مضت ثلاثة أيام وأنا مقيدة، جلد ظهري متقرح ملتهب يأكلني. أرغب بغرس أظافري خلاله وخربشته. بلعومي ناشف، طعم التراب في حلقي، لا أستطيع البصق أو أن أبتلع ريقي. معدتي خاوية، أسمع صوتها تنادي الطعام. الأمعاء تتشاجر مع بعضها وأنا مرهقة أشعر بالإغماء. وحيدة في عالم صاخب، لا أقارب، لا أحد يسأل عني، لا أحد يزورني، مهملة وغير مهمة على الإطلاق.
حثالة كتبت شهادة وفاتها، وقعت عليها، تركتها للشخص الوحيد الذي تعتقد أنه من الممكن أن ينتشلها من الوحل! ألا نتمادى أحيانًا في تحديد مقدار أهميتنا عند الآخرين حتى نصاب بالخيبة؟ لطالما سألت نفسي ألف مرة خلال تلك الأيام الثلاثة الطويلة، فارس يفكر بي؟ يبحث عني؟ نسيني؟ كيف يقضي يومه، كيف حاله؟ تمنيت أن يكون بصحة جيدة، أن أفديه بحياتي ولا يصاب بسوء. أليس الحب أن نعشق الآخر أكثر من ذاتنا؟
نقديه بروحنا، ليس مهم ما يحدث لنا لاحقًا، كذلك حيث تترعرع في القلب بذرة نرويها بالدمع والدم حتى لا تزبل. انفتح باب الشقة، دلف منه مهند، بخطوات سريعة وصل عندي، جذب مقعدًا وتهاوى عليه. قال: تأخرت، كنت في حفلة شواء! ارتسمت على شفتيه بسمة مقيتة. بأعياء سألته: حفلة شواء؟ سحب لفافة تبغ من جيب بنطاله، وضعها في فمه وأشعلها. رمقني حتى قتلتني الفضول، تلذذ بذلك. قال: حفلة شواء حبيبك! صرخت: فارس؟ قتلته؟
قال: شاهدته بعيني يتفحم كسمكة قرموط مصرف تأكل عفن، قبل أن يسقط من الطابق الثاني على الأرض. تنهد مهند: أعتقد أن جسده تفتت لذلك لم يقوموا بدفنه، لم يجدوا منه شيء. حاولت البكاء، كانت الدموع رحلت من عيني، نضبت. شعرت بسكاكين تقطع بؤبؤ عيني. قال مهند: حانت لحظة الاحتفال التي انتظرتها طويلًا. مضاجعة عاهرة تدمع. بضعف ووهن قلت: امنحني شربة ماء، سأموت من العطش؟
قال مهند: الجسم البشري يمكنه أن يحتفظ بالمياه مدة أسبوع قبل أن يجف ويتفسخ. قلت: أرجوك ريقي ناشف، عطشانة، الرحمة! برزت أسنانه النتنة بعدما فتح فمه، حملق بتنورتي الرطبة، أدركت ما يعني. شعرت بالخزي والوضاعة. قال: تبولتي على نفسك أيتها المتعفنة الوسخة؟ وأنا أسأل نفسي من أين تأتي تلك الرائحة العفنة!؟ توسلته: شربة ماء من أجل الله؟ وضع يده على فمه، حك ذقته، قال: حسنًا لكن بشرط. قلت: وصمت. قال: أي شيء تطلبه سأفعله.
قلت: الماء من فضلك؟ قال: أخبريني أولاً ماذا أرغب به؟ اطلبيه. انكمش صدري، وكلي، قلت: أن أكون خادمتك المطيعة. صرخ بغضب: يا ابنة الـ... لا تناوري. قلت: افعل ما ترغب به لكن لن أفتح فمي بطلبه. نهض مهند، قال وهو يوليني ظهره: موتي من العطش إذا، اشربي بولك، تعفني في الخر... لا ترحل سيد مهند من فضلك، صرخت بأقصى صوت تمكنت من إطلاقه. وقف فوق رأسي، قال بتلذذ: انطقي يا نذلة قوليها. قلت: سأكون ما ترغب به. قال: الآن وحالًا؟
قلت: الآن وحالًا. فك القيد من رقبتي، دفعني تجاه الحمام، فتح قفل المياه، قال: نظفي نفسك، الطعام على الطاولة، سأنتظرك على السرير. اشتعلت النار في كل مكان، أحاطت بي كجحيم، اندفعت نحوي كموج بحر هادر. انحشرت في الغرفة، حتى الوصول للشرفة بات مستحيلًا دون أن أحترق. أخرجت هاتفي، قلت: فدا أنا أحترق، وأغلقت الخط. اشتعلت النار بطرف بنطالي، لما انحنيت وحاولت إطفأها احترق قميصي.
شعرت بالنار تحرقني وتلسعني، في آخر لحظة اندفعت نحو النافذة وأنا أحترق وقفزت من النافذة، آخر ما شعرت به ارتطامي بالأرض ورؤيتي لشخص ملثم يرحل من أمامي. سواد، عالم بني شاسع وقاحل، أجرد وناشف الذي كنت فيه تتساقط أوراق الأشجار غير مأسوف عليها. أنا لا أتنفس، أموت وأنا قابض على ورقة شقائي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!