اليوم التالي. استعدت أسيل للذهاب معه ونزلت الدرج وهي في قمة سعادتها. لم تقبل أمينة تصرفها، لكن رؤية السعادة في وجهها جعلتها ترضخ لها. خرجت أسيل من المنزل فتتفاجأ بحازم أمامها. "أزيك يا أسيل." ارتبكت أسيل وردت وهي تنظر إلى سيارة داغر التي توقفت على بعد أمتار منهم. "الحمد لله بخير." كانت نظرات حازم تلتهمها، وهذا ما لاحظه داغر. لا يعرف من يكون ولا صلة قرابتهم.
لا يعرف سوى تلك الغيرة التي جعلته يضغط على موقد السيارة بغضب وهو يراها تبتسم وهو يحدثه. لم يستطع التحكم في غيرته عليها ونظرات ذلك الشاب لها واضحة وضوح الشمس. هم بالترجل من السيارة كي يذهب إليهم ويجذبها ليخفيها عن نظراته، لكنه تراجع ما إن رأه يدلف للداخل وتأتي هي إليه. فتحت باب السيارة وجلست بجواره وهي تقول بابتسامة. "معلش اتأخرت عليك." اندهشت أسيل عندما وجدته ينطلق بالسيارة دون قول شيء، مما جعلها تتعجب من صمته.
فطوال الطريق يضغط بقبضته على المقود وعلامات الغضب واضحة عليه، حتى وصلوا للشاطئ. لم تفهم سبب لذلك الصمت الذي يؤكد مدى تعصبه. أوقف السيارة جانباً، وحينها وجدته يلتفت إليها والغضب مرتسم في عينيه، وغمغم بتحكم. "مين اللي كنتي واقفة معاه ده؟ اهتزت نظراتها وشعرت بالخوف من حدته، فتمتمت بتوجس. "دا حازم ابن دادة أمينة." ضرب على مقود السيارة بقبضته وغمغم بسخط. "ولما هو ابن دادة أمينة بتقفي تتكلمي معاه ليه؟
أجفلت من صوته وظهر أمامها بجانب آخر، مما جعل الخوف يتسرب إلى قلبها. وردت بحذر. "عادي حازم زي أخويا…" صرخت أسيل بفزع عندما قاطعها بصوته الهادر. "لأ مش زي أخو…." توقف داغر وتحول غضبه للقلق عندما لاحظ ارتعابها، وأمسك يدها التي وضعتها أمام وجهها بحماية وتحدث بقلق. "في إيه يا أسيل…." سحبت يدها وهي تتأوه بفزع، مما جعل قلبه يهدر بقوة خوفاً عليها. وتمتم بلهفة. "أنا آسف، أنا بس اتعصبت من غيرتي عليكي."
هم برفع يده إليها كي يملس على رأسها بهدئها، لكنها صرخت بفزع ورفعت يدها تحمي وجهها، مما أدهش داغر. حاول أبعاد يدها عن وجهها، لكنها أجفلت وفتحت باب السيارة هاربةً منه ومن الجميع. خرجت مسرعة تريد الهرب، لكن إلى أين؟ كانت كلماتهم تتردد في أذنها. "لا تفعلي، لا تذهبي، لا تنظري، لا… لا… لا." وضعت يدها على أذنها تكتم تلك الأصوات التي زادت بصوت داغر.
كانت تستمع لصوته يناديها، مما جعلها تسرع في ركضها كي تهرب منه كما لم تهرب من أهلها. تعثرت في ركضها وسقطت على ركبتها، فهمت بالنهوض والهرب، لكن داغر أمسك بها يمنعها. "إهدي يا أسيل، اهدي متخافيش." حاولت الإفلات منه، لكنه أحكم قبضته عليها وقرب رأسها من صدره متمتمًا بخفوت. "أنا آسف إن كنت اتعصبت عليكي." استكانت أسيل ببكاء بين يديه، وهم جالسين على الرمال وذكريات من الماضي تقتحم مخيلتها وبقوة.
أصوات هادرة يعقبها صفعة قوية، وعقاب قاسٍ يعقبه حبس انفرادي. هل اكتمل الأمر لديها بوجوده؟ خرج داغر من المطبخ وهو يحمل كوبين من القهوة وقدم واحدًا لأسيل التي جلست على الأريكة بشرود. انتبهت للكوب الذي يحمله بيده، فأخذته منه بابتسامة مجاملة وعادت لصمتها. جلس داغر على المقعد المقابل لها وسألها بحنان مفرط. "بقيتي أحسن؟ أومأت على نهج صمتها، فعلم داغر بأنها تعذبت كثيرًا بحياتها. فقال بتروي.
"أنا عارف إني اتعصبت عليكي واتماديت، بس صدقيني ده كان نابع من غيرتي مش أكتر." تنهدت وهي تنظر للكوب بين يديها وردت بحيطة. "الموضوع مكنش مستاهل كل ده، حازم أنا وهو متربيين مع بعض يعني اللي بينا مش أكتر من أخوه." زم داغر فمه يحاول السيطرة على أعصابه عندما تذكر نظراته لها والتي تجزم بأن الأمر أكثر بكثير من مجرد أخوة، فكان عليه أن يلتزم الصمت كي لا يفتح عينيها عليه. فقرر أن يغلق الحديث ويتطرق إلى حديث آخر.
"ايه هنضيع اليوم زي امبارح ولا إيه؟ لاحت ابتسامة على محياها، لكن يغلفها الحزن، فتابع مزاحه. "ايه رأيك لو نروح عند چاك." تجاوبت أسيل معه وقالت بعدم استيعاب. "بس المسافة بعيدة أوي." "على أساس إن أنا سواق ميكروباص، أنا قبطان ياماما." "وافقي انتِ بس وخلال ساعتين نكون هناك." هزت رأسها برفض. "لأ خلينا هنا أحسن." لم يريد الضغط عليها وقرر أن يستمتع بتلك الأجواء معها. وقفا معًا على حافة اليخت يتسامران في أمور عديدة، ثم سألها.
"جعانة؟ ضحكت أسيل بيأس منه وسألته. "انت ديمًا جعان كده؟ نفى داغر وقال بغيظ. "لأ بس حضرتك رفضتي تأكليني امبارح ولما روحت كسلت أعمل أكل لأن مفيش حد غيري في البيت، اكتفيت بساندوتش واحد وتقدري تقولي كده شوب نسكافيه." "ماشي ياسيدي، في أكل في التلاجة ولا نرجع نشتري." نهض داغر وهو يجذبها من يدها. "لا كل حاجة موجودة في التلاجة." دلفا معًا وبدأ داغر يخرج اللحوم من المبرد ويشرح لها كيفية طهيهم.
"اللحوم الشرايح دي نص تسوية يعني هتتحمر على نار هادية وخلاص." أشار على أحد الأدراج. "الدرج ده هتلاقي فيه كل حاجة محتاجاها." "وانا بقا هعمل دور سي السيد انزل البحر شوية واستناكي تخلصي." "يا سلام، والسلطة مين هيعملها؟ حك ذقنه بمكر. "مفيش غير السلطة يعني، ما تخليني أحمر معاكي اللحمة." هزت رأسها برفض. "لأ متشكرة، اعمل السلطة بس." جلس داغر على المقعد وقد وضعت أسيل الخضروات أمامه وشرع في تحضيرها.
أخذ يرمقها بنظراته وهي تتحرك مثل الفراشة أمامه وتعد الطعام. تمنى في ذلك الوقت أن تكون زوجته ويقف خلفها يشاركها في كل شيء. أراد أن يقف خلفها ويمسك بيدها ويعدا الطعام معاً كشخص واحد. لا يعرف كيف تسللت إلى قلبه وهدمت جداره الصلب بتلك السهولة. كانت تضع خصلاتها بين الحين والآخر خلف أذنها، مما جعل وتيرة تنفسه تعلو ورغبة ملحة في منعها ليقوم هو بذلك الدور، لكنه أحجم تلك الرغبة ومنعها من ذلك التهور.
حاول الانشغال بإعداد السلطة كي يمحو تلك الأفكار من رأسه، فقال بمزاح. "بس شكلك ست بيت شاطرة، اومال ايه بقا فيلا في القاهرة بخدم وايطاليا والكلام ده." وضعت أسيل الشرائح في الأطباق وقالت. "جدو من محبين المطبخ وفي بداية حياته فتح مطعم واشتهر بيه جدًا، وواحدة واحدة المطعم كبر أوي وبقى من اشهر المطاعم في روما، ولأنه مسلم فكل العرب اللي عايشين هناك والمسلمين الإيطاليين كمان كانوا بيروحوا مطعمه، وأنا بقا طلعت زيه."
وضعت باقي الطعام على الطاولة وسألته. "تحب تاكل هنا ولا برة." حك ذقنه بمكر قائلاً. "أنا بقول بره أحسن عشان المكان هنا مغري جداً." لم تفهم أسيل مغزى حديثه، لذا قالت ببراءة. "خلاص خلينا هنا." حمحم داغر وقال بتبرم. "لأ خلينا برة أحسن." حملوا الأطباق معًا وخرجوا للسطح، ثم وضعوها على الطاولة وشرعوا في تناوله. سألته أسيل. "الأكل حلو؟ ابتسم قائلاً. "جميل جدًا تسلم ايدك." سعدت أسيل بذلك الإطراء وردتها إليه وهي تتذوق السلطة.
"والسلطة روعة بجد." لاح المكر بعينيه وهو يقول. "تعرفي إن اليوم ده بحسه مميز أوي، يعني." "حاسس كأننا اتنين متجوزين وفي شهر العسل." (غمز بعينيه وهو يضيف بخبث) "ما تيجي ندخل على فقرة التمثيل ونمثل عريس وعروسة." تركت أسيل الملعقة من يدها وقالت بتحذير. "داغر." رد داغر ببراءة مصطنعة. "ايه ياقلب داغر، انا قلت ايه؟ ده مجرد تمثيل مش أكتر." "برضه بلاش كلامك ده عشان بيحرجني." أنهى داغر طعامه ومسح يده في المنشفة.
"ماشي ياقلبي مادام فيها احراج، تشربي شاي معايا." نهضت أسيل وهي تحمل الأطباق. "خليك وانا هعمله أنا خلاص شبعت." قال برفض. "لأ خليكي انا بحب أعمل المشروبات بنفسي." "وانا شبعت خلاص خلينا نعمله مع بعض." دلفا معًا المطبخ وقامت أسيل بغسل الأطباق، وأصر داغر على مساعدتها وطلبت منه أن يجففها بالمنشفة. كانت تقف بجواره تتلامس أكتافهم دون قصد، لكن كانت تعذبه بعفويتها ولا تدري شيء عن ذلك الصراع.
الذي يجبره على أن يطيح بتعقله عرض الحائط ويأخذها بقبلة تاق لها منذ أن دخلا اليخت. كان يرى معاناتها وهي تحاول إبعاد خصلتها عن وجهها ولم تستطيع بسبب يدها التي انشغلت بالجلي. ودون إرادة منه ترك الطبق والمنشفة من يده، ثم تقدم خطوة منها ومد يده ليبعد تلك الخصلة خلف أذنها. بوغتت بفعلته وتراجعت خطوة للوراء عندما لاحظت نظراته الراغبة لها. "افترى فمه بابتسامة مطمئنة عندما لاحظ خوفها."
"نعم يرغبها ويريدها بكل جوارحه، لكنه لن يفعل ما يؤذيها أبدًا، هي أكبر من ذلك بكثير، وعندما يفكر في فعلها ستكون بفرحة عامرة ورضى بينهما." فتحدث بروية. "متخافيش عمري ما هعمل حاجة تأذيكي." تطلعت إليه بعينيها التي ملؤها الخوف، فتابع هو بلهجة حانية بثت الأمان بداخلها. "لأن محدش بيأذي روحه وانتِ روحي يا أسيل." تلاشى الخوف من عينيها وحلت محلها ابتسامة تحمل امتنان كبير لذلك الرجل الذي علمها معنى الحب. فتابع هو بمزاح.
"بس لو فضلت تبصيلي كده أنا مضمنش نفسي وممكن أرجع في كلمتي عادي." ضحك كلاهما وأنهى عملهما جانبًا إلى جنب، وقد ازدادت ثقتها به بعد أن لامست الصدق بحديثه، كما ازداد حبها بداخله. ثم صعدا للأعلى. وقفا معًا على سياج اليخت يتناولا مشروبهما، وطيور النورس تحلق أمامهما تبحث عن صيدها. فتحدث داغر عن ذلك الجمال. "كل حاجة هنا مكتملة بالنسبالي." "البحر والهدوء (تطلع إليها) وانتِ يا أسيل." تهربت بعينيها منه بحياء خاصة عندما تابع.
"ديمًا كنت بحس إن حياتي ناقصها ومعرفتش ايه اللي ناقصني غير بعد ما عرفتك." استدار ليتطلع إليها وتقدم منها خطوة ليقول بوله. "من اول ما عيني جات عليكِ وانا حاسس بالاكتمال." رفع يده لتتلاعب أنامله بخصلاتها وتطلع بعينيها قائلاً. "دلوقت بس أقدر أقول إن حياتي بقى لها معنى." لم تتخيل أسيل أن تسمع مثل تلك الكلمات التي رسمها صوته الحاني على جدار قلبها. فقالت بشك. "وياترى قلت الكلام ده لكام بنت قبلي؟ رفع حاجبيه بمكر.
"بوادر غيره ولا إيه؟ ردت وهي تتهرب بعينيها. "تؤ مش غيرة بس بسأل." ابتسم يطمئنها. "وحياتك انتِ معرفت في حياتي غيرك." ظل يتحدثا لوقت طويل حتى شعر داغر بارتعاشها. كان الجو شديد البرودة حقًا. لذا انسحب بهدوء ونزل للأسفل ليأتي بغطاء خفيف، ثم عاد إليها ليضعه حولها. ابتسمت له بامتنان لشعور الدفئ الذي خلفها به، ثم وضع قلنسوة صوفية على رأسها وقال. "كده دفيتي؟ أومأت له بابتسامة ثم سألته. "عرفت ازاي اني بردانه؟
استند بظهره على السياج وقال بوله. "مش لازم تقولي عشان أعرف." خجلت من نظراته فابعدت عينيها عنه وقالت تغير مجرى الحديث. "أنا مش عارفة انت ازاي بتقدر تنزل المايه في البرد ده." نظرت إلى ملابسه الخفيفة وتابعت. "حتى لبسك ديمًا خفيف." رد داغر ببساطة. "عادي انا اتعودت على كده من أيام الكلية، كنا بننزل المايه الساعة ستة الصبح كنوع من أنواع التدريب وخلاص اتعودت على المايه الباردة، حتى بعد ما تخرجي منها تحسي بالدفى، تحبي تجربي؟
تمسكت بالغطاء أكثر قائلة. "لأ متشكرة." بدأ داغر يحكي لها عن حياته وهي تستمع إليه باهتمام، ثم سألها. "وانتي؟ سألته بحيرة. "أنا إيه؟ أراد أن يسمع منها ما يحسه ويلاحظه عليها. "محكتيش أي حاجة عن حياتك في بيت باباكي." عاد الحزن يعرف طريقه إلى محياها، لكنها رفضت اقتحام تلك الذكريات التي هي قادرة على تعكر صفوهم الآن. لذا تهربت وهي تسأله. "انتي وعدتني بمفاجأة أيه هي؟ احترم داغر رغبتها بعدم التحدث في تلك الأمور ورد يجاريها.
"بصراحة هما تلاتة." اتسعت ابتسامتها. "بجد؟ ايه هي؟ "ثواني." غاب داغر وعاد بعد قليل حاملًا صندوق صغير ثم قدمه لها قائلاً. "افتحيه بنفسك لأني لقيته ورفضت افتحه إلا وانتِ جانبي." أخذته أسيل وقامت بفتحه بحماس فتجد بداخله محار متوسط الحجم. أخرجته من الصندوق وهي تنظر إليه بانبهار وقالت بدهشة. "ده محار." أومأ لها لعلمه ما يحتويه المحار، ثم أخبرها أن تفتحه.
فتحته أسيل فتجد بداخله لؤلؤة لامعة، فتتسع عيناها بذهول وقالت بعدم استيعاب. "دي لؤلؤة؟ كان داغر يتطلع إليها بعشق وتمتم بوله. "لؤلؤة لأحلى لؤلؤة شوفتها في حياتي." تطلعت إليه بحب وأرادت في تلك اللحظة أن تحتضنه، لكنها ابت فعلها وقالت بحب. "متشكرة أوي، أول مرة حد يهاديني." ملس بأنامله على وجنتها وتمتم بعشق. "كل سفرية هرجع فيها بواحدة زيها." لاح القلق على وجهها وقالت بخوف. "بس كده خطر عليك." رفع حاجبه باستعلاء.
"ما قولنا عيب الكلام ده في حقي." أعادت المحار إلى الصندوق وسألته. "طيب دي المفاجأة الأولى، ايه التانية؟ استند بظهره على السياج وقال. "التانية إن السفرية اتأجلت يومين، يعني هنفضل أسبوع كامل مع بعض." ازدادت سعادتها بذلك الخبر. "بجد ياداغر؟ "بجد يا قلب داغر." خجلت من كلمته وسألته عن الاخرى. "طيب والتالتة." عاد المكر بعينيه وسألها. "لازم تعرفيها؟ أومأت برأسها وهي تقول بإصرار. "اه عشان خاطري." حرك كتفيه باستسلام ومراوغة.
"بما انك انتِ اللي اصريتي يبقى اتحملي بقا." اندheشت من قوله وخاصة عندما قام بأخذ الصندوق من يدها ووضعه على الطاولة، ثم جذب الغطاء من عليها تحت اندهاشها، تلاها القلنسوة. "تعالي معايا." سألته بدهشة. "هنروح فين؟ واصل سيره. "تعالي بس." وقف بها على حافة اليخت، وقبل أن تستوعب مقصده حاوطها بذراعيه وسقط بها في المياه. شهقت أسيل عندما طفى بها داغر على سطح المياه وتعلقت بعنقه وهي تقول بهلع. "داغر ليه عملت كده؟
المايه متلجة أوي." ضحك داغر وقال مهدئًا إياها. "لما تسيبي جسمك للمايه هتحسي بالدفى." تشبثت بعنقه أكثر، لكنها تركت مسافة بينهم وغمغمت بخوف. "قولتلك مش بعرف أعوم أرجوك خرجني." حاوط داغر خصرها بيد واليد الأخرى حاول أبعاد ذراعيها عنه وقال بتريث. "انتي كده هتخنقيني، أهدي وسيبي نفسك للمايه وهي هترفعك." رفضت أسيل بخوف وتشبثت به أكثر، فقال بتمهل. "كده هتخنق منك وهنغرق احنا الاتنين."
ارتعبت أسيل وخففت من ذراعيها حوله وطمئنها هو قائلاً. "متخافيش أنا معاكي مش هسيبك، ارخي اعصابك وسيبي نفسك للمايه، غمز بعينيه بخبث." "وليا." ضحك عندما وجدها تزم فمها بغيظ. ثم تراخت اعصابها وبدأت تتبع ارشاداته، لكنها لم تتمكن بسبب خوفها. كان ينقلها من يده اليمنى لليسرى عندما يغوص بها للأسفل ويستمتع بتشبثها به. ثم يطوف بها على سطح المياه. محاولات كثيرة باءت بالفشل، فقالت برجاء. "داغر أرجوك أنا…."
قاطع صوتها وهو يسحبها لأسفل المياه كي لا تطلب منه الخروج. كم يصعب عليه تركها، يريد أن يبقيها معه ولا يتركها لحظة واحدة، وبعد وقت طويل قالت بخوف. "داغر كفاية خلينا نطلع من المايه." وافقها داغر عندما لاحظ تعبها وساعدها على الوصول للدرج، وما إن صعدت حتى شعرت برجفة شديدة. فقال لها وهو يخرج من الماء برشاقة. "هتلاقي في الاوضة تحت شنطة فيها لبس ليكي تقدري تغيري الهدوم دي، ومتخافيش أنا واثق انها هتيجي مقاسك."
لم تستطع التفوه بكلمة وكتمت غيظها منه حتى تبدل ملابسها وتشعر بالدفئ. نزلت للغرفة واخرجت الملابس من الحقيبة، وقد كانت عبارة عن بنطال سماوي وبلوزة صوفية بيضاء. أوصدت باب الغرفة جيدًا ثم دلفت المرحاض كي تأخذ حمامًا دافئًا كي تزيل مياه البحر المالحة، ثم ارتدت الملابس وخرجت إليه. وجدته قد بدل ملابسه بدوره ووقف منتظرها وهو يحمل كوبين من القهوة وسألها بابتسامة. "بقيتي أحسن؟
ضحك عليها عندما اخذت منه الكوب بحدة وذهبت للأريكة لتجلس عليها. جلس بجوارها وهو يقول. "هتفضلي مبوزة كده؟ نظرت إليه بغيظ. "عشان فاجأتني حضرتك." رفع حاجبيه بمكر قائلاً. "وهو انا يعني كدبت عليكي، أنا قولتلك مفاجأة." ابتسمت أسيل رغمًا عنها وهي تشيح بوجهها. نهض من مقعده ليجلس بجوارها وقال بولع وهو يداعب خصلاتها المبتلة. "بس تصدقي شعرك بيبقى أجمل وهو عايم في المايه كده."
حمحمت باحراج ولمت خصلاتها على الجانب الآخر وقالت بتحذير. "قولنا بلاش الكلام ده." تلكأت نظراته على الملابس التي ابتاعها لها وقال بخبث. "هو انا يعني قلت ايه، وبعدين اللبس ده طلع يجنن عليكي مكنتش اعرف انهم بالجمال ده." اغتاظت أسيل أكثر وهمت بالنهوض. "أنا غلطانة اني سمعت كلامك وجيت معاك." جذبها داغر من ذراعها وأعادها إلى مكانها وهو يغمغم.
"متبقاش حمقيه كده انا قصدي شريف واللهايه رأيك لو نروح الجزيرة بكرة، المكان هناك في النهار بيبقى حكاية، هتنسي نفسك." تحمست لفكرته لكنها قالت بتردد. "بس المكان بعيد أوي." "مش بعيد ولا حاجة هما ساعتين رايح وساعتين جاي واقل بكتير كمان." تطلعت في ساعتها وقالت بقلق. "داغر…." أكمل عنها. "أخرنا ولازم أروح." نظر داخل عينيها وتمتم بوله. "حاضر هروحك، بس الأول في حاجة عايز اعترفلك بيها."
علمت من عينيه ما يود اللسان البوح به، لذا كان عليها الهرب. ليس الآن، هي لن تستطيع إعطاء وعود ولا أخذها. فقالت بكمد. "بلاش دلوقتي ياداغر، بلاش نتسرع وخلينا نفكر الأول." اندهش من ردعها له. "بس الموضوع ده احساس مش قرار بنتخذه بعد تفكير، أسيل أنا الأحساس ده بشعر بيه لأول مرة ولو مش واثق إنك بتبادليني نفس الشعور مكنتش اتواجدت معاكي في المكان ده." تهربت بعينيها منه وقالت بأسى. "انت متعرفش حاجة."
"عرفت اللي عايزه وخلاص مش عايز اعرف حاجة تاني." رفع انامله ليمحو دمعة سقطت على وجنتها، شعر بها نار تكوي قلبه وتمتم بثقة. "من بعد النهاردة مش هسمح للدموع دي تعرف طريق عينيكي إلا بالسعادة." تبسمت عينيها من ذلك الحنان الذي يغدقها به، وقررت ترك قلبها ينعم في بحور عشقه دون أن تفكر فيما يخبئه لها القدر. تريد أن تخطف لحظات سعيدة من الزمن ولا تفكر لحظة واحدة في عواقبه. عادوا إلى الشاطئ وعادت إلى منزلها بمشاعر مختلطة.
سعادة يشوبها خوف وخوف يشوبه راحة. أما هو فتفاجئ بعمه في المنزل جالساً على المقعد يتصفح أحد الجرائد، فقال بابتسامة وهو يملأ عليه يعانقه. "عمي حمدلله على السلامة جيت أمتى؟ جلس داغر بجواره وقال عمه بعتاب وهو يطوي الجريدة ويضعها على الطاولة أمامه. "عرفت إن اجازتك اتأجلت قلت آخد أنا كمان اجازة يومين واقضيهم معاك هنا مادام رافض تقعدهم معايا في القاهرة." "معلش بقا انت عارف اني مش بحب ابعد عن اسكندرية." تطلع إليه خليل بشك.
"مش عارف ليه بقالك اجازتين مش على بعضك، مرة تقضيها في القاهرة وطول الوقت سرحان ومرة في إسكندرية بس المرة دي مبسوط كده زي اللي بتحب." أيد داغر شكه. "حاجة زي كده." رفع خليل حاجبيه مندهشًا وسأله. "ودي طلعت لك منين وشقلبت كيانك كده." "من الباخرة وحياتك في الرحلة اللي قبل الأخيرة." "امم باين الموضوع جد." "جدًا، بصراحة هي دي اللي كنت بدور عليها من زمان." "من اسكندرية ولا منين؟
"من القاهرة بس عندهم بيت هنا في اسكندرية هي بنت رجل اعمال اسمه حسين النعماني." ردد خليل الاسم ثم تحدث بتذكر. "اه افتكرته بس الراجل ده سمعت أنه شديد قوي وصعب التعامل معاه." رد داغر بثقة. "ميهمنيش المهم هي، وبعدين لو حصل نصيب واتجوزنا هنعيش هنا يعني هنكون بعيد عنه." "على خيرة الله المهم خليني اتعرف عليها قبل ما نروح نخطبها، بس ياريت ميكنش الفترة دي لأن معايا قضية معقدة أوي." اعتدل داغر في جلسته وقال بانتباه له.
"قولي ايه هي يمكن اساعدك." "جريمة قتل والمتهم اللي قدامي بينكر الحادث وأنه مقتلش، والتحريات اللي قدامي بتقول أنه انسان كويس جدًا وملتزم وعمر ما اتشاكل مع حد، والولد فعلا حاسس ببراءته بس كل الأدلة بتأكد أنه هو القاتل." اندهش داغر وسأله. "وايه هو دافع الجريمة؟
"الولد ده شغال أمن في شركة كبيرة وبيقول أنه كان هو والمجني عليه كانوا بيشرفوا على المكان وحسوا إن في حد في المكان اللي فيه خزنة الشركة ولما دخلوا لقوا واحد فاتح الخزنة فعلاً وبيسرقها ولما حاول يمسكوه هاجمهم ووقعه في الأرض ولما زميله حاول يدافع عنه ضربه بمسدسه وبعدين هرب." "والبصمات اللي على المسدس." "أكيد كان لابس جوندي." فكر داغر قليلًا ثم تحدث بثقة. "مش عارف ليه حاسس إن في لغز في الموضوع."
"يعني اللي عمل كده مكسرش باب ولا حتى الخزنة، يعني معاه نسخة من المفتاح ده لو مكنش المفتاح نفسه، ممكن يكون أمين الخزنة أو…." التزم داغر الصمت، ففهم خليل مغزى صمته وأكده قائلاً. "وده برضه نفس احساسي وده اللي مخلي صاحب الشركة بيصر على اتهامه. أنا هسلم القضية لشكري وهخليه هو اللي يدافع عنه." "فعلاً القضية دي عايزة محامي متمكن وهتتحل بسهولة." أيد رأيه. "إن شاء الله تظهر الحقيقة." في اليوم التالي.
نزل داغر الدرج فوجد عمه يتناول افطاره. جلس على المقعد وهو يقول. "صباح الخير يا عمي صاحي بدري ليه؟ أخذ خليل فنجان القهوة يرتشف منه. "لأني راجع القاهرة دلوقت، في حاجات جدت في القضية وكمان عشان أسلم الورق لشكري." رفع بصره إليه وقال بمغزى. "مش ناوي تقضي اليومين دول معايا ولا جات اللي اخدتك مني؟ ضحك داغر ورد بتأكيد. "متبقاش طماع بقا ياسيادة المستشار وسيب حاجة لغيرك." نهض من مقعده وهو ينظر في ساعته.
"ماشي ياسيدي تشبع بيك، يادوب بقا الحق أوصل القاهرة بدري." خرج خليل وتطلع داغر إلى هاتفه وقام بالاتصال عليها. "صباح الخير." ردت أسيل بنعاس. "صباح النور، صاحي بدري ولا أنا اللي أخرت في النوم؟ داغر بابتسامة عريضة. "أنا منمتش أصلاً وحضرتك تقلانه عليا ومردتيش تردي." شددت أسيل من وضع الغطاء عليها لشعورها بالبرودة وقالت. "كنت عاملة الفون صامت مسمعتوش." تطلع في ساعته. "ماشي يا ستي هصدقك المهم يلا بسرعة عشان نلحق نوصل بدري."
تمتمت أسيل بامتعاض. "مبلاش النهاردة لأني بردانة أوي." يرد داغر بلهجة لا تقبل نقاش. "لا ارجوكي مش عايز أضيع يوم واحد من أجازتي، تقلي كويس ومش هتحسي بالبرد." انتهت أسيل من تبديل ملابسها وقد ارتدت كنزة ثقيلة لشعورها بالبرد منذ استيقاظها وارتدت القلنسوة (إيس كاب) التي أهداها إليها داغر، ثم أخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة. ترجلت مسرعة فوجدت أمينة تخرج من المطبخ وهي تحمل طبق به (سندوتشات) خفيفة وقالت بيأس.
"برضه مصرة على اللي في دماغك؟ أخذت أسيل واحدًا منهم وقبلت أمينة. "هو النهاردة آخر يوم عشان هيسافر بعد بكرة." همت بالخروج لكنها عادت تنظر إليها. "لو اخرت شوية متقلقيش، يلا باي." رغم اعتراض أمينة لما تفعله إلا إن رؤية السعادة التي تراها بها لأول مرة جعلتها ترضخ لها. أما أسيل فقد ازداد شعورها بالبرد ما أن خرجت من المنزل. وجدت داغر يقف جانباً منتظر خروجها. فأسرعت تستقل مقعدها وهي تقول برعشة.
"اقفل الازاز بسرعة لأن الجو برد أوي." أغلق الزجاج وهو ينظر إليها بدهشة قائلاً. "ايه يابنتي الهدوم دي كلها انا شايف الجو دافي النهاردة." أخذت تفرك يديها ببعضها تستمد الدفئ. "ده بالنسبة لك انت أما أنا لأ." "طيب أظهري وشك شوية انا مش شايفه حتى." رفعت أسيل القلنسوة قليلاً وتطلعت إليه بغيظ. "ارتحت كده." غمز بعينيه قائلاً. "أيوة كده مش عم شرابي اللي قاعد جانبي."
انطلق بالسيارة حتى وصل لليخت ولم ينتهي شعورها بالبرد رغم دفئ السيارة. فسألها بقلق. "أسيل انتي كويسة؟ تحبي نلغي الرحلة دي ونروح لدكتور؟ هزت رأسها برفض. "لأ انا كويسة متقلقش يلا بسرعة عشان منأخرش." نزلت من السيارة وقد شددت من وضع الكاب على رأسها ثم صعدت معه اليخت. كان داغر يبحر بسرعة شديدة مما جعلها تشعر بالخوف وقالت بوجل. "داغر بالراحة شوية انا بدأت أخاف." جذبها من يدها كي تقف بجواره فانتبه لسخونة يدها.
رفعها إلى خده وقال بقلق. "ايدك سخنة أوي." بدأت أسيل حقًا تشعر بالاعياء لكنها حاولت أن تبدو جيدة كي لا يقلق عليها ونفت قائلة. "لأ ده من الهدوم اللي لبساها بس." لاحظ أيضاً ارتعاشتها التي تحاول السيطرة عليها وغمغم بامتعاض. "لا انتي فعلا سخنة." هدئ المحرك حتى اوقفه ثم استدار إليها بقلق. "انزلي ارتاحي على السرير لحد ما نوصل." رفضت أسيل بإصرار. "قولتلك انا كويسة وبعدين انا عايزة أفضل جانبك."
انتهى ثباتها عندما لفحتها نسمة هواء باردة واعترفت باستسلام. "انا فعلاً تعبانة أوي." أسندها داغر وهو يقول برفق. "طيب تعالي." ساعدها على الاستلقاء فوق الأريكة ثم جاء إليها ببعض الأغطية ووضعهم عليها، رغم خطورة ذلك لكنه يريد تدفئتها حتى يصلوا للجزيرة والتي اوشكو على الوصول إليها. تمتم داغر بحنو. "هنزل أعملك حاجة سخنة تشربيها لحد ما نوصل الجزيرة." سألته باعياء. "قدمنا كتير؟ طمئنها. "ربع ساعة بالظبط وهنكون وصلنا."
عاد داغر إليها بالكوب ليجدها تغط في سبات عميق. وضع الكوب على الطاولة وجلس بجوارها كي يوقظها لكنها لا تجيبه. وضع يده على وجنتها التي تخضبت بحمرة تدعوا للقلق ووجد حرارتها قد ارتفعت أكثر. شعر بالاستياء من نفسه فقد أصابها الاعياء نتيجة ما فعله أمس. عاد لتشغيل المحرك وابحر بسرعة أقوى حتى وصل في غضون دقائق. وجد چاك يقف على الشاطئ يشير إليه حتى اوقفه. قام داغر بحمل أسيل واسرع بالخروج من اليخت. فسأله چاك. "ماذا حدث؟
اجابه وهو يسرع بالدخول للمنزل. "تعانى من الحمى." قام بوضعها على الفراش وقال له. "هل لديك ادوية لها؟ أومأ له. "نعم لدي." خرج من الغرفة وعاد بعد قليل ببعض الأدوية وقال بهدوء. "خذ، اجعلها تتناولهم معًا حتى اعد لها حساء الدجاج، ويفضل ان تخفف عنها هذه الملابس كي لا تكتم الرطوبة بداخلها." أخذ الأدوية منه ثم جذب المقعد ليقربه من الفراش بجوارها وأمسك يدها يحسها على الاستيقاظ. "أسيل قومي ياحبيبتي خدي الأدوية دي."
همهمت أسيل بكلمات غير مفهومة وقد ازدادت حالتها سوء. ازداد قلقه عليها وقام بنزع القلنسوة وكذلك تلك الكنزة الثقيلة رغم اعتراضها. "معلش اتحملي شوية عشان البرد يخرج من جسمك." جذبت عليها الغطاء بوهن ومازالت الرعشة تنتابها فقال برجاء. "أسيل قومي خدي الحباية دي عشان خاطري." همهمت بصوت غير واضح. "مش.. بحب.. الأدوية." جلس بجوارها على الفراش واضعًا يده خلف ظهرها يرفعها. "معلش المرة دي بس."
وضع الدواء في فمها وساعدها في ارتشافه بالمياه. عادها لوضعها وهم بالنهوض لكنها امسكت يده برجاء وتمتمت بوهن. "متسبنيش انا خايفة." ربت على يدها التي تتشبث به وتمتم بوله. "عمري ما هسيبك هفضل جانبك العمر كله." وكأن هذه الكلمة اشعرتها بالأمان إذ أغمضت عينيها وغطت في نوم عميق. عاد سليم من الخارج في وقت متأخر وقد شعر بألم حاد في رأسه. قام بتبديل ملابسه وذهب لغرفة الرياضة كي يمارس تدريبه حتى يتعب ويذهب إلى النوم.
لكنه لم يستطيع المواصلة وشعر برغبة ملحة بتناول قهوته. خرج من الغرفة وهو يجفف عرقه ودلف المطبخ فيتفاجئ بها داخله.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!