كان حذيفة يشعر وكأنه قد ضرب على رأسه، هل وافقت جودي على زواجها منه منذ قليل؟ نظر إلى سفيان يستنجد به، فاقترب منه ووقف أمامه ووضع يديه في جيب بنطاله وقال: -صحيح هي وافقت، بس معتقدش إنها وافقت عليك أنت. وتركه وخرج. كانت جودي تقف بالخارج تنتظر أخيها وهي تفكر، ما هذا الذي قالته بالداخل؟ هل وافقت على زواجها من حذيفة بعد عدة ساعات من رفضها له؟ كيف ذلك ولماذا؟ هل حبها لأواب يجعلها تقدم على هذه الخطوة بتلك الطريقة؟
كانت تنتظر خروج سفيان بنفاذ صبر حتى تعرف رأيه ويخبرها هل ما حدث الآن صواب أو خطأ. كان يقف عند الباب ينظر إليها سارحة، ولكن عقلها يعمل وبقوة... خائفة، حائرة. اقترب منها وضمها إلى صدره قائلاً: -صح اللي حصل جوه ده صح، بس كمان حذيفة لازم يحس إنك وافقتي عشان أواب وبس، حتى لو عندك أسباب تانية. قال ذلك وهو يغمز لها. وتحركا ليغادرا المشفى في هدوء.
كانت تشعر بالقلق. غادر سفيان سريعًا دون أي كلام. استمعت إليه وهو يخبر جودي أن تستعد سريعًا. هل حدث شيء للسيدة نوال؟ كانت تخشى أن تحادثه في الهاتف فيصرخ في وجهها أو ينهرها على اتصالها. لو كان يريد إخبارها لأخبرها. كيف ظنت أنها زوجته حقًا ولها حقوق؟ وهل أعطته حقه أولاً حتى يعطيها ذلك الحق؟ استمعت لصوت الباب يفتح ثم يغلق، وخطواته. أغلقت إضاءة الغرفة سريعًا، ولكنها استمعت لصوت طرقات على الباب وصوته يقول:
-مهيرة، أنتِ صاحية؟ ممكن أدخل؟ أنارت الغرفة من جديد وفتحت الباب لتجده يبتسم وهو يقول مباشرة: -حذيفة كلمني، أواب تعب جدًا وراح بيه على المستشفى، وأنتِ عارفة هو متعلق بجودي إزاي، فأخدتها معايا. شهقت بصوت عالٍ وهي تسأل: -حصله إيه؟ وبقى كويس ولا لأ؟ أمسك يديها وقال: -زعل شوية فحصلتله شوية تشنجات. أنتِ عارفة ظروفه. بس هو كويس دلوقتي. صمت قليلاً ثم قال: -جودي وافقت على حذيفة، بعد ما أواب طلب منها إنها تكون مامته.
ضحكت قليلاً وهي تقول: -يعني عايز تفهمني إنها وافقت عشان أواب بس؟ نظر لها بتمعن وهو يرفع حاجبه الأيسر قائلاً: -تفتكري فيه حاجة تانية يا آنسة مهيرة؟ ثم أكمل قائلاً: -على الرغم من إن كلمة آنسة دي جارحة لرجولتي، بس هي الحقيقة في الأول وفي الآخر. يلا هنقول إيه، ربنا يصبرني. ثم دفعها برفق من كتفها وهو يقول: -يلا يا بنت الناس ادخلي واقفلي الباب عشان الشيطان بيلعب في دماغي دلوقتي. تصبحي على خير.
وأغلق الباب وهو يتنهد بصوت عالٍ وهو يستمع لصوت ضحكتها. كان جالسًا بسيارته يشرب شيئًا ما من زجاجة غريبة وهو يتوعد كل من أهانه وأخطأ في حقه من وجهة نظره.
ألقى الزجاجة من النافذة وقاد السيارة بسرعة عالية. كان يرى كل ما حدث معه، ضرب أخيها له، كلمات رئيس الجامعة، ضحك زملائه ولومه، وأخيرًا فصله من الجامعة وضياع مستقبله. كان يمر بين السيارات لا يرى أمامه سوى تلك الفتاة التي دمرت كل شيء، هي المسؤولة عن ما هو عليه. هو حازم العامري، كل الكون تحت قدميه، تأتي فتاة رخيصة مثلها وتسخر منه وتأخذ منه كل شيء. كانت قدمه تضغط على دواسة البنزين ليزيد من سرعته. كان يتحرك سريعًا في محاولة لتفادي السيارة التي أمامه ليجد ضوءًا ساطعًا ضرب عينيه، لم يعد يرى شيئًا، وبعدها وفي لمح البصر، كان كل شيء قد انتهى.
في صباح اليوم التالي، استيقظت زهرة على رنين هاتفها الملح. لماذا لا تستطيع النوم براحة؟ ليس لديها محاضرات صباحية، لذا لما الهاتف الآن؟ أمسكت الهاتف ووضعته على أذنها دون أن ترى الاسم، وقالت بعصبية قليلة: -نعم. ضحك بصوت عالٍ على نبرة صوتها الحانقة. يعلم أنها نائمة وليس لديها محاضرات صباحية، ولكنه أراد أن يسعدها بشكل مختلف وأن يقوم بتنفيذ خطته. فقال لها وهو يبتسم: -اصحي يا كسلانة، أنا جعان وعايز أفطر.
قطبت جبينها وهي تحاول استيعاب نبرته المرحة التي اشتاقت لها، فقالت: -طيب هو حد قالك إن هنا مطعم حضرتك؟ النمرة غلط يا فندم. ضحك بصوت عالٍ وهو يقول: -طيب اصحي عشان نروح المطعم اللي بجد نفطر. عشر دقايق فاهمة؟ عشر دقايق وتكوني قدامي. وأغلق الهاتف وهو يبتسم، ولكنه تذكر أنها هي من ستمر عليه لا هو. نغزة قلبه، كل شيء يعتمد عليها، هي من المفروض أن يذهب هو إليها لا العكس. نفض عن رأسه كل هذا وابتسم من جديد وهو يقول لنفسه:
-زهرة تستحق المحاولة. وتستحق إني أحاول بكل طاقتي. لازم أستحمل أي حاجة عشانها. كان جالسًا في المطعم الخاص بالفندق يتناول إفطاره، يفكر أنه حضر إلى هنا كي يهرب من الشهواي وما تم بينهما، ومن زواجه من ندى. لكن بعد ذلك التهديد الذي وصله أمس، اتصل برجاله بالقاهرة ليصل لسفيان ويخبره بكل شيء. وها هو ينتظر الرد، لا حول له ولا قوة. يشعر بالعجز. راجي الكاشف ينتظر من ينجده ويحل له مشاكله.
كان الشهواي يجلس في غرفة مكتبه يتكلم عبر الهاتف وكان يضحك بصوت عالٍ وهو يقول لمحدثه: -خلاص نهايته قربت. صمت لثوان ثم قال: -بنتوا ما تهمنيش في حاجة، بعد ما رماها للبودي جارد بتاعه. استمع إلى محدثه بتركيز ثم قال: -أكيد طبعًا. هيرجع ويبوس الأيادي كمان. وهيتجوز ندى غصب عنه. والباقي عليك.
أغلق الهاتف ثم نظر أمامه وعلى وجهه ابتسامة انتصار. لقد حقق حلمه الكبير بالقضاء على راجي الكاشف، الرمز الكبير الذي لا ينكسر. الآن هو في قبضته. كانت ندى الكاشف تنظر إليه بتركيز تحاول معرفة ما حدث. وترجمت حيرتها في سؤالها: -هتقول لي إيه اللي حصل ولا لسه فيه أسرار؟ ضحك بصوت عالٍ وقال: -خلاص كل حاجة هتم زي ما إحنا عايزين، وخلال يومين هتلاقي راجي تحت رجليكي بيترجاكي تقبلي تتجوزيه.
كانت ملامح ندى الشهواي يكسوها الانتصار والسعادة. كانت مريم تجلس في مكانها المعتاد حين استمعت لطرقات على الباب. ليست طرقات عادل، هي تحفظها عن ظهر قلب. وقفت على قدميها وتحركت في اتجاه الباب وفتحته لتفاجئ بوجه خديجة. قطبت جبينها وهي تسألها باهتمام وقلق: -خديجة، أنتوا كويسين؟ فيه حاجة حصلت؟ رجعت خديجة خطوة للخلف وهي تهز رأسها بنعم. فتنهدت مريم بارتياح، ولكن كلمات خديجة قبضت قلبها: -للدرجة دي مجيئك ليا يقلق؟
لوت مريم فمها وهي تقول: -بالعكس، بس دي أول مرة يا خديجة. هو أنتِ ناسيه إنك مقاطعانى ومبتبصيش في وشي، مش بس مش بتكلميني؟ نكست خديجة رأسها وقالت: -معاكي حق. طيب ممكن أدخل؟ عايزة أتكلم معاكي في موضوع. تحركت مريم خطوة واحدة لتستطيع خديجة المرور، ثم أغلقت الباب وقالت: -تشربي إيه يا خديجة؟ نظرت لها وكأنها لم تتوقع ذلك السؤال، فقالت لها: -وهتضيفيني كمان؟ بعد كل اللي عملتيه فيا يا مريم؟ ابتسمت مريم بشجن ثم قالت بحب حقيقي:
-عاملة عصير برتقال، هجيبه وأيجي.
ظلت خديجة تنظر حولها لتلك الشقة البسيطة التي تبتعد عن كل مباهج الحياة، مجرد الأساسيات لا أكثر. تذكرت وقت أخبار عادل لها أنه قرر الزواج من مريم وأنه يسكنها في الشقة الصغيرة بالدور الأول. ووقتها بيوم واحد كان قد فرشها وانتهى. كانت تغلي غيظًا، كانت تفكر أنه أتى لها بكل شيء، وكل تلك السنين لم تدخل تلك الشقة غير الليلة التي أتت بها مهيرة، وكانت الصدمة من بساطة الشقة وافتقادها للكثير من الرفاهيات. عادت من شرودها على جلوس مريم أمامها بعد أن وضعت كوبي العصير على الطاولة.
ابتسمت مريم وهي تقول: -مريم الصغيرة فين؟ شربت القليل من كوب العصير وهي تجيب: -نايمة. مش ملاحظة الهدوء اللي في البيت؟ ضحكت مريم وهي تقول: -كان حلم إنه يكون عندك ولاد، ولما ربنا رزقك هتتبطري. ضحكت خديجة وقالت: -معاكي حق. سنين بحلم بظفر عيل. يلا الحمد لله. صمتت قليلاً ثم قالت: -اسمعيني يا مريم من غير ما تقطعيني.
ظلت مريم تنظر إليها بصمت وهي تتذكر كلمات عادل لها بعد مغادرة مهيرة وزوجها بموافقة خديجة على جعل زواجهم حقيقة. حينها لم تصدقه رغم معرفتها الجيدة والواثقة أن عادل لا يكذب أبدًا مهما كان السبب، ولكنها رفضت حتى تشعر من خديجة بالقبول، وهو احترم ذلك لمعرفته لها جيدًا، ولأن وجودها بحياته كان أكبر معجزة. أفاقت من شرودها على صوت خديجة وهي تقول:
-أنا عمري ما حبيتك من قبل ما أقبلك وتتجوزي عادل لأنه مكنش شايفني، أنتِ اللي في باله وخياله وقلبه وعقله. كان معايا بجسمه لكن كل ذرة فيه كانت ملكك أنتِ. فعلشان كده مقدرتش. كنت فاكرة كده بحافظ على كرامتي وبخليه ليا أنا بس، لكن أنا كنت غبية. عمر عادل ما كان ليا، عادل ليكي أنتِ وبس من يوم ما وعى على الدنيا. وأنا سألت شيخ وقالي إن كده عادل عند ربنا ظالم لأنه مانع عنك حقك عشان يرضيني، وإنه يوم القيامة هيقف قدام ربنا ونصّه مايل. وأنا بحب عادل أوي يا مريم ومحبش إنه يكون ظالم ولا إن ربنا يغضب عليه. وكمان هو نفسه في قربك يا مريم. وأنا...
أنا... موافقة. وتركت الكوب على الطاولة وغادرت سريعًا. ولكنها وقفت عند الباب وقالت: -أنا مش ملاك، أنا بشر وهفضل أكرهك. بس استعدي النهارده عادل هيبات عندك. وجهزي عشا كويس. وتركتها وغادرت ودموعها تغرق وجهها، ومريم تشاركها الدموع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!