اتفضل يا حسين بيه شوف بنتك واللي عملته فيا؟ رفع حسين نظره من الأوراق أمامه وتقدم منها يسألها بدهشة. في إيه؟ وإيه اللي عمل فيكي كده؟ تظاهرت بالبكاء وهي تجيبه. بنتك غلطت فيا وبهدلتني عشان بقولها تكلمني باحترام وبتقول إنها مبقتش أسيل بتاعة زمان وكمان عايرتني إني مخلفتش منك. انزعجت ملامح حسين ولم ينتظر ليسمع المزيد وخرج من مكتبه وهو ينادي عليها. أسيل.
لم تكد تصل لغرفتها عندما سمعت صوت والدها الجهوري فعادت لتنظر إليه من أعلى الدرج. نعم يا بابا. أشار لها بالنزول. انزلي. وجدت شاهي تخرج من غرفة المكتب وهي تنظر إليها بتشفي فعلمت أن الأمر سينتهي مثل كل مرة بالاعتذار لها. نزلت الدرج وتقدمت من والدها وقبل أن تتفوه بكلمة تهاوت صفعة حادة على وجنتها جعلت خصلاتها تتطاير حولها من شدتها. رفعت أسيل عينيها إليه فوجدته يرمقها بغضب وقال بهدر.
لو حياتك في إيطاليا نستك الاحترام يبقى الألم ده يفكر بيه واتفضلي اعتذري لشاهي على إهانتك ليها. كانت شاهي واقفة ترمقها بسخرية وتشفي. يحق لها ذلك إذا كانت تملك مثل ذلك الزوج الذي يراضيها على حساب أولاده. تطلعت إليه تناشد روح الأبوه بداخله وتمتمت بألم لم تستطع إخفاءه. بس يا بابا أنا مغلطتش فيها هي اللي… قاطعها بغضب آمر. قولتلك اعتذري من سكات. ادعت شاهي التأثر وقالت بخبث. خلاص يا حسين أنا مسامحاها مفيش داعي للاعتذار.
أشعل حديثها وصوتها المنكسر نار الغضب بقلب حسين حتى أنه تناسى تمامًا أن من تقف أمامه ابنته ومن صلبه وقال بحزم لأسيل. مش هعيد اللي قولته تاني. أخفضت أسيل عينيها بألم وتعلم جيدًا بأن الأمر لن ينتهي إلا باعتذارها. واهمة إن ظنت لوهلة أن بإمكانها الوقوف أمام تلك المرأة التي تعلم جيدًا كيف تتلاعب على أوتاره. ولم يقدر والدها بأنها لم تعد تلك الفتاة الصغيرة التي ترضخ للذل مقابل أن يتم العفو عنها.
شيء بداخلها يدفعها الاعتراض لكن تذكرت حينما فعلتها يومًا وكان عقوبتها ألم تعاني من كسرتها حتى الآن. بأقدام واهنة تقدمت منها أسيل وهي ترمقها بانكسار وتعترف لها بأنها دائمًا الفائزة وتشيد لها بذلك، أغمضت عينيها وتمتمت بصوت واهن. أنا آسفة. تظاهرت شاهي بعدم الاستماع لذا سألتها بخبث. بتقولي حاجة يا سيلا؟ ازدردت جفاف حلقها ربما تزدرد معه ذلك الهوان لكن يبدو أنها ولدت بملعقة الذل بفمها لذا عادت ترددها. بقولك آسفة.
رغم التشفي الذي ظهر واضحًا بعينيها إلا إنها قالت بلؤم. هو أنا يا أسيل بعمل كده عشان أخليكي تعتذري! لأ خالص، أنا يا حبيبتي عايزة نكون حلوين مع بعض ومنزعجش بابا كل شوية بمشاكلنا، انتِ خلاص كبرتي ومش كل شوية بابي هيعلمك إزاي تكوني ذوق ومهذبة في كلامك مع الناس، أنا وبتحملك إنما غيري مينفعش يتحملك يا قلبي. أظهرت أسيل أمام والدها بأنها المخطئة الوحيدة هنا لذلك جعلت حسين يتابع سخطه.
اتفضلي اطلعي أوضتك ومتنزليش منها إلا لما اسمحلك. تطلع إلى شاهي وتابع. تفضل في أوضتها والأكل يدخلها هناك متخرجش لأي سبب، فاهمة. تظاهرت بالاستسلام وهي تقول برضى مزيف. حاضر يا حبيبي بس بلاش تزعل نفسك عشان صحتك، يا حبيبي إحنا ملناش غيرك. كان سليم واقفًا أمام باب المنزل يستمع لما يحدث لكنه لم يملك الجرأة للدفاع عنها. لذلك ظل واقفًا مكانه يشاهد في صمت حتى وجد أسيل تصعد الدرج بانكسار آلمه.
لا يملك الجرأة بوجود تلك المرأة، ليس الآن على الأقل. *** ظلت أسيل في غرفتها تأبى تناول طعامها رغم محاولات أمينة معها. فقد لاقت من الذل والانكسار ما جعلها تزهد كل ما حولها. حتى محاولات داغر لها بسماع صوتها والاطمئنان عليها. لكنها لا تريد أن تجيب وهي بتلك الحالة. لا يجب أن يعرف شيئًا مما تمر به. لن تقبل أن ترى نظرة عطف أو رأفة بعينيه. لا تريد سوى رؤية الحب بهما وكفى.
ازدادت محاولات داغر بالاتصال عليها كأنه يعلم بما تمر به حتى يأس من ردها. ألقى الهاتف على الفراش بجواره ثم نهض وهو يشعر بالضيق لعدم الوصول إليها. فلم يجد أمامه سوى الهروب إلى أعماق البحر كعادته. توجه إلى الخزانة الصغيرة وارتدى ملابس خاصة بالغطس لكنها ليست مكتملة ثم خرج إلى سطح السفينة. كان الموج عاليًا والسفينة راسية تتراقص على لحن الأمواج العاتية. سقط في المياه مما جذب انتباه زملائه في الكابينة فقال أحدهم.
داغر ده مجنون إزاي ينزل في مكان زي ده، وكمان مش واخد الأدوات الكاملة معاه. هز الآخر رأسه بيأس منه. مفيش فايدة فيه كنت عارف إنه هيعمل كده. أمسك الهاتف وقام بالاتصال على كابينة المراقبة. نزل كاميرا تتبع للكابتن داغر تحسبًا لأي خطر، ولو في أي حاجة كلمني فورًا. شعر داغر بالضيق عندما لمح كاميرا تتبع تسقط في المياه خلفه لكنه لم يعيرها أي اهتمام. يعلم جيدًا بأن يحيى زميله من فعلها كي يكون مطمئنًا عليه.
أخذ يغوص ويتعمق أكثر يريد أن يشغل تفكيره عنها قليلًا لكن يبدو أنه لا فائدة. لقد استعمرت كل كيانه ولن يستطيع شيء إبعاد تفكيره عنها. ظل يتعمق أكثر دون أن يشعر حتى ابتعد أمتارًا عديدة. وحينها وجد أمامه هوة سحيقة في القاع. تطلع لسطح المياه فوجد أنه تعمق كثيرًا. رسى على مشارف تلك الهوة وأخرج الكاشف المضيء ليستكشفها فيجدها تشبه حفرة واسعة. فكر في النزول إليها واستكشافها لكن تلك تعد مخاطرة قصوى.
فكر في التراجع لكن روح المغامرة جعلته يفكر في المجازفة تلك. تطلع إلى مؤشر الأكسجين فوجد أنه من الممكن ألا يتحمل كما أن الكاميرا المراقبة له لن تستطيع التصوير جيدًا داخل تلك الهوة. لكنه قرر استكشاف المكان ولن يتراجع. نزل للأسفل وقد كان الظلام هو سيد الموقف والكاشف الضوئي يساعد بالقليل. أخذ يتعمق أكثر حتى لاحظ أعمدة تبدو أنها لسفينة. تعمق أكثر فبدأت تظهر أمامه سفينة قديمة غارقة في تلك الهوة.
كانت إضاءة الكاشف محددة فلم يستطع تبينها جيدًا. لذا توقف وأخذ يمرر الكاشف على المكان فيرى أنها كبيرة وقد مر عليها عقود وقد كستها الطحالب البحرية فلم تظهر أمامه سوى هيكل لسفينة. تقدم منها أكثر وولج داخلها فيجد بها أسلحة قديمة وصناديق لا عدد لها. كانت بها غرف قليلة وكأنها مخازن لتلك الصناديق. فتح أحد الصناديق الموضوعة جانبًا فوجد أنها مغلقة بإحكام. تلف حوله يبحث عن شيء يساعده في فتحها.
حتى سقطت عينه على شيء يشبه الرمح مخصص للصيد. أخذه وقام بفتح الصندوق به، وبعد محاولات كثيرة فتح معه. رفع الغطاء وأسنده على الحائط خلفه. فوجد به أسلحة قديمة قد عفى عليها الزمن، يبدو أنها لأحد القراصنة القدامى. تركه وفتح الآخر وجد بداخله عملات ذهبية تعود لدولة إسبانيا قديمًا. أغلق الصندوق وتطلع حوله فيجد حقيبة صغيرة معلقة على أحد الجدران.
تقدم منها وقام بفتحها فيجد بها صندوق صغير يحتوي على بوصلة ذهبية مرصعة بأحجار كريمة. ابتسم عندما تخيل حبيبته أمامه ويهديها إياها. انتبه فجأة لحركة قوية خلفه جعلته يستدير مسرعًا كي يعرف ماهيتها. *** في غرفة أسيل. طرق بابها فظنت أنها أمينة فسمحت لها بالدخول. ادخلي يا دادة. انفتح الباب ودلف سليم بملامح جامدة عكس ما بداخله من تعاطف تجاهها. فقد تعود أن يكون حادًا في تعامله كوالده. سليم؟
اندهشت أسيل فور رؤيته وخاصة عندما تحدث. مشفتكيش من امبارح مع إننا في بيت واحد، قلت تكوني تعبتي تاني. تعجبت أسيل فهذه تعد المرة الأولى التي يظهر اهتمام بها فقالت بنفي. لا أنا كويسة بس انت بترجع متأخر بكون نمت. أومأ لها على نفس فتوره ثم خرج من الغرفة. توقف عندما نادته. سليم. التفت إليها يسألها بعينيه فقالت بعد تردد. عايزة أسافر إسكندرية. قطب جبينه مندهشًا من تعلقها بذلك المكان. انتي مش لسه راجعة من قريب؟
ازدردت لعابها بصعوبة وقالت بتلعثم. آه… بس… سألها بحيرة عندما توقفت. بس إيه؟ رفعت بصرها إليه وتمتمت برجاء. أرجوك يا سليم أنا مش متحملة أقعد في مكان واحد مع الست دي خليني أسافر يومين لحد ما أتاقلم على الحياة معاهم. تفاهم سليم مع حالتها لكنه تحدث برتابة. بس ده أمر واقع ولازم هتعيشيه، لو اصريتي على الهرب منه هتتعبي أكتر. فركت يديها ببعضها وتمتمت برهبة. معلش ريحني واقنع بابا إني أسافر يومين مع دادة.
أومأ لها بصمت ثم خرج من الغرفة. *** انقبض قلبه عندما استمع لصوت خلفه فالتفت مسرعًا ليجد أحد الأسماك التي سقط عليها باب الصندوق والذي نسي أن يغلقه. فتقدم منه ليحررها ثم أعاد غلقه حتى يبلغ السفارة الإسبانية بذلك. تطلع للمؤشر الذي انخفض كثيرًا وأوشك على النفاذ. فاكتفى حتى الآن وقرر العودة للباخرة قبل أن ينفذ تمامًا. وأثناء خروجه من تلك الهوة سقطت الحقيبة من يده.
حاول الوصول إليها قبل أن تسقط لكنها كانت ثقيلة بالقدر الذي جعلها تسبقه لتسقط داخل السفينة. أخذ المؤشر يصدر صوت تنبيه للنفاذ لكنه لم يبالي وعاد إلى الباخرة ليصل للحقيبة لن يترك شيئًا وهبه لها. فقام بالمجازفة بحياته وعاد إلى السفينة. حتى انتهى الأكسجين تمامًا. تحامل على نفسه ووصل للحقيبة ثم قام بوضعها حول عنقه وخرج مسرعًا منها.
لكن أعاقه تعلق الجهاز في أحد الأسياخ الجانبية في السفينة فحاول تخليصها لكن حاجته للهواء جعلت قوته واهنة. تطلع إلى أول الحفرة فوقه فشعر بها بعيدة بالقدر الذي لن يجعله يصل إليها دون أكسجين. لم يجد حل سوى نزع الجهاز عنه والصعود للأعلى بأسرع وقت. لكن بدأت عضلات قدمه بالتشنج فأصبحت حركته ضعيفة لاعتماده على قدم واحدة ولن يستطيع الوصول.
ظل يعافر كي يخرج من الحفرة ويصل للكاميرا فينجده أصحابه لكن تشنجت قدمه الأخرى مما جعله يحمل على ذراعيه أكثر. عليه أن ينجو ليس لأجله بل لأجلها. لن يكون سببًا في إحزانها بعد أن أقسم ألا تعرف الدموع إلى عينيها سبيلًا. ظل يعافر وقد شعر بذراعيه تكاد تقتلع من شدة ضغط المياه عليها لكن لأجلها سيفعل المستحيل. بدأ الهواء ينفذ من رئتيه حتى أصبح على وشك الإغماء لكن لن يستسلم بتلك السهولة.
هو وعدها بالعودة إليها وعليه أن يعود بهدية أخرى، وقد كانت تستحق أن يجازف لأجلها. فهي بوصلته التي مهما تاه وفرقهم الزمان عليها أن تعرف أن لا ملجأ لها سوى عشقهما. هي روحه التي حررتها من أسرها وجعلتها تهفو بنسائم عشق أذابته. لكن يبدو أنه أسرع دون أن يدري وبدأ يشعر بتنمل في ذراعه وكتفه الأيسر ونغزة حادة في صدره.
بدأ عذاب وألم وعندها تشنج كامل جسده من شدة الضغط عليه وأعلن عن حاجته للتنفس وحينها توقف عن الحركة مستسلمًا لمصيره. وكانت صورتها آخر ما رآه، وتساءل قبل أن يفقد وعيه. كيف سيكون وقع ذلك الخبر عليها؟ *** دلف سليم المكتب مع والده كي ينهوا أعمالهم بشأن الفرع الجديد الذي يريدون تأسيسه في الخارج. وبدأوا الانشغال به. طرق الباب ودلفت العاملة وهي تحمل القهوة. وسليم يحاول بشتى الطرق عدم النظر إليها رغم صعوبة الأمر.
وهي أيضًا تظاهرت بالثبات وهي تضع القهوة أمامه لكن عذابها هي أشد وأقوى. هو يستطيع السيطرة على مشاعره وثباته كما عوده والده بألا يكون عبدًا لعواطفه وأن يكون هو المتحكم وليس هي. عكس تلك الرقيقة التي تخرجت من الملجأ وعملت عنده مجرد خادمة. تهادت القلوب وتآلفت لكن دون وعود ولا أحلام واهية. بل كان صريحًا معها من البداية. "أحبك لكن لا أمل لمستقبل يجمعنا". وعندما سألته لما قولتها إذًا. أجابها بذلك الهدوء القاسي.
كي لا أكون حرمت قلبي من قولها. ومن وقتها وكل واحدٍ منهم يتظاهر بالثبات. ونيران الشوق تشتعل بداخلهم. خرجت وخرجت روحه معها فروحه الخائنة لا تجتمع به إلا بوجودها. يتعذب ويشعر بالألم كلما تنفس الهواء التي تتنفسه في مكان واحد لذا يفضل دائمًا الهرب بعيدًا عن دائرته. بذهن مشتت واصل عمله مع والده وتحتم عليه أن يكون منتبهًا معه. عليه أن يبعدها عنه كي يحميها من بطش والده. بعد الانتهاء تطلع سليم إليه قائلاً.
أنا عايز أبعت أسيل بكرة إسكندرية تقعد يومين هناك مع دادة أمينة. رد حسين باقتضاب دون أن يرفع وجهه عن الأوراق. لأ. أنا مش شايف سبب للرفض الفيلا هناك متأمنة كويس وهخلي عادل يكون معاهم. خلع حسين نظارته الطبية وتطلع لسليم قائلاً بجمود. أسيل لازم تكون تحت عينينا لأن من صغرها وطبعها عاطفي، مقدرتش أزرع جواها اللي زرعته فيك بإن المشاعر ملهاش وجود في حياتنا يعني سهل أوي يضحك عليها.
أوعى تفتكر إن حياتها في إيطاليا كانت بعيدة عن عيني، أنا كنت متابع كل حركة وكل نفس بتتنفسه وهي كانت ملاحظة حاجة زي دي وعشان كده هي كانت ماشية جنب الحيط بس لو حست إنها بحريتها هتنطلق فيها ووقتها الغلط هيكون مباح. يعلم سليم جيدًا بأنها نظرية خاطئة وإن ترك جزء بسيط من الحرية سيحاول الإنسان بكل الطرق الحفاظ عليه. لكن ذلك السجن سيجعل الإنسان يحارب بكل الطرق لينال قسطًا منها.
بس دادة أمينة هي اللي مربياها واكيد هتخاف عليها زينا وكمان هخلي عادل عينه عليهم مش شايف أي سبب للرفض. وافق حسين على مضض ليس لأنه وافق على الفكرة لكنه وافق فقط كي لا يرفض قرار سليم. فقد عوده من صغره أن يكون ذا كلمة تسمع وقرار يتبع كي يجعله بذلك الجمود. ولا يعرف شيئًا عن ذلك القلب المتخفي بنبضاته العاشقة. ظلت أسيل حبيسة غرفتها لا تخرج منها حتى الطعام يأتي إليها. طرق الباب ودلف سليم بملامحه الواجمة وتمتم بجمود.
جاهزة بكرة الصبح للسفر ولا خليها آخر النهار. لم تصدق أسيل ما أخبرها به سليم لذا سألته. تقصد إسكندرية. أومأ لها فنهضت مسرعة وهو ترد بفرحة. من دلوقتي لو عايز. انفلتت ابتسامة خافتة من أسيرها على فمه ورد باقتضاب. خليها بالنهار أفضل عشان مقلقش عليكي، إن احتاجتي حاجة كلميني على طول. أومأت له فخرج هو دون أن يضيف كلمة أخرى. ***
عاد إلى غرفته وخلع سترته ملقيًا إياها على المقعد أمامه ثم تلاها ربطة العنق والزرار الأعلى كأنه يشعر بالاختناق. ولما لا وكل شيء حوله يشعره بذلك وتلك القيود التي كلما كبر كلما اشتد وثاقها عليه. حتى عندما دق قلبه اختار المستحيل ليركض خلفه. فتح باب شرفته ليأخذ نفسًا عميقًا ربما يخفف من حدة الاختناق لكن مرت من أمامه سارقة الأنفس.
تلك الفتاة التي صدمت به عندما كانت تهرب من ذلك الرجل الذي كان يطاردها لأنها لم تستطع دفع أجرة السيارة التي نقلتها إلى فيلاتهم للعمل بها. تذكر كيف تحامت به ووقفت خلفه عندما دلف خلفها الرجل. فلاش باك. سليم في حديقة المنزل في يوم عطلته يستمتع بالسير بها وفي ذلك الوقت المبكر. حتى أنه سمح للأمن بأخذ إجازاتهم أيضًا كي يغلق البوابة الحديدية ويستمتع بذلك الهدوء وخاصة بعد انصراف أبيه وزوجته.
تفاجأ بفتاة تدلف مسرعة من البوابة وتختبئ خلف أحد الأعمدة. قطب جبينه بحيرة وهم بسؤالها لكنه تفاجأ برجل يدلف خلفها يبحث عنها. فقال سليم بحدة. في إيه؟ انتبهت الفتاة لوجوده وظنته عاملًا به فأسرعت تتحامى به وهي تقول برجاء. الحقني يا أخويا بسرعة الراجل ده عايز يسرقني. أخويا. ردد اللقب بتعجب وقد ازداد الأمر عندما تقدم الرجل منهم وهو يقول بانفعال. تعالي يا حرامية انتي فاكرة إن في حد هيخلصك مني.
تدارت الفتاة خلفه وهم الرجل بجذبها لكن سليم منع يده للوصول إليها وقال بلهجة حازمة. أبعد إيدك. كانت لهجته هادئة لكنها حازمة جعلت الرجل يتراجع وغمغم بامتعاض. دي بنت حرامية ركبت معايا من حدايق القبة لحد هنا بعشرين جنيه. تطلع سليم للفتاة خلفه وسألها. صحيح الكلام ده؟ هزت كتفيها باستسلام فعاد بنظره للرجل وهو يخرج بعض الأموال من جيبه ومده لهم تحت نظرات الفتاة المنبهرة بالمبلغ الذي أخذه الرجل.
من إيد ما نعدمهاش يا باشا، تؤمر بحاجة؟ لم يرد عليه سليم فانسحب الرجل وهو يعد المبلغ بيده حتى خرج من المكان. استدار سليم لينظر إليها فوجد فتاة بسيطة تدل ملابسها أنها تعيش حياة بائسة حقًا. لكنها جميلة، بل أكثر من ذلك. فسألها. وانتي مش هتمشي؟ ارتبكت الفتاة وردت بتلعثم. مـ…ـش لما… أعرف الأول انت اديت كام للسواق؟ قطب جبينه بحيرة وسألها. ليه؟ ردت مسرعة. عشان أردلك الفلوس انت أكيد بتشقى بيها في البيت الكبير ده.
رفع حاجبه بدهشة من وقاحتها وهم بالرد عليها لولا صوت شهد. وعد.. التفت كلاهما لشهد التي تقدمت منهم بإحراج وقد بدا عليها أنها سمعت جملتها الأخيرة فقالت بأسف لسليم. أنا آسفة أوي يا سليم بيه أصلها متعرفش حضرتك. جذبتها من ذراعها تدفعها أمامها وهي تقول بغيظ. هتودينا في داهية منك لله. ابتسم سليم لتلك الذكرى لكن ابتسامته لم تدم ولو قليلاً واختفت.
ظلت عينه تراقبها وهي تجلس وحيدة في حديقة المنزل وتمسح بيدها دموعها بين الحين والآخر. *** في مكان آخر. ظل الرجل يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا بقلق بالغ حتى طرق الباب ودلف المحامي الخاص به. إيه يا توفيق بقالي ساعة مستنيك. وضع الرجل حقيبته على الطاولة أمامه وقال بانفعال وهو يجلس على المقعد. بحاول أدور على أي ثغرة تخرج ابنك من المصيبة دي. جلس حامد قبالته وسأله بقلق. يعني إيه؟
يعني الولد رافض يعترف على نفسه رغم المبلغ الكبير اللي اتعرض عليه. والمصيبة الكبرى إن المستشار اللي ماسك القضية نزيه مش بيقبل أي رشاوى يعني سكتنا مقفولة. ظهر الخوف واضحًا عليه. والعمل؟ لازم تشوف أي سكة للراجل ده. رد المحامي بخبث. ما هو ده بقا اللي جاي عشانه. قطب الرجل جبينه بحيرة فيضيف المحامي. خطة هتخلي المستشار ده ييجي يبوس على أيدينا مش بس يلبس الولد ده القضية. ………….
اغلق خليل الملف أمامه ثم عاد بظهره للوراء وهو يتنهد بتعب. فتلك القضية معقدة حقًا. فذلك الشاب ينفي التهمة وهو بخبرته يستطيع معرفة إذا كان صادقًا أم لا. الجلسة القادمة ستكون الأخيرة وسيعمل بكل الطرق على إظهار الحقيقة. ضغط على الزر فيدخل السكرتير الخاص به. أؤمر يا فندم. قدم الملف له وهو يقول. اعملي نسخة من الملف ده وهاته فورًا. أخذ السكرتير الملف وذهب ليطبعه أم شعر بالتعب وقرر الانصراف والعودة للمنزل.
عاد خليل إلى المنزل فوجد فتاة في العشرين من عمرها تنتظر أمام البوابة الداخلية. تقدم منها ليسألها عن سبب وقفتها لكنها بدأت هي. حضرتك خليل بيه. رد خليل متعجبًا. أيوه يا بنتي خير؟ فركت الفتاة يدها بتوتر وقالت. أصل أنا جاية تبع مكتب "مديرة منزل" كنت جنابك كلمتهم عشان عايز شغالة. تذكر خليل ذلك الأمر. آه آه افتكرت ادخلي جوه عند أم وجيه وهي اللي هتعرفك شغلك هيكون إزاي. أومأت الفتاة ودلفت خلفه ثم أشار لها باتجاه المطبخ.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!