أغمض عينيه مستسلماً، وآخر ما رأته عيناه فريق الإنقاذ الذي قفز مسرعاً يتقدم منه، قبل أن يستسلم لذلك الألم الذي ذبح صدره. أصوات صاخبة من حوله تنادي باسمه، ودقات قلب غير رتيبة، وتنفس يمزع رئتيه. ثم انتهى كل شيء من حوله. مر وقت لم يعرف كم ولا أين هو، فقط يرمش بعينيه قبل أن يفتحها وهو يشعر بألم شديد في صدره. حاول تحريك يديه، لكن يد أخرى منعته. "متحركش ايدك." تطلع بوهن لصاحب الصوت، والذي لم يكن سوى يحيى.
أغمض عينيه بألم شديد، ووضع يده موضع الألم وهو يتمتم بوهن: "حاسس بألم شديد أوي في صدري." ربت يحيى على يده: "الحمد لله عدت على خير، المهم إنك كويس دلوقتي. أنا مرضتش أتصل على عمك عشان ميقلقش." حاول داغر النهوض، لكن يحيى منعه. "يا ابني بلاش تتحرك، الحركة غلط عليك." عاد لوضعه وقد لاحظ أنه ليس بالسفينة. "أنا فين؟ رد يحيى بصبور:
"إنت في المستشفى، حالتك كانت صعبة أوي ونقلناك على مستشفى في مدريد، بس الحمد لله الدكتور طمنا وبقيت أحسن." ردد الاسم قائلاً: "مدريد! ليه هو إيه اللي وصلني لكده؟ رفع يحيى حاجبيه مندهشاً: "انت بتسأل؟ يا ابني انت كنت نازل البحر زي اللي نازل ترعة، ولولا الكاميرا اللي كانت مراقباك كان زمانك خلصت فيها من غير ما نحس." تذكر داغر ما حدث معه، وأولهم الحقيبة، فقال مسرعاً وهو يتحسس موضعها: "كان في شنطة…." قاطعه يحيى:
"موجودة متقلقش، لما خرجناك من المياه كنت داخل على ذبحة صدرية، ولولا الدكتور كان معانا واسعفك كان زمانا بنصلي عليك. والشنطة جبتها معايا في الشنط بتاعتنا لأن كان لازم ننقلك مستشفى." أومأ له داغر وتمتم بضعف: "متشكر أوي." ربت يحيى على كتفه وقال بصدق: "متقولش كده، إحنا أخوات. ارتاح شوية، ولما تفوق كلم عمك…." غمز بعينيه. "وأسيل عشان ميقلقوش عليك." ابتسم داغر على مزاحه وسأله: "أنا بقالي هنا قد إيه؟
"يومين بس، بصراحة عايزك تطول على قد ما تقدر. البنات هنا إيه…." على شفته وهو يقول بمزاح: "مزز يا داغر يا أخويا." تألم داغر من الضحك وقال: "شكلي في مرة هسجلك وأبعته لدينا، خليها تنفخك." "لا دينا دي بؤ على الفاضي. المهم نام شوية، وأنا كمان أرتاح لأني منمتش من وقت اللي حصل." أشار للفون بجانبه: "الفون جانبك لو احتاجت أي حاجة كلمني." أومأ داغر وخرج يحيى مغلقاً الباب خلفه.
تطلع إلى الهاتف وفكر بالاتصال بها، لكنه اكتفى بإرسال رسالة يطمئنها فيها كي لا تسمع صوته المتعب وتقلق عليه. *** في اليوم التالي. محاولات كثيرة منها كي تصل إليه، لكن لا فائدة. فقط رسالة مقتصرة. هل غضب منها لأنها لم ترد عليه ولهذا يعاقبها؟ فقد مر يومين ولم يحاول الاتصال بها، وترك هاتفه قيد الإغلاق. أجلت سفرها لحين عودته، وتحملت تلك الغرفة التي حكم عليها بالحبس داخل جدرانها. لا تريد أن تذهب إلى هناك دونه.
دلفت أمينة الغرفة فتجدها منزوية في فراشها بصمت. تقدمت منها تسألها: "هتفضلي كده كتير؟ ردت دون النظر إليها: "عايزاني أعمل إيه؟ "مش كنتي بتقولي عايزة أسافر اسكندرية وسليم وافق؟ إيه اللي خلاكي غيرتي رأيك؟ ردت أسيل بقلق: "مش عارفة داغر ليه فونه مقفول، وقلبي شاغلني عليه." تنهدت أمينة بيأس منها وقالت:
"أنا مش عارفة جبتي التهور ده منين، ده أنا كنت بحاول أقنعك يكون لكِ أصحاب وأنتِ اللي تقولي لأ وتخافي، ليه قلبك جمد مرة واحدة كده." اعتدلت في رقدتها وقالت بحزن: "مجمدش ولا حاجة، بس أنا فعلاً مبقتش قادرة أتحمل الحياة دي، تعبت من الوحدة والخوف اللي عايشة فيهم." "عايزة تفهميني إن ده السبب الوحيد؟ تنهدت بتعب وهي تقول:
"لأ مش ده السبب، السبب الأساسي هو إني حبيته يا دادة. كل يوم بيعدي بيخليني أتعلق بيه أكتر من اللي قبله، مستعدة أرمي نفسي في النار عشانه. هو الوحيد اللي حسسني بحبه واهتمامه، حتى لما بيبعد عني بحس باهتمامه برضه…." تطلعت إلى أمينة وتابعت: "داغر يستحق فعلاً إني أجازف عشانه." "طيب أنا معاكي في كل ده، بس ليه مفكرش يتقدملك؟ قطبت جبينها بدهشة: "بالسرعة دي؟ إحنا حتى لسه بنتعرف." ردت أمينة بعقل:
"طالما في حب وفيه قبول إيه اللي يمنع؟ "مش عارفة، بس أنا مينفعش أكلمه في حاجة زي دي." "أنا مش بقولك كلميه، بس برضه لازم يكون في حدود للعلاقة دي ومتستمرش أكتر من كده." أومأت أسيل بتفاهم: "عندك حق." "هروح أجيب الغدا ونتغدى أنا وأنتِ." أومأت لها وخرجت أمينة لتعود أسيل لانزوائها الذي لم يدوم طويلاً عندما فتح الباب ودخلت شاهي ناظرة إليها بتشفي: "إزيك يا سيلا." قلبت أسيل عينيها بضجر واعتدلت في فراشها قائلة:
"الله يسلمك، خير." رفعت شاهي حاجبيها وهي تتقدم منها وصوت حذاءها العالي يكاد يصيب أسيل بالصم: "كل خير يا حبيبتي اطمني، أنا بس جاية أطمن عليكِ، وبالمرة أعرف منك عملتي إيه مع حبيب القلب." قطبت جبينها بدهشة وسألتها بتوجس: "حبيب قلب مين اللي بتتكلمي عنه ده؟ رمقتها بسخرية وهي تميل عليها لتقرب وجهها من وجه أسيل وقالت بشر:
"أوعى تكوني فاكرة إني نايمة على وداني ومش مراقبة كل تحركاتك، ولا اليومين اللي عيشتيهم معاه على السفينة أو…." التزمت الصمت قليلاً كي تتلاعب بها ثم قالت بمراوغة: "أو مجيه هنا قدام البيت يستناكي تحني عليه وتطلعيله." انقبض قلب أسيل وظهر الخوف واضحاً عليها، لكن شاهي طمئنتها قائلة: "أنا كل ده ميهمنيش، ولا هستفاد حاجة لو قلت لأبوكِ، كل اللي عاوزاه تبعدي عن البيت ده لأنه من حقي أنا لوحدي."
"البيت ده كان ملك لأبويا، حتى الشركة، بس جدك ضحك عليه وخسره كل حاجة، ويادوب سابله أسهم بسيطة في شركته بعد ما أخد كل حاجة." تابعت من بين أسنانها: "بس أنا رفضت أستسلم زي أخويا ما عمل، ووقفت وحاربت لحد ما خليته يطلق أمك ويتجوزني…." رفعت حاجبيها وهي تسألها بخبث: "عارفة عملت إيه؟ كانت أسيل تستمع إليها بصدمة، وخاصة عندما تابعت:
"مضيته من غير ما يحس على تنازل عن الشركة وسجلتها باسمي، مظنش ينفع آخد أكتر من كده لأنه وقتها هيحس إنه خسر كل حاجة وممكن وقتها يقتـ.ـلني، فكان لازم أسيب حاجة يخاف عليها، وكله هيرجع بالتراضي، وأولهم إني أضغط عليه بالشركة وإنه يكون تحت أمري." ازدردت أسيل لعابها بخوف من تلك المرأة وسألتها: "ليه جاية تقولي ليا الكلام ده؟ عادت شاهي لهدوئها وهي تعتدل قائلة:
"لأنك عمرك ما كنتي تهديد ليا غير بالشبه اللي بينك وبين أمك، وصراحة مش عايزة غير أنكم تخرجوا من حياته عشان ميكنش له ضهر يتسند عليه، افهمي اللي بين السطور ووقتها هتلاقيني أول واحدة بدعمك." خرجت من الغرفة صافقة الباب خلفها بعنف، تاركة أسيل في صدمة كبيرة. *** دلف داغر الغرفة بمساعدة يحيى، وقد أصر على ترك المشفى بعد أن طمئنه الطبيب. استلقى على الفراش بتعب وقال يحيى: "يا ابني، كنت استنيت يومين كمان اتأكدنا أكتر."
رد داغر بملل: "مش بحب جو المستشفيات ده، لو فضلت كنت هتعب أكتر، وبعدين لازم أتصل على عمي وأطمنه، زمانه قلقان عليا." "عمك برضه؟ ماشي يا سيدي، أنا هسيبك شوية لحد ما تطمن عمك وأرجع لك." سأله داغر: "المهم، عملت اللي قولتلك عليه؟ "اه بلغتهم زي ما قولتلي، وحددت لهم المكان، حتى عرفتهم إنك انت اللي اكتشفتها." أومأ له. ثم خرج يحيى واتصل على عمه يطمئنه: "إزيك يا عمي." رد خليل باستنكار:
"يادوبك افتكرت إن لك عم تسأل عليه، قافل الفون ليه؟ حاول داغر أن يبدو صوته ثابتاً: "مكنش مقفول ولا حاجة، بس كنت مشغول، وبعدين مالك داخل عليا بالحامي كدة يا سيادة المستشار." "أصلك كنت بتقرفني كل يوم باتصالك (تابع متهكماً) عامل إيه؟ وصحتك أخبارها إيه؟ والوش ده كله، فلما تغيب كدة يبقى البنت أخدتك مني." "لاا بقولك إيه يا كبير، مش من أولها هنبدأها شغل حموات، أهدي كدة لأني بفكر الإجازة الجاية هخليك تخطبهالي."
"أخطبها إزاي وأنا معرفش شكلها لحد دلوقتي، وبعدين ليه حاسس من كلامك إنكم هتعيشوا معايا؟ "أومال إيه يا كبير، هسافر وأسيبها لوحدها؟ متخافش أنا على قلبك ومش هتعرف تخلص مني." "معنى كده إنك برضه هتمشّورني وراك من القاهرة لاسكندرية." انتبه داغر لقول عمه، والذي لم ينتبه له من قبل. فعمه بحكم عمله يبقى بالقاهرة ولا يذهب للإسكندرية إلا وقت إجازته، والتي تماثل إجازة داغر. ماذا سيفعل بعد زواجه؟
وهو لا يحب حياة القاهرة ويفضل العيشة بجوار البحر، ولن يستطيع تركها وحيدة أثناء غيابه هو وعمه. "داغر انت رحت فين؟ انتبه لصوت عمه: "معاك يا عمي، بس بصراحة مفكرتش في حاجة زي دي." تحدث خليل بحكمة: "لا يا داغر، لازم تفكر في كل كبيرة وصغيرة في موضوع الجواز بالذات، وخصوصاً إنك بتغيب فترة طويلة ومش هتفضل مطلع عينها زيي من هنا لهنا." تنهد داغر ورد بتيهة: "هتكلم معاها في الموضوع ده وهنشوف حل."
أغلق داغر الهاتف وظل ينظر للأفق البعيد أمامه يفكر في ظروف عمله، فهو يتطلب منه السفر دائمًا، وربما مع الوقت لن تقبل بتلك الحياة، وهو أيضاً لن يوافق على غيره بديلاً. لابد أن يتناقش معها في هذا الأمر، لكن ليس الآن. عليه أن يتأكد من مشاعرها تجاهه أولاً. أغلق مع عمه ثم اتصل عليها. لم تصدق أسيل عينيها وهي ترى اتصاله. دلفت المرحاض كي تغسل وجهها كي لا يلاحظ عليها شيء.
ثم عادت إلى الهاتف لتجيب عليه، تريد أن تشعر بالحب والأمان الذي تفتقده، ويستطيع هو ببراعة أن يعوضها عن فقدانه. ظهر على الشاشة أمامها، فتبدلت ملامحه المندهشة حينما رأى عيونها الذابلة وسألها بقلق: "حبيبتي، انتي كويسة؟ حاولت أسيل التظاهر بالابتسام كي لا يشك بشيء: "امم كويسة، بس كنت نايمة." لم يصدق داغر، لكنه لا يريد الضغط عليها، هي دائمًا شديدة الحرص من أن يعرف شيئاً عن حياتها داخل منزلها، لذلك تركها كما تريد. فقال بشغف:
"وحشتيني أوي." حاولت التجاوب معه فردت بابتسامة لم تخفي مدى حزنها: "وانت كمان يا داغر وحشتني أوي." "هانت يا عمري، بكرة هكون في اسكندرية." اندهشت أسيل وسألته بشك: "بس انت قولتلي إن السفرية دي ١٥ يوم." "داغر انت كويس؟ ابتسم يطمئنها: "اه كويس متقلقيش، دور برد مش أكتر." لم يرتاح قلبها، لكنها طمأنت نفسها بأنها ستراه غداً. فقال داغر: "استنيني بكرة في المينا، عايز أشوفك أول ما أوصل." "هحاول." "المهم نزلت البحر؟ استلقى
داغر على فراشه ورد بحبور: "أكيد." "وطلعت بإيه؟ "لا وأه داغر." "مش هتكون ببلاش، لأنها المرة دي تقيلة أوي." زمت فمها بغيظ: "يعني هتاخد مني مقابل." أكد داغر بثقة: "اه طبعاً، الأولى كانت ربط اتفاقية، بس بعد كده هيكون بمقابل." "وأيه هيكون المقابل؟ غمز لها داغر وهو يقول بمكر: "أنا مش هطمع، يعني حضن ماشي، بوسة…." قاطعته أسيل بغلق الهاتف في وجهه، مما جعله يضحك على فعلتها. أعاد الاتصال بها لكنها لم تجيبه.
فقام بإرسال رسالة لها: "ايه يا قلبي قفلتي ليه؟ فتحت الرسالة لتقرأ محتواها ثم ردت: "هتقول كلام من ده هقفل ومش هكلمك تاني." "ايه اللي قولته يزعلك يا قمري؟ "شوف انت قولت إيه." "مش فاكر الصراحة، بس ممكن تفكريني عادي، أصل أنا من وقت ما عرفتك وبقيت بنسى أنا مين، يلا بقا عرفيني أنا قلت إيه." أغلقت أسيل الهاتف وألقته على الفراش. فلن تستطيع مجابهة ذلك الملاوع. تنهدت أسيل براحة ثم نظرت للهاتف بغيظ وقامت بغلقه مرة أخرى.
لم يكف عن ذلك وظل يتصل حتى أجابته: "وبعدين معاك، لما أكنسل أفهم إن في حد معايا." "وانتي متعلقنيش بيكي والآخر تقفلي." "أقفل إيه؟ داغر إحنا يعتبر بنشوف بعض طول الوقت، وصلت إنك بتكلمني وانت في قلب المايه." "مش انتي اللي طلبتي تشوفي البحر وقت العاصفة؟ تذكرت أسيل ذلك الوقت وكم شعرت بالخوف عليه وهو يحدثها من بين تلك الأمواج العاتية، وقالت برجاء: "أرجوك يا داغر بلاش تعمل كده تاني، أنا كنت هموت من القلق عليك."
تذكر ما حدث له وكيف كان على وشك الموت وتمتم بوله: "متخافيش يا عمري، وبعدين بيقولوا لك عمر الشقي بقى ولا بيقولوها إزاي." انقبض قلبها خوفاً وقالت باندفاع: "بعد الشر عليك، انت لو جرالك حاجة ممكن أموت فيها." ابتسم داغر بحب: "اطمني متخافيش عليا، وبعدين متحسسنيش إني عيل صغير." "محسسني إن عندك خمسين سنة." "أنا فعلاً مش صغير، تقدري تقولي كده ٣٣ سنة." استندت بمرفقها على الوسادة وقالت بحيرة:
"تصدق مكنتش أعرف عمرك إيه ولا فكرت أسألك…." ابتسمت بحزن وتابعت: "يمكن لأن العمر بالنسبة لي بيتعد باللحظات السعيدة." لم يحتاج داغر لفطنة كي يعرف مدى المعاناة التي عاشتها حبيبته في حياتها، وأقسم لنفسه في تلك اللحظة أن يعوضها عن كل ذلك. فقال بولع: "يبقى كده نحسب عمرنا من الساعة اللي اتقابلنا فيها، لأن السعادة معرفتش طريقها لقلبي إلا وقت ما شوفتك واقفة على سور السفينة، متعرفيش انتي لفتي نظري قد إيه."
رمشت بأهدابها من لوعة كلماته التي خطفت قلبها، وخاصة عندما تابع بكل ما يحمله من عشق: "أسيل أنا بحبك، من وقت ما دخلتي حياتي وأنا حاسس إن بقى ليها معنى، الإجازة بالنسبة ليا مكنش ليها دافع، والشخص الوحيد اللي كان بيجبرني أرجع عشانه هو عمي، إنما دلوقت مبقتش عايز أسافر ولا أبعد عنك لحظة واحدة." دق قلبها بعنف أثر تلك النسائم التي هبت من هاتفها، حتى شعرت بأنها داخل حلم جميل لا تريد الاستيقاظ منه. "أسيل انتي معايا؟
لم تريد أسيل سماع المزيد، يكفي أثر تلك الكلمات على قلبها البض، فلن يتحمل سماع المزيد من شهد ذلك العشق. أغلقت الهاتف ووضعته تحت الوسادة واستلقت على الفراش. *** سافرت أسيل إلى الإسكندرية كما طلب منها. وقد تركها حسين بعد تعليمات صارمة أجبرها عليه. لم تجعل فرحتها تبالي به، كل ما يهمها أنها ستذهب إليه ليعوضها عن تلك القسوة التي تعيشها في هذا المنزل.
ترجل داغر من السفينة وقد ظهر الوجوم واضحاً عليه، فمنذ الأمس ولم تجب اتصاله. بعث إليها رسالة يخبرها بموعد عودته، لكنها شاهدتها دون أن تجيب. ماذا حدث جعلها ترفض محادثته؟ توقفت قدماه على بوابة الميناء عندما وقع نظره عليها وهي مستندة بظهرها على سيارته بملابسها التي لا تتغير. بنطال وبلوزة صوفية، لكنها هذه المرة أضافت القلنسوة الخاصة به والتي أهداها لها على اليخت. وأخفت عينيها الآسرة خلف نظارة شمسية لم تستطع حجبها عنه.
تقدم منها وهو يخطو إليها بتروٍ، مؤخوذاً بسرحها الذي أسقطه صريعاً لهواها. خلع نظارته الشمسية ودنى منها، ومع كل خطوة تقربه منها تجعل قلبه يهدر بقوة. تقابلت نظراتهم على نهج الاشتياق، ولما لا وقد التاعت القلوب بذلك الفراق المتكرر. توقفت قدماه أمامها ورمقها بعينيه التي تلتهم محياها وهو يرفع يده ليخلع عنها نظارتها قائلاً: "حد قالك قبل كده إنك زي القمر؟ رمشت أسيل بأهدابها وقد أخذ قلبها بسحر عينيه، فهزت
رأسها بنفي وهي تتمتم بخجل: "لأ." تمتم بحب: "طيب من النهاردة هتسمعيها كل دقيقة وكل ثانية." أغمضت عينيها بخجل وابتسامة مشرقة أشرقت روحه، وتمتمت بخجل: "حمد لله على السلامة." رفع حاجبيه بمكر: "بس كده؟ مفيش حضن، مفيش وحشتني موت والكلام اللي بنشوفه في الأفلام ده." هزت كتفيها بلؤم: "اديك قلت كلام أفلام." ازدادت كلماته مكر وهو يتمتم: "طيب ماتيجي نمثل اتنين متجوزين بيستقبلوا بعض بعد غياب." شهقت أسيل بعدم استيعاب لما قاله:
"تصدق أنا غلطانة إني وافقتك." همت بالانصراف لكنه جذب ذراعها وهو يقول برفق: "أهدي يا قلبي، أنا قصدي شريف، انتي اللي دايماً بتحدفي شمال." رفعت إصبعها بتهديد أمام وجهه: "مفيش كلام من ده تاني، فاهم ولا لأ؟ نظر إلى إصبعها وتظاهر بالغضب قائلاً: "ده تهديد ولا تحذير." أشارت بأصبعيها: "الاتنين." تحول تظاهره بالغضب إلى استسلام: "إن كان كده ماشي." ضحك الاثنين وسألها داغر بعتاب: "ليه مقولتيش إنك جاية؟ ازداد خجلها وهي تقول:
"حبيت أعملها مفاجأة." رمقتها عيناه بعشق جارف وتمتم بوله: "وحشتيني أوي." اهتزت نظراتها من تلك الكلمات التي تلامس صدقها قلبها وردت بتلقائية خرجت من حبها له: "وانت كمان وحشتني." رفع حاجبيه متسائلاً: "بس كده؟ أومأت له ثم تحدثت بتحذير مرح: "أوعى تنتظر أكتر من كده." "لأ أنا راضي بالكلمة دي، يلا بقى اركبي عشان أوصلك." ارتبكت أسيل وقالت بوجل: "مش هينفع." قطب جبينه بحيرة: "ليه؟ اهتزت نظراتها وغمغمت باحراج:
"في حراسة موجودة حوالين الفيلا ولو حد شافني نازلة من عربيتك هيقول لبابا." استاء داغر من الأمر لكن لا يريد أن يكون سبباً في أي مشكلة لها، فقال مقترحاً: "طيب خلينا ندخل نتكلم في العربية، في حاجات عايز آخد رأيك فيها." "معلش خليها وقت تاني لأن بابا ممكن يرن في أي وقت." وقف ينظر إليها بحيرة وهي تشير إلى سيارة أجرة بعد أن أعادت النظارة إلى عينيها وكأنها تتخفى.
لا يعرف طبيعة حياتها داخل منزل والدها، لكن كل ما يراه يؤكد بأن ما تمر به تلك الفتاة سلسلة من العذاب. استقل سيارته وعاد إلى منزله على أمل بلقاء آخر معها. *** عادت أسيل مسرعة من الباب الخلفي حيث تنتظرها أمينة بقلق وقالت بتعنيف: "أتاخرتي كده ليه، حسين بيه اتصل دلوقتي وقولتله إنك في الحمام." دلفت أسيل مسرعة وهي تقول بوجل: "أنا مكملتش نص ساعة، ومتخيلتش إنه هيتصل بدري كده."
اتصلت أسيل عليه كي تؤكد وجودها على الهاتف الأرضي، فقد وافق بصعوبة على مجيئها، ولأنها مازالت معاقبة حذرها من الخروج. أغلق حسين الهاتف ووضعه على مكتبه إثر دخول شاهي وهي تحمل ملف بيدها. تقدمت منه لتضع الملف أمامه وقالت بعملية: "امضي على العقود بتاعت الصفقة الجديدة عشان نبعتها على الفاكس." أخذ الملف من يدها وقام بالتأكد منه قبل امضاءه، وذلك ما يجعل شاهي تشعر بالحنق منه.
فكل خططها حالياً تبوء بالفشل بسبب عدم ثقته بها بعد ما حدث. أنهى امضاءه وقدمه لها قائلاً: "اتفضلي ابعتيه دلوقتي لأن المفروض كان اتباع بدري عن كده." ضغطت شاهي على الزر فتدلف مديرة مكتبه وهي تقول باحترام: "تحت أمرك يا فندم." أشارت لها شاهي بأخذ الملف وهي تقول بأمر: "خدي الملف ووصليه بنفسك لمصطفى عشان يبعته فاكس بسرعة." أومأت الفتاة وخرجت من المكتب. وهنا التفتت إليه شاهي وهي تقول بمكر:
"ايه رأيك يا حبيبي نسافر اسكندرية بكرة؟ عاد حسين بظهره للوراء وهو ينظر إليها بنفس فتوره المعتاد: "مش كفاية سفر ولا إيه؟ إحنا لسه راجعين من أمريكا." جلست على حافة المكتب أمامه وقالت بدهاء: "يا حبيبي دي كانت رحلة عمل، أنا بتكلم عن يومين نقضيهم بعيد عن الشغل، يومين بس مش أكتر." تلاعبت برابطة عنقه في محاولة منها لإقناعه وتمتمت بخبث:
"وبعدين أنا حاسة بالذنب إني كنت السبب في زعل أسيل، وبصراحة عايزة أروح أراضيها. نروح بكرة الخميس ونرجع الجمعة آخر النهار مع أسيل، ها قلت إيه؟ تنهد حسين ووافق مجبراً كي يعرف ما تود الوصول إليه. خرجت شاهي من المكتب وابتسامة خبيثة مرتسمة على فمها. دلفت مكتبها وتناولت هاتفها لتعيد الاتصال بذلك الرقم وقالت عندما أجابها: "عملت إيه؟ "لسه راجعة من شوية، بس لسه معرفتش طبيعة علاقتهم."
"تمام، خلي عيونك عليها، ووقت ما تعرف إنها خرجت ترن عليا فوراً." أغلقت الهاتف وألقته على المكتب أمامها وهي تتمتم بغل: "نهايتك قربت يا بنت ليندا، إن ما خليته يرميكي في الشارع زي ما رمى أمك مبقاش أنا شاهي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!