـ ـار يا رجل. *** "والآن شيراز، ماذا علينا أن نفعل؟ التفت إليه شيراز تنظر إليه قائلة: سنحتل الهند. ستكون بلدة السحرة. "ولكن أرى أن هذا سيكون صعباً بعض الشيء... مصاصي الدماء والمستذئبين يتواجدون وكذلك السحرة. هذا المدعو ڤيكتور." علت ابتسامة عابثة ثغرها وقالت: وما المانع؟
غداً سيكون عيداً. هذا المدعو الهولي وهذا اليوم هو سيكون وقت انتصارنا. نحن وصمويل سنتحد ضدهم. جيشنا كبير وسيتغلب عليهم. سنقـ ـتل جميع المستذئبين ويليهم مصاصي الدماء وأولهم هذا المدعو كين. "حسنـ ـاً، سيكون عيداً حزيناً عليهم وسعيداً علينا. سيكون انتصاراً عظيماً شيراز." ابتسمت شيراز مرة أخرى وقالت: وهذا ما انتظرته منذ سنوات عديدة. فقط الهجوم في الوقت المناسب. ثم الانتصار. *** "هو كويس عشان كدا جعفر بيحبه يعني؟
نظر هاشم إلى بشير وقال: أوي. فريد بالنسبة لـ جعفر أخويا أب. جعفر بيحب فريد جداً لأنه يعتبر مربي جعفر من وهو صغير. بشير: أصل أنا لاحظت كذا مرة يعني إنه بيقعد معاه كتير وبيهزر ويضحك، قولت أكيد قريب منه. هاشم: بس أنا إينعم بقالي خمس سنين هنا بس أنا اتعلقت بيه زي جعفر. فيه حاجة بتشد الواحد ليه يا بشير، يعني تحس إنه زي المغناطيس بيشدك من غير ما تحس. وأنا اتشدتله بصراحة. بشير: أومال أنا مبتشدش زيكم كدا ليه؟ ربت
هاشم على ظهره وهو يقول: أنت جـ ـبـ ـلة يا بشير. ابتسم بشير ووضع راحته على صدره قائلاً: حبيبي يا رجولة تسلم. صمت دام بينهما لثوانٍ، ثم قطعه بشير وهو يعتدل في وقفته قائلاً: بقولك إيه، تعالى معايا. نظر إليه هاشم بتعجب وقال: على فين العزم؟ أمسك بشير يده وجذبه قائلاً: يا عم تعالى، هو أنا هاكلك. سار هاشم معه وهو يقول: وأنا إيش عرفني، قعدتك مع شلة المجانين دول مش مريح ليا.
ابتسم بشير ونظر إليه قائلاً: لا يا برو، متخافش. أنا لسه جود بوي لحد دلوقتي. هاشم بابتسامة مرحة: إذا كان كدا ماشي. *** "جعفر مبيـ ـردش عليا." فاطمة: ولا لؤ... بترت حديثها وهي تسمع لؤي يجيبها. اعتدلت في جلستها وقالت: أيوه يا لؤي، إيه مبتردش عليا ليه؟ نظرن إليها لتسمع فاطمة لؤي يقول: مش فاضيين يا فاطمة. فاطمة بهدوء: طب مفيش أي جديد؟ دا أنتوا بقالكم ساعة ونص.
لؤي بهدوء: لسه محدش طمنا، محطوط في الرعاية ومنعرفش إذا كان كويس ولا لأ. ده غير اللي حصل ما بين جعفر ومنصف. نظرت إليهن فاطمة وقال: حصل إيه؟ قص عليها لؤي ما حدث تحت ذهولها وصدمتها وترقبهن. فاطمة بذهول: ودلوقتي؟ لؤي: ده في ناحية وده في ناحية. معرفش جعفر ناوي على إيه تاني، محدش بيتعامل معاه وواخد جنب كدا لوحده.
فاطمة بحزن: لا حول ولا قوة إلا بالله. طب حاول معاه يا لؤي، أو خلي سراج يحاول. جعفر بيحب سراج وسراج بيعرف يتكلم مع جعفر وهو في أسوأ حالاته، جرب مش هتخسر حاجة. لؤي: هخلي سراج يحاول، هو أنا مش ضامنه ممكن يفتكرني منصف ويرزعني بوكس يكسرلي صف سناني كله. حاولت فاطمة كبح ضحكاتها وقالت: طيب، متنساش تطمني عليه أول ما يبقى كويس. لؤي: حاضر. بقولك إيه يا فاطمة، أوعي تحكي حاجة لو واحدة فيهم سألتك.
فاطمة: عيب عليك يا لؤي، أنت تعرف عني كدا. لؤي بتحذير: فاطمة... شيرين هتزعل. فاطمة: متخافش، مش هفتح بوقي قدام واحدة فيهم. سلام. أغلقت معه ونظرت إليهن وقالت: الدنيا والـ ـعة هناك. اعتدلت بيلا في جلستها وهي تنظر إليها بترقب قائلة: ليه؟ في إيه؟ فاطمة: جعفر مـ ـسـ ـك منصف لطشه حـ ـتـ ـة قلم طرب. اعتدلت شيرين في جلستها وهي تنظر لها قائلة بصدمة: إيه؟
فاطمة: ومش كدا وبس، ده سـ ـمـ ـعـ ـه وصلة كلام يشرح القلب. وكمان لـ ـمـ ـا راحوا يدفعوا مصاريف المستشفى قسموها عليهم ومخدش حاجة مـ ـنـ ـ منصف وقاله فلوسك تـ ـحـ ـر م على فريد، وكلهم دفعوا ما عدا منصف وجعفر هو اللي دفع أكتر. كايلا: والله جعفر ده ابن حلال. عمل اللي لازم يتعمل. بعيداً عن كل حاجة يا شيرين بس جوزك يستاهل، شيلتـ ـه ويشيلها هو. نظرت إليها شيرين وعينيها دامعتان تكتسيهما الحـ ـمـ ـرة. تحدثت فاطمة
وهي تنظر إلى شيرين قائلة: متأخذنيش يا شيرين، أنت زي أختي بس كلمة الحق تتقال. ولو كان جوزي مكانه كنت هسمع نفس اللي بتسمعيه دلوقتي. أصل يعني الراجل معملش حاجة لـ دا كله. بيلا بحدة: كل واحدة تحط لسانها جوه بوقها وتـ ـقـ ـطـ ـم. محدش يتكلم تاني. هما رجالة يتصرفوا مع بعض، ملناش دعوة. ويا ريت اللي عندها كلمة حلوة تقولها، معندكيش أنتِ وهي يبقى تتكتمي. صمتت كل واحدة منهن بالفعل، بينما نظرت بيلا إلى شيرين ورتبت على يدها
برفق وهي تقول بنبرة هادئة: متزعليش يا شيرين. أنا عارفة إنك زعلانة على جوزك ودا حقك، محدش يقدر يقولك لأ. جعفر هيصالحه وهيرجعوا زي السمنة على العسل، ومنصف هيصالح فريد وكل حاجة هترجع. متزعليش. نظرت إلى فاطمة وقالت بنبرة حادة: فاطمة طول عمرها دبش زي جوزها. على رأي المثل الطيور على أشكالها تقع. فاطمة ببراءة: الله وأنا مالي، هو أنا اللي قولت لـ جعفر يمسك في منصف يعني ويلطشه بالقلم؟ بيلا بحدة وتحذير: فــاطــمــة...
الألفاظ سعد... زفرت فاطمة وعقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت أمامها بضيق. نظرت بيلا إلى شيرين مرة أخرى وربتت على ظهرها وقالت بنبرة هادئة: "متزعليش، أنا عارفة جعفر شوية وهيصالحه." حركت شيرين رأسها برفق وهي تنظر أمامها وتمسح دموعها، بينما زفرت بيلا وألتزمت الصمت. "وحياة أمك يا لؤي." أبتسم لؤي وقال: "اه والله." سراج بـ أستنكار:
"يعني أنت خايف تروح تتكلم معاه عشان ميرزعكش بوكس يوقعلك صف سنانك وأنا اللي أروح عشان يديني بوكس يعميني ويطرشني، مش كدا؟ لؤي بـ أبتسامه: "لا ما البركة فيك بقى، ما أنت مصاص دماء قد الدنيا وهتلحق تسيطر عليه." سراج بـ إحتقار: "واطي." أقترب سراج من جعفر بعد مشادات مع لؤي، وفي الأخير أصبح هو في مواجهة الوحش. وقف خلفه ولكنه إحتفظ بمسافة وجيزة حتى لا يتعرض إلى الغدر مثلما قال له لؤي.
وضع سراج يده على كتفه ليفزع ويعود سريعًا إلى الخلف، وهو يرى جعفر يلتفت كالبرق نحوه. ينظر إليه سراج بهلع: "سراج! أقسم بالله سراج! نظر إليه جعفر قليلاً ثم زفر وأعطاه ظهره مجددًا. أخذ سراج أنفاسه الهاربة بعجوبة ثم زفر وتقدم منه حتى وقف أمامه. نظر إليه قليلاً ليراه شاردًا. تحدث بهدوء وقال: "متخافش، حاسس إنه هيبقى كويس." لم يتلقى منه ردًا ليقول مجددًا: "صدقني... فريد قوي وهيقوم منها زي ما قام من غيرها...
كلنا متأكدين وواثقين إنه هيقوم." جعفر بهدوء: "فريد مش بس صاحبي يا سراج... فريد أبويا... هو اللي مربيني من صغري... أيام ما كان لسه شاب في العشرينات... فريد صاحبي وأبويا وأخويا، هو اللي ياما دافع عني وهو اللي كان بيحميني من جميلة لما كنت بعمل حاجة غلط وأنا صغير... فريد دا روحي فيه، لو حصله حاجة أنا هموت بجد... أنا مش عايز أخسر تاني يا سراج، مش عايز حد يفارقني تاني، مش عايز أدوق وجع الفراق والوحدة...
والله لو أطول أديله حياتي هعملها، ولا إني أشوفه بيفارقني زي اللي فارقوني." ربت سراج بحنان على كتفه برفق وقال بنبرة حنونة: "هيقوم وهيرجع يضايقنا ويرخم علينا تاني... أوعى تقول كدا، فريد قوي، أنا واثق فيه والله وعارف إنه هيعدي زي ما عدى قبل كدا... متخافش يا صاحبي... فريد غالي علينا كلنا وكلنا بنحبه، خليك واثق في ربنا... ربنا قادر على كل شيء." زفر جعفر بهدوء وقال: "ونعمة بالله."
أبتلع سراج غصته وهو ينظر إليه ولا يعلم كيف سيتحدث معه، أيقولها مرة واحدة دون تمهيدات أم يقوم بتمهيدها حتى يستطيع التحدث بأريحية. نظف سراج حلقه وقال: "جعفر، كنت عايز أقولك... قاطعه جعفر وهو يقول ببرود: "لا وأقفل على الموضوع عشان أنا دمي لسه محروق ومش ههدى دلوقتي خالص." سراج: "طب إسمعني طيب." جعفر بضيق: "قولتلك لا يا سراج، هو عافية." سراج بهدوء: "أنت عمرك ما رفضتلي طلب يا جعفر." زفر جعفر ونظر إليه وقال بنبرة حاول أن
يجعلها هادئة قدر المستطاع: "سراج، عشان خاطري، أنا عارف إني عمري ما رفضتلك طلب ولا كسفتك، بس أنا بجد مخنوق أوي ومش طايق أبص فـ وشه. قفل على الموضوع عشان مقولش حاجة تزعلك مني وأنا مش واخد بالي... عشان خاطري يا سراج، أنا ماسك نفسي وأنا بكلمك بالعافية عشان أنت أكتر من صاحب ومبحبش أزعلك... بلاش." صمت سراج بينما نظر جعفر أمامه مرة أخرى دون أن يتحدث. زفر سراج بهدوء وقال: "زي ما تحب يا صاحبي...
أنا مش هضغط عليك أكتر من كدا... أعمل اللي يريحك." "مرت ثلاث ساعات حتى دقت الواحدة بعد منتصف الليل." دلف لؤي إلى منزله وأغلق الباب خلفه وهو ينظر حوله، حيث كانت فاطمة مستلقية على الأريكة وغارقة في النوم والتلفاز يعمل، ويبدو أنها غفت عندما كانت تشاهده. وضع أغراضه على الطاولة وذهب إلى المرحاض كي يغتسل، فقد قضى اليوم كله في الخارج. عاد مجددًا واقترب من الأريكة وجلس على طرفها وبدأ يوقظ فاطمة قائلًا: "فاطمة... فاطمة اصحي."
أستيقظت فاطمة بالفعل ونهضت عندما رأته جالسًا أمامها قائلة بنبرة ناعسة: "حمدلله على السلامة." أراح ظهره على ظهر الأريكة قائلًا بنبرة مرهقة: "الله يسلمك." نظرت إليه وقالت: "طمني، في جديد؟ حرك رأسه برفق وقال وهو يغمض عينيه: "في العناية لحد بكرا، لو في تحسن هيخرج." فاطمة بتساؤل: "أومال هو أصلًا مخرجش؟ حرك رأسه نافيًا وقال: "لسه... أنا جعان أوي يا فاطمة، مكلتش حاجة من المغرب." نهضت فاطمة قائلة: "حاضر، هقوم أحضرلك الأكل."
ذهبت فاطمة إلى المطبخ بينما جلس هو بأريحية وأمسك جهاز التحكم وبدأ يشاهد التلفاز بهدوء. دلف رمزي إلى غرفته بهدوء ليرى تسنيم نائمة بعمق والظلام يسود الغرفة. أنار الضوء الخافت ووقف أمام الخزانة أخذ ثيابًا نظيفة، ثم اتجه إلى المرحاض كي يقوم بتبديل ملابسه والأغتسال. بعد مرور القليل من الوقت عاد رمزي مجددًا ليقف أمام المرآة وهو ينظر إلى انعكاس صورته في المرآة. نظر إلى نفسه قليلاً ثم تراجع عما كان سيفعله وخرج قائلًا بتكاسل:
"لا مش مهم، أنا كدا كدا هنام وهيتنعكش لازمتها إيه بقى." دلف إلى المطبخ ونظر حوله ليرى آنية مغطاة على سطح الرخام، أقترب منها وأبعد الغطاء ثم أخذ الآنية وخرج. جلس على الأريكة وبدأ بتناول طعامه بهدوء. فتح منصف باب غرفته بهدوء ليرى شيرين تجلس أعلى الفراش ويبدو أنها تنتظر عودته. نظرت إليه ونهضت، بينما أغلق هو الباب خلفه بهدوء وذهب إلى الخزانة دون أن يتحدث.
أخذ ثيابه ثم أغلقها وذهب إلى المرحاض تحت نظرات شيرين الحزينة التي كانت تتابعه بهدوء شديد. جلست مجددًا على طرف الفراش وهي تزفر وتضع يدها على جبينها. بعد مرور القليل من الوقت خرج منصف إلى الشرفة الخاصة بغرفته واستند بمرفقيه على سور الشرفة وهو يخفض رأسه وينظر إلى الأسفل بهدوء. لحظات ودلفت شيرين واضعة فنجان القهوة على الطاولة، ثم أعتدلت في وقفتها واقتربت منه ووقفت بجانبه دون أن تتحدث. دام الصمت للحظات ثم قطعته هي
بدورها قائلة بنبرة هادئة: "عيط يا منصف... متكتمش جواك حاجة." طبق منصف على كفيه وضغط عليهما وهو يغمض عينيه حتى لا تسقط دموعه أكثر من ذلك، يكفي اليوم ما قضاه في بكاء وألم وصدمة. لقد تحمل ما تفوقه طاقته وأكثر، لن يتحمل المزيد. وضعت شيرين راحتيها على ذراعيه وأدارته إليها حتى أصبح في مقابلتها. نظرت إليه بعينين حزينتين وقالت: "منصف... بصلي بعد إذنك." دام الصمت قليلاً ثم نظر إليها منصف بعدما رفع رأسه لتقول هي:
"حضني، مستنيك." عانقها منصف ودفن رأسه في كتفها وبكى. بكى حزنًا وألمًا. بكى وهو يعلم أنه لن يتوقف مهما حدث ومهما قالت هي له. بكى وهو بداخله نيران تحرق صدره وفؤاده. نار العذاب والندم. كلما تذكر أنه السبب في كل شيء حدث اليوم، تسول له نفسه بالانتحار. لم يتحمل نظرات الجميع اليوم، كان يتظاهر بالقوة الزائفة والصمود الكاذب الذي يقبع خلفه الصرخات والآهات.
جميعهم اليوم دون استثناء كانوا يتعاملون معه على أنه شخص غريب لهم، لا يعرفونه ولا يعرفهم. كان هناك جمود وبرود كلوح الثلج في معاملتهم معه، بداية من جعفر حتى حسن الذي كان يعاتبه. كأنما نظر إليه بعينيه وكأنه يتهمه على ما فعله ويراه المجرم عديم القلب والمشاعر.
اليوم وبعد ثلاثين عامًا من الصداقة والحب والمودة والغيرة والخوف، يرى أنه المجرم. المجرم الذي قام بإيذاء روحًا بريئة ليس لها ذنب في شيء. اليوم منصف أصبح علامة مسجلة لهم. هل سيعاملونه بجفاء بعد اليوم؟ هل سيتركونه وحيدًا بعد اليوم؟ سيجتمعون كعادتهم على القهوة بدونه؟ كم هذا مؤلم إلى أقصى درجة.
ربتت شيرين على ظهره برفق وحنان وقد تجمعت الدموع في حدقتيها. لأول مرة يبكي منصف بهذه الطريقة، أو أول مرة يبكي منذ زواجهم. في حياتها لم تراه يبكي حتى طوال فترة خطبتهما عندما مرا سويًا بالعديد من المشاكل قد وصلت بهما إلى الانفصال، لم يبكي، كان ينزعج، يغضب، ولكنه لم يبكي ألبتة.
شدد من عناقه إليها وهو مازال يبكي. أن ينظروا إليك أصدقائك بمثل هذه النظرات، فهو أشبه بالجلد حيًا. مسحت شيرين دموعها ورنت أحاديث فاطمة وكايلا في أذنيها أيضًا عندما كانت في منزل بيلا، وكم ألمها قلبها أيضًا. ما يشعر به، تشعر به هي الآن، ولكنه يفوقها بمراحل. ربتت على ظهره برفق وقالت بنبرة مهزوزة: "حقك عليا يا منصف... حقك عليا أنا يا حبيبي، عياطك وحرقتك بيقطعوا قلبي...
أنا عارفة إنك منهار دلوقتي ومصدوم، بس عياطك بالمنظر دا مش حل... العياط مش هيرجع حاجة ولا يصلح حاجة والله، بالعكس هيتعبك أنت... أنت بس اللي هتتعب وليه توصل نفسك لـ المرحلة دي." تحدث منصف وهو يبكي قائلًا: "أنا أكيد في كابوس وهفوق منه صح يا شيرين... أنا فـ كابوس وهفوق منه، أنا مش وحش لـ الدرجة دي، أنا مش كدا ولا عمري كنت كدا والله العظيم... أنا مش كدا." شيرين: "عارفة يا منصف والله عارفة ومصدقاك... عارفة إنك مش كدا."
منصف ببكاء: "أنا النهاردة كنت بتجلد يا شيرين... عارفة لما يجلدوا واحد مكتفينه بدون رحمة... أنا النهاردة كنت بتجلد من جعفر ومنهم كلهم... كلهم كانوا بيبصولي وكأني قتلته بجد... جعفر النهاردة صدمني فيه يا شيرين، متخيلتش معاملته معايا توصل لـ الدرجة دي، أنا حاسس إني مخنوق وعايز أموت نفسي بجد، أنا مش طايق نفسي ولا طايق أي حاجة." سقطت دموع شيرين وقالت بنبرة حزينة: "مش صح يا منصف... صدقني مش صح...
حقك تزعل وتضايق، بس أنت برضوا غلطت. أنا وأنت عارفين إن فريد بيحب يهزر ويرخم في نفس الوقت، وقولتلك إمبارح يا منصف دا راجل عايز ونس وعيلة بدل الوحدة اللي هو فيها دي، حط نفسك مكانه، أنت نفسك مش هتستحمل. أنا مكنتش عايزة أكلمك دلوقتي مراعاةً لـ شعورك، بس الكلام جاب بعضه." أبتعد منصف عنها قليلاً ونظر إليها قائلًا: "غصب عني يا شيرين...
أنا مش متخيل إن حد ياخد مكان بابا، أنا مش حابب جواز ماما من بعد بابا، سواء كان فريد أو غيره، أنا رافض الفكرة بشكل عام... بابا مكانش وحش، بالعكس كان حنين أوي وبيحب ماما وهو مأثرش معايا أو مع ماما فـ حاجة... اللي أثبتلي دا مرة من المرات كان عندي خمستاشر سنة تقريبًا، جه قعد يتكلم معايا وقعد يقولي متزعلش مني يا سراج إني مجبتلكش أخ يكون سند ليك وتكون سند ليه...
ضمته شيرين إلى أحضانها وهي تمسد على ظهره برفق ومواساة وهي لا تعلم ماذا عليها أن تفعل أكثر من ذلك حتى تخفف الأحمال من على أكتافه. سمعته يقول بقهرة ودموعه تتساقط بغزارة على وجهه: "عارفه لو طلع اللي حصل لـ فريد ملهوش علاقة بيا وطلعت أزمة زي ما بيحصل معاه انا مش هسامح واحد فيهم وهفضل شايل منهم وأولهم جعفر." ربتت على ظهره وقالت: "سيبها لوقتها يا منصف ... المهم نتطمن على عمو فريد وبعدين نشوف هنعمل ايه ...
حقك عليا يا منصف متزعلش دموعك غالية عليا أوي يا حبيبي والله." مرت خمس دقائق كان هو مازال كما هو في أحضانها ينظر إلى نقطة فارغة بشرود وهي تمسد على ظهره بحنان وكأنها تهدئ طفلاً. نظر إلى فنجان القهوة ليمد يده ويمسك به. نظرت إليه شيرين بهدوء لـ يقول هو بنبرة هادئة للغاية: "بردت." شيرين: "هسخنهالك وأجي." أبتعد منصف عنها بهدوء بينما نظرت هي له بهدوء قبل أن تنهض وقامت بمداعبة خده قائلة بابتسامة خفيفة:
"إفرد وشك المكرمش دا بدل ما أفردهولك انا بـ المكوة." أبتسم منصف ابتسامة خفيفة للغاية لـ تبتسم هي طابعة قبلة على خده ثم أخذت فنجان القهوة ودلفت إلى الداخل. نظر هو إلى أثرها ثم زفر بهدوء وعاد إلى الخلف وأستند بظهره ورأسه على ظهر المقعد بعدما أزاح الستار قليلاً لينظر إلى السماء المزينة بالنجوم اللامعة. *** في صباح اليوم التالي
خرجت شيرين من البناية وهي تسير بهدوء مارة من أمام القهوة حيث كانوا كلًا من لؤي وجعفر وسراج في تمام التاسعة والنصف يجلسون. نظر إليها لؤي بهدوء لـ يقول متسائلاً: "هو منصف منزلش ليه زي ما بينزل كل يوم؟ زفر جعفر بضيق بينما قال سراج بنبرة هادئة: "معرفش ... ممكن تكون راحت عليه نومه." نظر لؤي إلى شرفة منصف لـ يراه واقفًا ويستند بمرفقيه على السور ويتحدث في الهاتف. تحدث لؤي وقال: "نايم أوي." نظر سراج
إلى ما ينظر إليه لؤي وقال: "انا قولت ممكن يعني إحتمال ضعيف." على الجهة الأخرى زفر منصف ومسح على وجهه وقال: "تمام انا عايز أنزل النهاردة ... لا انا حابب مش هستنى لبكرا ... تمام الساعة حداشر هكون عندك ... مع السلامة." أغلق منصف معه وزفر بهدوء وهو يمسح على وجهه. نظر إلى الساعة التي كانت تشير إلى التاسعة والنصف لـ يزفر بضيق وهو يعلم أنهم يجتمعون الآن على القهوة. دلف إلى الداخل وهو يستغفر ربه تحت نظرات لؤي وسراج.
أقترب منهم حسن وجلب مقعد وجلس معهم قائلاً: "صباح الخير يا رجالة." لؤي: "صباح النور ... صاحي بدري يعني." حسن: "ما العياط منيمنيش." أبتسم سراج وقال: "يا حبيبي هو انت لحقت." أبتسم لؤي بتهكم وقال ساخرًا: "دا بيشتكي من أول يوم ... انت طيب أوي يا حسن دا مش حاجه يا قلب أمك جنب اللي لسه هيحصل قدام." حسن بضيق: "شكرًا يا لؤي على الطاقة السلبية اللي على الصبح دي." خرج رمزي من بنايته واقترب منهم قائلاً: "صباح الخير يا رجالة."
سراج: "صباح النور على فين يا صايع." رمزي: "هيكون فين يا منيل غير المستشفى ... مراتي هتولد." جعفر بتساؤل: "دلوقتي؟ حرك رمزي رأسه برفق وقال: "عمرك شوفت واحدة بتولد تسعة ونص الصبح." لؤي: "وحياتك فاطمة كانت والدة وأذان الفجر بيقول الله أكبر." نظر رمزي إليه وقال: "ما شاء الله وانت يا جعفر." نظر إليه جعفر وقال: "العصر." رمزي:
"طب دا توقيت حلو على الأقل واكل وشارب وقاعد موراكش حاجه إنما اللي مراته والده الفجر واللي مراته هتولد تسعة الصبح دا الدكتورة هتبدأ يومها بينا هتكون داخلة أوضة العمليات وهي بتقول أذكار الصباح وكوباية الشاي فـ إيديها وساندوتش ... انا مراتي طول عمرها مبتريحش حد سبحان الله." ضحكوا بخفة ليقول حسن: "طلعنا بنعاني أكتر منهم يا شيخ رمزي." رمزي:
"لا يا راجل برضوا ميجيش حاجه جنب وجعهم طول التسع شهور دول بيتعبوا أوي والله متستقلش بـ وجع مراتك مهما حصل وأيـ ا كان ايه هو الوجع." حسن: "انا مراتي طلع عينها بصراحة انا لو عليا أعملها تمثال تكريم لصمودها لحد دلوقتي والله." رمزي: "ربنا يعينهم ويجعل تعبهم فـ ميزان حسناتهم ... ألا الواد منصف فين." سراج: "منزلش كان لسه واقف فـ البلكونة بيتكلم فـ التليفون قبل ما انت تنزل." رمزي: "أكيد زعلان...
قاطعه سراج وهو يرمقه بتحذير قائلاً: "لا لا عادي تلاقيه ملهوش نفس عادي." رمقه سراج نظرة ذات معنى ليقول رمزي: "مش هنضحك على بعض يا سراج إحنا عارفين اللي فيها." نظروا إليه فيما عدا جعفر الذي لم ينظر إليه من الأساس. مر من أمامهم ليقول لؤي بنبرة عالية: "دا احنا شفافين فعلًا بقى ... دلوقتي بقينا مش متشافين." لم يعطيه منصف أي أهمية لـ يقول لؤي مجددًا بنبرة عالية بعض الشيء: "يا طنط زينة جهزي الشربات عشان هنفرح قريب أوي."
توقف منصف فجأة عندما استمع إلى تلك الكلمات لـ يلتفت بهدوء وينظر إلى لؤي نظرات غاضبة تحت نظرات شيرين التي كانت قد عادت مجددًا وسمعت ما قيل وتحت نظرات رمزي ولؤي وحسن وسراج المترقبة. توقفوا أهل الحارة أماكنهم يشاهدون ما سيحدث بين منصف الذي كان ينظر إلى لؤي نظرات غاضبة للغاية ولؤي الذي كان ينظر إليه ببرود.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!