كانت جالسة بجانبه في السيارة تبتسم في سعادة. لقد استطاعت التقرب من سفيان ووجدته إنسانًا محبًا وطيب القلب، لكنها ما زالت تشعر بغصة في قلبها من تلك المكالمة القديمة التي سمعتها، ولكن بطريقة مختلفة الآن. هل كان لديه علاقات نسائية؟ ما هذا؟ هل هذا الشعور هو غيرة أم ماذا؟ حاولت التفكير في شيء آخر فوجدت نفسها تفكر أيضًا: لماذا دائمًا كانت تراه في القصر مقطب الجبين، عصبى المزاج؟
نظرت إليه. كان يقود السيارة بتركيز كبير. نظرت إلى الطريق. هي لم تحفظ الطريق لبيتها الجديد بعد. لم تلاحظ أنه يسير بطريق مختلف. وصلت سيارة سفيان إلى حي راقٍ نسبيًا ووقفت أمام بيت راقٍ مكون من ثلاثة طوابق. كانت تنظر إلى البيت ثم نظرت إلى سفيان باستفهام. فنظر إليها وقال: -اسمعيني كويس يا مهيرة وركزي في اللي هقوله كويس. ظلت صامتة تنظر إليه تنتظر باقي كلماته التي جعلت قلبها ينقبض بخوف. أكمل قائلاً:
-البيت ده فيه شخص عزيز عليكِ جدًا. مش عايزك تحكمي من غير ما تسمعي وتفهمي... اتفقنا. ظلت تنظر إليه دون رد، ولكن قلبها يخبرها أن الآتي ليس سهلاً أبدًا. أخرج هاتفه واتصل على رقم ما واستمعت إليه يقول: -مساء الخير أستاذ عادل... إحنا قدام البيت. وأغلق الهاتف وهو يشير لها أن تترجل من السيارة. حين وقفت بجانبه تمسكت بيده في خوف. فربت على يديها يطمئنها وهو يبتسم ابتسامة مشجعة.
ظهر السيد عادل عند بوابة البيت وهو يتأمل في ملامح مهيرة البريئة. تقدم سفيان وهي خلفه حتى وقف أمامه مباشرة فقال: -نورتوا. ونظر إلى مهيرة وهو يقول: -اتفضلي يا بنتي بيتك ومطرحك. ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تخطو خلف سفيان لداخل البيت. حين استمعا لصوت ينادي عليها وقفت تنظر في اتجاه الصوت لتجدها زينب. لتركض مهيرة لها على قدر عرجها واحتضنتها وهي تقول: -وحشتيني قوي يا دادا... وحشتيني قوي. ظلت زينب تربت على
ظهرها وتقبلها وهي تقول: -وأنتِ كمان يا حبيبتي وحشتيني. ثم أبعدتها عنها قليلاً وهي تقول: -طمنيني عليكي حبيبتي. ابتسمت مهيرة بسعادة ناسيه أين هي ولماذا، وقالت: -الحمد لله أنا كويسة قوي. طلع معاكي حق، سفيان أحلى حاجة حصلت لي. ربنا ميحرمني منك ومنه. ربتت زينب على خدها وهي تقول: -واللي هيحصل دلوقتي كمان يا بنتي، أنتِ بتحلمي بيه من زمان. قطبت مهيرة جبينها وهي تعود لواقعها وللمكان الغريب التي تقف فيه.
عاد إلى مكان وقوف سفيان والسيد عادل حيث زينب. سفيان بابتسامة والسيد عادل التي يبدو أنها تعرفه جيدًا. صعدا خلف السيد عادل طابقًا واحدًا فقط لتجد بابًا أمام السلم مباشرة. وقف السيد عادل أمامه وطرق عليه طرقتين، ثم أخرج مفتاحه وفتح الباب وهو يقول: -اتفضلوا يا جماعة.
كانت مريم جالسة في مكانها المعتاد على الكرسي الواسع بجوار النافذة حين استمعت إلى طرقه على الباب ثم صوت المفتاح. اندهشت من نزوله لها، أنه غير معتاد معها على ذلك. هو ينزل لها مرة واحدة في اليوم، وكان لديها صباحًا، ثم تذكرت أنه قال لها أن هناك زوار اليوم، ولكن من يا ترى؟ هي لم تخرج من البيت من وقت زواجها هي وعادل.
نظرت إلى الباب لتجده يدلف وخلفه شابة جميلة تمشي بعرج واضح، وخلفها حائط بشري يلتصق بها كأنه يحميها من شيء ما، وخلفه زينب. قالت الأخيرة بصوت عالٍ وهي تقف على قدميها حين اقتربت منها زينب سريعًا وهي تحتضنها بقوة. كانت مريم تبكي بصمت وهي تقول: -وحشتيني يا زينب، وحشتيني قوي. نظرت لها زينب وقالت: -وأنتِ كمان وحشتيني قوي يا هانم. أمالت مريم رأسها يمينًا وهي تقول: -هانم إيه بس يا زينب... ده أنتِ صحبتي الوحيدة.
ثم رفعت عينيها إلى الحائط البشري الذي يقف خلف الفتاة الصغيرة التي يحدثها قلبها عنها، ولكنها تخشى التصديق. نظرت لعادل وهي تقول: -نفذت وعدك يا عادل. ابتسم عادل وهز رأسه بنعم وهو يقول: -هو أنا عمري خلفت وعد. تقدمت من الفتاة وهي تشعر أن قدميها لم تعد تحملانها، وهي تقول بصوت يسمع بصعوبة: -مهيرة... بنتي. كانت مهيرة تتابع هذه المرأة وهي تحتضن زينب وكلماتها للسيد عادل...
وملامحها التي تعرفها جيدًا. قلبها يضرب بقوة داخل صدرها مع كل خطوة تقتربها هذه المرأة منها، وخارت جميع قواها مع همستها باسمها وتبعتها بكلمة "ابنتي" واحتضانها لها بقوة. كانت مهيرة لا تفهم حقًا ما تشعر به. هل هي الآن في حضن أمها؟ الحضن الذي حلمت به كثيرًا؟ هل هي سعيدة بوجودها بين يدي أمها بعد كل هذه السنين، أم تتألم لرؤية أمها تعيش حياتها بعدها دون أن تشغل بالها بها؟
كانت يداها ترتفعان لتحتضنها هي الأخرى، ولكنها توقفت في الهواء. ابتعدت مريم عن مهيرة قليلاً وهي تقول: -أخيرًا... أخيرًا يا بنتي، أخيرًا شفتك ومليت عيني منك قبل ما أموت... اااااه يا بنتي لو تعرفي إيه اللي حصلي. أنا عارفة إنك زعلانة مني وحقك... حقك يا بنتي. بس لما تعرفي اللي حصلي هتعذريني على كل حاجة. تعالي... تعالي.
وامسكت يديها وسحبتها خلفها إلى الغرفة الوحيدة بالبيت. تحركت معها وهي تنظر لسفيان الذي شجعها بعينيه، لكنه دون شعور منه تحرك خلفها بحركة لا إرادية. فأمسك عادل بيده وقال: -سيبهم لوحدهم... كل واحدة فيهم عندها كلام كتير ومينفعش يتقال قدام حد. نظر له سفيان طويلاً ثم هز رأسه بنعم، فأشار له عادل أن يجلس. حين دلفت إلى الشقة خديجة وبيدها صينية تقديم كبيرة ووضعتها على الطاولة. حين وقف بجانبها عادل قائلاً: -اعرفكم خديجة مراتي...
ودي الست زينب اللي ربت مهيرة بنت مريم. وده الأستاذ سفيان جوز مهيرة. كانت نظرات سفيان كلها اندهاش. إذا هو متزوج من امرأتين؟ ولكنه أجل إصدار حكمه حتى تأتي صغيرته، ووقتها لكل حادث حديث. حين دلفت مريم إلى الغرفة وخلفها مهيرة، سحبت يديها من حضن يد مريم وهي تقول: -اتفضلي قولي لي إيه السبب اللي خلاكي تسيبين بنتك وتمشي؟
سمعيني أسبابك القهرية اللي خلتك تسيبيني عشان تتجوزي من غير ما تفكري فيا أنا، ولا لما طلعت عرجاء لقيتي إنّي مستهلش أكون بنتك. تقدمت مريم خطوة واحدة وأمسكت يديها من جديد وقالت: -تعالي اقعدي وأنا هحكيلك كل حاجة يا بنتي وهرضى بحكمك. جلست مهيرة على أقرب كرسي وقلبها يؤلمها بشدة. تتمنى أن تلقى نفسها داخل أحضان أمها ترتوي من حنانها وعطفها الذي حرمت منه عمرها كله. جلست مريم أمامها وهي تقول:
-بصي يا بنتي أنا اتجوزت أبوكي غصب عني. حكت لها كيف تزوجها بالتهديد وكيف كان يعاملها. كيف ضربها حتى كسرت قدم مهيرة وهي داخل رحمها وتسبب لها بهذه العاهة طوال حياتها. كيف كان سيقتل مهيرة وكيف جعلها ترجوه أن يترك صغيرتها. كيف طلقها ورماها، وكيف كان يشكك في نسبها له. وكم ذهبت إليه لتترجاه وتقبل قدميه حتى يقبل أن تراها ولو من بعيد، ولكنه كان دائمًا يهينها ويخرجها من القصر بأكثر الطرق إهانة.
أكملت آخر كلماتها وهي تبكي وتمسك بيد ابنتها كغريق يتعلق بآخر أمل له في الحياة: -كنت بكلم زينب كل يوم أطمن عليكي، وكانت ساعات بتسيب الخط مفتوح عشان أسمع صوتك وضحكتك... كانت ديمًا تجيب لي صورك وأخبارك لحد ما عرفت إن أبوكي جوزك البودي جارد بتاعه. كنت هموت، كنت عايزة أجى أخطفك وأجري بيكي لأبعد مكان، بس زينب طمنتني إنه بيحبك وأنك هتكوني سعيدة معاه.
كانت مهيرة تستمع لكل ما تقوله أمها وهي لا تصدق. هي تعرف جيدًا بشاعة أبيها مما فعله هو معها، ولكن كل ما سمعته الآن كثير جدًا. هو سبب عاهتها، حاول قتلها، دمرها لسنوات وسنوات. بكت وبكت وارتمت على قدميها أمام أمها، فضمتها مريم بقوة. ظلت مهيرة تقبل يد أمها بحب وشوق وهي تقول: -آسفة يا أمي، أنا آسفة. آسفة على كل الوجع والألم... آسفة... أنا آسفة... أنا آسفة.
ظلوا على جلستهم تلك لوقت طويل دون أن تشعر أي منها بالوقت، حتى استمعت لصوت طرقات على الباب ودخول عادل بنظرات محرجة قائلاً: -إحنا قلقنا عليكم وجوزك بره كان هيأكلني. أشارت له مريم أن يقترب، حين وقفت مهيرة على قدميها فقالت مريم: -أعرفك يا مهيرة، ده عادل ابن عمي وجوزي. نظرت مهيرة لأمها بتركيز، فغمزت لها أمها. فبسطت يدها لتسلم عليه، وقال هو: -أنا سعيد جدًا إني شفتك يا مهيرة... تعرفي المفروض تكوني بنتي أنا...
بس هنقول إيه نصيب. قالت مهيرة بصوت متقطع من البكاء: -ويا ترى بقى ليا أخوات ولا إيه؟ اخفضت مريم رأسها حين قال عادل بصراحة: -أنا ووالدتك كاتبين كتاب، بس يعني مراتي مع وقف التنفيذ. اندهشت مهيرة من كلامه ونظرت لأمها باندهاش، فاخفضت مريم رأسها وهي تقول: -مكنش ينفع أعيش حياتي وأتبسط وأنتِ بعيدة عني. جثث مهيرة أمام والدتها من جديد وقبلت يديها وهي تقول: -وخلاص يا أمي، أنا وأنتِ رجعنا لبعض. عيشي واتبسطي وعوضي كل اللي فات.
تكلم عادل حين لاحظ نظرات مريم الخجلة قائلاً: -طيب خلينا نخرج للناس اللي بره ولا إيه. تحركوا جميعًا خارج الغرفة، فوقف سفيان سريعًا ليتوجه إلى مالكة القلب. فابتسمت له بحب وقالت: -شكرًا سفيان، شكرًا على كل حاجة. ابتسم في سعادة وقبل أعلى رأسها، ثم ابتعد عنها لتتقابل عيناه مع عين مريم الباسمة. فقالت مهيرة: -ده سفيان يا أمي، جوزي. تقدم سفيان منها وقبل يديها وهو يقول: -إزيك حضرتك؟ سعيد إني اتعرفت عليكي.
ربتت مريم على رأسه وقالت: -وأنا كمان يا ابني... خلي بالك على مهيرة. اخفض رأسه وقال: -في عيوني. تكلمت خديجة لتقطع هذه اللحظة العائلية وهي تقول: -تعالوا يا جماعة اشربوا العصير. نظرت مهيرة لأمها باستفهام، فقالت مريم بصوت هادئ: -دي تبقى خديجة مرات عادل. كانت الكلمات كسياط على قلب مهيرة وهي تنظر لأمها باندهاش. فقالت مريم بصوت خفيض: -هبقى أفهمك كل حاجة. حين اقتربت منهم خديجة وهي تقف أمام مهيرة قائلة:
-نورتي بيت والدتك يا مهيرة. أجابتها مهيرة قائلة: -شكرًا لحضرتك. وجلس الجميع في جلسة عائلية صغيرة يملؤها الحب. حين مال عادل على أذن مريم قائلاً بصوت لا يسمعه أحد غيرها: -نفذت وعدي وجمعتك ببنتك... وكمان خديجة موافقة تكوني زوجة حقيقية ليا... يا ترى هترضي عني بقى ولا لسه هفضل أتعذب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!