الوغد جرب مثلا أن تتمنى أن تحلم بشخص عزيز أو حبيب في النوم، لن يأتيك أبداً. وإذا حدث سيكون بصعوبة، لأن الأحلام متحيزة، وغدية، لا تحضر لنا إلا ما نخشاه في الواقع. أغمضت عيني لكني لا أنام. منذ وفاة والدتي تحولت حياتي لجحيم. كانت الحياة قاسية علي، تركتني حي. لملمت نفسي بنفسي، كنت مهشماً تماماً. اخترق الرصاص جسدي، نسبة نجاتي كانت لا تتعدى العشرين بالمئة. لكني نجوت لسبب واحد فقط: الانتقام.
لقد تغذى الانتقام علي وأطعمته حتى كبر. تضخم، أصبح وحشاً، كل غرضه القصاص. لا أعلم لماذا لا يفهم فارس رسائلي التي أبعثها إليه. حتى بت أعتقد أنه مشترك معهم في جريمة قتل والدتي واختطاف شيماء، وربما قتلها. أضجع أدهم على جانبه الأيمن. كان صوت الأمواج يصل أذنيه بعد أن اختار كهفاً بحرياً للسكن. كهف منعزل لا تصله عيون البشر. الليلة لديهم مقابلة مهمة. قرر أن يقابل فارس وجه لوجه.
اكتفى أدهم من اللف والدوران، حان الوقت ليحدد فارس إلى أي جانب يقف. عندما انتصف الليل خرج من كهفه قاصداً منزل فارس. يعلم أنه يخرج من المنزل ذلك الوقت كل ليلة. جلس على صخرة قريبة من منزل فارس، لكن فارس تأخر ولم يظهر. اندفع أدهم لمنزل فارس، ينوي مقابلته داخل المنزل. قبل أن يصل باب القبو أمطره الرصاص. رصاص بندقية نصف آلية. أصابت إحدى رصاصاتها قدمه.
كان الشخص الذي أطلق عليه الرصاص يسير تجاهه بينما كان أدهم يعرج على قدمه مبتعداً عن القبو. سمع صوت صراخ أنثوي. اختفى ذلك الشخص وظهر شبح فتاة تركض نحوه، تصرخ: "فارس، فارس! عندما وصلته الفتاة كان أدهم قد توقف واتكأ على صخرة. حدقت في وجهه دقيقة قبل أن تقول: "أنا أعرفك، أنت ذلك الفتى الذي كان يقطن المنزل على الشاطئ؟ "من فضلك تعالي معي، سأساعدك." "ابتعدي عني،" نهرها أدهم. "أنت تحتاج للمساعدة؟
"سأساعدك بنفسي،" أجاب أدهم، لكن بعد خطوات لم يستطع السير، توقف في مكانه يصرخ من الألم. اندفعت الفتاة نحوه: "اسمح لي بمساعدتك، أنا لست عدوتك." فكر أدهم لدقيقة قبل أن يقول: "إذا كنتِ ترغبين بمساعدتي، أرغب بالوصول لذلك الكهف." وأشار بيده. وضع يده على كتف كارمه، سألته: "أنت تقيم هناك؟ قال أدهم: "نعم." قالت كارمه: "أخبرني على الأقل أنك لست جني، أو مارد بحر؟ حملق بها فارس
بغضب سرعان ما تحول لمزاح: "الجان لا ينزف دماً سيدتي." وصلا الكهف البحري بصعوبة. رقد أدهم على حصيره من القش. "قال، يمكنك الانصراف الآن، شكراً لك." قالت كارمه: "لن أتركك، ستموت." قال: "فقط أرحلي، ولا تخبري أي شخص عن مكاني، خاصة والدتك." قالت كارمه: "لن أرحل قبل أن أنظف جرحك." "ثم اطمئن، لن أخبر أي شخص عن مكانك حتى والدتك." كانت كارمه أجمل فتاة رآها في حياته، أجمل من شيماء نفسه.
تابعها وهي تنظف جرحه بعد أن أخرجت الرصاصة وضعت ضمادة عليها. كان يسأل نفسه: كيف لكائن بمثل تلك الرقة أن يتحمل مظهر الدم؟ النساء قادرات على فعل أي شيء إذا أضطرتهن الظروف. غفى أدهم في مكانه. عندما استيقظ كانت كارمه رحلت، لكنه وجد بقايا حطب، وشاي مشروب في كوب. لقد صنعت الشاي بنفسها. احتسته ثم رحلت. لم يلتفت في مغادرة كهفه، رغم شعوره بخطورة الموقف وأن تلك الفتاة رغم رقتها قد ينفلت لسانها بكلمة فتكون نهايته.
عندما حل ليل اليوم التالي سمع خطوات تقترب من كهفه. زحف أدهم حتى التصق بالصخر، أمسك بيده عصا ليدافع بها عن نفسه. صرخ: "توقف مكانك، أنا مسلح! لاح وجه كارمه على باب الكهف ورحل القمر. "أنت حي؟ " قالت كارمه وهي تجلس على الأرض. سأل أدهم: "أين والدتك؟ قالت كارمه بمرارة: "لديها سهرة لن تعود قبل الفجر." *** قالت صوفيا عندما هاتفت فارس: "إن العظمة تعود لجسد والده، النتيجة مطابقة مئة بالمئة، أتدرك ما يعني ذلك؟
صمت مهيب قبل أن يقول فارس: "أحدهم قتل والدي." قالت صوفيا: "أنا آسفة من أجلك، لكن على الأقل عرفت الحقيقة." قال فارس: "كانت الرسالة تقول: فتش في الماضي، لابد أن ألتقي ذلك الشخص بأي طريقة." "لم يظهر منذ يومين ولم يترك لي أي رسالة." "أخبرتني كارمه أنها سمعت صوت إطلاق رصاص قرب منزلي وأنها رأت شخصاً يركض مبتعداً عن المنزل يحمل سلاحاً." "أشعر أن الأمر يتعلق بذلك الشخص الذي يحاول مساعدتي." "لم تري كارمه أي شخص آخر؟
" سألته صوفيا. "لم تخبرني، تقول إنها كانت مذعورة، ركضت نحو منزلها ولم تخرج منه." "ستخبرين الشرطة؟ قال فارس: "لا، لن أخبر أي شخص. الشرطة لم تعثر على شيماء إلا بعد موتها، سآخذ ثأري بنفسي." كان الهاتف بيده عندما أخذه الكلام. أبتعد عن منزله، عندما عاد وجد كارمه تدلف داخل المنزل. فكر أن ينادي عليها، لكنها دخلت مسرعة. أنهى المكالمة ودلف خلفها. بحث عنها في منزله لم يجدها.
كان باب القبو مفتوحاً، دون تفكير اندفع فارس داخل القبو حتى نهايته. هناك لمح كارمه تمشي بمحاذاة الشاطئ، تبعها حتى بدأت تنزل الصخور نحو البحر. راقبها بصمت وهي تنزل ثم تبعها حتى اختفت داخل كهف بحري لم يراه فارس من قبل. *** شيماء كانت ذاكرتها تجلدها، تحضرها لقطات مرعبة من الماضي ثم ترحل بخفة قبل أن تقبض عليها. حتى أنها فكرت أن تطلب من مهند أن يصفعها مرة أخرى علها تستعيد بعض تلك الذكريات. لكن مهند لم يكن في حالته.
طلبت منه نرجس أن يحضر لشقتها رفقة شيماء. قالت شيماء: "ربما حانت اللحظة يا مهند التي كنت تنتظرها، سأذهب معك." اعترض مهند: "سأذهب بمفردي، أنا لا أعلم ما يمكن أن يحدث." قالت شيماء: "لن أتركك، سأذهب معك، لن أتخلى عنك أبداً." انطلق مهند بسيارته نحو شقة نرجس. لم يطرق الباب، كان معه مفتاح. دلف داخل الشقة، تبعته شيماء. وجد نرجس راقدة على الأريكة تدخن لفافة تبغ. "أحضرت العاهرة؟ " قالت فور رؤيته.
قال مهند: "ليست عاهرة، اسمها شيماء." ابتسمت نرجس: "تعالي هنا؟ اقترب منها مهند، لم ينظر إليها، كان يتحاشى أن تتلاقى عيناهما. "ماذا تريدين؟ "اجلس هنا،" وأشارت تحت قدميها. اعترض مهند: "لن أجلس، لست لبقاً." قالت نرجس وهي تعتدل في جلستها: "ستجلس، تتقبل قدمي حتى أرضي عنك." "لن أفعلها،" صرخ مهند. "ستفعلها، ليس مرة واحدة بل مرات يا مهند." "لن أفعلها، لن أفعلها،" صرخ مهند. نهضت نرجس في مكانها، سارت حتى اقتربت من مهند،
همست بنبرة مخنوقة: "ستجلس وإلا سأحضره لهنا." صوبت نظرها على وجه مهند بتحدي: "اجلس،" أمرته. ارتعش جسد مهند، حملق بشيماء ينتظر منها المساندة التي وعدته بها. صرخت نرجس: "اجلس." اندفع مهند تحت قدميها يصرخ: "حاضر، حاضر، لا تحضريه من فضلك." ضحكت نرجس: "ولد مطيع أنت يا مهند." قالت شيماء: "مهند قاوم، لا تخضع لها، قاوم من أجلي." صرخت نرجس: "اصمتي يا عاهرة وإلا سأعلمك كيف تحترمين أسيادك."
قال مهند: "أرجوكي لا تؤذيها، سأفعل كل ما تأمرين به." جلست نرجس على الأريكة، دفعت قدمها في حضن مهند. "أنت،" وأشارت تجاه شيماء: "اصنعي لي فنجان قهوة." قالت شيماء: "لست خادمتك، ولست مضطرة لإطاعة أوامرك." قالت نرجس: "حسناً يا حلوة، أنت لن تفقدي عذريتك بعد. حانت لحظة الألم." صرخت نرجس: "محروس؟ من غرفة مغلقة انفتح باب دخل منه رجل ثلاثيني ضخم. قالت نرجس: "إنها لك، افعل بها ما ترغب به."
أطلق محروس ابتسامة مقيتة وقبض على شيماء في حضنه. دافعت شيماء عن نفسها، ركلت بقدميها، خربشت بأظافرها، لكن محروس حملها بخفة نحو الغرفة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!