كان يقود سيارته بسرعة كبيرة، كاد أن يصطدم أكثر من مرة، ولكنه لن يتوقف، لن يهدئ سرعته، يريد أن يراها، يطمئن عليها، يريد أن يحضنها، يستمع إلى أنفاسها، يشعر بوجودها بجانبه من جديد، حتى يعود قلبه للحياة من جديد. أوقف السيارة بقوة، وأصدرت العجلات صريراً عالياً جعل كل من بالشارع ينتبه له. نزل من السيارة بسرعة دون أن يغلقها، دخل إلى البيت ركضاً، متغاضياً عن ألم صدره من ذلك الجرح الذي لم يطب بعد، بل وبدأ في النزف من جديد.
وقف أمام باب السيدة خديجة وطرق بقوة، واستمع لصوتها. كانت مهيرة جالسة في الغرفة التي خصصتها لها السيدة خديجة منذ وصولها إلى هذا البيت. وكان مكانها الذي اختارته بجانب الشباك، جالسة تنظر إلى السماء، ممسكة في يدها خاتماً تستمد منه القوة على التحمل بعد كل ما عرفته.
استمعت لصوت توقف سيارة بصوت عالٍ، زادت ضربات قلبها وهو يخبرها أنه هو. وحين استمعت لصوت الطرقات السريعة على الباب، تأكدت من هذا. وقفت على قدميها تنظر إلى الباب، تنتظر دخوله. كان يقف أمام السيدة خديجة يلهث من الألم والشوق. شعر بالخجل لحضوره إلى هنا والسيد عادل غير موجود. ابتسمت السيدة خديجة بعد أن استشعرت حرجه، فعادل اتصل بها وأخبرها عن قدومه وطلب منها عدم إخبار مهيرة. قالت له: "اتفضل، هي في الأوضة دي."
وأشارت لإحدى الأبواب، فابتسم لها وخطى إلى الداخل، وقلبه يسابق قدميه إليها. فتح الباب بدون أن يطرق، وجدها تقف أمامه. ابتسم تلقائياً وتحرك سريعاً ليضمها إلى صدره بقوة، حتى تألم فابتعدت عنه سريعاً، وابتعد هو خطوة للوراء، وظل ينظر إليها بقوة يتفحصها بحب وسعادة. ولكن بعد عدة دقائق، قطب جبينه وتقدم منها الخطوة التي ابتعدها ووقف أمامها، ثم قال: "كويس إنك بخير... علشان الأيام الجاية هتحتاجي صحتك جدا." قطبت جبينها وقالت:
"سفيان... انت... انت كويس؟ رفع حاجبه باندهاش وقال: "خايفة عليا بجد؟ طيب سبتيني في المستشفى وأنا بين الحياة والموت ليه؟ تجمعت الدموع في عينيها وقالت سريعاً باعتراف: "أنا نحس... أنا مستاهلش... أنا مستاهلش الحب، مستاهلش أي حاجة... اتحرمت من حضن أمي وحنانها، واتحرمت من أمان أبويا وحمايته، واتحرمت من صداقة واحتواء أخويا... وكل دول كانوا موجودين لكن معشتهمش...
ويوم ما لقيت حبك، أمانك، حنانك، صداقتك، الدنيا اللي بجد واللي اتحرمت منها طول عمري، يحصل لك اللي حصل... كنت هضيع مني... أنا مستاهلش حاجة." وبكت بقوة وحرقة، ليجد نفسه يضمها لصدره بقوة، ناسياً ألم جرحه. ظلت تبكي حتى هدأت قليلاً، لتشعر بشيء لذج تحت يدها التي تستند على صدره، لتصرخ حين وجدت قميصه الأبيض لونه تحول للأحمر وكف يدها ممتلئ بالدماء. صرخت وهي تقول: "بتنزف يا سفيان، بتنزف...
شفت أنا قولتلك أنا شر مفيش من وراه خير." وتحركت سريعاً واتصلت بعادل حتى يرسل سيارة إسعاف. كان سفيان ينظر إلى يديها الممسكة بخاتمه ولهفتها وخوفها، ابتسم وهو يقسم أن يخرج منها اعترافاً بحبه الآن، اعترافاً حلم به كثيراً. أشار لها أن تهدأ بعد أن أغلقت اتصالها بالسيد عادل، وأمسك بيدها الممسكة بالخاتم وقال: "وكمان طلعتي حرامية وسارقة الخاتم بتاعي." نظرت إلى يديها وقالت:
"ساعة ما الممرضة جابت الحاجات بتاعتك وبصيت فيهم، لمحت الخاتم. لأول مرة آخد بالي إنك بتلبس خاتم، مشفتوش في إيدك إزاي؟ ولما ركزت فيه لقيته منقوش عليه اسمي... حسيت وقتها قد إيه أنت كتير عليا، وإني مستاهلكش." امسك الخاتم وقال وهو يبتسم: "أنا مكنتش بلبس خواتم لحد. في يوم كنت بزور صديق ليا وكان لابس خاتم منقوش عليه رسومات غريبة، ولما سألته عنه قال إن هو اللي بيعملهم... فطلبت منه يعمل لي اتنين، واحد ليا باسمك...
وواحد ليكي باسمي... واحتفظت بتاعك لحد ما أعرف إذا كنتي بتحبيني ولا لأ." ظلت تنظر إليه بعيون مليئة بالدموع دون أن تتكلم. كان السيد راجي يستمع لكلمات أيمن وهو يتذكر ما فعله بأمل، وتذكر كم الحقارة والندالة التي تعامل بها معها. ونظر إلى ذلك الشاب الذي طالما حلم به، ولكنه الآن يقف أمامه عدو وليس حبيب، ينظر له بكره وغِل، حقد وألم، ثأر لابد من أخذه. ومعه حق، ماذا فعل هو ليكون له ابن كذلك الشاب الناجح القوي.
كانت نظرات راجي تسعد أيمن بشدة، تجعله يشعر أنه أخذ حق أمه، ولكن ما زال هناك الكثير. وقف أيمن على قدميه ينظر لراجي من علو قائلاً: "قدامك أربعة وعشرين ساعة ويكون القصر فاضي... رجالتي هتفضل هنا علشان لو حصل أي حاجة... ومتفكرش تروح لمهيرة علشان معتقدش بعد اللي عرفته عنك، هتكون عايزة تشوفك تاني... ورصيدك اللي في البنك طبعاً هما باسم الشركة، وعلشان كده كل الأرصدة دلوقتي باسمي." ضحك باستخفاف وهو يتحرك من أمامه قائلاً
بسخرية: "أشوفك بخير يا راجي باشا." وخرج من القصر ليركب سيارته في انتصار، ثم أخرج هاتفه ليتحدث إلى السيد عادل. وحين سمع صوت السيد عادل يرحب به، قال فوراً: "لو سمحت عايز أعرف عنوان مهيرة." صمت لثانية واحدة ثم قال: "خلاص أنا جاي فوراً... وممكن تكون فرصة علشان نحل موضعها هي كمان... علشان كل حاجة ترجع لأصولها." وصلت سيارة الإسعاف أمام بيت السيد عادل.
وصعد المسعفون سريعاً وحملوا سفيان الذي بدأ يشعر فعلاً بالدوار. مد يده لمهيرة قائلاً: "خليكي جنبي أرجوكي." قبلت يده وهي تلبسه خاتمه وتقول: "مش هسيبك، هفضل جنبك لحد ما تقول لي أنت مش عايزني." قطب جبينه ولم يستطع أن يتكلم حين وضعه المسعفون في السيارة. وحين تحركت سيارة الإسعاف، أشار لها لتتقدم منه وقال: "مهيرة، أنتِ عارفة إني بحبك... بس أنا حاسس إني هموت خلاص... المهم إني هموت وآخر حاجة هشوفها عنيكي." كانت
تبكي وتلوم نفسها وقالت: "مت'قولش كده أرجوك... والله أنا بحبك... أنت كل دنيتي وحياتي، أنت الأمان والحماية... أنت الدنيا اللي عشتها بجد، أنا قبلك كنت عايشة ميتة بتنفس بس... أرجوك متسبنيش... أنا بحبك." ووضعت يدها على وجهها وظلت تبكي، فتدخل أحد المسعفين قائلاً: "متقلقيش يا مدام، هيكون كويس... هيعيد الخياطة بس للجرح." نظر له سفيان وهو يريد قتله أو حرقه، لا فارق. ولكنه تغاضى عن ذلك ونظر لتلك الملاك صاحبة الأنف الأحمر وقال:
"مبحبكش تعيطي... أنا كويس... أكتر من كويس، كفاية إن مهيرة الكاشف بجلالة قدرها بتحبني." كانت زهرة تتحدث مع جودي عبر الهاتف وهي تقول: "الحمد لله إنكم لقيتها... وإن شاء الله تطمنوا على أخوكي ونفرح بيكي بقى... ده أنا ملحقتش أفرحلك باللي حذيفة عمله." قالت جودي وهي تنظر لذلك الواقف بجانبها يتحدث أيضاً في هاتفه، وقالت بسعادة: "معاكي حق، معقولة الدكتور حذيفة... يركع على ركبة ونص ويقول لي بحبك تتجوزيني." ضحكت
زهرة بسعادة حقيقية وقالت: "ربنا يهنيكي يا حبيبتي... هقفل أنا بقى ونبقى نتكلم تاني." كان يستمع إلى كلماتها مع صديقتها، فابتسم وهو يقول: "شكل أمور صحبتك بقت بخير." أمسكت يده وقالت: "الحمد لله أمورهم بدأت تتحسن... بس سيبك أنت... هو أنا قولتلك النهاردة إني بحبك؟ ضحك بصوت عالٍ ثم قال: "آه بس مفيش مانع تقوليها تاني." اقتربت من أذنه وقالت: "بحبك." ظل ينظر إلى الأمام وعلى وجهه ابتسامة سعادة حقيقية.
كان يقف أمام النافذة يتحدث إلى أواب الذي يريد أن يأتي إلى المستشفى، وهو يحاول إقناعه بأنه سيأتي إليه، ولكن أواب قال له: "عايز أكلم جودي." نظر لها يجدها أغلقت الهاتف وتضعه بجوارها، فتقدم منها وهو يمد يده بالهاتف قائلاً: "أواب عايز يكلمك." ابتسمت له وأمسكت الهاتف قائلة: "حبيبي عامل إيه؟ وحشتني جداً على فكرة." قال أواب بلوم: "إنت مش بتسألي عليا؟ ابتسمت وهي تقول: "معلش اعذرني، أخويا كان في المستشفى." فأجابها قائلاً:
"هو كويس؟ أواب مش كويس." رفعت نظرها لحذيفة وهي تقول: "ليه يا حبيبي مالك؟ حاسس بحاجة؟ أخلي بابا يجيلك دلوقتي؟ قال الطفل بهدوء: "أنا عايزك انت." فقالت وهي تنظر لعين حذيفة: "بابا هيجيلك دلوقتي علشان يجيبك ليا، أوك." سعد الطفل كثيراً وقال: "أحبك قوي." وأغلق الهاتف سريعاً وأعطاه للسيدة ناهد وهو يقول: "عايز ألبس علشان بابا جاي يوديني لجودي."
ضحكت السيدة ناهد على سعادة الطفل الحقيقية بعد ما كان يشعر بالبؤس والحزن. ساعدته في تبديل ملابسه، ووقف أمام الباب بكرسيه في انتظار أبيه الذي لم يتأخر، ونفذ كلام جودي التي قالت له بطريقة آمرة بعد أن عارضها أنه لا يفضل أن يحضر أواب إلى المستشفى، ولكنها قالت: "الولد خايف، وبقالك يومين سايبه للدادة... فلازم تروح تجيبه وفوراً."
حين وصل سفيان إلى المستشفى، في نفس اللحظة التي وصل بها أيمن إلى المستشفى ليرى مهيرة وهي تنزل من سيارة الإسعاف والمسعفون يحملون سفيان، اقترب منها سريعاً وناداها. فالتفت سفيان لينظر لذلك الذي يقترب من مهيرة، وشعر بنار تتأجج بداخله، فناداها، فنظرت له بابتسامة سعيدة واقتربت بعد أن أمسكت يد أيمن ووقفت أمامه وقالت: "أعرفك يا سفيان، ده أيمن أخويا."
نظر سفيان للشاب الذي طالما شاهده بجانب الشهاوي صامت بعيون حادة. لاول مرة يراه يبتسم وهو ينظر إلى أخته الصغيرة بذلك الشوق الحقيقي. مد سفيان يده له، فظل أيمن ينظر إلى يديه طويلاً، وحين لمح نظرة مهيرة السعيدة، مد يده له وقال: "حمد لله على سلامتك... وأسف." ابتسم سفيان من طرف فمه وقال: "الله يسلمك... ولا يهمك." كانت مهيرة تشعر الآن بالغباء، ولكنها تغاضت عن كل ذلك حتى تطمئن على سفيان، الذي قال لأيمن حين
تحرك به المسعفون من جديد: "خلي بالك منها... مراتي في أمانتك." فرفع أيمن يده قائلاً: "متقلقش... في إيد أمينة." ورفع ذراعه ليحاوط كتفها ويتحرك بها ليتبع ذلك الذي اختفى داخل المصعد. جلست مهيرة أمام السيدة نوال خارج الغرفة الذي يرقد بها سفيان، منكسة الرأس وتقبل يديها قائلة: "أنا آسفة يا ماما... بس والله كنت خايفة وجودي جنبه يأذيه." ربتت نوال على رأسها وقالت: "عارفة يا بنتي، حقك عليا أنا...
مأخدتش بالي منك وإنتِ بنتي قبل ما تكوني أمانة ابني. تعرفي يا مهيرة، قبل ما سفيان يقولي إنه عايز يتجوزك، حلمت بيكي. نظرت لها مهيرة باندهاش وقالت: -معقولة؟ مع إن حضرتك مشفتنيش وقتها قبل كده. ابتسمت نوال وقالت: -ده حقيقي. وأنا في الحلم مشفتش وشك. تكلمت مهيرة سائلة: -وحضرتك شفتي إيه بقى؟ نظرت إلى الأمام وقالت: -حلمت بأبو سفيان وهو واقف ورا سفيان وبيقولي: "قولي لابنك يخلي باله من مهيرة... أنا عارف إنه بيحبها."
وعلشان كده لما سفيان قالي إنه خطبك، فرحت أوي، لإن عارفة إنه بيحبك. قبلت يديها وهي تقول: -ربنا يخليكي لينا. ابتسمت لها ثم قالت: -روحي صالحي مامتك. نظرت مهيرة لمكان وقوف مريم وهزت رأسها بنعم، ثم تحركت ببطء ووقفت خلفها وقالت مباشرة: -أنا آسفة يا ماما. عارفة إنك زعلانة مني، بس ارجوكي حاولي تفهمي حالتي كانت عاملة إزاي وقتها. والله كنت خايفة، خايفة أوي. تكلمت مريم دون أن تلتفت وقالت:
-أنا مش زعلانة منك، أنا زعلانة من نفسي. مكنتش ليكِ الأم اللي تلجأي لحضنها وقت خوفك. بس والله يا بنتي مكنش بأيدي. منه لله اللي كان السبب. تحركت مهيرة لتقف أمامها وقالت: -أنا من يوم ما وعيت على الدنيا، وأنا نفسي إني أترمى في حضنك. يا أمي، إنتِ حلم عشت عمري كله أتمنى يتحقق. فتحت مريم ذراعيها وهي تبتسم لترتمي مهيرة بين ذراعيها في سعادة.
كان أيمن الجالس بجانب عادل يتابع مهيرة بعينيه، يتابع حركاتها، همساتها، ابتسامتها. كان يراقب جلستها أمام السيدة نوال باندهاش، ما هذه العلاقة التي تربطها بحماتها؟ وكأنها أمها الحقيقية. اعتذر من السيد عادل ووقف على قدميه ليتحرك باتجاه مهيرة والسيدة مريم. وقف أمامهم وهو يقول: -مدام مريم، أنا سعيد جدًا إني اتعرفت على حضرتك. نظرت مريم إليه بتمعن وابتسامة سعادة على وجهها وقالت:
-بلاش رسميات في كلامك معايا يا ابني. لو تحب ممكن تقول لي يا ماما زي مهيرة. وأنا هكون سعيدة جدًا بده. ابتسم وقال: -طبعًا يشرفني. ثم نظر لمهيرة قائلاً: -صحيح، أنا وإنتي لسه متعرفين على بعض من يومين، لكن ده مينفيش إني أخوكي، سندك وظهرك وحمايتك. وعندي سؤال ياريت تجاوبيني عليه بصراحة. قطبت مهيرة حاجبيها باهتمام وقالت: -أكيد اسأل. وضع يديه في جيب بنطاله وهو يقول: -إنتي مبسوطة مع سفيان؟ قطبت جبينها باندهاش،
ولكنها قالت بابتسامة: -سفيان أحلى حاجة حصلت في حياتي. هز رأسه بنعم وقال: -كنت عايز أطمن بس. يعني بعد ما عرفت إنه راجي هو اللي طلب منه إنه يتجوزك علشان تهديدات الشهاوي. هل ضربها في قلبها بخنجر مسموم؟ هل حقًا ما يقول؟ حين رأى أيمن انسحاب اللون من وجهها، شعر أنه أخطأ حين أخبرها. من الواضح أنها لم تكن تعلم ذلك. تقدم خطوة وقال: -مهيرة، أنا آسف. بس نصيحة، اسمعي سفيان الأول. متحكميش من غير ما تسمعيه. اقتربت مريم من مهيرة
لتأكيد كلام أيمن قائلة: -إنتي مشوفتيش كان عامل إزاي لما فاق؟ أول حد سأل عنه إنتي. ولما عرف إنك مش موجودة كان هيكسر الدنيا وضرب حذيفة ومسك في خناق عادل. صدقيني يا بنتي، سفيان بيحبك بجد. اسمعيه الأول. ظلت تنظر إليهم بعيون زائغة تغشاها الدموع، ولكنها هزت رأسها بنعم. لن تخسره إلا إذا تأكدت أنه لا يحبها. أحضر حذيفة أواب إلى المستشفى. كان الطفل سعيدًا وكأنه ذاهب لرحلة أو مدينة ملاهي وليس إلى المستشفى. وحين سائله قال:
-علشان هشوف جودي. وحشتني.
ابتسم حذيفة بسعادة. تعلق ابنه بجودي حقًا يسعده. والأكثر تعلق جودي به. حين وصل للممر الذي يجلسوا فيه أسرة سفيان، وحين لمح أواب جودي ناداها بسعادة. لتقف سريعًا وتتجه إليه في سعادة، فتح ذراعيه الصغير ليضمها بقوة. كان الجميع يشاهد ذلك الموقف بسعادة حقيقية. أن ذلك الطفل صاحب الروح الشفافة، كمثيله من الأطفال، ملائكته ترفرف في عالم البشر، يرسلهم الله لنا لنرى عظيم قدرته وجمال خلقه. ذلك الطفل الذي يقول عنه الجميع طفل غير طبيعي، هو صاحب الروح الشفافة الطاهرة التي تشعر بالغيره وحتى عن بعد. إنه أكثر من الطبيعي بكثير.
جثت جودي أمامه قائلة: -وحشتني جدًا يا أواب. أمال رأسه للجهة اليمنى وقال: -وإنتي كمان. ثم ربت على وجنتها وقال: -ما تخافيش، عمو هيكون كويس. ابتسمت في سعادة وهي تقول: -وأنا مصدقاك. اقتربت نوال وهي تقول: -أواب حبيب تيته، وحشتني. نظر لها أواب وأرسل إليها قبلة في الهواء وقال: -وإنت كمان يا تيته. اقتربت منه مهيرة لتقبل أعلى رأسه. فنظر لها وقال: -ما تزعليش من عمو، وما تعيطيش.
اندهش الجميع من كلماته، وخاصة مهيرة التي ظلت تنظر إليه باندهاش. ثم قبلت كفه الصغير ووقفت من جديد تنظر لأيمن الذي نكس رأسه في خجل منها. فاقتربت منه تقول: -أنا مش زعلانة منك، كل حاجة كانت لازم تنكشف في يوم. وأنا هسمع سفيان الأول. ابتسم لها في تشجيع، وحينها خرج الطبيب من غرفة سفيان. تجمع الجميع حوله، فنظر لهم وابتسم: -مهيرة موجودة المرة دي ولا زي المرة اللي فاتت؟ ابتسم الجميع وقال حذيفة:
-لا موجودة يا دكتور، بس ارجوك طمنا. ابتسم الطبيب وقال: -الجرح كان فتح وعدينا خياطته تاني، وكلها يومين إن شاء الله وممكن يخرج، بس أهم حاجة الراحة. علت الهمهمات بالحمد لله، فأكمل الطبيب قائلاً: -فين مهيرة بقى علشان المريض يطمن؟ تحركت مهيرة بخجل، فأشار لها الطبيب لتدخل إلى الغرفة. وبالفعل فتحت الباب بهدوء ودخلت تنظر له بلهفة وقلق. كان ينظر إليها بحب حقيقي، ولكنه لاحظ نظرات القلق في عينيها، فأشار لها أن تقترب.
فاقتربت بخجل ووقفت أمام السرير وقالت: -عامل إيه دلوقتي؟ ابتسم لها وقال: -طول ما إنتي جنبي ومعايا، أنا كويس جدًا. أخفضت نظرها وقالت: -كنت عايزة أسألك سؤال. قال لها بهدوء: -قربي هنا جنبي واسألي اللي إنتي عايزاه. اقتربت منه ووقفت أمامه، فمد يده لها، فوضعت يدها فيها، فجذبها لتجلس بجانبه. ظل ينظر إليها حتى تكلمت قائلة: -عندي سؤالين. أنا عارفة إنه مش وقته، بس أنا محتاجة أعرف وأرتاح. واللي إنت هتقوله هصدقه.
ظل على صمته حتى تكمل. فقالت: -أول سؤال... بابا اللي طلب منك إنك تتجوزني؟ ظل صامتًا يريدها أن ترفع عينيها إليه حتى يجيب أمام عينيها لتصدقه أولًا، وليرى تأثير كل كلمة عليها. طال صمته، فرفعت عينيها إليه ليبتسم لها وقال:
-كده أجاوبك. أنا قولتلك قبل كده إني حبيبتك من أول يوم جيتي فيه القصر. بس كنتي حلم بعيد بعيد جدًا جدًا. عمر السيد راجي الكاشف ما كان هيوافق إن البودي جارد بتاعه يتجوز بنته. لحد ما وصلتله تهديدات الشهاوي. كان بيثق فيا جدًا، وطلب مني إني أتزوجك. حسيت ساعتها قد إيه ربنا بيحبني. حقق لي حلمي، لإن لو طلبتك من والدك أكيد كان هيرفض. علشان كده مسكت في الحكاية وما صدقت، لإن بحبك. من كل قلبي أتمنيتك. هزت رأسها
بنعم بابتسامة ناعمة وقالت: -السؤال التاني... في يوم كنت راجعة من المدرسة، كنت واقف في الجنينة بتتكلم في التليفون مع... وصمتت خائفة من استكمال كلماتها. ليس منه، ولكنها خائفة من إجابته. خائفة أن تصدم فيه. من الممكن أن يكون له ماضٍ ليس مشرف وغير نظيف. ظل ينظر إليها في حيرة، ثم قال: -كملي يا مهيرة، كنت بكلم مين؟ أخذت نفس بصوت عالٍ. -كنت بكلم واحدة، وبتزعقلها بصوت عالي، وقلت كلام كتير صعب أوي إني أقوله تاني. صمت لثوانٍ،
ثم قالت: -يعني... يعني قولتلها... قاطعها قائلاً: -مجرد مومس لليلة في سريري. نظرت له بصدمة. أغمض عينيه ليأخذ نفس، ثم قال: -أقسم بالله العظيم، ما كان ليا علاقة بأي واحدة ست قبلك. واللي كانت بتكلمني دي كانت ندى الشهاوي، كانت بتعترفلي بحبها. وما كانتش أول مرة. وكان لازم أهينها بكلام جارح علشان تبعد عني، وأخلص منها بقى. نظرت له في سعادة ورفعت يديه الممسكة بيده لتقابل الخاتم المنحوت عليه اسمها وهي تقول: -بحبك.
ضحك بصوت عالٍ حتى تأوه من الألم، ثم قال: -كده أموت وأنا مرتاح.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!