الفصل 24 | من 42 فصل

رواية جاريتي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
33
كلمة
1,683
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

ظلت جودي على صمتها تنظر إلى صديقتها بهدوء دون كلمة. تكلمت زهرة بتوتر قائلة: -أنا عارفة إن من حقك تزعلي، بس لازم تعرفي أنا عمري ما شكيت فيكي. أنا بس اتفاجئت يا جودي. أنا أكتر واحدة عارفة قصتك. للحظة واحدة بس تخيلت إن ممكن يكون حصل ما بينكم زمان ارتباط. لكن الفستان اللي كنتي المفروض لابساها عرفت وتأكدت إنك مش اللي في الصورة. أنا بعتذر لك يا جودي وممكن متسمحينيش، بس ارجوكي أوعي أخسرك. إلا خسارتك يا جودي. ظلت جودي

صامتة تنظر لزهرة ثم قالت: -أنا النهاردة أخدت قلم فوقني من حاجات كتير كنت فاكرة إني أقدر أعملها. لكن الحقيقة عكس كده تماماً. أنا النهاردة انجرحت واتهنت. مش قادرة أنسى نظرة الطلبة ليا في الكلية. ولا هقدر أنسى كل اللي حصل. تنهدت بصوت عالٍ، وهي تشبك يديها وتقول: -مش هنكر إني اتجرحت منك جداً. ونظرة عينك وجعتني. وكمان مش هقدر أقول إني صافية تماماً من ناحيتك. لكن إنتِ صحبتي الوحيدة يا زهرة وأكيد مش هخسرك.

وصل سفيان ومهيرة إلى المكان المحدد، كان مطعم راقٍ وهادئ. رواده قلائل. اختار سفيان طاولة جانبية تطل على النيل. سحب سفيان الكرسي فجلست مهيرة التي لم ترفع وجهها من لحظة دخولهما. جلس مكانه أمامها وقال: -حرمانِي من عيونك ليه؟ رفعت عينيها تنظر إليه. وجدت في عينيها خوف وقلق وعدم ثقة. تعرف سببها ومسببها أيضاً. ابتسم لها بحنان يفيض من عينيه لها ومن أجلها وقال: -أنا بحب لون عينيكي جداً. نظرت له باندهاش وقالت بعدم ثقة:

-عيني أنا؟ أومال لون عينيك يتقال عليها إيه؟ قال بغرور مصطنع: -أنا عارف طبعاً إن عيني لونها تحفة ومختلف. بس إنتِ مش ملاحظة الجرح البشع ده؟ نظرت له طويلاً ثم قالت: -عارف بالجرح ده أنت شبه مين؟ نظر لها باهتمام وقال: -شبه مين؟ ابتسمت بخجل وقالت:

-مرة قرأت رواية والبطل كان عنده جروح كتير في كل وشه وجسمه بسبب إنه اتعرض لحادثة وشوهته وكان دايماً بيحس بالحرج. لكن البطلة حبته بالجروح دي، واتجوزته وخلفت منه كمان، واتحدت العالم كله. وأنت جاي تتكلم عن جرح صغير. لون عيونك وضيها مغطي على أي جرح. كان مأخوذاً بكلماتها وصدقها. ابتسم بسعادة وقال: -تعرفي أنا كنت على طول بلبس نظارة الشمس. مش علشان الناس. علشان كنت خايف منك إنتِ. اندهشت من كلماته وقالت: -مني أنا؟

ده أنا كنت بخاف منك جداً. كنت بترعب. أدركت ما قالته من نظرة عينيه ووضعت يدها على فمها. ثم قالت بصوت منخفض: -أنا آسفة. آسفة. آسفة. قطب جبينه وهو يشير لها أن تهدأ وقال: -ما أنا عارف يا مهيرة. عارف إن أنا كنت بالنسبة ليكي وحش. نظرت له باندهاش وحاولت قول شيء ما، لكنه أسكتها بإشارة من يده وقال: -أيوه يا مهيرة عارف وفاهم ومش زعلان. كاد أن يكمل، ولكن قاطعهم النادل، فقال له سفيان: -عايز عشا مميز جداً لاحتفال مميز.

تحرك النادل لينفذ طلب سفيان، حين نظرت له مهيرة بحيرة وقالت: -احتفال؟ احتفال إيه؟ شبك يديه على الطاولة وقال: -هو الحقيقة مش احتفال واحد. عدي معايا أول خروجة. وأول حديث طويل. ومن غير خوف ورعب. وحاسس كده إن ممكن تكون في صداقة في الطريق. كفاية ولا نقول كمان؟ ضحكت ضحكة رقيقة وقالت: -لأ كفاية جداً. طيب إحنا أهو في أول خروجة من غير خوف ورعب. وبما إننا بقينا أصحاب. إيه هو بقا الحديث الطويل؟

صمت قليلاً يلعب بتلك الوردة الصغيرة الموجودة على الطاولة. وهو يقول: -عايزك تعرفي عني كل حاجة.

بدأ يحكي لها عن طفولته التي لم تخلو من مرح وسعادة وحياة مريحة كان موفراً لهم والده وبيت كبير بحديقة كبيرة كان دائماً يحب الجلوس تحت أشجارها الكبيرة. وعن والده الذي لم يعش كثيراً، ولكنه ترك أثره فيهم جميعاً. وكم كان متفهماً ومحب حنون وقوي. حكى لها عن صداقته بحذيفة عن صداقة دامت أكثر من عشرين عاماً، ثابتة راسخة ثقة وقوة. عن أمه وعن سبب إصابة رجليها. كانت مهيرة تستمع إليه بتركيز، حين أكمل قائلاً:

-أمي بعد وفاة أبويا رجعت تاني لشغلها. كانت مدرسة لغة عربية. وفي يوم وهي رايحة المدرسة شافت بنت صغيرة بتعدي الشارع لوحدها وكان الطريق زحمة جداً. جريت علشان تساعدها، لكن البنت سبقتها وعدت. كان في عربية كبيرة وفي لحظات كانت أمي والبنت تحت عجلات العربية. تنهد بصوت عالٍ ثم أكمل قائلاً: -البنت مستحملتش وماتت وأمي حصل لها شلل في رجليها. كانت دموع مهيرة تغرق وجهها. مد يده لها بمنديل وقال:

-اهدَي اهدَي يا مهيرة. الحمد لله على كل شيء. كنت وقتها لسه داخل كلية الشرطة وقررت إني أسيبها وأطلع أشتغل علشان أصرف على أمي وأختي. بس أمي رفضت. كانت صارمة جداً معايا وقتها لأنها كانت عارفة إن ده كان حلمي الكبير. وقررت بيع البيت وفعلاً بعنا البيت واشترينا الشقة اللي إحنا فيها وباقي الفلوس خلتها لتعليمي وتعليم أختي. وهي فضلت فترة طويلة تدي دروس في البيت. وبعد ما اتخرجت بطلت. وبعدين اشترتلي الشقة اللي فوقها على طول علشان أفضل جنبهم.

سكت سفيان حين أتى النادل بالطعام وقال: -شوفي بقا عايزك تاكلي كويس علشان أنا عايزك النهاردة قوية. أوك. حركت رأسها بنعم دون شعور منها. عينيه... عينيه تجعلها دائماً سارحة فيها، خاصة حين ينظر إليها بهذه النظرة القوية الحنونة.

في مكان جديد لم نذهب له من قبل، في حديقة قصر كبير تملؤه الفخامة، كانت سيدة جميلة بتلك المساحيق التي تغطي كامل وجهها. ترتدي فستاناً يكشف أكثر مما يستر، ويجلس حولها مجموعة من النساء على نفس الشاكلة، كثيرات الزينة، قليلات الملابس. تقدمت منهم الخادمة ومعها مشروبات كثيرة ومنها المحرمة، وضعتها على الطاولة وانصرفت في صمت. فقالت سيدة منهم بدلال مصطنع: -صحيح يا ندى، ليه متجوزتوش لحد دلوقتي؟

ده إنتِ قلتي إنكم اتخطبتوا من أكتر من شهرين. نظرت ندى الشهاوي، ابنة رشاد الشهاوي، سيدة في أواخر الثلاثينات، مطلقة أربع مرات من أربع أزواج مختلفين، وكلهم تزوجت منهم لمصلحة يريدها والدها، تجمع بينهم البدايات والنهايات فقط. وهي لها نسبة مالية محددة غير ما تستطيع أخذه من كل زوج طوال فترة زواجها. كانت تنظر لنريمان صديقتها اللدودة بحب مصطنع قائلة:

-ده صحيح يا روحي، بس هو عنده شغل ضروري بره. وكان لازم يسافر. وأكيد أنا محبش أعطله عن شغله. راجي الكاشف مش أي رجل أعمال. كانت كل النسوة الجالسات أمامها يحقدون عليها، ولكن يتوددون لها لما لوالدها من سمعة وصيت. ولمعرفتهم بطرقه في التعامل مع رجال الأعمال الآخرين. غادر جميع ضيوفها، وكانت هي في أشد حالات غضبها، فتوجهت سريعاً إلى غرفة المكتب حيث والدها. فتحت الباب بغضب شديد وهي تهتف به قائلة:

-أنت خليتني في موقف محرج جداً قدام أصحابي كلهم. بيسألوني ليه معلناش الخطوبة أو ليه متجوزناش. وقف السيد رشاد عن مكتبه، رجل قصير القامة، خبيث النظرات. لا يوجد به شيء يميزه سوى ذلك البطن الكبير. تحرك ببطء ليقف أمام ابنته قائلاً: -الخبيث مختفي بقاله أسبوع. ولحد دلوقتي مش عارف أوصل سافر فين. وبنته كمان اختفت فين معرفش. زاد غضبها وقالت: -ولما أنت مش واثق إنه ينفذ اللي أنت عايزه، ليه خليتني أقول كده لكل أصحابي؟

عاد بخطوات أكثر بطئ إلى مكتبه وجلس على كرسيه وهو يقول: -هيروح مني فين؟ ما هو لازم هيرجع. متقلقيش. ظلت تنظر إليه في غضب قوي، ثم خرجت من غرفة المكتب تضرب الأرض بقدميها وكأنها تعاقبها على شيء ما.

في مكان آخر، ولكن في بيت بسيط جداً، شقة صغيرة مكونة من غرفة واحدة وردهة صغيرة، تجلس سيدة في أواخر الأربعينات تمسك بين يديها كرة من الصوف وتحولها إلى شيء فني جميل. كانت رغم سنينها الثماني والأربعين، ولكن يبدو عليها الجمال والوقار. كانت نغمات كوكب الشرق تشدو بجانبها. "نسيت النوم وأحلامه... نسيت لياليه وايامه... بعيد عنك حياتي عذاب... متبعدنيش بعيد عنك... غلبني الشوق ودوبني... دوبني... دوبني... ومهما البعد حيرني...

ومهما السهد سهرني... لطول بعدك يغيرني... ولا الأيام بتبعدني... بعيد... بعيد... بعيد عنك". صدحت صوت طرقات على الباب تعرفها جيداً. ثم المفتاح يدور وفتح الباب. روتين كل يوم دون تغير. وقف على الباب ينظر إليها في حب لم يقل يوماً. ولم يتغير. رغم كل ما حدث. ظل على وقفته ككل مرة ينتظر الإذن بالدخول، رغم زواجهم من أكثر من خمسة عشر سنة. ولكن الاتفاق بينهم سارٍ لا يتغير. لم يمل هو، ولن تلين هي. ابتسمت وهي تقول: -اتفضل يا عادل.

دخل بخطوات ثابتة ونظرات ثابتة أيضاً. عشقه القديم الذي لم يبرأ منه يوماً. ولا يريد. وقف أمامها مباشرة ثم قال: -عاملة إيه يا مريم النهاردة وأخبار رجلك إيه؟ ابتسمت وهي تقول: -آه لو خديجة سمعتك وأنت بتسأل على رجلي، كانت كسرت رجلك وقطعت لسانك. ضحك بصوت عالٍ وهو يقول: -مجنونة، متعرفش إنك بتجري في دمي في كل عروقي. إنتِ اللي مخلياني عايش.

كانت تنظر إليه بحب لم ولن ينتهي يوماً. هو ابن عمها. حبها الأول والأخير. هو من تمنت أن تتزوج وتنجب منه، ولكن القدر كان له رأي آخر. سألها باهتمام حقيقي: -فطرتي؟ هزت رأسها بنعم. سألها: -والدوا؟ عادت تهز رأسها بنعم. سألها: -لسه بتحبيني؟ نظرت إليه قليلاً ثم هزت رأسها بنعم.

ابتسم هو الآخر في سعادة. أن هذه اللحظات من كل يوم هي ما تجعله متمسكاً بالحياة. حبها اللا مشروط واللانهائي الذي جعلها وهي في أوج شبابها تحرم جسدها عليه حتى تحافظ على بيته وزوجته وأبنائه. ولكنه تمسك أن يموت وهي زوجته، حتى تكون زوجته في الجنة. وطلب منها أن تعاهده أن يكون زوجها الأخير مهما حدث. وعاهدته. دائماً كان يقول لها:

-سوف أطلب من الله أن يجعلكِ زوجتي في الجنة، ولا أحد غيرك. وإذا كان لابد من حور العين، ليكونوا جميعهم أنتِ. كان ينظر إليها بتمعن، لا يمل من تفاصيلها، حين استمعا لخطوات صغيرة تقترب. وقفت مريم الصغيرة على باب الشقة وقالت سريعاً، حتى لا تنسى ما قالته لها أمها: -بابا ماما، قول خمس دقايق وخلص.

ضحكا بصوت عالٍ. أن خديجة لا تتغير. هي متأكدة أنهم يجلسون سوياً يتكلمان فقط، لكنها أيضاً تغير من ذلك لمعرفتها بحبه الكبير لمريم. حتى أنها خاصمته شهر كامل حين كانت تفكر مع ظنونها أنه سوف يسمي صغيرتها بمريم. أشار لها والدها أن تأتي إليه. فتحركت في خطوات صغيرة ووقفت أمامه، فقال لها: -مش عيب كده؟ مش المفروض تسلمي على ماما مريم؟ وقفت الصغيرة حائرة، فتكلمت مريم الكبيرة قائلة:

-طيب أسلم عليكي أنا، وكده تكوني سمعتي كلام ماما ومسلمتيش أنتِ عليا، صح؟ حركت الصغيرة ذات الثماني سنوات رأسها بنعم، في فرح. فهي تحب ماما مريم، ولكنها لا تفهم لما تمنعها أمها عنها. قبلتها مريم على وجنتها الصغيرة واحتضنتها برفق. ابتسمت الصغيرة ثم تحركت لتعود لأمها.

كان عادل يسجل كل لمحة ونظرة وابتسامة ودمعة تصدر منها. يحفظها ككف يده، ويعلم بما يشغل عقلها. وقد سعى بكل طاقته ليسعدها ولو قليلاً. ويعلم جيداً ما هو هذا الشيء، وسيحققه مهما كان الثمن. وقف على قدميه وهو يقول: -أنا بعت لأم محمد عشان تيجي تنظف الشقة، عشان في ضيوف جاين عشانك بليل. كانت نظرات الدهشة ترتسم على ملامح مريم، لكنها أيضاً تفهمه. هو لن يخبرها بشيء، فل تنتظر، وإن غداً لناظره قريب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...