في المساء، لم يهدئ هاتفه من اتصاله، وتعلم جيدًا بأنه لن يهدئ حتى توافق على الخروج معه. لكن تأخر الوقت ولن تجازف بالخروج في الليل. ردت عليه عندما يأست منه وقالت بغيظ: _وبعدين معاك؟ قولتلك مش هينفع، وبعدين انت لسة راجع من السفر لازم ترتاح. اعتدل داغر في فراشه: _ايه.. ايه براحة عليا، بتخديني في دوكة كدة ليه. جلست على الفراش وهي تتمتم بيأس: _اعمل ايه؟ بحاول افهمك إنه مينفعش وانت مصر.
ازاح داغر الغطاء عنه ونهض من فراشه متجهًا للمرحاض: _أنا بصراحة جعان أوي ولوحدي في البيت ومحتاج حد يحضرلي العشا. زمت فمها بغيظ منه: _وعايزني بقا أنا اللي اجي أحضره! رد داغر ببساطة قبل أن يضع الفرشاة في فمه: _وايه المشكلة؟ ما هو ده الطبيعي. _لااا السفرية دي شكلها جننتك خالص، وبعدين انت عارف صعب اخرج في وقت زي ده. أعاد الفرشاة إلى مكانها وخرج من المرحاض ليخرج ملابس له وهو يقول:
_أنا هدخل اخد شاور، تكوني جهزتي. هعدي عليكي بالعربية من الباب التاني، يلا باي. أغلق الهاتف دون أن يستمع لردها، ودلف المرحاض. ابتسمت أسيل على جنونه وفكرت في الخروج معه، لكنها تخشى من ذلك. فهي تعد مغامرة كبيرة ولن تجازف بها. تنهدت بحيرة. قلبها يطلب منها الذهاب والنعيم بذلك الحب الذي يغدقها به، لكن عقلها يأبى ذلك، وفي ذلك الوقت خاصة. لكن لما لا؟ وقد نامت أمينة وستذهب وتعود دون أن يعرف أحد. ظلت حايرة لا تعرف ماذا تفعل.
ظل داغر منتظرها في سيارته، لكنها لم تخرج له حتى الآن. أخرج هاتفه ليبعث لها برسالة، كان محتواها: "تحبي تخرجي من نفسك ولا أجى آخدك بالغصب؟ تلقت أسيل تلك الرسالة، فيزداد حنقها منه. هي تعلم جيدًا بأنه قادر على فعل ذلك التهور. فقررت الذهاب إليه وإقناعه بالذهاب. أبدلت ملابسها وتسللت من الباب الخلفي، فتجده منتظرها بعيدًا نسبيًا عن المنزل. هزت رأسها بيأس منه، ثم توجهت إليه وهي تتمتم بحنق: _حد قالك إنك مجنون.
هز رأسه بنفي وتحدث بهدوء: _لأ ولا مرة، أول مرة أسمعها منك. اغتاظت أكثر من بروده، وخاصة عندما تابع ببساطة: _يلا بسرعة لإني فعلاً جعان أوي. _قولتلك مينفعش، لازم تمشي دلوقتي عشان محدش ياخد باله. تحدث بإصرار: _اركبِ انتِ وخلّينا نمشي قبل ما الحد ده ياخد باله. زمت فمها بغيظ منه واستدارت لترحل كي لا تقوم بقتلـ ـه، وهي تقول: _براحتك بقات. رجل ليجذبها من ذراعها يمنعها:
_سيلا متتعبنيش، أنا لسة مفقتش من النوم ومحتاج أفضل معاكي شوية. وقفت أسيل حائرة أمامه، فلهجته ترجوها أن توافق، وهي خائفة من الذهاب معه في ذلك الوقت. وعندما لاحظ خوفها تحدث بلهجة بثت الاطمئنان بداخلها: _طول ما انتي معايا متخافيش من حاجة، لو خفتي من الدنيا كلها أنا لأ. تطلعت إليه بعينيها لتنفي حديثه قائلة: _بس أنا مش خايفة منك انت، أنا بثق فيك أكتر من أي حد. قطب جبينه بحيرة وسألها: _اومال خايفة من مين؟
اهتزت نظراتها عندما تحشر في الزاوية وتمتمت بخفوت: _مفيش حد. _يبقى خلاص تيجي معايا، واوعدك مش هنتأخر. وافقت أسيل وذهبت معه، ولم تنتبه لتلك العيون التي تراقبها. أخرج هاتفه ليخبرها: _أيوه يا هانم، هي خرجت دلوقتي معاه، كان مستنيها قدام الباب الوراني. انفعلت شاهي وقالت بغضب: _ومقولتش من بدري ليه؟ _يا هانم مكنتش اعرف غير دلوقتي، لولا إني كنت بمشط الفيلا مكنتش هاخد بالي. فكرت شاهي قليلاً ثم قالت:
_طيب اسمعني كويس ونفذ اللي هقولك عليه. أوقف داغر السيارة أمام منزله، مما جعلها تنظر إليه باحتدام، لكنه طمأنها قائلاً: _متخافيش، أنا وعدتك إننا مش هندخل جوه. أنا هستناكي هنا وأدخلي انتي اعملي الأكل، كل حاجة موجودة في المطبخ، وإن احتاجتي حاجة رنّي عليا. تمتمت أسيل بتردد: _بس… _بس ايه تاني؟ أنا قولتلك نتعشى في اليخت قولتي لأ، طلبت نتعشى في مطعم قولتي حد يشوفنا. اعمل ايه تاني. التزمت الصمت قليلًا ثم تحدثت بجدية:
_توعدني إنك مش هتدخل لأي سبب من الأسباب. أيد قولها: _أوعدك إني مش هدخل لأي سبب من الأسباب. ها حاجة تاني؟ أخرج المفتاح من سترته واعطاه لها: _ده المفتاح، وأنا هجهز المكان على البحر هنا لحد ما تخلصي. وافقت أسيل وأخذ المفتاح ودلفت من البوابة الرئيسية، حيث فتح لها الحارس قبل أن يترك المكان ويرحل. دلفت أسيل المطبخ وشرعت في إعداد الأطعمة التي طلبها داغر. لم تستطع العمل وحدها وأرادت مساعدة منه. لكنها لن تفعلها.
ظلت تضغط على نفسها حتى يأست وأمسكت هاتفها كي تحدثه: _ممكن تيجي دقيقتين وتخرج تاني. لم يجيبها وأغلق الهاتف، وفي ثوانٍ معدودة كان يدلف المطبخ وهو يغمغم بتعند مصطنع: _هما الستات كدة يغرقوا في شبر ميه، مش بيعرفوا يعملوا حاجة لوحدهم. خلع سترته ورفع أكمامه وهو يسألها: _خير، اعمل السلطة ولا أغسل المواعين. ضحكت أسيل وأشارت على الطاولة: _اه السلطة وتشوح اللحمة. تطلع إليها بغيظ:
_يعني لغيتي السمك. ماشي يا ستي، اعمل السلطة الأول وبعدين نشوح اللحمة عشان متبردش. جلس على المقعد وأخذ يعدها وهو ينظر إليها بنظرات عاشقة. لم يعترف بالحب يومًا، ولم يتخيل بأن يعيش تلك اللحظات ومع ذلك الجمال المرتسم أمامه. كم تمنى أن تكون زوجته الآن وهو يقف بجوارها يساعدها. نفى ذلك وشرد بأشياء أخرى. بأن يقترب منها ليغلق المقود ويحملها بين يديه ويصعد بها غرفتهما. تمنى ذلك بكل الحب الذي يحمله بداخله لها.
لكنه أحجم تلك الرغبة وتطلع إلى السلطة يشغل نفسه بها. انشغلوا بإعداد الطعام حتى انتهوا في فترة وجيزة، فسألها داغر: _ايه رأيك نتعشى هنا، بدل ما نطلع الأكل وندخله. محى الخوف من داخلها وحل مكانه الأمان. فقد استطاع داغر تعويضها بكل ما حرمت منه، كأنه عوضها عن ذلك العذاب الذي عاشته. _خلينا هنا أحسن. رمقها داغر بابتسامة تؤكد لها بأنه سيظل على ثقتها به ولن يخذلها يومًا.
شرعوا في تناول طعامهم وهم يتحدثون في أمور عديدة حتى انتهوا. كان الوقت يمر دون أن يدرون بذلك، ولا أحد منهم يعلم شيئًا عن أحقاد تترصد لهم. ساعدها داغر في غسل الأطباق، وأعاد باقي الأطعمة للمبرد، فقد أخبرها بأنه لن يترك شيئًا منه. وقد استطاعت حلاوة كلماته تلك المرور إلى قلبها البض، فتزداد سعادتها. أعدوا أخيرًا مشروبهم وناولته إياه قائلة برجاء: _خلينا نشربه في العربية لإني أخرت أوي. أومأ لها داغر بتفاهم وقال:
_طيب ثواني هطلع أجيب حاجة من اوضتي وأجيلك، نمشي على طول. توقف بعد أن سار خطوتين والتفت إليها قائلاً ببراءة مزيفة: _بقولك ماتيجي معايا أفرجك على الأوضة. هزت رأسها بيأس منه ولم تجيبه. فقال بملاوعة: _انتِ الخسرانة، أنا بقول لو محتاجة تعديل تعرفيني ولا حاجة. ابتسمت أسيل على ملاوعته ولم تجيبه، أخذت تتجول في صالة المنزل الكبير، تنظر إلى طرازه الهادئ.
وهو بنفس حجم منزلها، لكن منزلها يفقد الدفء الذي شعرت به عندما دخلت إلى ذلك المنزل. راحة وطمأنينة لم تشعر بها من قبل، حتى في منزل جدها في إيطاليا. انتفضت أسيل من اليد التي امتدت إليها، فانسكب المشروب على الأرض. _بسم الله، ايه يا سيلا مالك خفتي كدة ليه؟ أخذ الكوب منها وشعرت هي بالإحراج من نفسها: _لا أنا بس اتخضيت مش أكتر. _خلاص هعملك غيره. دلف داغر ليعد مشروب آخر، ولفت نظر أسيل غرفة على يمينها مغلقة بلوحة تحكم.
تقدمت منها وهي تنظر إليها بحيرة، رفعت إصبعها لتضعها على اللوحة، فيوقفها صوت داغر: _لو ضغطتي عليه هتسمعي صوت مش هيعجبك أبدًا. تراجعت أسيل وهي تنظر إليه بحيرة. ناولها داغر الكوب وقال بتوضيح: _أي إيد بتلمسه غيري بيشتغل جهاز الإنذار على الفون بتاعي أو عميل. طلعت إلى داغر بحيرة وسألته: _ليه؟ _تحبي تدخلي تشوفي بنفسك؟
جعلها الفضول تومئ له، فقام داغر بالضغط على الأزرار، فتنفتح الغرفة، ويسبقها للداخل كي يشعل الأضواء، ثم أشار لها بالدخول. دلفت أسيل لتنبهر عينيها برؤية تلك الأشياء المرصوصة بعناية على جانبي الغرفة. سارت قدماها رغم الذهول الذي يعتريها، وأخذت تشاهد تلك التحف العجيبة.
ما بين ساعة رملية تعد من العصور الوسطى، وخنجر صغير مُطعم بأحجار كريمة، ومحار بكل أحجامه وأنواعه ويحتوي على لؤلؤ يكلف ثروة، وأخرى لوحة لطفلة تنفخ في الرماد فيتحول لفراشات جميلة، والكثير والكثير. تطلعت إلى داغر وهي تقول بانبهار: _كل ده لقيته في البحر؟ كان مستمتعًا بانبهارها ورد بإيماءة صغيرة: _امم. تقدم منها وهو يرفع أمامها صندوقًا صغيرًا وفتحه أمام عينيها وهو يقول: _ودي كانت آخر حاجة لقيتها.
اتسعت عينيها وهي تشاهد بوصلة ذهبية داخل ذلك الصندوق، فترفع يدها تخرجها منه منبهرة بجمالها، وتمتمت برهبة: _دي جميلة أوي يا داغر. تقدم منها داغر خطوة وتمتم بوله: _الجميل للجميل، دي هديتي ليكي، مش قولتلك كل سفرية أجيبها عنك بهدية؟ انفرج ثغرها بذهول ونقلت بصرها بينهما وهي تقول: _بس دي غالية أوي يا داغر. تقدم منها خطوة أخرى ليرفع خصلة أخفت وجهها عنه ويضعها خلف أذنها وهو يتمتم بولع:
_ولو قولتلك تقبلي كل التحف دي مهر ليكي تقبلي؟ اهتزت نظراتها وشعرت بأن قدميها أصبحت كالهلام لا تقوى على حملها. هل يطلب منها الزواج؟ هل ستنتهي معاناتها وتبتسم لها الحياة أخيرًا؟ تطلعت إلى عينيه التي ترمقها بحب، وللوهلة شعرت بالخوف. هل حان الأوان لانتهاء معاناتها أم أن هذه اللحظات تعد السكون قبل العاصفة. أقلقه صمتها وخشية بداخله من أن تكون رافضة لطلبه، لذا رفع كفه ليحتوي به جانب خدها وتمتمت بحب جارف:
_وافقي يا سيلا، وأوعدك إن عمرك ما هتندمي. تجمعت العبرات بعينيها مما جعله يشعر بالخوف عليها وسألها بحيرة: _ليه الدموع دي؟ سقطت دمعة أحرقته قلبه وهي تتمت بحزن: _خايفة؟ _من ايه؟ اهتزت نظراتها عندما انتبهت لقولها، لا تريد أن يعرف شيئًا عن جحيمه، لا تريده أن يعرف بأنها شيء منبوذ لا يحق لها أن تفرح. تخشى إن علمت زوجة والدها تقنعه بالرفض وتلتف حول عنقها حبال الغدر. لن تتحمل بعدها عنه بعد ما أذاقها حلاوة عشقه.
هل تؤجل ذلك القرار حتى تنعم بعشقه قبل أن يُحكم عليهم بالفراق؟ صمتها جعل الخوف يتملك منه، لذا سألها: _أسيل انتي مخبية ايه عني؟ رمشت بأهدابها وحاولت التهرب منه، لكنه احتوى وجهها بين كفيه يجبرها على مواجهته وسألها: _أسيل أنا كنت صريح معاكي من البداية وحكيتلك كل حاجة من غير ما أخبي، ليه انتي محاوطة نفسك بجدار وخايفة تتكلمي عن حياتك، سيلا أنا بحبك…
بوغت داغر عندما وجدها ترفع ذراعيها لتحيطه وتنخرط في البكاء وهي تشدد من احتضانه. تمزق قلبه من حالتها وازداد قلقه عليها. ظل يمسد على خصلاتها حتى هدئ نحيبها وهو يقسم بأنه سيعوضها عن كل تلك الدموع التي تذرفها. لا يريد أن يعرف شيئًا عن حياتها قبل معرفتها. هو يعشقها ويشعر بعشقها له، لذا لا يريد شيئًا آخر. أبعدها عنه قليلًا وهو يقول بمزاح أراد به التخفيف عنها: _لا بقولك ايه ابعدي أحسن، إحنا لوحدنا والشيطان شاطر.
ضحكت أسيل وارتدت خطوة أخرى وقد تداركت الموقف، حتى أنها لا تعرف كيف أتتها الجرأة لفعلها، فقالت وهي تمسح دموعها: _داغر أنا لازم أروح دلوقتي، أخرت ومقولتش لدادة. وافق داغر وخرجوا من الغرفة، وأخذ مفاتيحه وخرج معه. توقف السيارة أمام المنزل وتطلعت إليه أسيل متمتمة برهبة: _داغر مينفعش تأجل موضوع الارتباط دلوقتي. تعجب داغر من قولها وسألها: _ليه يا سيلا؟ إحنا نعرف بعض من تلات شهور ودول كفاية أوي. التزمت الصمت قليلًا
ثم تحدثت برجاء: _خلاص خليها الأجازة الجاية. تنهد داغر بتعب: _اللي تشوفيه، أصلاً عمي عايز يشوفك الأول. ابتسمت أسيل لذكره وقالت: _أنا كمان نفسي أتعرف عليه. _خلاص هحدد معاه ميعاد الأجازة دي وتشوفيه، والأجازة الجاية هخليه يطلبك. ترجلت أسيل وانتظر داغر حتى تدلف، لكنها تفاجأت بما حدث. وقفت تحاول فتح الباب، لكن يبدو أن أحدًا أوصدَه من الداخل. أخرجت هاتفها كي تتصل بأمينة لتفتحه، لكن هاتفها قيد الإغلاق.
رن هاتفها وقد كان داغر، لابد أنه قلق لعدم دخولها. _أيوه يا داغر، الباب اتقفل من جوه. _طيب اتصلي على دادة أمينة تفتحه. ردت بقلق وهي تحاول فتحه مرة أخرى: _فونها غير متاح، مش عارفة أعمل ايه. _طيب أنا هجيلك وأحاو… قاطعته أسيل بخوف: _لا اوعى تيجي، أنا جيالك. عادت إلى السيارة وقالت بقلق: _وبعدين أعمل ايه؟ تنهد داغر وشعر بالذنب تجاهها وقال: _طيب حاولي تاني يمكن تكون فتحته. _حاولت كتير ومفيش فايدة. هم بالترجل وهو يقول:
_طيب هحاول أنا. منعته بخوف: _لأ خلاص خلينا هنا لحد ما تقوم وتفتح فونها. ازداد الخوف بداخلها عندما تذكرت اتصالات والدها: _بس خايفة بابا يتصل. _لو اتصل كانت دادة أمينة كلمتك، متقلقيش. ضغط على الزر كي يرجع ظهر المسند للخلف وهو يقول: _نامي براحتك وأنا هتابعها بالفون لحد ما تفتحه. كانت تشعر بالنعاس حقًا، وقام داغر بتشغيل المدفئة وقال بحنو: _متقلقيش يا حبيبتي ونامي. رغم رغبتها الشديدة في النوم، إلا أن القلق حال دون ذلك.
عاد سليم من الخارج في وقت متأخر كعادته. جلس في حديقة المنزل وأسند رأسه على ظهر المقعد خلفه، ربما يخفف ألم رأسه ولو قليلاً. كانت تراقبه من بعيد كي تملي عينيها منه. لم تلتزم بوعدها له بأن لا يرى أحدهم الآخر. فعندما طلبت منه الذهاب للبحث عن عمل آخر رفض ذلك وأصر على بقائها شرط ألا تظهر أمامه. التزم هو بوعده، لكنها لم تستطع الالتزام مثله. واكتفت بالنظر إليه من بعيد دون أن يدري.
هكذا خيل لها، ولا تعرف بأن ذلك القلب الجليدي كما تلقبه يشعر بأنفاسها الثائرة وهي تراقبه. من قال أنه لا يراها. إن كانت عينيه لا تراها، فإن قلبه يراها وبكل جوارحه. أغمض عينيه بشدة، لا يعرف لما تكابلت عليه مصاعب الدنيا. والدته التي طردت من منزلها بتهمة لم ترتكبها وهو ظل صامتًا لحكم صغر سنه. وأخته التي تقهر أمامه ولا يستطيع فعل شيء لها. والفتاة الوحيدة التي أحبها يقف صامتًا أمامها ولا يستطيع حتى التقرب منها.
يتذكر حينما ترجته أن يترك كل شيء ويبدأوا معًا حياة جديدة بعيدًا عن قسوة ذلك المكان. لكنه أبى الرضوخ. لم يكن الأمر كما ظنت بأنه اختار حياة الرغد عنها، لكن هو فعل ذلك كي يحميها من بطش والده. لن يرحمها، وربما يترك الأمر لزوجته لتدمرها كما دمرت والدته من قبل. نهض كي يرحمها ويرحم نفسه من عذاب قربه. لكن ما إن نهض وهم بالدخول إلا إنه وجدها تتقدم منه وهي تحاول شتى الطرق أن تبعد عينيها عنه، حتى وقفت أمامه
وقالت دون النظر إليه: _لو سمحت يا سليم بيه، عايزة حضرتك في موضوع. لم يتحرك جبل الجليد، بل ثبت نظراته عليها وهو ينتظر ما تود التحدث بشأنه، فقالت هي: _أنا لقيت شغل مناسب واتقبلت فيه وهبدأ من بكرة. لم تتبدل نظراته، بل ظلت باردة كما حالها دائمًا، ثم قال باقتضاب بعد صمت دام للحظات: _لأ. رفعت عينيها إليه وسألته: _ليه؟ _عشان أنا قلت لأ. هم بالانصراف، لكنها وقفت أمامه تمنعه: _مش هسمحلك تمشي إلا لما تقولي ليه.
طافت عينيه على ملامحها التي دائمًا بالنسبة له كتاب مفتوح وسألها: _انتي عايزة تشتغلي ليه؟ رمشت بعينيها مرات متتالية عندما بوغتت بسؤاله وتمتمت بتهرب: _لأنه مشغل كويس و… وهكون مرتاحة فيه. _وانتي ايه اللي تعبك هنا؟ تعلم جيدًا أنها لن تستطيع مجاراته، لذا قالت بجمود: _أنا اخدت قراري ومن بكرة أنا هسيب الفيلا وأروح الشغل الجديد. نيران تشتعل بداخله، لكنه لن يخرجها، لإن فعل ستحرقها بلهيبه، لذلك ظل فاترًا وهو يقول:
_ولما انتي اخده قرارك جاية تقولي ليه؟ أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وقالت بفتور مماثل: _عشان ميحصلش زي المرة اللي فاتت. _وايه اللي حصل المرة اللي فاتت؟ احتقن وجهها عندما تذكرت كيف تهجم على صاحب المطعم عندما حاول التقرب منها، وشاهد هو الموقف. لذا أنهال عليه بالضرب حتى أخذت ترجوه حتى لا يقتلـ ـه بيده. وجذبها حينها من ذراعها حتى كاد أن يخلعه من موضعه وأعادها إلى المنزل. ازدردت لعابها بصعوبة وتمتمت برهبة: _رجعتني تاني.
_بما إنك عارفة قراري يبقى اتفضلي على مكانك. تخطاها ورحل، ولم يفلح نداءها بلفت نظره حتى. وكعادته يفرغ غضبه في غرفة الرياضة، وكلما ازداد غضبه؛ كلما اشتد تعنفًا على الآلات حتى ينهكه التعب ويأخذ حمامًا باردًا ويستلقي على فراشه لينام من شدة إرهاقه. نظرت أسيل إلى داغر الذي يتظاهر بالنوم وقالت بخفوت: _داغر. غمغم داغر بنومه: _امم. _انت نمت؟ _بحاول. فتح عينيه وتطلع إليها ليقول بمكر:
_بصراحة وجودك معايا في مكان مقفول صعب أوي، بحاول أنام عشان أترحم شوية. ضحك داغر عندما زمت فمها بغيظ، ثم اعتدل ليشغل محرك السيارة، فسألته وهي تعتدل: _بتشغل العربية ليه؟ قال بمكر وهو يغمز بعينيه: _ما قولتلك وجودنا كدة غلط، خلينا نقعد على البحر شوية. لم تعترض لأنها شعرت بالضيق من تواجدهم بالسيارة. عاد بها إلى المنزل وهو يقول: _خلينا نقعد على البحر شوية. شعرت بنسمة باردة عندما فتح باب السيارة، فقالت: _بس الجو برد أوي.
_هدفيقي متخافيش. ترجلت أسيل وانتظرت داغر الذي دلف لمنزله وعاد بعد قليل حاملًا أغطية خفيفة، فيضع أحدها على كتفيها وهو يقول بثقة: _دي هتدفيكي. وفرش الأخرى على الرمال ليجلسوا عليها. سألته أسيل: _انت مش هتجيب واحدة ليك. _لا يا ستي أنا متعود على الجو ده، متخافيش عليا، وبعدين أنا كتير أوي باجي بعد الفجر عشان أشاهد الشروق، بيبقى ليها متعة رهيبة. _أنا بقى عكسك في النقطة دي، بحب الغروب أكتر.
_طيب ايه رأيك نشوفه مع بعض وتحكمي الشروق أفضل ولا الغروب. ضيقت أسيل عينيها بشك: _بترسم على ايه سيادتك. ضحك داغر ورد بتصحيح: _ايه رأيك بقا إني أول مرة يكون غروري شريف. زمت فمها بغيظ: _أول مرة؟ هز كتفيه باستسلام: _للأسف وقعت بلساني. هزت رأسها بيأس منه، ثم نظرت للبحر أمامها، وقد كان هادئًا على غير عادته. اقترب داغر منها وهو يتظاهر بالبرد: _ما تخديني تحت الكوڤيرتا لأن الجو برد أوي. تشبثت أسيل بها وهي
تضمها إليها وتمتم بغيظ: _لأ ادخل هاتلك واحدة غيرها. ضغط على شفته ثم قال بمكر: _أصل الكوڤيرتا دي كبيرة وتسيع من الحبايب ألف، وإحنا يادوب اتنين وقريب هنكون واحد. هزت رأسها بالنفي دون قول شيء، مما جعل داغر يتسطح على ظهره وهو يغمغم: _خلاص، إن جاني برد يبقى ذنبي في رقبتك، وخصوصًا إني هسافر بعد تلات أيام. قطبت جبينها بدهشة وسألته: _انت هتنام هنا؟ وضع ذراعه أسفل رأسه ورد ببساطة: _اه، ايه الغريب فيها؟ _هتبرد.
_ولما انتي عارفة كدة رافضة تدفيني ليه؟ تعبت من الجدال معه كحالها دائمًا. لذا ظلت على رفضها ولم تبالي. بعد لحظات لاحظت أسيل أن انفاسه بدأت تنتظم، مما يدل أنه نام حقًا. أخذتها فرصة لتتأمل ملامحه. عينيه الرمادية التي تشبه الغيوم، وأنفه المستقيم الذي يزيده شموخًا. أما فمه فهو قصة أخرى وسط لحيته النامية. دون إدراك منها وجدت نفسها تستلقي على جانبها بجواره، وما زالت شاردة في محياه الأخذ. لقد وجدت به كل شيء.
حب وحنان واهتمام وأمان. كل ما فقدته وجدته معه. فهل سيبخل عليهم الزمن أم يتركهم هانئين بعشقهم. لا تعرف متى تسللت ذراعه أسفل رأسها ولا كيف تشاركا الغطاء. كل ما تعرفه أنها استيقظت على صوت هاتفها قبيل الشروق، فتجد نفسها في هذا الوضع. انتفضت أسيل في رقدتها واخذت تبحث عن هاتفها الذي يصدح في المكان. استيقظ داغر ليجدها تمسك هاتفها وتجيب عليه: _أيوه يا دادة. صدح صوت أمينة خارج الهاتف وهي تعنفها: _انتي فين يا أسيل؟
وقفت أسيل وهي تتمتم بوجل: _أ..أ..أنا .. _انتي ايه انطقي. لم تستطع الرد وهي تنظر لداغر بعتاب آلمه. نهض ليأخذ منها الهاتف وأجاب هو: _متقلقيش يا دادة، أسيل معايا دقيقة بالظبط وتكون عندك. _معاك في وقت زي ده بتعمل ايه؟ نظر إلى أسيل التي شحب وجهها، ثم رد برتابة:
_إحنا خرجنا امبارح وجيت ارجعها لقينا الباب مقفول، حتى حاولنا نكلمك لقينا فونك برضه مقفول، مكنش ينفع أسيبها كدة، ومتخافيش أنا أكتر واحد بيخاف عليها ومستحيل أعمل حاجة تضرها. لم تتقبل حديثه وقالت بحدة: _ازاي بتقول إنك مستحيل تعمل حاجة تضرها وانت تصرفاتك كلها ضرر. لو حد من اهلها شم خبر أسيل مش هتعيش ثانية واحدة بعدها. كانت أسيل تستمع لصوت أمينة والخوف ظهر واضحًا عليها، حتى إنها حاوطت نفسها بذراعيها. فقال بتفاهم:
_خلاص أوعدك إن دي هتكون آخر مرة، والأجازة الجاية هدخل البيت من بابه. هدئت نبرة أمينة عندما لاحظت صدق كلماته: _خلاص رجعها بسرعة قبل ما باباها يتصل. أغلق الهاتف وأعاده إليها، ثم استقلوا السيارة وذهبوا إلى المنزل. ترجلت أسيل من السيارة وهي تشعر بانقباضة في قلبها، لا تعرف سببًا لها. لم تنظر إلى داغر ولم تحدثه، وأسرعت بفتح الباب والدخول، وقد تناست أمر هديته التي تركتها في السيارة.
دلفت لداخل المنزل فتتفاجأ بمن يجلس على المقعد يضع قدم فوق الأخرى، والجميع حوله واقفين في سكون تام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!