الفصل 11 | من 40 فصل

رواية جبل النار الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
22
كلمة
4,215
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

تصلب سليم في وقفته عندما وجدها أمامه تقف أمام المقود غير منتبه لوجودها. زدرد لعابه بصعوبة وهم بالعودة لكن قدماه أبت ذلك وكأنها ترفق بقلبه الذي أرهقه الشوق. بدا أنها كانت شاردة مثله حتى لم تنتبه لفوران اللبن وانسكب أغلبه على المقود. انتبهت له أخيرًا وقامت برفعه عن النار دون حاجز بينه وبين يدها فتصدر منها صرخة جعلتها هزت ذلك الجبل الصامت. استدارت ناحية المبرد كي تخرج ثلجًا تضعه على يدها كي يلطف الحرق قليلًا.

وما إن استدارت حتى صدرت منها صرخة عندما وجدته أمامها. فتمتمت باعتذار: _أنا آسفة بس اتفاجئت بحضرتك مش أكتر. همت بالتحرك لكنه أوقفها بحزم: _خليكي مكانك. اهتزت نظراتها عندما وجدته يقترب منها ناظرًا إلى يدها التي أصيبت بحرق طفيف لكنه شعر به يكوي قلبه. أخفت يدها خلف ظهرها عندما مد يده ليدها فبوغت بفعلتها ورفع عينيه إليها قائلًا: _وريني إيدك. ازدردت جفاف حلقها وتمتمت باهتزاز: _مفيش حاجة، دا حرق بسيط. تطلع إليها لحظات قبل

أن يقول بلهجته الحازمة: _قلت وريني. لن تستطيع الوقوف أمامه بنفس صموده لذا حسها عقلها على أن تلوذ بالفرار من أمامه لكن قلبها الأهوج أراد أن ينعم بلحظة مسروقة من الزمن معه. رفعت يدها المصابة وتمتمت برهبة: _بسيط. نظر إلى أناملها المصابة ثم تحدث بأمر: _تعالي ورايا. بأقدام كالهلام سارت وعد خلفه فوجدته يتجه إلى غرفته. فكرت في التراجع لكنها تعرفه جيدًا لن يتركها تهرب منه كما فعل من قبل. دلفت الغرفة وتركت الباب مفتوحًا

لكنه تحدث بأمر: _اقفلي الباب. أغلقت الباب منصاعة إليه ثم أشار لها بالتقدم بعد أن خرج من المرحاض يحمل قنينة صغيرة. تقدمت منه بأرجل مهتزة وتطلعت إليه فتجد أنه يجاهد كي يبعد نظراته عنها. جبل الجليد كما أطلقت عليه ولا تدري شيئًا عن النيران التي تشتعل بداخله. بحنو بالغ فقد السيطرة عليه قام بوضع الدهان عليه فتتلامس أناملهما وكلاهما يتظاهر بالصمود أمام الآخر. كلاهما يشعر بنفس الشوق وبنفس الألم لكن ليس بوسعهما فعل شيء.

هذا قدرهم وعليهم أن يرضخوا له. دق ناقوس الخطر عندما استسلموا لنظراتهم فتتقابل العيون بعتاب أقسى من الكلام. طافت عيناه بملامحها التي أرهقته وجعلته لا يرى غيرها. وكأنها ساحرة ألقت تعويذتها على قلب لم يعرف الحب إلى قلبه سبيلًا. وبدون إرادة منه احتوى يدها الواهنة بين يده وأصبحت لغة المشاعر هي السائدة بينهما. نزلت نظراته إلى عينيها بسوادها القاتم كما حال خصلاتها وترجلت بتباطؤ حتى وصلت لثغرها بطلاءه الطبيعي.

وهنا عاد الناقوس يدق بشدة منبهًا إياهم لخطر مدمر لذا عاد يرسم الجمود على ملامحه وغمغم بأنفاس مضطربة: _اطلعي برة. بوغتت بأمره وهمت بالتحدث لكنه منعها بحزم: _اطلعي واقفلي باب أوضتك كويس وإلا مش هكون مسؤول عن اللي ممكن يحصل. لم تفهم مقصده لمدى براءتها. وأخفضت عينيها بقهر ثم انسحبت من أمامه وخرجت من الغرفة. فلم يجد أمامه سوى الطاولة الرخامية كي يخرج بها غضبه فأطاح بها لتتهشم على الأرض وحينها عاد لوجومه.

هكذا أنشأ وهكذا شبأ لا يظهر مشاعره ولا يبديها لأحد حتى لو ملك روحه. المشاعر ضعف وهو لا يريد أن يظهر ضعيفًا، عليه أن يكون دائمًا موضع قوة. *** ظلت أسيل مستلقية على الفراش لا تدري شيئًا من حولها وداغر جالسًا بجوارها يمسك يدها بقلق. يعاتب نفسه على تهوره وأنه السبب في مرضها. وضع يده على جبينها فلاحظ أنها هدأت قليلًا. ملس بأنامله على وجنتها غزاها احمرار خفيف من شدة الحرارة. لا يعرف ماذا فعلت به حتى أسقطته صريعًا لها.

لقد وصل عشقه لها حد الجنون وكأنها أصبحت قطعة من روحه إن فارقته قد تفارق روحه معها. قرب يدها من فمه يطبع عليها قبلة بث فيها مدى عشقه لها. لن يتركها تبعد عنه وسيفعل المستحيل كي تكون له. ترك يدها عندما دلف چاك وهو يحمل الحساء وقال لداغر: _اجعلها تستيقظ كي تتناول الحساء فالأدوية التي تناولتها تحتاج لغذاء جيد. شكره داغر وتناوله منه ثم وضعه جانبًا كي يوقظها أولًا. فقد قاربت الشمس على المغيب وهم ما زالوا على متن الجزيرة.

قد هدأت الحرارة لكن ما زال جسدها لا يقوى على الحراك. _أسيل قومي يا حبيبتي عشان تاكلي. غمغمت أسيل بوهن: _يا دادة سيبيني عايزة أنام. وضع يده أسفل ظهرها يجبرها على النهوض وقال بغيظ: _لا أنا عم عثمان مش دادة يلا اشربي الشربة دي عشان تفوقي شوية. حاولت الرفض لكنه أصر ووضع الوسادة خلف ظهرها فتمتمت بوهن: _مش قادرة يا داغر أرجوك سيبني أنام. _معلش لازم تاكلي عشان العلاج اللي أخدتيه.

وافقت مجبرة ثم أصر داغر على أن يطعمها بيده رغم تمنعها وجعلها تتناوله بأكمله. وضع الطبق جانبًا ثم سألها: _ها أحسن دلوقتي؟ أسندت رأسها على الوسادة خلفها وقد بدأت تسترد وعيها قليلًا وقالت بوهن: _حاسة بألم شديد قوي في جسمي. _ده من أثر السخونة بس الحمد لله هدت شوية. وضعت يدها على رأسها تشكو من ألمه ثم سألته: _هي الساعة كام دلوقتي؟ نظر بساعة يده وتفاجئ بأنها تعدت الخامسة: _الساعة خمسة ونص. شهقت بصدمة وسألته:

_معقول أنا نايمة كل ده، أنا لازم أرجع دلوقتي. همت بالنهوض لكن الدوار أشتد بها ولم تقوى على الحركة. _اهدي يا أسيل للأسف مينفعش نرجع دلوقتي. ردت بإصرار رغم وهنها: _لأ لازم أرجع دادة هتقلق عليا وممكن تتصل على سليم تقوله. لم يفكر في ذلك الأمر حقًا لكن أيضًا لن يستطيعوا العودة الآن وهي بتلك الحالة ستزداد حالتها سوء. _أنا هتصرف وأتواصل مع حد يروح لها البيت ويعرفها. وافقت أسيل مجبرة بسبب الألم الذي اجتاح كامل جسدها.

عدل داغر من وضع الوسادة خلفها عندما لاحظ رغبتها في النوم وقال بحنو لم ترى مثله من قبل: _نامي ومتقلقيش من أي حاجة. أومأت أسيل وهي تحاول فتح عينيها بصعوبة، فقد أغدقها باهتمام افتقدته حقًا. جذب داغر عليها الغطاء عندما استسلمت للنوم وخرج هو ليطلب من چاك الاتصال له بأحد معارفه. *** ظلت أمينة تزرع الردهة ذهابًا وإيابًا بقلق بالغ فقد تأخر الوقت ولم تعود حتى هاتفها قيد الإغلاق. لم يكن أمامها سوى الاتصال بحازم كي يتصرف هو.

اسرعت بفتح الباب عندما سمعت صوت السيارة بالخارج فظنت أنها عادت لكن خاب أملها عندما وجدته حازم الذي ترجل من السيارة وتقدم منها يسألها بقلق: _خير يا أمي في إيه؟ أخطأت حينما بعثت له لكن ليس أمامها غيره فقالت بريبة: _أصل بصراحة أسيل خرجت من الصبح ومرجعتش لحد دلوقتي. تطلع حازم في ساعته ليجدها تعدت الثامنة. سألها بقلق: _مقالتش هي رايحة فين؟ ازدردت جفاف حلقها بوجل لكن ليس بوسعها فعل شيء سوى مصارحته: _أصل.. أصل.. يعني.

تحدث حازم بنفاذ صبر: _أصل إيه وفصل إيه ما تقولي يا أمي؟ _بصراحة أسيل اتعرفت على كابتن بحار وهي راجعة، ومن وقت ما جات هنا وهما بيتقابلوا، بس النهاردة من وقت ما خرجت الصبح مرجعتش. كان حازم يستمع لها وشياطين الدنيا تتراقص أمامه من شدة غيرته وقال باحتدام: _وإنتي إزاي يا أمي تسمحي بالمهزلة دي؟ تحدثت أمينة بقلة حيلة: _اعمل إيه بس، البنت لأول مرة بشوف السعادة في عينيها ومن كلامها عنه حسيت إنه إنسان كويس وفعلاً بيحبها.

أهاجت أعصابه أكثر من حديثها عنه وسألها بانفعال: _اسمه إيه؟ _معرفش كل اللي أعرفه عنه اسمه داغر وكابتن سفينة مش أكتر. خرج حازم من المنزل وهو لا يرى أمامه من شدة غضبه وتوجه إلى الميناء كي يعرف معلومات عنه. وجد أحد الأمن واقفًا على البوابة الرئيسية فتقدم منه يسأله: _لو سمحت السفينة اللي هتطلع مين الكابتن اللي هيبحر بيها، لأني عندي فوبيا من البحر وعايز أسافر وأنا مطمئن. رد الرجل برحابة:

_من حظك الكويس بقا إن كابتن داغر هو اللي هيطلع على السفينة الجاية دي وده بقا أفضل قبطان في الميناء كلها. استدرجه حازم أكثر: _بس أنا سمعت عنه إنه يعني أخلاقه مش كويسة… قاطعه الرجل بنفي: _لا كابتن داغر ده حاجة تانية شخصية محترمة جدًا وابن ناس أكابر وعيلة كبيرة في إسكندرية. _هو ساكن فين؟ هز الرجل رأسه: _مش عارف بصراحة. (أشار على أحد العمال) بس عم حسن هو اللي عارف العنوان.

نظر إلى حيث يشير فوجده رجل كبير السن ويغلق أحد الأبواب فتقدم منه يسأله بتهذيب: _إنت تعرف عنوان الكابتن داغر أصلي عايزه في موضوع مهم جدًا. رد الرجل بقلق: _خير يا ابني في حاجة. حمحم حازم باحراج وقال: _حاجة خاصة مش هينفع أتكلم فيها بس حقيقي الموضوع مهم. وافق الرجل وأملاه العنوان بحسن نية وانسحب حازم متوجهًا إليه. ذهب إلى المنزل الكبير وسأل حارس الأمن: _السلام عليكم. رد الحارس السلام ثم سأله: _كابتن داغر موجود؟

_لأ مش موجود من وقت ما خرج الصبح باليخت وهو مرجعش. زم حازم فمه يحاول السيطرة على غضبه ثم سأله: _هو متعود يغيب كده في البحر. _ده العادي بتاعه، تحب تسيبله رسالة لما يرجع؟ _لأ أنا هجيله مرة تانية. عاد حازم إلى المنزل وهو لا يرى أمامه من شدة الغضب. سألته أمينة ما إن دخل المنزل: _عملت إيه يا حازم؟ أجاب حازم وهو يجلس على المقعد مستندًا على مرفقيه: _ملوش أثر، وإنتي إزاي يا أمي توافقي على المهزلة دي.

_اعمل إيه بس، أنا لما شفت السعادة اللي باينة عليها مقدرتش أمنعها، أول مرة أشوفها مبسوطة كده. اشتعلت نيران الغيرة بقلب حازم ونهض يوليها ظهره قائلًا بانفعال: _بس ده برضه ميديكييش الحق إنك تسيبيها تعمل كده. استدار لوالدته وسألها بانفعال أشد ناتج عن غيرته: _نعرفه منين عشان تثقي فيه بالشكل ده وتسيبيها تخرج معاه كل يوم. رمقته أمينة بضيق: _إحنا هنفضل نتكلم كتير وسايبين البنت كده. انتبه كلاهما لصوت الباب فذهب حازم

لفتحه فإذا به شاب يقول: _مش ده منزل الآنسة أسيل؟ رمقه حازم بشك وسأله: _إنت مين؟ رد الشاب بتهذيب: _أنا جاي من طرف كابتن داغر طلب مني أطمنكم عليها لأن المركب عطلت بيهم والصبح إن شاء الله هيوصلوا بالسلامة. زم حازم فمه يحاول ضبط أعصابه فأومأ للشاب الذي انصرف مستقلاً سيارته وانطلق بها. *** عاد داغر إليها فيجدها ما زالت غارقة في سباتها. وضع يده على جبينها فوجد الحرارة انخفضت أكثر.

شعرت به أسيل وفتحت عيونها بتثاقل وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة. أمسك داغر يدها وأسرها بين يديه ينظر إليها بحب لم يشعر بمثله من قبل. نعم عرف الكثير والكثير لكن هذه وجد بها كل ما أراده. ظل على حاله حتى أشرقت شمس الصباح تحاول التسلل خلسة من بين الستائر التي حجبتها عنه. تململت أسيل في نومتها وفتحت عينيها لتجد عينين كغيوم السحاب آسرة تنظر إليها بعشق جارف. انشق ثغرها بابتسامة مشرقة أشرقت معها شمسه. فتمتم

داغر بحنو وهو يقبل يدها: _صباح الورد. أسدلت جفنيها تومئ له ثم سألها: _بقيتي أحسن دلوقتي؟ خرج صوتها متحشرجًا من أثر التعب: _أحسن بكتير. (أخفضت عينيها بإحراج) تعبتك معايا. _متقوليش كده وبعدين أنا السبب في التعب ده لو مكنتش نزلتك المايه مكنش حصل اللي حصل. تطلعت أسيل لساعة يدها فوجدتها قد تعدت الثامنة صباحًا. نهضت رغم تعبها وهي تغمغم: _أنا لازم أرجع دلوقتي عشان دادة زمانها قلقانة عليا. ***

ساعدها داغر للصعود على متن اليخت ثم أعد لها مشروبًا ساخنًا كي يدفئها. طرق الباب فسمحت له بالدخول. دلف داغر بابتسامة مشرقة أشرقت روحها. _عاملة إيه دلوقتي؟ اعتدلت أسيل في رقدتها فسحب هو مقعدًا ليجلس عليه بجوارها فتمتمت بامتنان: _متشكرة قوي على اهتمامك ده. رفع حاجبيه متسائلًا بمكر: _إنتِ شايفه ده اهتمام؟ أصل أنا شايفه حاجة تانية. ناولها الكوب وهي سألته بحيرة: _حاجة تانية إزاي؟ ابتسم وقال بخبث: _حب مثلًا. تطلعت للكوب

بين يديها وقالت بحزن: _بالنسبة ليا أنا معرفش أفرق بين الاتنين…. رفعت عينيها إليه….. _لأني مجربتش حاجة منهم. كل شيء وكل حديثها يؤكد أنها مرت بحياة صعبة للغاية وكعادته بها لن تبوح بشيء لذا غير مجرى الحديث قائلًا: _بقولك خلصي الكباية دي ونامي وأنا هطلع فوق لأن الشيطان شاطر وبدأ يلعب في دماغي. أومأت له بابتسامة فخرج من الغرفة وانهت هي مشروبها وعادت للنوم. أوقف سيارته أمام المنزل وتطلع إليها بأسف قائلًا:

_للأسف الرحلة خلصت ومعرفناش نستمتع بيها. ابتسمت أسيل وتمتمت بوهن: _يبقى نعوضها مرة تانية. تمتم باستياء: _تتعوض فين بقا، أنا مسافر بكرة الصبح ومش هاجي إلا بعد ١٥ يوم، ومؤكد هلاقيكي رجعتي القاهرة وهناك مش هنعرف نتقابل. تناست أسيل ذلك الأمر فقد تلاشى كل شيء من تفكيرها تلك الفترة التي قضتها معه فقالت بأمل: _هحاول أقنع بابا وأجي تاني قبل ما ترجع. افتر ثغره عن ابتسامة: _بجد؟ أومأت له وهمت بالترجل لكنه تحدث برجاء:

_هستناكي بكرة في المينا أشوفك قبل ما أسافر. اهتزت نظراتها وتمتمت برفض: _مش هينفع أنا مش بحب لحظات الوداع دي، وبعدين دادة مش هتوافق بعد اللي حصل. نظر إليها برجاء: _نفسي تكوني آخر شيء جميل أشوفه وأنا مسافر. اتسعت ابتسامتها ولم تستطع الرفض حينها فقالت بتسويف: _هحاول. همت مرة أخرى بالترجل لكنه امسك يدها ليطبع قبلة حانية على باطنها وتمتم باشتياق: _هتوحشيني.

أومأت له بعينيها ثم ترجلت من السيارة فتتفاجئ بحازم يخرج من بوابة المنزل وحينها شعرت بأن دلو من الماء البارد سقط عليها. ازدردت لعابها وانتبهت لتوقف سيارة داغر فعلمت حينها بأن لم تتصرف بحكمة ستقوم مشادة بين الاثنين. همت بالتحرك لكنها شعرت بأن قدمها كالهلام لا تقوى على السير. لكن تحاملت وناشدت قوتها الواهنة أن تساعدها على الهرب من مشادة العيون تلك.

سارت بضع خطوات لكنها كانت تقربها من حازم الذي وجه نظراته إلى داغر والذي بدوره ترجل من السيارة كي ينادي عليها: _أسيل. التفتت إليه بأعين مهتزة وتطلع هو إلى حازم متحدثًا بلهجة واضحة التحدي: _ابقى طمنيني عليكي، وإن احتاجتي أي حاجة كلميني أنا. هزت رأسها بإيماءة بسيطة ثم واصلت سيرها حتى مرت من جوار حازم الذي أمسك ذراعها يمنعها من الدخول مما أشعل نيران الغضب في قلب داغر وخاصة عندما قال لها: _كنتي فين؟

أجفلت أسيل عندما سمعت صوت صفق باب السيارة تلاها يد جذبتها بكل قوة لتخفيها خلف ذلك الظهر العريض وصوته الهادر يدوي: _إن إيدك اتمدت عليها تاني أقسم لك إني هخليك تتحسر عليها. لم يصمت حازم أيضًا وصاح به: _إنت واقف قدامي وبتهددني بصفتك إيه؟ بوغت داغر بسؤاله وأراد في تلك اللحظة أن يخبره بأنه مالك قلبها لكنه تراجع عندما سمع ذلك الصوت الحازم: _أسيل.

التفتت أسيل لأمينة التي وقفت تنظر إلى الموقف باستياء فجذبت يدها من يد داغر وأسرعت بالولوج للداخل. تقدمت منهم وتطلعت إلى حازم قائلة بحزم: _اتفضل يا حازم لأنك اتأخرت على المستشفى. بالاعتراض لكنها أصرت بحزم: _قلت يلا. استقل سيارته وهو ينظر لداغر بتوعد ثم انطلق بها. نظرت أمينة إلى داغر وتحدثت بتروٍ: _متشكرة قوي إنك تعبت نفسك ووصلتها لحد البيت، لحد هنا واتفضل إنت كمان.

استطاع داغر التحكم بأعصابه وعدم خوض جدال معها كي لا يخسرها فانسحب بهدوء وعاد إلى سيارته. دلفت أمينة غرفة أسيل فوجدتها جالسة على المقعد ويبدو عليها التوتر. وعندما رأتها أسيل أسرعت إليها: _عملتي إيه يا دادة؟ رمقتها بعتاب: _إيه اللي إنتي عملتيه ده يا أسيل؟ دي آخرت ثقتي فيكي؟ رمشت بعينيها وقد أخجلها عتاب أمينة ثم تمتمت: _كان غصب عني يا دادة، أنا تعبت قوي ومقدرش يرجع بيا إلا لما خفيت. _وبيتي معاه فين؟ نفت أسيل سريعًا

وبررت قائلة: _الموضوع مش كده خالص، كل الحكاية إني تعبت…. قاطعتها أمينة باحتدام: _تعبتي يبقى يرجعك ويجيبك هنا أو يوديكي المستشفى إنما إنه يبيتِك معاه ده غلط وغلط كبير قوي كمان، إزاي جاتلك الجرأة وتسمحي لنفسك بده. بررت أسيل لنفسها قبل أن تبرر لها: _أنا مكنتش في وعيي لأني كنت سخنة قوي. تلاعب الشك في قلب أمينة حتى تداركته أسيل وصححت قائلة:

_بس مكنش لوحدنا، الحارس بتاع المنارة كان موجود، وبعدين أنا مش صغيرة وأقدر أحافظ على نفسي كويس قوي. ردت أمينة بتهكم: _وكنتي هتحافظي على نفسك إزاي بقا وإنتي بتقولي مكنتيش في وعيك. أخفضت أسيل عينيها مما جعل أمينة تهدئ من انفعالها عليها وتقدمت منها لتقول بروية:

_يا أسيل أنا خايفة عليكي، واللي بتعمليه ده غلط، حياة الجامعة اللي عيشتيها في إيطاليا غير الحياة هنا، هنا كل خطوة محسوبة عليكي وغلطة زي دي كانت ممكن تضيعك، إيه اللي كان يضمنلك إنه ميغدرش بيكي وأديكي بتقولي مكنتيش في وعيك. نفت أسيل بثقة: _داغر مستحيل يأذيني. _وعرفتِ إزاي، من التلات أيام اللي قضيتيهم معاه في البحر وإنتي راجعة ولا الأربع أيام اللي خرجتيهم معاه هنا؟ تنهدت بتعب وتابعت بنصح:

_يابنتي أنا خايفة عليكي الدنيا مبقاش فيها أمان وده شاب حتى لو بيحبك وخايف عليكي ممكن يكون من النوع اللي بيضعف قدام رغباته ووقتها محدش هيجيب لوم عليه، اللوم كله هيكون عليكي. تعلم جيدًا أنها لن تقتنع بنصحها لذا قالت بلهجة لا تقبل نقاش: _إحنا هنرجع القاهرة النهارده. حاولت أسيل الاعتراض لكن أمينة عارضت بحزم: _مش عايزة أسمع حرف تاني أنا قلت هنرجع يبقى نرجع.

استسلمت أسيل لها وغادروا المكان بعد أن بعثت إليه رسالة تخبره بضرورة سفرهم للقاهرة. استمر غيابه عشرون يومًا ذاقت فيهم عذاب الاشتياق ولم يكن حاله أفضل من حالها وهو يعد الدقائق حتى يعود لها. عاد والدها من سفره مع زوجته مما جعل أسيل تستاء من وجودها. فقد تزوج ابنة عمه بعد أن طلق والدتها.

دلفت مع والدها وهي تتأبط ذراعه بذلك الكبرياء والشموخ المعروف عنها والتي تبالغ به في وجودها كأنها تخبرها بأنها هي الأحق به وأن والدتها لم تكن سوى غلطة دفع ثمنها. لذلك تبالغ في ملابسها الباهظة الثمن والعمليات التجميلية التي ذهبت إلى الخارج كي تعود ابنة العشرين عامًا وقد كان لها حقًا ما أرادت.

تقدمت منها وهي تطرق بحذائها ذي الكعب العالي فيصدر صوت اشمئزت منه أسيل ثم خلعت نظارتها فتظهر تلك الرموش الكثيفة حول عينيها التي تنظر إليها ببغض لم تستطيع ابتسامتها إخفاءه: _إزيك يا أسيل كان نفسي أكون موجودة لما رجعتي بس كنت في أمريكا بعمل شوبنج وكنت مستنية بابي ييجي ياخدني. أومأت أسيل بعينيها ثم تركتها وتقدمت من والدها لتقبله وبادلها هو بفتور كعادته: _حمد الله على السلامة يا بابا.

وقفت شاهي تتطلع إليها وهي تقبل والدها والذي لم يهدئ فتوره معها تلك النيران التي تشتعل كلما وجدتها تقترب من والده. تلك النسخة المصغرة من ليندا عليها أن تختفي من الوجود. استأذن حسين وهو يقول باقتضاب: _أنا داخل المكتب. تركهم دون أن يضيف كلمة أخرى وانتظرت شاهي حتى دلف وأغلق الباب خلفه فتتقدم من أسيل قائلة بتهكم: _أنا قلت هترفض ترجع تاني بعد ما نفدتي بجلدك من هنا. تحلت أسيل بالهدوء والذي تعلم جيدًا كم يستفزها وقالت ببرود:

_عادي يا طنط ده بيتي ومصيري هرجعله. أشعلت غضبها بتلك الكلمة وقالت باحتدام: _أنا مش نبهتك كتير متقوليش الكلمة دي؟ واصلت أسيل برودها: _أومال هقولك إيه، فرق السن بينا مش قليل فلازم أندهلك يا طنط. تقدمت منها تمسك ذراعها تهزها بغضب: _إنتي قليلة الأدب وإن كانت ليندا معرفتش تربيكي أنا اللي هعملها. رفعت أسيل حاجبيها بدهشة مصطنعة: _كل ده عشان قولتلك يا طنط؟ مش بدل ما أقولك يا ماما إنتي ناسيه إنك أكبر منها بسنة؟

يعني لو كنت اتجوزتي في سنها كان زمانك مخلفة أكبر من سليم. لم تتحمل شاهي حديثها وهمت برفع يدها لتصفعها لكن يد أسيل أوقفتها وهي تضغط على معصمها بقوة وتقول بتحذير: _أياكي تكرريها تاني لإني مبقتش أسيل بتاعة زمان. تركت يدها وصعدت الدرج متجهة لغرفتها ونظرات شاهي الحانقة تكاد تقتلها بحدتها. حقًا لم تعد تلك الفتاة الضعيفة التي كانت تتحكم بها وبمصيرها.

عليها أن تكسر شوكتها كي تعود كما كانت وتتخلص منها بأقرب وقت كما تخطط لأخيها. ألقت نظارتها وتلتها الحقيبة ثم نثرت خصلاتها ودلفت غرفة المكتب وهي تدعي البكاء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...