كانت الجلسة عائلية لطيفة تعرفت فيها على أبناء السيد عادل. الصغيرة مريم، التي اندهشت أنه أسماها على اسم أمها، فكيف قبلت زوجته؟ يبدو أن القصة لها جوانب كثيرة هي لا تعرفها. وتعرفت أيضاً على التوأمين محمد ومحمود. رحلت مهيرة وقلبها يبكي بعدها عن أمها من جديد، ولكنهم اتفقوا على الزيارات المستمرة المتبادلة بينهم. أوصل سفيان زينب إلى منزلها، وبدأت رحلة العودة للبيت.
كانت مهيرة تنظر إليه بتركيز شديد، تحاول نقش ملامحه داخل قلبها بحروف من ذهب. انتبه لنظراتها فقال: -بتبصيلي كده ليه؟ ابتسمت بسعادة ولم تجبه، ولكن في لحظة خاطفة أمسكت يديه لتقربها من فمها وتقبلها الكثير من القبلات وهي تقول: -شكراً على كل حاجة... أنت حققتلي حلم عشت عمري كله أتمناه. كانت قبلاتها مستمرة على بشرته السمراء تفعل به الأفاعيل.
كان يشعر بأكثر من شعور: سعادة بسعادتها بلقاء والدتها، وتلك القبلات على يديه كلمسات فرشاة ناعمة تحرك مشاعره وتؤجج ناره. وأيضاً كان يشعر أنها تقبلها بشعور من الفضل عليها، وذلك ضايقه قليلاً. فأكملت هي قائلة:
-بعد ما رماني أبويا عليك وسافر، تخيلت إنك هتكون شايفني حمل تقيل. لكن أنت عاملتني كويس وحسيت في بيتك بالأمان، وأختك وماما نوال. عيلة حلمت بيها وبفضلك اتحققت. لأ وكمان ترجعلي أمي. أنا مش عارفة أردلك كل جمايلك دي إمتى وإزاي. شكراً.. شكراً على كل حاجة. وختمت كلماتها بقبلة عميقة طويلة على باطن يديه. كان قلبه يخفق بقوة مع كل كلمة تقولها، ما هذا الكلام؟ فضل وجمايل؟ إنها حقاً حمقاء! ألم يعترف بحبه لها؟
غير أحاسيسه التي تشتعل الآن من ملامسة شفاهها ليده. صاح بها بصوت عالٍ أن تتوقف وهو يسحب يديه من يدها قائلاً: -خلاص كفاية. نظرت له بخوف، لكن هو ظل ينظر إلى الطريق جيداً حتى وجد مكان مناسب، ثم أوقف السيارة بشيء من الحدة، ثم التفت إليها قائلاً: -ينفع اللي أنتِ بتعمليه ده؟ كانت تنظر إليه بعدم فهم وخوف من أن تكون دون قصد أخطأت في حقه. أكمل وهو ينظر إليها بتتمعن قائلاً: -أنتِ عارفة عملتي فيا إيه؟
برفرفة الفراشات دي اللي بتوزعيها على إيدي وأنا سايق. آه لو كنت في البيت دلوقتي كنت وريتك بصحيح. كانت مقطبة الجبين لا تفهم شيئاً، ولكنّه أكمل دون أن يهتم بنظرات الاستفهام في عينيها قائلاً: -وبعدين أنتِ بتشكريني على إيه ها؟ وفضل إيه وجمايل إيه؟ هو أنتِ ليه ديماً بتنسي إنك مراتي وحبيبتي وكل دنيتي؟ ابتسمت وهي تضربه على كتفه وهي تهتف بحنق: -خوفتني جداً... ممل. نظر لها وهو يرفع حاجبيه قائلاً: -هبلة. أعجبتها اللعبة فقالت:
-قليل الأدب. ضحك بصوت عالٍ وهي تقول وقد زاد حنقها منه: -ممل وخنيق وقليل الأدب ورخم و... وبحبك. اختفت الضحكة عن وجهه وظل ينظر إليها ثم قال: -أنتِ قولتي إيه؟ لم تفهم ردة فعله، ففضلت الصمت. فقال هو بصوت ضعيف: -أنتِ قولتي إيه يا مهيرة؟ أرجوكي أنا مش حمل إني أطلع بتخيل... أرجوكي قولتي إيه؟ أجابته دون كلمات، نظرات عينيها تنطق بحب كبير. تنهد بصوت عالٍ، فهي لن تقوله مجدداً، ولكنه يريد تأكيد. فنظر لها وقال برجاء:
-طيب بلاش تعيديها... أنتِ فعلاً حساها؟ شعرت بالألم من أجله، فخفضت بصرها وهي تحرك رأسها بنعم. تنهد بصوت عالٍ وهو يحرك السيارة دون كلمة أخرى. وصل إلى تحت البناية التي يسكنون فيها، وقبل أن يترجل من السيارة، أخرج مفتاحاً من حامل مفاتيحه وأعطاه لها وقال: -إحنا النهاردة هيكون أول يوم لينا في بيتنا وده المفتاح. كانت تشعر بالخجل، فاليوم لا يوجد ماما نوال أو جودي. ماذا سيحدث؟
هي لا تعلم، خائفة، قلقة، ولكنها تشعر بالأمان أيضاً. كيف تجتمع كل تلك المشاعر سوياً؟ وقف يتطلع إليها وهي تخطو إلى شقته التي حلم كثيراً أن يراها هنا في بيته بجواره إلى الأبد.
كانت خطواتها العرجاء بخجلها الطبيعي تزيدها في عينيه حباً وشغفاً. كم تمنى أن يجلس أسفل قدمها المصابة ويقبلها مرات ومرات ويعتذر لها مرات ومرات. لا يعلم على ماذا سيعتذر بالتحديد، ولكنه دائماً يشعر أنه لابد أن يعتذر لها عن كل لحظة ألم عاشتها قبلاً. كم تمنى قربها ووجودها الدائم بحياته، وها هي الآن تقف في وسط بيته. هو لا يصدق... ولكنه يسمع دقات قلبها الخائفة، فتحرك اتجاهها وقال: -نورتي بيتك.
كررت الكلمة خلفه وكأنها تتذوقها، فاكمل كلماته قائلاً: -تعالي أوريكي أوضتك. مشت خلفه في صمت وهو يتجه إلى إحدى الأبواب المغلقة، فتحه ودخل خطوتين وأنار الغرفة وقال: -يا رب ذوقي يعجبك. ظلت تنظر إلى أركان الغرفة التي تشبه غرف الأميرات بألوانها المفرحة وسريرها الملكي الكبير. وقف أمامها وقال بصوت رخيم وبهدوء شديد: -دي أوضتنا، لكن دلوقتي مؤقتاً هتكون أوضتك لوحدك لحد ما ترضي عني وتسمحيلي أقرب منك.
أوعي تفكري للحظة إن أنا عايز قربك كزوجة لمجرد رغبة، لأ أنا أتمنى أكون ليكي كل شيء زي ما أنتِ عندي كل حاجة. واقترب منها ليقبل أعلى رأسها قبلة طويلة، ثم قال: -تصبحي على خير يا حبيبتي. وتركها وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه وهو يتنهد بصوت عالٍ داعياً الله أن يلهمه الصبر. وقفت تنظر إلى الباب المغلق وهي تشعر بامتنانها له ولتفهمه، ودعت الله أن يعينها ويقربها من زوجها.
مرت أيام في روتينها المعتاد حتى أتى يوم الجمعة. اتصل حذيفة بسفيان ليؤكد معه معاد اليوم. أجابه سفيان ببعض الضيق المصطنع: -هو أنا معرفش أنام منك أبداً؟ عايز إيه؟ ضحك حذيفة بصوت عالٍ ثم قال: -ماشي يا عريس، أنا بس حبيت أأكد عليك معاد النهارده. نفخ سفيان بضيق وقال: -عريس... ماشي يا أخويا، عارفين إن الكونت حذيفة هيشرفنا النهارده. فرشنا الأرض ورد وعلقنا الزينة. ممكن تسبني أنام بقى؟ عاد حذيفة يضحك وهو يقول:
-خلاص يا برنس، روح كمل نومك. أنا جاي بعد صلاة الجمعة. أغمض سفيان عينيه بيأس وقال: -ماشي يا حذيفة، في انتظارك. سلام بقى يا بارد. وأغلق الخط وهو يستمع لضحكات صديقه. كانت السيدة نوال تعمل بالمطبخ على أصناف الغداء وما يحبه حذيفة، وأيضاً أرادت أن يكون غداء استثنائي لأول مرة لسفيان ومهيرة بعد أن انتقلا إلى شقتهما.
كانت جودي بغرفتها ترتبها حين سمعت صوت حركة في المطبخ، فتوجهت إليه لترى أمها تعمل بنشاط وسعادة. أطلقت صفيراً عالياً وهي تقول: -إيه النشاط ده كله يا نونا؟ صباحك ورد. ابتسمت نوال في سعادة وقالت: -صباحك عسل لون عيونك. جلست جودي على الكرسي المقابل لأمها وهي تقول: -أيوه بردوا صاحية بدري وعلى المطبخ على طول كده ليه؟ أجابتها دون أن تنظر إليها: -حذيفة هيتغدى معانا النهارده هو وأواب وأخوكي ومراته.
قطبت جودي حاجبيها وهي تشعر بالضيق من تلك الزيارة، ولكنها لم تقل شيئاً لأمها عن ذلك. نحت ضيقها جانباً وقالت: -تحبي أساعدك في حاجة؟ رفعت أمها عينيها عما تفعل وقالت: -هنا لأ، بس مهمتك ترتيب البيت. هزت جودي رأسها بنعم وتوجهت لخارج المطبخ وهي تسب حذيفة في سرها. لماذا يحضر اليوم؟ ما زالت تلملم شتات نفسها وروحها بعد ما حدث بالجامعة.
مر الوقت سريعاً، وذهب سفيان لأداء الصلاة، ومهيرة جلست مع السيدة نوال بالمطبخ بعد اتصالها بوالدتها لتطمئن عليها. كانت جودي بحالة ضيق واضحة جعلت مهيرة تخرج عن خجلها وتسألها ما بها. نظرت إليها جودي وقالت: -حاسة إني تايهة يا مهيرة، مش عارفة أرسى على بر. ولأول مرة أحس إني خايفة. لم تفهم مهيرة من حديث جودي أي شيء، ولكنها اقتربت منها وربتت على كتفها قائلة:
-أنا مش عارفة إيه سبب الخوف والتوهة، بس أكتر حاجة تريحك هي الصراحة يا جودي. اتكلمي يمكن تفهمي اللي جواكي. وتركتها وعادت إلى المطبخ. ظلت جودي على جلستها حتى استمعت لصوت طرقات على الباب، فوقفت على قدميها ودخلت غرفتها وأغلقت الباب. كانت الجلسة مرحة بسبب مزاح حذيفة مع سفيان وردود سفيان الباردة.
كانت جودي في عالم آخر مع أواب يلعبان ويتحدثان، ولم تلاحظ نظرات حذيفة لها. كل ما كان يشغل بالها هو ذلك الطفل بعقله الكبير وروحه الشفافة. حتى استمعت لصوت حذيفة يتكلم بجدية ولأول مرة: -سفيان، ماما نوال، كنت عايز أتكلم معاكم في موضوع كده. انتبهت نوال إليه، ونظر سفيان باهتمام، وأيضاً مهيرة دون مبالغة وبخجل. حتى جودي انتبهت حواسها لما سيقول. تكلم مباشرة قائلاً:
-أنتم عارفينى كويس، ومع ذلك أنا مش متوقع الموافقة، بس أنا هطلب اللي أنا عايزه. أنا يشرفني إني أطلب إيد الآنسة جودي. صمت تام. سفيان ينظر لصديقه بتمعن دون أن يظهر على صفحة وجهه أي شيء، ونوال على وجهها ابتسامة بسيطة. مهيرة تنظر لتلك الجالسة أرضاً، حتى قطعت جودي ذلك الصمت حين وقفت صارخة: -أنا مش موافقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!