رقدت شيماء في سلام، كان جسدها وروحها بدأت تلتئم. قبل أن تغمض عينيها، رودتها ذكري قديمة لكن مغبشة. كانت مقيدة بقائم تستجدي جرعة ما. الشخص الجالس على المقعد تعرفه لكن ملامحه باهته لا تستطيع تذكره. "فك قيودها، طلب منها أن تنزع ملابسها." ذكري أخرى اخترقت اللقطة. محروس يمزق ملابسها ولسانه متدلي كعصي مكنسة قذرة. شيماء تصرخ تطلب الرحمة، تستجدي الشفقة. رأسها يغلي. محروس يلعق رقبتها.
الشخص الآخر يندفع نحوها، يضمها. انفتحت الصورة مع صداع جعلها تصرخ. انحنى نحوها مهند، سألها: "ما بك؟ حملقت به بذعر لدقيقة قبل أن تهدأ. قالت: "لاشيء." عاد مهند لرقدته لكن بعيون مفتوحة. كل الآلام التي تعاني منها شيماء كانت بسببه. الشخص الوحيد الذي أحبه في حياته كان سبب تعاسته. انتظر مهند حتى غفت شيماء. أحضر مسدسًا من الطابق العلوي، عباءة بالرصاص. دلف لغرفة شيماء مرة أخرى. قبلها على جبهتها.
"لن أعود إليك يا أغلى ما أملك حتى أنتهي من الماضي، أقتلعه من جذوره، حينها سأخبرك بالحقيقة كلها. سألقي بنفسي تحت قدميك وأطلب غفرانك، حتى لو لم أنله، سأظل إلى جوارك حارسًا بلا غاية، رهن إشارتك. أيتها الحبيبة القريبة البعيدة، أرجوكي لا تقسي علي بعد عودتي. فعلت كل شيء في الماضي من أجل الهراء، من أجل لا شيء. الآن يا حبيبتي أفعل كل ما أكرهه من أجلك، فلا تصديني."
تنهدت شيماء. كانت هناك ذكري تحضرها. شيماء مقيدة بقائم حديدي. شخص جالس على مقعد يرمقها بسخرية. شخص تعرفه لكن ملامحه باهته لا تستطيع تذكره. طلبت شيماء جرعة ماء، كانت تموت من العطش. طلب منها ذلك الشخص أن تنزع ملابسها. اخترقت اللقطة ذكري أخرى قريبة. محروس يقبض عليها بين يديه، لسانه يتدلي منه كعصي مكنسة قذرة، يلعق رقبتها. شيماء تقاوم في كلا المشهدين. شعرت بصداع يحرقها فجأة. انفتحت الصور. "مهند يغادر الغرفة."
"إلى اللقاء يا حبيبتي." انصك باب الغرفة. شيماء جسدها يرتعش. نهضت بسرعة، ركضت. كان مهند قد رحل. انطلق مهند بسيارته نحو شقة صغيرة بأحد الأحياء النائية. صعد درجات السلم المكسرة ركضًا. واجه بابًا قديمًا مخلعًا، ركله بقدمه واندفع للداخل. أشهر مسدسه وركض تجاه الشخص الواقف في المطبخ يعد كوب شاي. "لماذا حضرت هنا؟ ماذا تنوي أن تفعل؟ "اجلس"، أمره مهند. بدرت من ذلك الشخص ابتسامة ساخرة وهو يقبض على كوب الشاي الزجاجي.
"اشتقت للماضي؟ " سأله ذلك الرجل. "اجلس"، أمره مهند وهو يركل مقعدًا تجاهه. أطلق الرجل ابتسامة أخرى. "قلت إنك لن تنساني ولن تستطيع مفارقتي." "اصرخ"، قال مهند: "اصمت يا لعين." قيد مهند في المقعد، صفعه على وجهه. "أين الكاميرا اللعينة؟ لم يجب الرجل. لكمة مهند في فكه، هشم بعض أسنانه الأمامية. "أين الأفلام؟ ابتسم الرجل. "لاشيء هنا، كله عند الهانم."
لم يصدقه مهند. اندفع نحو خزانة الملابس، أسقط كل شيء أرضًا. تحت الملابس وجد كاميرا قديمة مخبأة. "الماضي"، قال في نفسه، لكنه لم يعثر على لقطات ولا أفلام. اندفع نحو الرجل مرة أخرى، ركله بقدمه في معدته. سقط المقعد على الأرض. "أين الأفلام؟ قهقه محروس. "قلت لك لا شيء هنا." أطلق مهند رصاصة اخترقت قدم محروس، جعلته يصرخ من الألم. "انطق؟ " صرخ مهند وهو يقبض على رقبته. سأل لعاب محروس بعد أن اختنق بلعومه. "كنت أنفذ الأوامر."
أغرقه مهند بالصفعات على وجهه حتى أدماه. صوب مسدسه على رأسه. أغمض عينيه وانطلقت رصاصة استقرت في قلبه. ترنح مهند قبل أن يسقط أرضًا. التفت. كانت نرجس تعيد مسدسها لمكانه في الحقيبة. "احفر له قبرًا لائقًا في مكان بعيد واقرأ على روحه الفاتحة." فكت محروس من قيوده ورحلت. ***
بدل ملابسه وانطلق نحو منزل مهند. بعد ساعتين كان بالقاهرة يقود بين بحر من السيارات. وصل منزل مهند، سأل الخدم عنه. كان لم يراه أحد منذ أكثر من شهرين ولا حتى والده.
كان يعلم فارس أن والد مهند يمتلك أكثر من منزل، وأن هناك منزلًا منزويًا يفصله مهند عن غيره. انطلق مرة أخرى بسرعة تجاه المنزل. قبل أن يركن سيارته شاهد شيماء تركض مندفعًة خارج المنزل. فتح باب السيارة وركض نحوها، ضمها وهي تركض وسقطا على الأرض. تمرغا على العشب الندي في محاولة لإيقاف الاندفاع. "اتركني"، صرخت شيماء. "لا تؤذيني." "كيف بربك تقولين ذلك؟ انظري"، حاول فارس أن ينهضها لكنها كانت تشيح نظرها بعيدًا عنه. "أنا فارس!
تمعنت شيماء في وجه فارس. كل ما تعرفه أنها تعرضت للألم والأذى بسبب هذا الشخص. "أنت شرير." "كنت"، زعق فارس. "كنت وأستحق العقاب." جذبها برفق، استجابت له. قادها نحو منزل مهند. دلفا للداخل. أجلسها على الأريكة. تكوّرت شيماء على نفسها برعب، جسدها يرتعش. جلس فارس تحت قدميها، قبل يديها. "سأخبرك بكل شيء." قصت عليه فارس كل الأحداث التي لا تتذكرها. بدأت ذاكرتها تستعيد بعض الصور لكن ليس بصورة كافية لتستعيد طمأنينتها.
"أين الوغد مهند؟ " سألها. اعترضت شيماء. "لا تقل وغد ولا تعتبرني حبيبتك ما لم أستعيد ذاكرتي وأفكر هل تستحق غفراني أم لا." ابتسم فارس. "هذه هي، أنت التي أعرفها." صنع فنجاني قهوة، وجلسا ينتظران مهند. كانت شيماء قد أخبرته بما فعله من أجلها. لكنها رغم تذكرها الماضي وبعض وقائعه لم ترغب بتلويث صورته في نظر مهند. أغلقت على تلك الذكري المقيته في عقلها، حتى عندما يعود مهند ستخبره أنها لا تتذكر أي شيء.
تأخر الوقت، لم يعد مهند كما وعدها. هاتفه مغلق. لم تفلح محاولات فارس بالوصول إليه. "سنترك له رسالة"، قال فارس وهو يقنع شيماء بالعودة معه لمنزله الذي أعاد تشيده ولم يرغب بالسكن فيه بعد رحيلها. "سأنتظره"، قالت شيماء. "مهند يستحق ذلك، لقد طحنته الحياة مثلي." لكن مهند لم يعد. بدا كذكرى خرجت من إطار صورة غيرت وجه الحياة وعادت بمكانه. "تأخر الوقت"، قال فارس. "أعدك بالغد أن نحضر هنا منذ النجم."
استسلمت شيماء، جلست إلى جوار فارس في المقعد الأمامي. تتذكر عندما أقلها لنزهة في المقهى الذي تشاجر فيه مع مهند بسببها. ابتسمت لتلك الذكرى. كان المنزل قد عاد مثلما تركته شيماء وفارس. تتذكر الغرف، الحديقة، صالة الجيم. لكن ما كان يحدث بداخله لم تفلح بتذكره بعد. كانت هناك فتاة تركض في الحديقة المجاورة، جميلة ورشيقة لكنها لا تتذكر اسمها. لوحت للشيماء بيدها، فلوحت لها. "كانت تلك غرفتك"، قال فارس وهو يعرفها بالمنزل.
قالت شيماء: "اسمع، أنا أتذكر كل شيء إلا أفعالك اللعينة التي كنت تقترفها بحقي. لذلك عليك أن تبتعد عني حتى أستعيد كل شيء في عقلي." قال فارس بمزاح: "وخلال ذلك الوقت ستقومين بأعمالك المنزلية كلها، وإلا سأعاقبك." "كنت تفعل ذلك بالماضي؟ " سألته شيماء. قال فارس بتلعثم: "كنتِ خادمتي وقتها، لكن الآن أنتِ حبيبتي." لم تشعر شيماء بأي أثر لتلك الكلمة. لم يهتز قلبها طربًا، فقط صداع يهز رأسها ورغبة بالتذكر.
لم يظهر مهند صباح اليوم التالي. لم يسمع أحد أي خبر عنه. هاتف فارس والد مهند، كان مشغولاً بالأعمال، لكنه أكد أنه لم يره. بدأ القلق يتسرب لصدر شيماء. قالت لفارس: "كان مهند قبل رحيله يتحدث عن الانتقام من الماضي. ماذا يعني ذلك لك؟ قال فارس: "علاقتي بمهند لم تكن عميقة لذلك الحد، لا أعرف شيئًا عن أسرارها." "أين أنت؟ " سألت نرجس فارس فور اتصالها به. قال: "في القاهرة. أتيت لهنا منذ الأمس."
"سلامته"، قالت نرجس. "دون أن تخبرني؟ "كان أمرًا طارئًا وضروريًا. شيماء حية تجلس إلى جواري."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!