حيّتني كارمه للمرة الأولى منذ قدومي هنا، كانت مفاجأة، حتى أنني لم أصدق نفسي. قبل أن ترحل، همست لي كاليمة: "ألم أخبرك أن كارمه طيبة؟ طيبه؟ لا أعتقد أبدًا أنه توجد فتاة طيبة. فكرت في نفسي: لا توجد مشكلة إن تناولت الطعام معهم. كانت نرجس متغيبة، أدركت ذلك. لاحظت أيضًا أن كارمه تعاملني بارتياحية، كل حذرها وخوفها تجاهي رحل.
لم أحاول أن أبحث عن السبب، مع المرأة لا تحاول أن تفهم أو تفكر في مبررات، إنها وليدة اللحظة، شديدة التقلب والتغير. أطلعتني كارمه على خطتها. قالت: "إنه ينتظرني محاضرات لعين طويلة ومملة، وأنها مرغمة على الإنصات لثرثرات كثيرة." سألتني أن كنت أستطيع أن أقلّها للجامعة. قلت: "لا أمتلك سيارة، تخليت عنها." "لا تقلق بهذا الشأن، والدتي لن تعارض إذا استعرنا سيارتها، ألا تعتقد ذلك؟ قلت: "لا أعلم، إنها والدتك، أنت أدرى بها."
"لكنك قريب جدًا منها." أردفت كارمه بنبرة شديدة الوضوح والريبة. قلت: "يمكنك قول ذلك يا كارمه." قالت وهي تتنهد: "لكنك لا تعرفها، لا أحد يستطيع أن يفهم والدتي ولا يتوقع كيفية تفكيرها." "استقلني للجامعة؟ قلت: "لا مشكلة، ربما حان الوقت أن أغادر جرحي، لننطلق؟ رمقتني كارمه بنظرة مطولة، قالت: "لا تعدها إهانة، لكن بدل ملابسك." اعتذرت، تأسفت وأنا أرمق ملابس البيت التي أرتديها. بدلت ملابسي وانطلقنا تجاه الجامعة.
طلبت مني كارمه أن أنتظرها حتى تنهي محاضراتها. كان مناسبًا لي، فقد كانت لدي بعض الأعمال على إنهائها. قضيت ساعة أقود السيارة خلال شوارع الإسكندرية. كانت المرة الأولى منذ حضوري التي أتجول فيها، صخب، زحمة، صداع. لكن الذي لفت انتباهي سيارة فيات 25 على أطراف شارع 32. أعتقدت أنها نفس السيارة التي رأيتها يوم الحادثة، وشاهدتها مرة أخرى عندما اختفت شيماء.
تابعت السيارة، حاولت الاقتراب منها، لكن قائد السيارة لاحظني، زاد من سرعته، عند الإشارة فقدته. عدت ناحية الجامعة لأقل كارمه. كانت جالسة تنتظرني بصحبة صديقتها. ركبت إلى جواري وبدت السيارة تجاه المنزل. كانت نرجس جالسة في الحديقة تنتظرنا، بتنورة ضيقة عارية، تحرق لفافة تبغ في فمها. دلفت كارمه داخل المنزل فورًا، بينما جلست أنا في المقعد المجاور لنرجس. سألتني وهي ترمقني بنظرة غير مفهومة: "أين كنتم؟
"طلبت مني كارمه أن أقلها للجامعة." قالت نرجس: "غريبة، كارمه كانت لا تطيق رؤية وجهك. أتساءل عن السبب الذي جمع شملكم؟ ابتسمت، قلت: "لا أعرف صراحة." نهضت نرجس من مكانها، جذبتني من يدي ورائها لداخل المنزل نحو غرفتها. قابلتنا كارمه نازلة على درج السلم. تنحيت جانبًا لأوسع لها الطريق لتمر. التصقت بي نرجس بغرابة حتى أصبحت في حضني. اندفعت كارمه ممتعضة نحو الرواق.
كنت أتوقع أن نرجس ترغب بالحديث معي عن الشركة، الأعمال، لكنها جلست على طرف السرير وأشعلت لفافة تبغ أخرى. قالت بعد طول صمت: "فارس، اجلس هنا." وأشارت بيدها. جلست بقلق. قالت نرجس: "لدي خبر أعتقد من حقك أن تعرفه، لكن عاهدني أن لا تنهار، فأنا لا أرغب بخسارتك." قلت بفارغ الصبر: "انطقي من فضلك." قالت: "شيماء ماتت. علمت من خلال الشرطة أنهم عثروا على جثتها بالأمس." صرخت بهلع: "ماتت؟ انهارت
على السرير وأنا أصرخ: "ماتت دون أن ألتقيها." دمعت عيناي. كانت كارمه وكاليمة حضرتا على صوت صراخي. "أرغب برؤية وجهها للمرة الأخيرة." قالت نرجس: "لا تبحث عن المتاعب يا فارس، يكفي ما حدث لك." قلت: "سأراها والآن! سأقوم بدفنها بنفسي، سأكون آخر من يلمس جسدها." قالت نرجس: "حاضر، اهدأ، امنحني دقائق أبَدّل ملابسي." قلت: "حاضر." أنزلتني كارمه للطابق الأرضي وهي تواسيني. انتظر نرجس.
قادت نرجس السيارة نحو المكان الذي تنتظرنا فيه الجثة. قالت: "قمت بتدبير كل شيء، سننقلها للمدافن فورًا، إكرام الميت دفنه." وجدت جثة شيماء ممددة داخل الكفن. كان وجهها مشوهًا تمامًا، بدا كأنها تعرضت لضرب مبرح. لم أتحمل ذلك، تهالكت على الأرض أصرخ من الوجع. جذبتني نرجس بعيدًا عن جثة شيماء. أشارت بيدها لمجموعة من الرجال، حملوا جثة شيماء في سيارة وانطلقوا تجاه المقابر.
تبعتهم نرجس حتى وصلنا، وأنا أبكي كطفل. رأيتهم يوارون جسدها تحت التراب. شعرت بأكبر إخفاق في حياتي، لم أبكِ أو أتألم هكذا حتى عندما فقدت والدي. تقريبًا حياتي انتهت. عندما وصلت، ضربتني نوبة مرض عاتية ألزمتني سريري لأيام، كنت فاقد الوعي ولا أشعر بأي شيء حتى اعتقدوا أنني سأموت. حضرت فادا لعندي عندما علمت بمدى سوء حالتي. كان خبر موت شيماء قد وصلها وكانت حزينة من أجلي.
حضرت الطبيبة صوفيا أيضًا بعدما طلبتها فادا، ظلتا بقربي لأيام، كنت خلالها أستعيد وعيي وأفقده. أخيرًا استعدت وعيي. أصررت على صوفيا أن تعود لعملها، بينما رفضت فادا ذلك، قالت إنها ستظل بجواري حتى أستعيد عافيتي. كارمه هي الأخرى لم تقصر. وفوق كل ذلك، نرجس لم تفارقني إلا للذهاب للشركة. كان يومًا هادئًا. أعدت خلاله فادا الطعام بنفسها. جلسنا على الطاولة ولاحظت شرود فادا. كانت وضعت لقمة على فمها ونسيتها. قلت: "فادا؟ فادا؟
ما بك؟ قالت فادا بتردد: "لا شيء." قلت: "فادا تحدثي من فضلك." قالت: "رغبة أن لا تعرف ذلك، أن تبتعد عن المشاكل، لذلك لم أخبرك من أول مرة؟ "ها؟ سألتها؟ قالت: "رأيت الرجل الذي قام بإحراق منزلك، تلك الليلة عندما كان يتحدث في الهاتف." "أين؟ "منذ يومين كنت خارجة لأشتري بعض الأدوية ورأيته جالسًا في مقهى البيطاش، لم أخطئ وجهه أبدًا، إنه هو... ***
"استمتع جدًا عندما تهاتفني نرجس أو تطلب حضوري، حينها أشعر أنني مهم بحياتها وأنها تقدرني." قالت إنها أعدت مفاجأة من أجلي، لذا قصدت الشقة بأقصى سرعة. وبختني نرجس لتلك القيادة، رغم أنني أقسمت لها أن لا ذنب لي، الطريق كان مزدحمًا جدًا. قالت نرجس: "اجلس." وأشارت تجاه قدميها. داعبت شعري بأناملها قبل أن ألعق كفة يدها. "قلت لديك مفاجأة من أجلي؟ قالت نرجس: "ليس لدي أهم منك يا مهند." "قلت وفارس؟ "فارس...
مجرد لعبة سأنتهي منها قريبًا. ثم لقد أحضرتك هنا للانتقام منه." "قبل قدمي! قبلت قدم نرجس. "قل لي يا مهند، ماذا يمكنك أن تفعل من أجلي؟ قلت: "أي شيء، حتى لو أمرتني بقتل والدك." "هذا تستحق جائزتك يا وغدي الصغير. سأمنحك شيماء." "مهند، لطالما وددت سؤالك عن هذا، لماذا غيرتي الخطة وأمرتي بقتل شيماء؟ "فعلتها من أجلك، لأنك حبيبي وأقرب شخص لي." "كيف هذا؟
"تعلم يا صغيري أنني أهتم بك وأنك كلبي المطيع، لذلك فكرت أن ألقي لك عظمة تلعب بها." "أستمتع بإهانات نرجس، تشعرني باللذة." قالت نرجس: "كنت تخبرني عن طاعة شيماء لفارس وأنك تتمنى أن تمتلك واحدة مثلها تكون مطيعة لك." "أجل، أجل يا سيدتي." "شيماء فاقدة للذاكرة، لا تعرفك. ستأخذها خادمة عندك، ستعاملها مثلما كان يعاملها فارس. هل تفهم؟ "أفهم جدًا، أنا أحبك جدًا يا نرجس." قبلت يدها، قدمها كلها، ثم رحلت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!