تحميل رواية «جبل النار» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - بقلم راينا الخوليترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليهلم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمهظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.قام بفتحها فتلفح وجهه نسمات الليل الآتية من البحر الهادئ ع...
رواية جبل النار الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رانيا الخولي
كان بكاء الطفل يمزق نياط قلبه، ولا يعرف سبباً لذلك. فقام بتهدئته قائلاً بحنو:
"هششش، خلاص أنا جنبك."
اندهش داغر عندما وجده يتشبث به ولم يهابه. بل بدأ بكاؤه يهدأ قليلاً، ويندهش أكثر عندما وجده يضع رأسه على كتفه.
زدرد لعابه بصعوبة، وقد شعر بسخونة جسده. وضع يده على ظهر الصغير يثبته على صدره، فتزداد ضربات قلبه المتسارعة بشعور عجيب يجتاحه لأول مرة.
نادى على سائقه:
"عم صالح."
أسرع إليه صالح الذي كان ينتظره بالأسفل:
"خير يا ابني."
رد داغر وهو يربت على ظهر الطفل:
"هو ولد ولا بنت."
دقق السائق بملامحه، مما جعله يندهش من تقارب الشبه بينهم. لم يرى عينيه جيدًا من شدة بكائه، لكن الشبه واضح.
"ده ولد."
"طيب، خده مني ويلا نروح بيه للمستشفى."
السائق بتردد:
"بس كدة أهله هيقلقوا لو رجعوا وملقوش ابنهم."
رد داغر بعدم اهتمام:
"لو بيقلقوا مش هيسيبوه لوحده بالحالة دي."
وافق السائق وهم بأخذ الطفل، لكنه تشبث بداغر أكثر ورفض صالح الذي حاول أخذه.
منعه داغر:
"خلاص سيبه، امشي قدامي عرفني الطريق."
سار صالح أمامه يشرح له الطريق حتى وصلوا للدرج. كانت خطوات داغر حذرة، ليس خوفاً على نفسه بل خوفاً على ذلك الصغير. نزل أول الدرج دون أن يستند على السياج، وذلك جعل نزوله أصعب بكثير. كان يتنفس عد كل درجة، ويواصل صالح إرشاده.
تعركل في نزوله وكاد أن يسقط، لكن يد صالح أنقذته. ولأول مرة يسمح بأن تساعده يد أخرى، لكن عليه ذلك كي يصل بالطفل للأمان. تنفس بأريحية عندما انتهت معاناته عند آخر درجة.
خرجوا من المنزل ثم توجهوا للسيارة التي انطلقوا بها للمشفى. وطوال الطريق والطفل يتشبث بعنقه وكأنه طوق نجاة له. كانت أنفاسه المحمومة على عنق داغر تقلقه أكثر عليه، مما جعله يشدد من احتضانه له حتى وصلوا للمشفى.
***
وقفت أسيل في الصيدلية تنتظر الدواء، والذي بدأ الطبيب بالبحث عنه ثم عاد إليها بأسف:
"خلص للأسف، بس لو عايزاه ضروري استنى خمس دقايق بس."
ترددت أسيل، لكنها وافقت مجبرة. فأشار لها بالجلوس والانتظار حتى يأتي به. لم تمضي ثواني وقالت بقلق:
"ارجوك بسرعة لأني سيباه لوحده في البيت."
رد بتفهم:
"دقيقتين بالظبط وهيكون معاكي."
ظلت أسيل تنتظر حتى جاء الدواء وأخذته لتعود إليه مسرعة. لم تنتبه لتلك السيارة التي مرت بجوارها، ولم ترى أحد سوى الطريق الذي سيصلها لابنها.
وصلت للمنزل، فحمدت ربها عندما لم تسمع صوت بكاءه، فظنت أنه مازال نائمًا. أخرجت المفتاح من حقيبتها وهمت بوضعه في مكانه، لكنها وجدته مفتوحًا. ظنت لوهلة أن أمينة قد عادت، فنادتها:
"دادة."
لم يجيبها أحد. فانتبهت للطاولة الساقطة على الأرض، فشعرت بالخوف وأخذت تنادي:
"دادة أمينة."
لكن ما من مجيب. صعدت الدرج وقلبها ينبض بشدة حتى وصلت لغرفتها، فوجدتها مفتوحة على مصراعيها. أخذ قلبها يهدر بعنف وتطلعت للداخل، فتجد الغرفة فارغة. رمشت بعينيها مرات متتالية وعقلها يرفض ما تفكر به.
أخذت تنادي مرة أخرى:
"دادة أمينة، انتي هنا؟"
لكن لم يجيبها أحد. بأرجل كالهلام، أخذت تبحث في الغرف لكنها لم تجد أحد. فتتصلب أرجلها عندما وجدت أمينة تدلف وحيدة من الباب وهي تقول بحيرة:
"مين اللي كسر الباب كدة."
لم تستوعب الصدمة، وكل شيء حولها يؤكد لها بأن ابنها قد تم خطفه، فسقطت أسيل مغشياً عليها.
***
دلف داغر المشفى وقد غفى الطفل على صدره. لم يستطع استخدام عصاه وهو يحمل الطفل، فترك أمر الإرشاد إلى صالح حتى وصلوا للطوارئ.
تقدمت منه إحدى الممرضات وهي تسألهم:
"خير، في حاجة؟"
قال داغر:
"الطفل جسمه سخن أوي، وجاي أسأل على دكتور أطفال."
ردت الممرضة:
"دكتورة هايدي لسة جاية من شوية، اتفضلوا معايا."
لم تنتبه الممرضة لإعاقة داغر إلا عندما وجدت من معه يخبره بالتحرك ويرشده للطريق. تحصرت عليه وقالت في نفسها:
"يا خسارتك في العمى."
دلت غرفة هايدي وهي تقول:
"دكتورة هايدي، في حالة برة بس إيه حاجة من الآخر."
ابتسمت هايدي وسألتها:
"هو مين بقى؟ الطفل ولا أبوه."
ضحكت الممرضة:
"أنا لما شفت أبوه مأخدتش بالي من أي حاجة تانية، بس الحلو ميكملش كفيف."
"طيب يا ستي، دخليه."
***
فتحت أسيل عينيها على صوت حازم الذي يحسها على الاستيقاظ. لم تنتبه لنفسها للحظات ولا تعرف أين هي أو ماذا حدث، لكن ألم قلبها الذي شعرت بغصته جعلها تنتبه لنفسها ولما حدث، فتمتمت بتيهة:
"ابني فين؟"
لم يفهموا منها شيء. وقالت أمينة بقلق:
"فوقي يا بنتي وفهمينا في إيه. وفين إياد؟"
ازداد شعور الدوار عندما سمعت أمينة، والتي تؤكد بأن ابنها لم يكن معهم وقد تم بالفعل اختطافه. فهزت رأسها برفض وتمتمت بتيهة:
"ابني راح مني… ابني فين."
نهضت أسيل بوهن وهي تتلفت حولها:
"ابني رجعت ملقتهوش… ابني راح مني… إياد…"
سألها حازم بحيرة:
"اهدي بس وفهمينا اللي حصل."
نهضت أسيل وهي تتلفت حولها:
"إياد… رد عليا… إياد حبيبي…"
أخذت تتخبط في سيرها وحازم خلفها يحاول إيقافها وفهم ما حدث:
"انتي رايحة فين؟ اهدي يا أسيل وفهمينا إيه اللي حصل."
أجابت أسيل وهي تتخبط في كل شيء حولها:
"ابني مش… موجود… اتخطف… حد خطف ابني."
التفتت إلى أمينة وتمتمت بتوهان:
"ابني خرجت… أجيبله الدوا…"
(هزت رأسها بضياع)
"رجعت ملقتهوش."
اهتزت نظراتها وهي تتابع بوهن:
"هاتلي ابني يا حازم… هاتولي ابني."
تطلعت لحازم وتمتمت برجاء:
"حازم… ابني ياحازم… ابني ارجوك… إلا أبني لو جراله حاجة… أموت فيها… ارجوك."
تعذب حازم لرؤيتها بتلك الحالة ووقف عاجزًا لا يعرف ماذا يفعل. فلا أحد يعلم بوجوده، ولن يستطيع الذهاب إلى أقسام الشرطة. وما يقلقه أكثر أن يكون والدها قد علم بوجودهما وهو من وراء اختفائه.
تطلعت أمينة لحازم وقالت بقلق:
"اتصل على هايدي تكون رجعت تاني وأخدته."
"هايدي هتاخده إزاي من غير ما تقول."
لم تستمع أسيل لحديثهم، ولا شيء سوى عينين تبحث في كل مكان وقلب تزداد وتيرته بغصة مؤلمة. هل ضاع ابنها منها؟ ذلك العوض الوحيد الذي خرجت به من ذلك الزمن الغادر. هو وحده من جعلها تتشبث بالحياة بعد ما زهدتها. لا، لن تتحمل فقده. إن حدث له شيء لن تستطيع العيش لحظة واحدة.
أخذت تبحث في كل ركن بالمنزل ولا أمل لإيجاده. تمتمت بضياع وهي تنظر إليهم:
"ابني لقى الباب مفتوح وخرج لما ملقاش حد فينا."
ساقتها قدماها للخارج، فتصادف البحر الهائج في طريقها، يثور وترتفع أمواجه بشموخ وعلو، كأنه يخبر الجميع بأن واهم من فكر في مجابهة ثوراته. لم تبحث معهم بالخارج، ولم ترى شيء سوى صورة ابنها وهو يسير باكيًا على الرمال حتى وصل للبحر وخطفته أمواجه الغادرة. هزت رأسها برفض. محال أن تسمح له بأخذه. فإن أخذ طفلها فليأخذها معه، فليس لها حياة بدونه.
بأقدام واهنة تقدمت منه. لم تتراجع ولم تخف، تلك الموجة العاتية التي لن ترحم من يجابهها. ولا يتحدى قوتها إلا من جاء يبحث عن الموت. أغمضت عينيها عندما وجدتها تقبل عليها، مستسلمة لمصير محتم بالموت. يكفي ما عاشته من عذاب حتى الآن، وقد راح الداعم الوحيد لها. تطلعت إلى الموجة العالية التي تتقدم منها تنذرها بعدم الوقوف أمامها، فالغدر من طباعها وليس بوسعها شيء.
لكن كان للقدر رأي آخر، وانتشلتها يد قوية وسقطت معها أرضًا. فلم تستطع الموجة أن تسحبهم وهم ثابتين على أرضهم، فاستحت الموجة أن تعود إليهم.
"أنتِ مجنونة، كنتِ عايزة تموتي نفسك؟"
لم تجبه، بل استسلمت لصمت مطبق ولم تنتبه ليدي أمينة التي تساندها كما تفعل دائمًا. فقط مستلقية على الأريكة تضع رأسها على ساق أمينة تهدئها بكلماتها الحانية.
خرج حازم كي يبحث عنه ويتساءل. هل حقاً كما ظنت أسيل بأن وقع في البحر؟ لكنه لن يستطيع الوصول للباب ولا فتحه. إذاً، فقد تم اختطافه. لكن من؟ ولما؟ هل علم والدها به وبعث من يقوم بأخذه؟ لم يكن أمامه سوى الاتصال بهايدي.
***
دلف داغر المكتب وهو مازال يحمله وقال:
"السلام عليكم."
ردت هايدي بابتسامة:
"وعليكم السلام، اتفضل حضرتك الكرسي على شمالك."
تحسس داغر وجلس على المقعد فسألته هايدي:
"خير حضرتك؟"
لم يعرف داغر ماذا يقول أو بماذا يخبرها، فهو حتى لا يعرف اسمه ولا والديه، ولا يعرف مما يشكو ذلك الصغير. ولا يعرف أيضاً سببًا لفعلته، سوى مشاعر عجيبة حسته على المجيء به هنا. فأشار على طفله وهو يقول:
"الولد جسمه سخن أوي."
نهضت هايدي قائلة:
"طيب خليني أعاينه."
التفت وتقدمت من داغر كي تأخذه منه لعدم استطاعته السير جيدًا، واندشت كيف لوالدته أن تأمن عليهما. مدت يدها تأخذ ذلك الغافي منه، وتركه داغر لها. لكن تسمرت أرجلها عندما وجدت إياد ابن أسيل بين يديه. تطلعت لداغر الذي يجلس ثابتًا ولا يظهر أمامها بأنه خاطف. لكن ما لفت نظرها أكثر هو مدى الشبه الذي بينهما، وخاصة الأعين، وكأنها ترى صورة مصغرة له.
تطلعت لإياد الذي كان غافيًا بين يديها. ماذا حدث؟ هل هذا حقاً والده؟ هل علم بمكان أسيل وقام بأخذ طفله منها عنوة؟ حاولت إيجاد صوتها لكنها لم تستطع التفوه بكلمة. ازدردت لعابها بصعوبة وتمتمت:
"اومال…. مامته… فين؟"
وجدته يقطب جبينه ويتمتم قائلاً:
"ليه؟"
لم تعرف بماذا تجيب، فغمغمت بارتباك:
"اقصد يعني … إن والدته هفهم منها… حالته أكتر."
رد بوجوم:
"هو قدامك اتفضل شوفيه."
أومأت بوجل ثم وضعته على (الشزلونج) وهي لا تعرف ماذا تفعل. هل تبعث رسالة لأسيل تخبرها، أم تخبر حازم وتطلب منه الإسراع إليها؟ لكن كيف ذلك؟ فإن علم بأنها كشفته، فربما يأخذه ويرحل قبل مجيء حازم. أسبلت عينيها براحة عندما رن هاتفها، فعلمت دون أن تنظر إليه بأنه حازم. تركت إياد وتحججت قائلة:
"ثواني هرد على الفون."
ازدردت لعابها بوجل عندما وجدته حازم بالفعل، ولم تستطيع الخروج من المكتب كي لا يشك بأمرها. فأجابت بحرص:
"أيوه."
سألها حازم بلهفة:
"هايدي، إياد معاكي؟"
تطلعت هايدي إلى داغر بتوجس وأجابت:
"اه موجود."
تنهد براحة، لكنه اندهش عندما سمعها تقول:
"لو وصلت دلوقتي هتقدر تلاقيه."
سألها بحيرة:
"يعني إيه مش فاهم، انتي جيتي وأخدتيه؟"
"لا هو اللي جاه، تعالى وانت تشوفه."
أغلقت الهاتف ونظرت لداغر بعينيه المتصلبة، ثم عاينت إياد الذي كان نائمًا وآثار الإعياء واضحة عليه. لم يفهم حازم شيء، لكن الأهم الآن أنه وجده وعليه أن يطمئنها. اتصل على والدته والتي أجابته مسرعة:
"خير يا حازم، لقيته؟"
اعتدلت أسيل وخطفت الهاتف من يدها. سألته أسيل برجاء أن يكذب عليها ويطمئنها:
"لقيت إياد يا حازم؟"
تفادى حازم تلك السيارة التي مرت من أمامه، ولم ينتبه أنه يسير في الطريق المعاكس، فقال:
"اه الحمد لله لقيتها."
غمضت عينيها براحة وتمتمت بشكر:
"الحمد لله."
قال حازم وهو يحاول تفادي السيارات التي تقابله:
"طيب أنا هقفل معاكي لأني لازم أروح المستشفى دلوقتي."
قالت بلهفة:
"في إيه؟ إياد حصله حاجة؟"
طمأنها حازم بروية:
"لأ كويس، بس هو عند هايدي وهروح هناك وأطمنك."
"طيب خدني معاك؟"
"هتروحي بصفتك إيه؟ سيبيني خليني أشوف في إيه."
بوغتت أسيل برده، والذي يؤكد حقيقة مرة مهما حاولت الهرب منه. من هو؟ ومن هي بالنسبة له؟ لا شيء يثبت ذلك. ربتت أمينة على كتفها وقالت بتعاطف:
"الحمد لله إن إياد بخير."
تنهدت أسيل بشرود وهي تجيب:
"للأسف يادادة، إياد عمره ما هيكون بخير."
انتهت هايدي من معاينته، وحمحمت كي يخرج صوتها طبيعي ولا يشك بشيء، ثم جلست على مكتبها وضغطت على الزر فتدلف الممرضة:
"نعم يا دكتورة؟"
قالت هايدي بثبوت لداغر:
"هو ابنك محتاج يتحجز الليلة دي في المستشفى لأن الحرارة مرتفعة أوي ولازم يكون تحت الملاحظة."
رد داغر بنفس ثبوتها:
"اكتبي كل الحاجات اللي محتاجها وأنا هبعت السواق يجيبها، لكن حجز لأ."
ازدردت لعابها بوجل، ثم رفعت عينيها للممرضة وقالت:
"طيب يا هدى، هاتيلي كانيولا أركبها عشان المحلول."
أومأت هدى وخرجت من المكتب، ثم قامت بإرسال رسالة إلى حازم:
"تعالى بسرعة مفيش وقت الولد في خطر."
ثم أغلقت الهاتف. سألها داغر:
"الموضوع هيطول؟"
ردت بنفي:
"لأ خالص، خمس دقايق وهتروحوا."
أومأ لها، وأخذت هايدي تنظر إليه بتوجس. ماذا حدث؟ وكيف عثر عليهما؟ وما قصة بصره ومتى فقده؟ بوغتت عندما تحدث داغر:
"هتفضلي مركزة معايا كتير؟ ولا بتضيعي وقت لحد ما حد منهم يوصل."
اهتزت نظراتها بوجل وسألته:
"ليه بتقول كدة؟"
ابتسم داغر بسخرية وقال:
"صوتك اللي اتغير لما شيلتي الطفل وأخدتي بالك منه، المكالمة اللي بتأكدي فيها إن الطفل عندك، وطلبك إن الطفل يتأخر لحد ما حد من أهله ييجي."
نهض متابعًا:
"أنا مش خاطفه ولا حاجة، بس أنا كنت رايح للممرضة بتاعتي وسمعت صوته، فاضطريت أخده وأجيبه المستشفى لما لقيته بالحالة دي. بعد إذنك دوري انتهى لحد كدة."
اندفع الباب ودلف منه حازم، والذي تسمر بدوره عندما وجده أمامه. لم يصدق ما يراه. لم تتركه هايدي يفكر كثيراً وقاطعته قائلة:
"تعالي يا دكتور حازم، ابنك بخير متقلقش."
تدفقت الدماء بعروق داغر عند نطق اسمه واشتعلت نيران الغيرة بقلبه، لكنه استطاع ببراعة أن يتحلى بالثبات وتحدث بهدوء:
"بما إن والده جاه، استأذن أنا."
خرج داغر تاركًا حازم في صدمته. لا يعرف ماذا يحدث. تطلع إلى هايدي وسألها:
"إيه اللي جاب ده هنا؟"
تأكد شك هايدي فقالت بهدوء:
"يظهر إنه المريض اللي حور اشتغلت عنده، ولما مراحتش النهاردة جاه عشان يطمن عليها، لقى إياد في البيت لوحده وتعبان بالشكل ده، قام بدوره وجابه هنا عشان يكشف عليه."
ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وتطلع إلى إياد الذي بدأ يعود لوعيه. فتقدم منه يحمله وقال بثبات:
"أنا هروحه لحور لأنها قلقانة عليه، وارجعلك تاني لأن في بينا كلام كتير لازم نخلصه."
أوقفـته هايدي ودونت بعض الأدوية وهي تقول:
"هات الدوا ده بسرعة لأنه السخونة عالية أوي."
أخذ منها الورقة وقال:
"تمام، متروحيش إلا لما أرجعلك."
خرج حازم من المكتب دون أن يستمع لردها، وأخذ يسرع بخطواته كي يلحقه ويتأكد أكثر، ربما يكون أخطأ. وبالفعل وجده ينزل الدرج وقد لفت نظره تلك العصا التي تساعده في النزول بقياس المسافة. متى حدث ذلك؟ نزلت الدرج حتى وصل قبالته، وهنا تمتم الطفل دون قصد:
"با.. بارد."
حازم بصوت مسموع وهو يمر من جواره:
"انت مع بابا متخافش."
شعر داغر بأنه تعمد ذلك، لكنه لم يهتم واستقل مقعده بالسيارة وقال للسائق:
"اطلع بينا على عيادة دكتور منتصر."
***
دلف حازم المنزل فيجد والدته جالسة على الأريكة منتظرة عودته. وعند رؤيته حمدت ربها على عودته:
"الحمد لله."
تقدم منها حازم ليضعه بين يديها وسألها:
"أومال أسيل فين؟"
"أدتها حباية مهدئة ونامت، خفت لو فضلت صاحية يجرالها حاجة."
"طيب نيمي إياد جنبها وانزلي عشان عايزك ضروري."
صعدت أمينة ووضعته بجوار أسيل التي نامت بفعل المهدئ، فلا تدري بشيء حولها. عادت إلى حازم تسأله وهي تجلس بجواره:
"إيه اللي حصل وهايدي أخدته إمتى؟"
تنهد حازم وقال بدون مقدمات:
"انتي كنتي عارفة إن أسيل بتشتغل عنده؟"
لم تفهم سؤاله في بادئ الأمر، لكنها انتبهت لمقصده، فلا داعي للكذب، لذا ردت بروية:
"معرفتش غير امبارح."
سألها بحدة:
"وليه مقولتيش يا أمي؟"
"ما تفهمني إيه اللي حصل الأول."
رفع حاجبيه متسائلاً:
"اللي حصل؟ تعرفي اللي حصل ده خلاه يتجرأ ويدخل بيتي وياخد إياد ويمشي بكل بساطة."
قطبت جبينها بدهشة وسألته:
"إزاي؟"
قص عليها ما حدث وأمينة تستمع إليه بصدمة:
"معقول ده؟"
رد حازم بلهجة حادة:
"اه معقول، لما تخبوا عليا حاجة زي دي يبقى مستغربش أي حاجة تحصل بعد كدة."
علىٰ صوته بإدانة:
"إزاي يا أمي توافقيها على حاجة زي دي، وهي وافقت تشتغل عنده بناءً على إيه؟"
ردت أمينة بقلة حيلة:
"أعمل إيه بس يا ابني، أنا معرفتش غير امبارح ولما سألتها قالت إنها وافقت عشان تنتقم منه."
قاطعه حازم باحتدام:
"يبقى لسة بتحبه يا أمي، لسة جواها والانتقام حجة عشان تشوفه. معقول نسيت اللي عمله فيها."
قالت أمينة بدفاع:
"محصلش صدقني، أسيل منسيتش ولا عمرها هتنسى، كل الحكاية إنها عايزة تنتقم منه زي ما قالت."
"هتعمل إيه يعني؟ هتقتـ.ـله مثلاً؟ ما هو أصلًا بقى شبه ميت، إيه اللي عايزاه غير إن قلبها حن له وعايزة تكون جنبه، لا وكمان شغالة عنده ممرضة."
نهض من مقعده وتابع:
"أنا ماشي دلوقتي ولما تفوق هيكون في كلام تاني، هبعتلكم حد يصلح الباب."
خرج حازم واستقل سيارته عائدًا إلى شقته كي يبدل ملابسه المبتلة، ثم عاد إلى المشفى.
***
عادت وعد إلى شقتها وهي تشعر بالارهاق. فقد تأخر السائق عليها، فاضطرت لركوب الحافلة. جلست على المقعد ثم نظرت بساعتها فتجدها قد تعدت الثانية مساءً. ميعاد عودته. وبالفعل قبل أن تقوم من مقعدها وجدته يدلف من الباب.
"مساء الخير."
قالها سليم بلهجته الهادئة وهو يضع مفاتيحه على الطاولة ويجلس على المقعد، فترد هي بفتورها المعهود، وخاصة بعد أن استيقظت ووجدته بجوارها على الفراش:
"مساء النور."
تابعت وهي تنهض:
"ثواني هقوم أجهزلك الغدا."
منعها سليم:
"خليكي أنتِ، شكلك لسة راجعة."
لم تخبره بأن السائق تأخر عليها كي لا يعاقبه على ذلك، فقالت بنفي:
"لأ مش تعبانة."
نهضت لتدلف غرفتها كي تبدل ملابسها، ثم خرجت فتجده دلف غرفته كي يبدل ملابسه بدوره. دلفت المطبخ واخرجت الأشياء من المبرد وبدأت بإعداد الطعام. انتبهت لصوته خلفها يسألها:
"تحبي أساعدك في حاجة؟"
كانت تود الرفض، لكنها حقاً متعبة وتريد مساعدة. أومأت له وبدأ هو يساعدها في إعداده. كانت نظراته لها تحمل اشتياق شديد، لكنها ما زالت تعاقبه على ما فعله بأخته. كان باستطاعته أن يخبرها بالحقيقة، لكنه لا يريد عودتها إليه بتلك الطريقة. يريد أن تعود إليه وهي تتقبله بكل مساوئه. وحينها سيخبرها بكل شيء.
وقف بجوارها أمام الموقد، مما جعل أكتافهم تتلامس دون قصد بالنسبة له، لكنه كان يحترق بنارها كلما تلامسوا. أغلقت وعد الموقد ووضعت الطعام على السفرة الصغيرة في المطبخ، وكذلك فعل هو. كان الصمت سيد الموقف، لكن قلوبهم تحكي الكثير.
سألها سليم:
"عاملة إيه في الجامعة؟"
ردت بعدم اهتمام:
"في حاجات كتير بتسقط مني، بس بحاول أفهمها من أصحابي."
قطب جبينه بحيرة وسألها:
"أصحاب مين؟ وساكنين فين؟"
ردت وهي تتظاهر بعدم الاهتمام:
"عرب وساكنين قريب من الجامعة."
ترك الملعقة من يده وسألها بغيرة:
"أقصد بنات ولا شباب؟"
رفعت نظرها إليه لترى مدى غيرته، فأرادت إشعالها حقاً كما يفعل معها ويتناول طعامه مع نساء بحجة عشاء عمل.
"كدة وكدة."
ازدادت عقدة جبينه وغمغم بانفعال:
"وازاي حضرتك تسمحلي لنفسك تكلمي شباب حتى لو بدافع الدراسة."
تركت هي أيضاً الملعقة من يدها وقالت بفتور:
"زي ما حضرتك بتتعشى مع ستات بحجة عشاء عمل والكلام الفاضي ده."
انفعل أكثر من ردها وقال باحتدام:
"بس ده شغل."
ردت بتحدي:
"ودي دراستي."
ضيق عينيه مستفهماً رغم علمه بأنها تستفز غيرته:
"يعني إيه؟"
"يعني زي ما انت بتحلل لنفسك بدافع الشغل، أنا كمان بيكون بدافع الدراسة."
رغم سروره بغيرتها عليه، إلا إنه لم يقبل طريقتها بالحديث معه ولا بتحديها له، فقال بلهجة حادة وحازمة:
"الكلام اللي أقوله يتنفذ من غير نقاش، مفيش كلام تاني مع أي شاب حتى لو كان دكتور الجامعة نفسه، فاهمة؟"
تطلعت إليه بعتاب ورأت نفسها أسيل أخرى، وهي ما لن تسمح به. فليتركها تعود لعالمها البسيط، لا تريد تلك الحياة بقيودها حتى وإن كانت قيود ألماس. هزت رأسها برفض:
"وأنا مش هقبل أكون أسيل التانية."
ضربته بمقتل عند ذكر أخته وما عانته معهم. ماذا تعرف هي عمّ عاشته أسيل كي تقارن وضعها به؟ تقدم منها خطوة، عادت هي للوراء حتى صدم ظهرها بالموقد خلفها. ورغم غضبه الشديد منها ورغبته في معاقبتها، إلا إن رؤية الخوف بعينيها جعلته يتراجع عمّا انتواه، وخاصة عندما تابعت بعتاب أحرق قلبه:
"مش عايزة الحياة دي، مش دي الحياة اللي اتمنيتها معاك، أنا بحبك واتمنيت أكون من نصيبك بس انت دمرت كل حاجة باللي عملته في أختك، خلتني أفقد إحساسي بالأمان اللي محستوش إلا معاك."
استطاعت بكلماتها أن تنهي على ما تبقى من غضب، وعاد العشق يأخذ موضعه داخل عينيه وتمتم برق:
"وأنا اتمنيت أعيش حياة أفضل من دي معاكي، لا إنتِ ادتيني حبك ولا حسيتي معايا بالأمان، يعني كل واحد منا مستني التاني يبدأ. ملس بأنامله على خدها وتابع بهمس: بس أنا حقيقي اديت كل حاجة، اديتك قلبي وحبي وعمري واديتك اسمك، مفكرتيش تدي حاجة واحدة من دول حتى قلبك استكترتيه عليا. بقيت بدور عليكي وانتي قدامي، لأنك ببساطة مبقتيش البنت اللي حبيتها. بقيتي واحدة تانية شكاكة ومتطلبة حتى فقدت ثقتها في نفسها. متستنيش مني أديك لأني اديت كتير."
رواية جبل النار الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رانيا الخولي
جلس داغر على الجهاز أمام طبيبه الذي سأله باهتمام:
_ الأعراض دي جاتلك قبل كده؟
رد بنفي:
_ لأ، أول مرة تحصل معايا.
دقق الطبيب النظر في الجهاز أمامه:
_ الضوء استمر مدته قد إيه؟
تذكر داغر ذلك الوميض ورد بايجاز:
_ ثانيتين بالكتير.
_ المرتين كانوا على تباعد ولا ورا بعض؟
مل داغر من أسئلته ومن تلك الجلسة التي تمنعه من الحراك:
_ بتباعد، دقيقة أو أقل.
نهض الطبيب بعد أن أبعد الجهاز عن عينيه وقال:
_ دي بشرى كويسة.
عاد داغر للمقعد وسأله:
_ إزاي؟
رد الطبيب بعملية:
_ أنا قولتلك إن حالتك دي نفسية، لأن العملية الأخيرة كانت ناجحة جداً ومفيش أي سبب عرضي ليها. وأكبر دليل إنك لما اتحطيت تحت ضغط وكان دافع قدامك شوفت الضوء ده. وده بقى سبب رئيسي يخليني أقولك ابعد عن أي جراحة تانية وامشي على التمارين اللي قولنا عليها، وخلي عندك دافع إنك تشوف من تاني.
أومأ داغر رغم عدم اقتناعه وخرج من العيادة متجهاً إلى منزله.
وقبل أن يترجل من السيارة قال للسائق:
_ بكرة الصبح تروح تجيبها في نفس الميعاد.
أومأ صالح:
_ حاضر.
_ لو رفضت متمشيش إلا لما تتحرك معاك، فاهم؟
❈-❈-❈
فتحت أسيل عينيها إثر تلك اللمسات الحانية على وجنتيها وصوت صغيرها بضحكته الرنانة والتي تطرب أذنها وتكتفي بها عن الدنيا بأكملها.
_ ما.. ما.
ابتسمت أسيل لسماع تلك الكلمة والتي ظنت لوهلة أنها لن تسمعها مرة أخرى.
ابتسمت بكل الحب الذي تحمله بداخلها حتى أدمعت عينيها.
وجذبته لحضنها فيستسلم صغيرها لها وشددت من احتضانه حتى بكت بكاءً يهشم القلوب.
بكت بكل الآلام التي عاشتها.
وذكريات من الماضي الأليم تقتحم مخيلتها وبقوة.
لا تريد شيء من تلك الدنيا سواها.
لا تريد سوى أن تتركهم هنيئين دون آلام.
لكن يبدو أن الدنيا استكثرت عليهم ذلك وتحاول بكل الطرق إخضاعهم لرغباتها.
توقفت عندما شعر طفلها بالخوف وبدأ يبكي بخوف.
أبعدته عنها قليلًا كي تمسح دموعه وقالت بابتسامة تخفي بها بكاءها:
_ متخافش يا حبيبي، أنا جنبك ومش هسمح لحد إنه يبعدك عني.
نهضت أسيل وهي تحمله وسارت به إلى المطبخ تعد له طعامه.
كانت تداعبه وهي تعد طعامه فيضحك هو بسعادة بريئة لها.
ابتسمت أمينة عندما وجدتهم في المطبخ وضحكت إياد تملأ بهجة.
_ صباح الخير.
تطلعت أسيل لأمينة التي دلفت المطبخ وبدأ إياد يهلل برؤيتها وألقى نفسه عليها.
_ تـ..ـيـ..ـتا.
التقفته أمينة بسعادة وقالت بحب:
_ قلب تيتا أنت يا حبيبي.
وضعت يدها على رأسه ثم قالت:
_ الحمد لله الحرارة نزلت.
نظرت إلى أسيل وسألتها:
_ وانتي عاملة إيه يا حبيبتي؟
ابتسمت أسيل تطمئنها:
_ أحسن بكتير، خدي إياد وأنا هحضر العشا بسرعة لأني بصراحة جعانة أوي.
_ طيب خليكي انتِ وأنا هحضره، انتِ لسة تعبانة.
هزت رأسها بنفي:
_ لا خالص، أنا بقيت زي الفل.
انتهت أسيل ووضعت الطعام على السفرة ونادتهم:
_ يلا يا دادة الأكل جاهز.
جلست أسيل وأصرت على إطعام طفلها وأمينة تنظر إليها بتعاطف.
وتساءلت هل جاء الوقت الذي تعترف فيه أسيل بالحقيقة؟
فما حدث اليوم جعل الأمور تتبدل.
وهو أخطأ وهي تعلم ذلك جيدًا، لكن من حقه أن يعلم بطفله كما من حق ذلك الطفل أن يعلم من أبيه.
فقالت بمغزى خفي:
_ هتعملي إيه يا أسيل لو أبوه عرف بوجوده؟
رغم علم أسيل بما تريد أمينة التوصل إليه لكنها قالت بمراوغة:
_ ليه السؤال ده؟
ردت أمينة بتسويف:
_ أنا بقول مثلاً.
ردت أسيل وهي تتناول طعامها بشهية:
_ مش هيعرف، ولو عرف بوجوده مش هيلاقينا.
عقدت حاجبيها بعدم فهم وسألتها:
_ إزاي.
تركت الملعقة من يدها ونهضت قائلة وهي تحمل طفلها:
_ هكون وصلت للي أنا عايزاه واسافر.
تركتها ودلفت المرحاض كي تغسل يدي ابنها في صمت مطبق.
لم تفهم أمينة مقصدها لكن عليها أن تخبرها بما حدث اليوم.
وأثناء مكوثهم سألتها أسيل:
_ بس إيه اللي خلى هايدي تاخد إياد من غير ما تقولنا.
لم تجد حل آخر سوى قول الحقيقة فقالت بمراوغة:
_ بس هايدي مش هي اللي أخدته.
قطبت جبينها بدهشة وسألتها:
_ اومال مين اللي أخد ابني ووداه عندها؟
ردت أمينة بعد تردد:
_ داغر جه هنا النهاردة وهو اللي أخد إياد للمستشفى.
نزل الخبر كالصاعقة على أسيل ورمشت بعينيها تحاول استيعاب ما سمعت وكأنها أخطأت.
بهتت، نظرت إليها وهي تسألها بعدم استيعاب:
_ جه فين مش فاهمة؟
أمينة باستسلام:
_ داغر كان جاي يسأل عنك وتقريباً لما سمع صوت ابنه كسر الباب هو والسواق وأخده على المستشفى ومن كرم ربنا أن هايدي كانت موجودة في المستشفى.
رمشت بعينيها مرات متتالية وعقلها يرفض ما تسمعه، فإذا علم داغر بوجوده فسوف يأخذه منها.
انقبض قلبها خوفًا وسألتها بتوجس:
_ عرف حاجة؟
طمئنتها أمينة:
_ متخافيش معرفش حاجة، هو سابه مع حازم ومشي، تقريباً لما جه عشان يقنعك ترجعي كان إياد صحي وبيعيط عشان كده كسروا الباب ولما لقوه لوحده أخده على المستشفى هو قال كده لهايدي.
لم يرتاح قلبها لذا قررت أن تعود له غدًا كي تنهي ما أنوت فعله بأسرع وقت وبعدها ستأخذ طفلها وترحل دون عودة، الأهم أن تثبت طفلها حتى تستطيع السفر به.
قالت أمينة:
_ أنا شايفة يا أسيل إنك تعرفيه بالحقيقة أفضل ده مهما كان ابنه.
صرخت بها أسيل بغير وعي:
_ متقوليش ابنه.
أومأت لها أمينة بتفاهم مع حالتها:
_ بس دي الحقيقة مهما أنكرتيها ومسيره في يوم هيعرف، دي حاجة عمرها ما هتستخبى.
_ قولتلك وقتها هكون اختفيت بابني ومش هيقدر يوصلنا.
❈-❈-❈
في المشفى
أنهت هايدي عملها وقامت بحمل حقيبتها كي تعود لمنزلها لكنها تفاجأت به يدلف مكتبها.
كانت نظراته لها تحمل عتاب وكأنه هي المخطأة الوحيدة بذلك.
أغلق الباب خلفه وتقدم منها يسألها:
_ ماشية؟
ردت بفتور رغم ذلك الحنين الذي يجذبها إليه:
_ آه ماشية، عندك مانع؟
لم يعجبه ردها لكنه تحلى بالصبر كي تعود معه:
_ مش هيبقى عندي مانع لو روحتي معايا.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه فتقدم هو منها وقد شعر باشتياق شديد إليها.
فتلاعب على وتر عشقها له وقال بعتاب:
_ هتفضلي بعيدة عني كده كتير؟
التزمت بثباتها وردت باتهام:
_ أنت السبب مش أنا.
ابتسم وهو يضع يديه حول خصرها يقربها منه وتمتم بحمية:
_ أنا مقولتش سيبي البيت وامشي.
أبعد خصلاتها عن وجهها يضعها خلفها وتابع بهمس:
_ البيت وحش أوي من غيرك، متخيلتش إن يومين يعملوا فيا كده.
عاندت قلبها الذي يطالبها بالرضوخ له لكنها واصلت فتورها:
_ عايز إيه؟
همس بجوار أذنها وهو يطبع قبلة حانية خلفها:
_ عايزك ترجعي معايا.
_ ولو قولتلك لأ.
تطلع إليها بنظرات عاشقة تراها بعينيه لأول مرة وتمتم بوله:
_ أنا عمري ما أجبرتك على حاجة بس المرة دي لو واصلتي عنادك غصب عني هجبرك.
وضع وجهها بين كفيه وتابع بصدق:
_ أنا بحبك انتِ مش حد تاني، ده كان وهم وفوقت منه لما بعدتي ودقت مرارة فراقك، اكتشفت إن مفيش حياة من غيرك.
لأول مرة تشعر بصدق كلماته والتي لامس صدقها قلبها لكن لن تعود بتلك السهولة فسألته بتوجس:
_ وحملي؟
بوغت بسؤالها مما جعله يبتعد قليلاً كي ينظر إليها:
_ هايدي انتي ليه مصرة على الحمل ده؟ أنا شايف إن عمر وعلي محتاجين اهتمامنا أكتر من كده، محتاجين إننا نعوضهم غيابنا أغلب الوقت عنهم، ليه مصرة تشغلي نفسك بطفل تالت وفي الآخر تسيبيهم لمامتك.
هزت رأسها بنفي:
_ ده مش سبب يخليك تجبرني أقتل ابني، لو عايزني أرجع يبقى تسيبني أحتفظ بيه.
زم حازم فمه يحاول السيطرة على أعصابه:
_ ولو رفضت.
نظرت إليه بخذلان وقالت:
_ يبقى تطلقني.
ضيق عينيه مستفهماً:
_ أفهم من كلامك إنك بتفضلي الحمل ده على جوزك.
ابتسمت بسخرية لقلب الأمور لصالحه:
_ لأ مش ده السبب الأساسي يا دكتور حازم، وانت عارف كويس أوي أنا أقصد إيه.
ابتعدت عنه وحملت حقيبتها لتتابع بقوة:
_ اللي عندي قولته ولو سمحت سيبني أروح عشان اتأخرت على الولاد.
تركته وخرجت من المكتب محررة تلك الدمعة التي أسرتها داخل عينيها طوال مكوثها معه فقامت بارتداء نظارتها السوداء كي لا يرى أحد دموعها.
تعترف بأنها ضعيفة أمامه وأن حبها له لن يستطيع شيء ردعه.
وذلك القلب الأهوج ينبض بقوة معترضاً على تركه.
لكن عليها مجابهة ذلك العشق كي تحافظ على ما تبقى من كرامتها.
عادت إلى المنزل ولم تجف دموعها فاتجهت إلى غرفتها قبل أن يراها أولادها بتلك الحالة.
استندت بظهرها على الباب وأطلقت لدموعها العنان.
لما عليها أن يكون بهذه القسوة معه؟
لما لا يلين قلبه أمام حبها؟
ماذا تفعل أكثر من ذلك كي يراأف بها ويعشقها كما تعشقه؟
لوهلة صدق قلبها الغادر كلماته المعسولة لكن بان كذبه الذي لم يستطيع مواصلته.
فلما عليها أن تكون بذلك الضعف أمامه.
مسحت دموعها بيدها عندما طرق الباب فابتعدت عنه قليلًا كي تفتحه فتجد والدتها أمامها.
حاولت إخراج صوتها ثابتاً كي لا تشعر بشيء:
_ أهلاً يا ماما.
لم تحتاج فايزة لفطنة كي تعلم سبب تلك الدموع المتعلقة بأهدابها فقالت بتعاطف:
_ وبعدين يا هايدي هتفضلي كده لحد أمتى.
لم تريد شيء سوى الارتماء داخل أحضانها.
ولم تجد أفضل من حضن والدتها ولا أحن منه ليحتويها في تلك المحنة.
……..
أغلقت فايزة الباب خلفها ووضعت العصير أمام ابنتها وهي تقول بحب:
_ اشربي العصير ده هيهديكي شوية.
تناولت منها الكوب لتحبسه بين يديها فقالت فايزة بحكمة:
_ أنا عارفة إن الكلام اللي هقوله ده مش هيعجبك بس لازم تسمعيه.
الواحدة منا لما بتحب بتدي من غير حساب.
وكل ما حبت جوزها أكتر كل ما ادته أكتر حتى لو على حساب نفسها.
وده اللي انتِ عملتيه اديتي بزيادة لدرجة إنك خليتيه ميطلبش وهنا ده افتكر إنه حق مكتسب.
معلمتيهوش يحتاج أو يطلب ولا حتى يشتاقلك لأنك في البيت والشغل قدامه.
والحب أساسه اشتياق يا حبيبتي.
وهو عمره مشتاقلك عشان يتعلق بيكي.
العطاء لازم يكون بحدود وحتى حبك لازم تكوني متحكمة فيه وتكوني مسيطرة عليه.
عارفة إن كلامي بيجرحك بس دي الحقيقة اللي لازم تعرفيها.
أنا أمك وأدرى واحدة بمصلحتك.
اثبتي على قرارك وخليه يحس بغيابك، خلي حبك اللي مش حاسس بيه جواه يخرج لما يحس فعلاً إنك بتضيعي منه.
هزت هايدي رأسها دون أن ترفعها عن الكوب الذي بيدها وتمتمت بخفوت:
_ بس هو عمره ما حبني.
ردت فايزة بنفي:
_ مش حقيقي، حازم بيحبك بس زي ما قولتلك مفيش حاجة بتعمليها تشغله بتدي ومكفية وناسية إن البُعد لو بحدود بيعمل اشتياق، ولما تتقابلوا عوضيه بزيادة خليه طول ما هو في الشغل يتكوي بغيابك ويتمنى يخلص بسرعة ويرجعلك ولما يرجع ادي بزيادة عشان يكون دافع أكتر أنه يرجعلك، خليه ليلة ينام لوحده ويحس بنار غيابك.
فكري بكلامي ونفذيه ومش هتندمي، بس حطي في بالك البعد بزيادة بيعلم القسوة.
وعايزة تجننيه أكتر اتعاملي معاه في المستشفى عادي بحكم عملكم عادي جدًا كأنه مجرد زميل.
فهمتيني.
أومأت هايدي:
_ فهمت يا ماما.
ربتت على يدها وقالت:
_ أنا هقوم أحضر العشا عشان بابا زمانه جاي.
خرجت فايزة وظلت هايدي تفكر في حديث والدتها لتعرف بالأخير بأنها وحدها المخطئة.
❈-❈-❈
استلقى داغر على فراشه مستنداً بظهره على الوسادة وأخذ يفكر بما حدث اليوم.
تذكر ذلك الطفل وتشبثه به والذي دون إرادته تعلق به بشيء مهيب.
تذكر كيف تعلق بعنقه وكيف نام على كتفه.
وبكاءه الذي هدئ ما إن حمله بين يديه.
ابتسم رغمًا عنه وشعر بحنين إليه.
لو لم تهرب منه لكانا الآن ينعمان بطفل بعمره.
لكن الغريب في الأمر.
لما ترك حازم طفله عندهم وهو بهذه الحالة؟
وأين والدته من كل ذلك.
تذكر أن أسيل أخبرته بأنه متزوج من طبيبة مثله.
تذكر أيضاً أنها أخبرته باسمها لكنه لا يتذكره جيدًا.
مد يده على المنضدة يتحسس علبة سجائره لكن يده تعثرت في كوب الماء وسقط على الأرض.
مال قليلاً كي ينتشل الزجاج من الأرض فيصاب إصبعه.
لم يهتم له وظن أنه جرح طفيف حتى عندما شعر بذلك السائل ظن أنه ماء لذلك واصل جمع الزجاج ووضعه بسلة المهملات الموضوعة بجانبه.
نهض ليدلف المرحاض يغسل يده كي يتأكد من عدم تعلق أي زجاج بيده.
ولم يلاحظ الدماء التي تسيل من يده والتي طبعت على مقبض الباب ومقبض المياه حتى المنشفة التي جفف بها يده.
وعاد إلى فراشه.
كان يشعر بوخز بسيط لكنه لم يبالي به واستلقى على فراشه لينام لكن ذلك الشعور جعل النوم يهرب منه.
❈-❈-❈
استلقت على الفراش بجوار طفلها تناشد النوم بعد يوم شاق مليء بالمآسي.
تطلعت لطفلها بحب وأخذت تملس على وجنته الناعمة.
رن هاتفها فنظرت إليه فإذا بها هايدي تتصل لتطمئن عليه:
_ إزيك يا أسيل إياد عامل إيه دلوقتي؟
ابتسمت وهي تنظر إليه بحب:
_ أحسن بكتير.
_ الحمد لله أنا قولتك إن كل ده عادي عشان سنانه المهم هتعملي إيه مع أبوه.
لم تندهش أسيل لمعرفتها بالحقيقة فهي كانت تشك بذلك فردت بهدوء:
_ مش هعمل حاجة، هو ميعرفش إنه له طفل وأنا مش هعرفه.
تحدثت هايدي بعقل:
_ بس ده مش بمزاجك للأسف يا أسيل، هو من حقه إن يعرف بوجود ابن له زي ابنك ما من حقه يعرف، بلاش تفكري في ده دلوقتي فكري في بعدين لما يكبر ويسألك مين أبوه، وحطي احتمال إن ابنك يعرف الحقيقة وتلاقي نفسك متهمة قدامه، مفيش قدامك حل تاني، المرة دي عدت وأحمدي ربنا إنه كفيف لأنه لو شافه مكنش هيشك لحظة واحدة إنه ابنه.
تنهدت أسيل بتعب:
_ عارفة كل ده وهشوف له حل بس بعيد عن إنه يعرف، مستحيل أجازف وأخليه يعرف إنه له ابن ويحرمني منه.
_ ما يمكن يطلب يتجوزك عشان يثبته ويعتذر عن اللي حصل، وبعدين يا أسيل الشخص اللي أنا شوفته النهاردة ده شكله ابن ناس ومحترم اللي خلاه يتأثر بطفل ميعرفوش وياخده بظروفه دي ويوديه المستشفى ده مستحيل يكون بالحقارة اللي حكيتي عنها.
ابتسمت أسيل بمرارة:
_ حكيت عنها؟! أنا عشتها وجربتها.
ارتعشت أوصالها للذكرى:
_ انتي مش متخيلة اللي عمله معايا ولا الطريقة اللي أخدني بيها، ده لو بنت ليل كان هيرأف بيها شوية، إنما ده مرحمنيش وأنا بترجاه يسيبني.
تفتكري واحد زي ده ممكن يرحم ويسيبلي ابني.
تأثرت هايدي بقصتها لكنها حقاً لا تتقبل أن يكون ذلك الرجل الذي رأته اليوم بتلك القسوة:
_ ما يمكن بعد اللي حصل ده اتغير، ويمكن برضه بيدور عليكي عشان يطلب منك تسامحيه، بصراحة طنط النهاردة حكتلي كل حاجة وحكتلي إنك بتشتغلي عنده دلوقتي وأكيد لاحظتي أي تغير فيه.
_ التغيير الوحيد اللي حصل إنه ظهر على حقيقته مش أكتر.
لم تريد هايدي الضغط عليها فقالت بتروي:
_ فكري كويس في ابنك لأن الأولاد هما اللي يستاهلوا إننا نحارب عشانهم.
أغلقت أسيل الهاتف وأخذت تفكر فيما انتوت فعله.
❈-❈-❈
في منزل حسين
بدأ حسين يشعر لأول مرة بالوحدة وقد فارقه الجميع.
وبدأت شاهي تسيطر على كل شيء من حوله.
فعلم أن أولاده كانوا له حصن منيع لكنه لم يعلم ذلك إلا بعد فوات الأوان.
حاول كثيرًا مع سليم وطلب منه العودة لكنه يأبى الرجوع فعلم أنه لم يغفر ولن يسامح.
لكن ما الذي ينتظره منه وقد رأى بعينيها أنها عادت من هروبها محملة بالعار.
تذكر رجاءها وهي تقسم له بأن ما حدث لم يكن بإرادته.
لكنه لم يستمع إليها ولم يرحمها بل واصل تعذيبها بكل جبروت.
❈-❈-❈
أما سليم فقد ظل يمنع ذلك الحنين الذي يطالبه بأن يطمئن عليه.
لكن غضبه منها يرفض ذلك.
هو يعلم جيدًا بأن ما حدث رغمًا عنها لكن أيضًا هي من وضعت نفسها في طريق الهلاك.
لقد ابتعد وأصر على البقاء هنا كي لا يضعف أمامها ويذهب إليها.
حتى عندما عاد إلى مصر حارب شوقه لها بكل الطرق وخاصة عندما وجدها بالمصعد.
هل ظنت أن بإخفاء وجهها عنه لن يعرفها!
ابتسم بحزن للذكرى.
فقد رآها بقلبه قبل عينيه.
حتى ضربات قلبها المتسارعة كان يسمعها بوضوح ولذلك أوهمها بأنه لم يراها ولم يعرفها كي لا تفزع منه.
يعلم جيدًا بأنه لن يستطيع مواصلة عناده وخاصة عندما أصبح ذلك الفرع خاص به وحده وأصبح واقفاً على أرض صلبة.
❈-❈-❈
استيقظت أسيل من نومها على صوت طرق الباب.
نهضت بصعوبة فقد ظلت مستيقظة حتى الفجر.
فتحت الباب فتتفاجأ بصالح أمامها:
_ صباح الخير يا بنتي، اتفضلي غيري هدومك ويالا قبل داغر بيه ما يصحى.
_ صباح النور يا عم صالح، حاضر دقيقة بالظبط وهكون جاهزة.
صعدت أسيل وهي تنوي ما قررت خوضه دون تردد.
قامت بتبديل ملابسها ودلفت غرفة أمينة:
_ صباح الخير يا دادة.
نهضت أمينة من على المصلى وقالت باستياء:
_ يعني مصرة تكملي؟
أومأت بتأكيد:
_ آه مصرة، أنا ماشية دلوقتي ولم نرجع هيكون بينا كلام تاني، بعد إذنك.
خرجت أسيل من المنزل واستقلت السيارة.
وأثناء ذهابهم أرادت أسيل أن تستفسر عما حدث فسألته:
_ هو إيه اللي حصل امبارح يا عم صالح؟
رد صالح وهو ينعطف تجاه المنزل:
_ كابتن داغر أصر أنه يجيلك امبارح لما رفضتي تيجي ولما قربنا من البيت سمعنا صوت طفل صغير……
انتهى من قص ما حدث وهي تستمع إليه بقلب منقبض.
_ بس يا بنتي الغلط عليكم الولد كان سخن أوي وغير كمان إنه صغير على إنكم تسيبوه لوحده في البيت.
تنهدت أسيل وقالت بشرود وهي تنظر من نافذة السيارة:
_ كان غصب عني بس مش هتتكرر تاني.
❈-❈-❈
توقفت سيارة خليل أمام المنزل وترجل من السيارة بوجوم تام ثم دلف المنزل وكأنه يتوعد لمن يراه أمامه.
صادفته سلوى التي قالت بابتسامة:
_ صباح الخير يا خليل بيه احضر الفطار دلوقتي؟
رد خليل باقتضاب وهو يصعد الدرج:
_ لأ.
صعد لغرفة داغر فيقتحمها دون أن يطرق بابه فيجده نائمًا في فراشه وكعادته يترك الضوء يملأ الغرفة.
تطلع إليه باستياء وهم بالخروج لكن لفت انتباهه الدماء المطبوعة على الفراش الأبيض ويده التي تغطت بالدم بصورة تدعوا للريبة.
رواية جبل النار الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رانيا الخولي
انقبض قلبه وتقدم مسرعًا منه يتطلع إلى الدماء فيجد يده تنزف ويوجد بقايا زجاج على الأرض.
تقدم مسرعًا منه يتطلع إلى يديه فيجد أنها جروح طفيفة لكنها نزفت.
قام بايقاظه.
_داغر… قوم.
استيقظ داغر وفتح عينيه بصعوبة متسائلاً بنعاس.
_عمي!.... جيت أمتى؟
رد عليه باقتضاب.
_دلوقت.
ساعده على الجلوس تحت دهشة داغر ثم جذب المنشفة متسائلاً.
_ايه اللي عمل في ايدك كدة؟
لم يفهم داغر شيء حتى لهجة عمه معه تعجب منها فسأله بحيرة وهو يتحسسها.
_مالها؟
دلف خليل المرحاض بمنشفة كي يبللها بماء دافئ وهو شتان بين قلقه وغضبه ثم عاد إليه.
شعر داغر بوغز حينما وجد عمه يمسح يده بمنشفة فيهدئ قلقه قليلًا حينما وجد أن الدماء تجمدت على يده وتوقف النزيف.
_ايه الجرح اللي في ايدك ده؟
شعر بألم عندما شعر بالمنشفة تضغط عليه وقال.
_ممكن أكون انجرحت وانا بلم الإزاز.
تطلع خليل للزجاج الملقي في السلة ثم قال معنفاً.
_وانت مالك بالإزاز مسبتوش ليه؟ قوم اغسل ايدك لحد ما اشوف الممرضة جات ولا لسة.
أومأ له ونهض ليدلف المرحاض.
أما خليل فخرج كي يسأل عن عودة الممرضة وقبل ان ينزل الدرج وجدها تدلف من المنزل.
رمقها بنظرة مبهمة للحظة ثم قال بأمر.
_تعالي يا… حور.
تقدمت أسيل منه وقد شعرت من نظراته أن هناك أمر ما.
وقفت أمامه على الدرج وسألته.
_نعم حضرتك.
تطلع إليها بصمت لبرهة ثم تحدث بجدية.
_تعالي معايا.
جلست أسيل على المقعد امام داغر الذي ترك يده لها باستسلام تام رغم النيران التي اشعلتها بذلك التلامس.
كانت تطيب جروحه بيد مرتعشة وذكريات تلك اللية تقتحمها بشدة.
كانت تجد صعوبة في التحكم بارتعاشتها حتى لا يلاحظ أحد ذلك.
لكن عينين خليل كانت تراقبها بتمعن لم تلاحظه.
لم تلاحظ شيء سوى تلك اليدين التي اذاقتها العذاب ألوانًا.
انتهت أخيرًا وانتهت مراقبة خليل لها وقبل ان تقوم من مقعدها قال لها خليل.
_بعد ما تخلصي اعملي فنجان قهوة وهاتيه على مكتبي.
أومأت أسيل وخرجت من الغرفة.
فتطلع إلى داغر وسأله بجمود.
_انت تعرف حور دي؟ شوفتها قبل كدة؟
تعجب داغر من سؤال عمه وبدأ الشك يتلاعب بداخله، هل عرفها؟
لكنه لم يراها كي يتعرف عليها.
اعاد خليل سؤاله.
_بسألك شوفتها قبل كدة؟
اندهش من إصراره وسأله بمراوغة.
_بتسأل ليه؟
راوغه خليل أيضاً.
_أصلي حاسس إني شوفتها قبل كدة معاك، صح ولا انا غلطان.
مسح داغر بيده السليمة على وجهه ورد بتسويف.
_كـ اسم لا معرفهاش لكن كـ شكل مقدرش افيدك.
لم يكذب بل راوغ مما جعل خليل يومى له.
_تمام.
تركه وخرج إلى مكتبه وانتظر حتى دلفت أسيل وهي تحمل القهوة وتضعها أمامه.
_اتفضل القهوة.
رد بتعاطف.
_متشكر يا بنتي.
أومأت له وهمت بالخروج لكنها اجفلت عندما نداها.
_أسيل… مش أسيل برضه ولا انا غلطان.
رمشت بعينيها وهي مازالت توليه ظهرها وكأنها لم تسمع جيدًا.
استدارت بغير وعي دون النطق بشيء فتابع.
_اقفلي الباب وتعالي اقعدي.
❈-❈-❈
أخذ سليم ينظر إلى الكوب بيده وغير عابئ بتلك التي تتحدث بجواره ولا لأي شيء سوى من شغلت عقله وتفكيره منذ أن رآها للمرة الأولى.
لم يشعر بأي فرحة بذلك التعاقد مع شركة كبيرة جعلته يقطع الطريق على والده في إجباره على العودة.
لا يريد العودة للمنزل رغم اشتياقه لها لعلمه ماذا يفعل به ذلك الاشتياق وهو يتطلع طوال الليل إلى الجدار الذي يفصله عنها.
وعندما يأتي الصباح يأتي معه عذاب أكبر وهى تجلس أمامه وقت تناول طعامهما.
انتبه لها تسأله.
_سليم ماذا بك؟
زم فمه بعدم اكتراث.
_لا أعرف.
علمت سبب حالته لكنها سألته.
_تفكر في زوجتك؟
تنهد سليم بتعب وهو يضع الكوب على الطاولة أمامه.
_لا شيء غيرها يشغل بالي حالياً، حتى تعبت من كثرة التفكير.
_إذاً فانت لم تحاول كما يكفي أو كما هي تريد.
هز رأسه بنفي وتحدث بثبوت.
_ليس حقيقي لقد فعلت المستحيل ولا تريد أن تعود اليّ، قلبي يشتاقها بشدة وكذلك مشاعري لكنها تأبى التقرب مني، لازلت ذلك المتهم بقتـ.ـل أخته ولا تريد ان تغفر أو تسامح.
_انا معها في تلك النقطة وأخبرك بأنك مخطئ، عليك ان تخبرها الحقيقة وتضع حدًا لذلك البعد.
زم فمه بأسف وقال بتمني.
_أريد أن تقبلني كما أنا، بكل أخطائي.
تعجبت من تفكيره.
_لكن ما حدث ليس مجرد خطأ، انت بالنسبة لها قا.تل، وقا.تل أخته ولن يجعلها ذلك تشعر بالأمان معك، انتما تعاندان بعضكما وهذا ليس جيد.
حملت حقيبتها وهي تنهض قائلة.
_لا تتمادي في اختبار غيرتها فتلك الطريق تبعد المسافات أكثر لا تقربها، إلى اللقاء غداً.
ذهبت إيمي وتركته هو في حيرته.
هل يوافقها ويعترف بكل شيء؟ ام ينتظر على أمل قبوله كما هو.
عاد إلى منزله فيجد ضوء غرفتها مضاء.
ساقته قدماه إليها وكم أراد في تلك اللحظة أن تكون زوجته حقًا عائدًا إليها يلقي نفسه في أحضانها.
كم أراد في تلك اللحظة أن ينعم بها بين ذراعيه وينولها بعد شقاء استمر يؤرقه لسنوات.
أسند رأسه على الباب وعاتب قلبه الذي جعله يستجدي قلبها ولا تجيبه.
ولم يعرف بأنها أيضاً واقفة خلف بابها تحارب شوقها بالذهاب إليه.
تريده كما يريدها وتشتاقه بكل الحب الذي تحمله له لكن سيظل دم أخته بينهم ولن تشفع كل أفعاله.
عادت لفراشها عندما سمعت صوت إغلاق باب وتتساءل إلى متى؟
❈-❈-❈
_هتفضلي ساكتة كدة كتير؟
رمشت بعينيها مرات متتالية وعقلها يرفض ما يحدث.
نهض خليل ليقترب منها وقال بروية.
_متخافيش داغر ميعرفش حاجة وإن حور هي أسيل.
اهتزت نظراتها دون إرادتها وأخذت تلف ذراعيها حولها كما يحدث دائماً كلما شعرت بالخوف.
رأف خليل بها وشعر بما تمر به الآن فقال بتعاطف.
_تعالي يا بنتي متخافيش.
انتفض جسدها عندما مد يده لذراعها يجذبها منه فأبعد يده عنها قائلاً.
_هنقعد نتكلم بس، تعالي.
طاوعته أسيل وسارت معه في سكون حتى جلست على المقعد وجلس هو على الأريكة.
لم يجد الكلمات المناسبة يبدأ بها حديثه معها.
لن يستطيع اخبارها بأنه علم ما حدث من الكاميرا التي وضعها ابن أخيه كي يسجل ما حدث فغمغم بأسف.
_بصراحة انا مش عارف اقولك ايه ولا أبدأ معاكي الحوار ازاي بس أنا حقيقي مش متصور اللي ابني عمله، لكن بحاول ادور له على أي عذر أو أي حاجة تشفعله اللي عمله، لأني حقيقي دي مش اخلاق داغر أبدًا.
قطبت أسيل جبينها وارتسمت على فمها ابتسامة مغمزة بالمرارة وتمتمت بشرود.
_أخلاق؟! هو اللي يعمل كدة يعرف حاجة عن الاخلاق؟!
رفعت عينيها لخليل الذي كان التأثر مختلط بالاسف بعينيه وتابعت رغم ارتعاشت جسدها التي تزداد.
_اللي يخون قلب وثق فيه واداله كل ما يملك يبقى ميعرفش يعني ايه أخلاق.
تعجب خليل من رجوعها إذا كانت لازالت تبغض فعلته لها منا جعله يسأله بشك.
_طيب رجوعك ده أفهم منه ايه؟
عادت تخفض عينيها وقالت بمرارة.
_انا مرجعتش بمزاحي، بس دكتور عصام يبقى صاحب بابا ولما عرف باللي حصلي ساعدني كتير وشغلني في المستشفى عنده.
قصة عليه ما حدث وتابعت.
_مش هكدب عليك واقولك إني مكنتش اعرف انه هو، عرفت ووافقت لأني لقيتها فرصة عشان انتقم منه.
بس لما شوفت حالته لقيته إنه أضعف من إني انتقم منه، وإن انتقام ربنا كان أقوى.
رغم تعاطفه معها إلا إنه لم يقبل فعلتها تلك فقال بمحايدة.
_انا معاكي انه غلط وغلطة كبيرة أوي ولا تغتفر بس انا واثق بل متأكد إن داغر اللي انا ربيته عمره ما يعمل كدة، انتي متعرفيش كان بيكلمني عنك ازاي وكان ناوي فعلا يتقدملك بس…..
لم يجد كلمات يدافع بها عن ابنه والذي رأى بعينيه ما حدث.
لو سمع عن الأمر ما صدق ذلك ولكنه رآه واضحًا بعينيه فقال مستسلماً.
_بصراحة مش لاقي كلام اقوله، بس انا معاكي في كل حاجة غير الانتقام ده….لأن داغر ابني ومليش غيره في الدنيا، وبعدين انتي قولتي بنفسك إن عقاب ربنا كان اشد وأقوى، فـ متحاوليش تأذيه بأي شكل حتى لو بكلمة وأنا اوعدك إني هساعدك بكل اللي تأمري بيه، انتي زي بنتي واللي مقبلوش عليها مقبلوش على بنات الناس..
هدئت ارتعاشتها قليلاً وتمتمت بألم.
_انا قولتلك إن اللي حصله هدى النار جوايا بس…..
قطب جبينه بحيرة وسألها.
_بس ايه؟
رمشت بعينيها مرات متتالية وتمتمت برهبة.
_في حاجات هتجبرني إني أكمل معاه بس ياريت متسألنيش عنها، دلوقت على الأقل.
تلاعب الشك بداخله وسألها بتوجس.
_ازاي عايزاني اساعدك ضد ابني، اه انا معاكي وهجبلك حقك منه بس قدامه مش من وراه، ده مهما كان ابني ومليش غيره، انا هكلمه وأخليه يتجوزك…..
قاطعته برجاء ونحيب.
_لأ أرجوك أوعى تعمل كدة، مش عايزاه يعرف بوجودي ولا حتى عايزاه يتجوزني، انا شاركت في الغلط زيه لما وثقت في شاب مهما كان غريب وآمنتله وده كان جزاتي.
تنهد خليل بيأس.
_طيب عرفيني انتِ عايزة توصلي لأيه، ومن غير أذيه له لأني مش هقبلها تحت أي مسمى.
أغمضت عينيها تحاول التحكم في بكاءها وقالت.
_طيب خلينا نأجل أي كلام دلوقت وأنا اوعدك إني هقولك على كل حاجة.
وافق خليل مستسلماً.
_خلاص اللي تشوفيه.
❈-❈-❈
_حمل ايه يا حازم اللي بتتكلم عنه، انا مش معرفك كل حاجة من الأول.
كان هذا رد الطبيب عندما أخبره حازم بحملها.
عدل من وضع نظارته وقال.
_انا اتفاجئت زيك وهي مأخدتش احتياطها كويس لأنها متعرفش.
رد الطبيب باحتدام.
_ودي غلطتك يا دكتور حازم وقولتلك الكلام ده لو تفتكر، وأدي النتيجة، هايدي كانت لازم تعرف الحقيقة عشان نتفادى اللي حصل.
زم حازم فمه دلاله على قلة حيلته وقال.
_اعمل ايه بس يا احمد خفت عليها من الصدمة.
_مش احسن من اللي انت فيه ده دلوقت واديها برضه هتعرف.
زم وجهه باستياء.
_اللي حصل بقا، المهم هعمل ايه معها؟
تعجب الطبيب من سؤاله.
_انت بتسأل لازم الجنين ينزل طبعاً.
ملس حازم على جبينه يحاول السيطرة على آلام قلبه وسأله.
_امتى؟
_النهاردة إذا امكن.
تنهد حازم وقال.
_ربنا يسهل.
خرج حازم من المكتب ثم توجه إلى مكتبها يطرقه حتى سمحت له بالدخول.
دلف فيجدها تعاين احد الأطفال وهي تداعبه ببهجة.
انتظر حتى انتهت ثم تطلع إليها.
_هايدي في حاجة لازم أقولك عليها.
علمت من نظراته ما يود التحدث به لذا قالت بثبوت.
_لو جاي تكلمني في موضوع الحمل….
قاطعها حازم باندفاع.
_هايدي انا عايز الحمل ده زيك ويمكن اكتر منك كمان بس في ظروف بتحتم علينا اننا ننزله.
قطبت جبينها بدهشة وسألته بتهكم.
_وايه هو السبب ده اللي يخليك تغضب ربنا وتقتل ابنك؟
تنهد بضيق وهو يرى صعوبة في نطقها وفي الأخير قالها.
_لأن ده كلام الدكتور مش كلامي ولو مش متأكدة اسألي دكتور احمد وهو هيأكد كل كلمة بقولها وهو إن الحمل ده خطر عليكِ.
قطبت جبينها بحيرة وعقلها لا يستوعب ما نطق به وقالت بعدم استيعاب.
_يعني ايه كلامك ده؟
رد بدون مقدمات اخرى.
_يعني ولادة التوأم كانت صعبة زي ما انتِ عارفة وأصريتِ على الولادة الطبيعية وده عمل مشاكل في الرحم وخليته غير قادر على تحمل حمل تاني، ولو عاندتي والحمل ده كمل هتبقا اضرارة شديدة وممكن لا قدر الله يحصل مضاعفات خطيرة.
رمشت بعينيها وقد الجمتها الصدمة للحظات ودن إرادتها وضعت يدها على جوفها لتتمت بتية.
_بس انا مش حاسة بأي فرق.
_لسة الحمل في أوله فبالتالي لسة مضغطش على الرحم ولا الرحم هاجمه وكل ما الحمل نزل بدري كل ما كان أفضل.
هزت راسها برفض وتطلعت إليه قائلة بإصرار.
_لأ.
❈-❈-❈
ترجل داغر الدرج وهو ينادي.
_سلوى.
ردت سلوى وهي تخرج من المطبخ.
_نعم يا داغر بيه.
ترجل داغر الدرج وهو يسألها.
_هي فين؟
قطبت جبينها بحيرة وسألته.
_هي مين حضرتك؟ اه تقصد الممرضة.
انفتح باب المكتب وخرجت منه أسيل.
_اهي جات، محتاجني في حاجة؟
هز رأسه بنفي.
فانصرفت سلوى وأخذ هو ينصت لخطواتها والتي شعر بها تدوس على قلبه في كل خطوة تقربها منه، ورائحتها التي ظل محتفظ بها طوال أعوام تهفو حوله منذ عودتها.
إذًا عليه أن يعترف جيدًا بأنه مازال عاشقًا لمعذبته.
وحتى إن فعلت أكثر من ذلك سيظل قلبه الغادر يسامح ويغفر.
وكان للعقل رأي آخر إذا رفض ذلك الهوان.
وتحلى بالجمود وهو يقول.
_عمي فين؟
ردت بفتور بدأ يعتاده.
_في المكتب.
_جهزي الفطار.
رد باقتضاب مماثل وتركها متوجهاً إلى مكتب عمه.
طرق الباب ودلف حينها ورغم أنه لا يرى نظرات العتاب في عين عمه إلا إنه شعر بها في صوته منذ عودته.
_صباح الخير يا عمي.
رد خليل وهو يجاهد ليخرج صوته ثابتًا ورد باقتضاب.
_صباح النور.
تعجب داغر من فتوره وسأله بحيرة.
_عمي انت كويس؟
أغمض خليل عينيه بضيق من نفسه، فمهما حدث هو الآن بحاجته ولا يجوز أن يحمل عليه الآن.
سينتظر حتى يعود إليه بصره وحينها سيلقي بوجهه ذلك الخبر الذي قصم ظهره هو قبل تلك المسكينة التي قضى عليها وتركها تعيش ذلك الهوان.
تنهد بتعب شديد وقال.
_اه كويس بس تعبان من الطريق مش أكتر.
شعر داغر بالقلق عليه وقال باهتمام.
_طيب اطلع ارتاح في اوضتك.
عاد خليل بظهره للوراء وتمتم بثبات.
_هطلع بس في موضوع مهم لازم آخد رأيك فيه.
سأله باهتمام.
_خير يا عمي؟
قص عليه كل ما حدث من تلك المرأة حتى انتهى.
_هي طالبة مني اقف جانبها بس أنا حقيقي مش عارف إن كنت هقدر ولا لأ، المصنع متضرر أوي ومحتاج مجهود مضاعف ومظنش إني هقدر عليه.
رد داغر بحكمة وعقل.
_لا يا عمي هتقدر انت قدها وانا واثق من ده، غير كمان الست دي محتاجة حد أمين يكون معها يعني انت انسب واحد للموضوع ده.
_بس انا لو وافقت هيكون صعب أوي أسافر معاك للعملية، وبرضه تواجدي هنا هيكون صعب فعشان……
قاطعه داغر بإصرار.
_خرجني مرة واحدة بس من حساباتك واعمل اللي فيه الصالح، مينفعش إنك تسيب واحدة استنجدت بيك في ظروفها دي.
مسح خليل بيده على وجهه متحير من حديث داغر.
فذلك هو ابنه الذي رباه على يده وجعل منه رجل يفتخر به، لكن ما رآه جعله يحتار.
لم يكن هذا داغر مؤكد لم يكن هو.
_عمي انت سامعني.
_اه يا داغر سامعك، هشوف الموضوع ده وأول ما أوصل لقرار هبلغك، المهم ايدك عاملة ايه؟
تحسس داغر يده المصابة وقال.
_احسن، هي جروح بسيطة مش مستاهلة قلقك.
تحرك خليل ليجلس على المقعد المقابل له وتحدث بحنو.
_ولو مقلقتش عليك انت اقلق على مين.
ربت على يده وتابع بمغزى.
_انت ابني اللي ربيته وعلمته يكون راجل يعتمد عليه ويكون ثقة وفوق مستوى أي شبهات.
حتى إن غلط اكيد هيكون بدون إرادته.
لاحظ داغر إن هناك كلمات بين السطور وأن عمه يتحدث معه بمغزى هم بالاستفسار منه لكن دخولها جعله يلتزم الصمت.
_الفطار جاهز.
أومأ لها خليل ورد بتهذيب.
_تمام.
خرجت أسيل وتطلع خليل لداغر التي تبدلت ملامحه فور دخولها.
فسأله بمكر.
_كويسة أوي البنت دي، مش كدة؟
لاحظ خليل انه يعافر كي يحافظ على هدوءه فتابع بمكر.
_بفكر كدة لما نسافر للعملية ناخدها معانا.
رد داغر بوجه لا يعبر شيء.
_اللي تشوفه يا عمي انا مش فارق معايا.
تحدث خليل باستسلام.
_ماشي يا سيدي يلا خلينا نفطر ونقعد على البحر شوية.
على السفرة.
وضعت أسيل الطبق أمامه وبدأت تبين له نوعية الطعام وأماكنه.
كان خليل ينظر إليها بتعاطف لما وصلت إليه.
وما آلمه أكثر أن ابنه من اوصلها لذلك الهوان الذي يراه أمامه.
تحولت نظراته لعتاب يرمقه به.
لكنه على ثقة تامة ان هناك شيء خفي من اوصله هو لذلكمن رآه بالفيديو لم يكن ابنه مطلقًا وهو على يقين من ذلك وسيعرفه بأقرب وقت.
استأذنت أسيل بالانصراف ثم تحدث خليل.
_ناوي تسافر أمتى؟
_سؤال غريب أكيد وراه حاجة.
قطب خليل جبينه بحيرة وسأله.
_ليه بتقول كدة؟
رد داغر بفطنة وهو يترك الشوكة من يده.
_بعرفك لما بتراوغ معايا او عايز توصلي حاجة، اتكلم على طول أفضل.
لم يندهش من فطنته لذا تحدث بمغزى.
_هتكلم على طول بس هأجله دلوقت لحد ما نخلص من العملية، وبعدها هيكون في كلام كتير أوي.
عاد يتناول طعامه ورد بعدم اكتراث.
_اللي تشوفه.
هز خليل رأسه لتبدل حاله حتى شعر بأنه شخص آخر.
وبعد الانتهاء جلسا معًا على الشاطئ.
بدأ داغر بالحديث.
_هتعمل ايه في العرض اللي اتقدملك؟
عاد خليل بظهره للوراء وتمتم.
_انا بفكر أوافق بس بعد ما نرجع من برة، لو نظرك إن شاء الله رجع هقبل الشغل ده لأنك أكيد هترجع لشغلك وهتبعد تاني، ولو لا قدر الله محصلش مش هسيبك تحت أي ظرف.
_بس انا من رأيي توافق من دلوقت وإن كان على سفري فأنت طلبت إن الممرضة تروح معايا.
عقد حاجبيه متسائلاً.
_لوحدها؟
رد داغر ببساطة.
_ايه المشكلة؟
اندهش خليل من البساطة التي يتحدث بها.
_بصفتها ايه؟
رد بمراوغة.
_بصفتها ممرضة.
_وافرض رفضت.
رد بثقة.
_مش هترفض.
_مين فينا اللي بيراوغ دلوقت.
رد بنفي.
_مش برواغ ولا حاجة بس مستني لما اتأكد من حاجة كدة وبعدين هقولك.
لم يريد الضغط عليه وتركه كما يريد.
في غرفة داغر.
دلف أسيل الغرفة وهي تحمل الحقيبة كي تغير الضمادة له.
كان جالسًا على الفراش وعينيه الواجمة ثابتة على الفراغ أمامه.
تطلعت إليه بوجل وقدميها ثابتة على الأرض لا تساعدها على التحرك.
انتفضت فجأة على صوته.
_هتفضلي واقفة عندك كتير؟
رمشت بعينيها وهي تحاول الثبات كي لا يشك بأمرها ثم تقدمت منه بأقدام واهنة وعقل مشتت تحاول صد تلك الذكريات كي لا تلقي الحقيبة من يدها وتلوذ بالهرب من أمامه الآن وتفشل خطتها.
وما إن تقدمت منه حتى صدحت منها صرخة عندما جذبها ملقيًا إياها على الفراش.
رواية جبل النار الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رانيا الخولي
صدحت منها صرخة فزع عندما جذبها من ذراعها وألقى بها على الفراش ومال عليها قليلاً مغمغماً من بين أسنانه:
_بلاش تحسسيني إني شرير أوي كدة ولو قربتي مني هغتصبك.
ضغط على حروف كلماته:
_أنا واحد أعمى أخري أقربك مني بالشكل دة مقدرش اعمل اكتر منها.
أزاحته أسيل بكل قوتها ونهضت قائلة بتحذير:
_اللي حصل ده ميتكررش تاني انت فاهم؟
رفع حاجبيه بمكر:
_أنا عملت ايه؟
كانت نبضاتها تتسارع بقوة من شدة الخوف تارة ومن غضبها لفعلته تارة أخرى وتمتمت باحتدام:
_اللي عملته.
تحدث بسخرية:
_ملاحظ إن صوتك عالي أوي.
كانت لهجته تحمل تحذير لذا هدأت من روعها وقالت بحزم:
_ممكن تخليني اغيرلك على الجرح عشان ميعاد انصرافي.
حس بيده الأخرى على أنامله المصابة وتمتم قائلاً:
_أنا شايف إنكم مكبرين الموضوع أوي، ولا أنا عشان أعمى مش شايف الجروح ومدى حجمها، ويمكن برضه فقدت معاه الإحساس.
كانت تنظر إليه بازدراء وكم أرادت في تلك اللحظة ان تواجهه بحقيقته لكنها احجمت تلك الرغبة، عليها التروي قليلاً.
فتابع قائلاً:
_على العموم اتفضلي.
سحبت أسيل المقعد ووضعته أمامه على بعد مسافة تسمح لها بمداوات يده.
ولم تكن تعلم ما فعلته به بتلامس أناملها الرخوة ليده.
رائحتها التي لم تتركه لحظة واحدة.
خصلاتها التي كانت تلامس أنامله رغماً عنها.
فتترك يده كي تبعدها وتعود إليه.
تذكر حركتها تلك والتي كانت تصيبه بالجنون بعفويتها وتساءل:
_هل مازالت بذلك الجمال الذي خطفه تجاهها منذ اول مرة؟
بدأ تنفسه يثقل ورغبة ملحة بداخله تطالبه بخطفها داخل أحضانه مرتويًا من ذلك الظمأ الذي ارهقه منذ أن رآها ومعاقبتها على تركها له.
كانت تعمل في سكون تام تتظاهر بالثبات وهي ابعد ما يكون عنه.
تلك اليد التي كانت داعمة لها هي نفس اليد التي قضت عليها وحكمت عليها بالعذاب.
دون إرادتها رفعت عينيها إليه بعتاب لو رآه لسقط راكعاً أمامها يطلب عفوًا لا سبب له.
كلاهما يدين الآخر ولا يعرف أحد منهم سببًا له.
وكلاهما يعاتب الآخر وكلاهما بذهنه.
والأدهى من كل ذلك أن قلوبهم مازالت تنبض بذلك العشق الذي ظنوا لوهلة أنه حل عن صدورهم.
لم يعلم كلاهما أنه هو وحده المتحكم بهم ولا شيء غيره.
انهت عملها ونهضت من مقعدها لكن ارتعاشت يدها جعلت الحقيبة تسقط منها فتمتمت بإحراج:
_انا اسفة.
لم يرد عليها وبقى ثابتًا مكانه وبدأت هي بتجميع الادوات ووضعها بالحقيبة.
وقبل أن تنهض وقع نظرها على ذلك الخاتم الذي سقط منه وبحث عنه كثيراً ولم يجدها.
كانت ظاهرة أسفل الفراش فمدت يدها دون إرادتها تمسكها وتنظر إليها.
فينقبض قلبها عندما قرأت اسمها منقوش داخلها "أسيل وردتي الشائكة".
اتسعت عينيها بذهول وهي تنظر إلى اسم ذلك اللقب الذي كان يختم به رسائله لها.
ازدردت لعابها بصعوبة وشعرت أن الدنيا تلتف بها ما معنى ذلك.
تطلعت له ولعينيه بحيرة وعيونها تتساءل عن معنى ذلك.
هل كان ينتوي الزواج منها؟
أم كانت لعبة أخرى من آلاعيبة كي يسقطها في براثينه.
لم يتركها لشرودها وسألها بجمود:
_خلصتي؟
أخفت الدبلة بجيبها ثم نهضت قائلة:
_اه خلصت بعد أذنك.
همت بالخروج لكنه اوقفها:
_استني عندك.
استدارت له أسيل وسألته:
_نعم.
_مين الطفل اللي كنتم سيبينه لوحده ده؟
اهتزت نظراتها وتوقفت عن التنفس للحظات لكنها غمغمت برهبة:
_ده ابن أخويا.
كور قبضته المصابة بشدة اخرج فيها غضبه وغيرته من ذلك الرجل الذي يلقيه القدر في طريقه دائماً ثم سألها بثبات يتنافى تماماً عما بداخله من غضب:
_وعادي كدة كلكم تسيبوه وتمشوا.
ردت بنفي:
_لأ بس هو كان نايم ولما لقيته سخن خرجت أجيب له علاج للسخونة.
واصل استجوابه:
_اومال مامته فين من كل ده؟ معقول جالها قلب تسيب ابنها تعبان كدة؟
ازدادت ضربات قلبها خوفاً وردت بوجل:
_مامته بتسيبه عندنا لأنها دكتورة ولما بتخلص الشغل بتعها بتعدي تاخده، وبعدين هو مكنش تعبان كدة لما جابته.
تذكرت داغر تلك الطبيبة وقال:
_الدكتورة دي اسمها هايدي مش كدة؟
رمشت بعينيها تحاول ضبط صوتها:
_بالظبط.
اومأ لها:
_فهمت إنها تعرفه أول ما أخدته مني بس متخيلتش أنه يكون ابنها من….
تظاهر بالتفكير وهو يقول:
_اظن اسمه حازم مش كدة.
انقطع الأكسجين عن الغرفة لحظات ومن ثم اخذت انفاسها بوجل وردت بتلعثم:
_اه….هو.
واصل تلاعبه بها وهو يردد اسمه كاملاً:
_حازم وجدي حمدان، متهيألي سمعت الإسم ده قبل كدة، كأنه مش غريب عليا.
اغمضت عينيها بخوف حتى قدميها أصبحت واهنة من الصدمات التي تتلقاها.
فتمتمت بتيهة:
_تشابه اسماء مش أكتر.
أكد حديثها بثقة مزيفة:
_فعلاً، ممكن يكون تشابه اسماء.
على العموم تقدري تروحي دلوقت، صالح هيوصلك.
_لأ مفيش داعي أنا….
قاطعها بلهجة حازمة:
_قلت صالح هيوصلك.
اومأت له وخرجت من الغرفة.
خرجت وعد من الجامعة تتلفت على السائق.
تفاجئت بالفتاة التي تعمل مع زوجها تتقدم منها.
تطلعت إليها بازدراء وهمت بتخطيها لكن إيمي وقفت أمامها تمنعها من الذهاب:
_وعد دعينا نتحدث قليلاً.
اشاحت وعد بوجهها:
_ليس بيننا ما يقال، دعيني أذهب.
_لا بيننا سوء تفاهم وعلينا حله، ثقي بي.
تطلعت إليها وعد بامتعاض لكن إيمي تطلعت إليها بإيماءه أن تطاوعها.
وافقت وعد على مضد وقالت إيمي:
_دعينا نتناول القهوة في المقهى القريب من هنا.
في المقهى.
جلست إيمي وأشارت للنادل أن يقترب وسألت وعد:
_هل تودين شرب القهوة.
اومأت لها فانصرف النادل وهنا تحدثت وعد:
_تفضلي.
تطلعت إليها إيمي لوهلة ثم قالت بتحذير:
_ما سأقوله الآن عليه أن يظل سراً بيننا، سليم لا يجب أن يعرف عنه شيئاً.
انقبض قلبها بخوف وسألتها بلهفة:
_هل حدث شيء لسليم؟
طمئنها مسرعة:
_لا اطمئني هو بخير، لكن بعدك عنه لا يتركه يشعر بالخير.
اشاحت بوجهها بعيدًا عندما علمت ما تريد التحدث بشأنه فتابعت إيمي بنصح:
_وع وعد، سليم بريء لم يقتل أخته كما ظننتي، كان عليّ ان احتفظ بسره لكن رؤيته يتعذب بذلك الشكل جعلتني انحث بوعدي.
تطلعت إليها بشك وقالت:
_وما الذي يجعلني اصدق حديثك.
_وما دافعي من الكذب؟ وأد سأكون صريحة معك، لقد كنت احب سليم حاولت معه مرارا وتكرارا أقربه مني لكنه رفضني وأخبرني أنه يحب زوجته ويخلص لها.
وفي يوم جعلته يثمل كي يقضي ليلته معي لكن رغم ثمالته إلا إنه رفضني بشدة.
استدرجته في الحديث وعلمت منه قصتكم وسبب بعدك عنه، أخبرني بأخته التي تدعى أسيل وما حدث لها وأنها الآن تعيش مع مربيتها.
نهضت لتحمل حقيبتها وتابعت:
_لقد أخبرتك ولا مصلحة لي من وراء الكذب، الأهم ألا تخبر سليم بما قولتله لك، هو يريدك أن تقبليه بكل أخطاءه وحينها هو من سيخبرك بالحقيقة.
ذهبت وتركتها في حيرتها لا تعرف ماذا تفعل.
لقد أخطأت في حقه كثيراً واتهمته بأنه قاتل ولا أمان معه.
عاملته بكل جفاء في الوقت الذي كان يستجدي منها حنانًا وراحة بين أحضانها.
ماذا تفعل الآن.
هل تذهب إليه وتقول له بأنها علمت الحقيقة؟
أم كما قالت إيمي يريدك أن تقبليه بكل أخطاءه.
هي لا تعرف أنها قبلته بكل أخطاءه منذ ان فرض عليها الزواج لكن حزنها على أسيل جعلها تبغضه.
مر وقت طويل وهي جالسة وحيدة في المقهى لا تريد الإنصراف.
لن تستطيع النظر بعينيه بعد ما فعلته به.
أخذت حقيبتها وخرجت تسير بخطوات بطيئة ناحية الجامعة ظنًا منها أن السائق مازال بانتظارها.
ولم تعرف شيء عن ذلك الذي أخذ يجوب الشوارع بسيارته بحثًا عنها.
كانت تسير بشرود ولم تنتبه تلك السيارة التي اصدرت صرير مزعج بجوارها وترجل منها صاحبها يغلق الباب بغضب متقدمًا منها بسخط:
_انت ازاي تخرجي من غير ما تقولي، ومش بتردي على فونك ليه؟
رفعت عينيها إليه فوجدته يرمقها بغضب لم ترى مثله من قبل.
لم تجيبه بل تطلعت إلى عينيه بعتاب وحب وحيرة.
لما لم يخبرها بالحقيقة ورحمهم من ذلك الشقاء الذي عاشا به طوال ذلك العامان.
اختفى صوته الغاضب وكل شيء من حولها فقط عينيه التي تحمل غضب يشوبه راحة.
هي من تراها أمامها.
قاطعت تعنيفه المتواصل عندما تركت حقيبتها تسقط أرضًا وألقت نفسها داخل حضنه متشبثة به بكل قوتها.
تعشقه حد الجنون وهو ما لا يعرفه لكنها لن تخبئ حبها بعد الآن فتمتمت ببكاء:
_بحبك يا سليم بحبك.
بوغت سيلم من فعلتها واستمر على تلك الحالة لحظات قبل أن يرفع يديه يخيطها بهما وهو لا يعرف سبب تلك الغصة التي تتحدث بها.
تركها تبكي على صدره رغم قلقه عليها وانتظر حتى انتهت نوبة البكاء ثم أبعد رأسها عنه قليلاً وعيونه تحمل حنان الدنيا لكن يشوبها قلق وسألها:
_مالك؟ حد ضايقك؟
هزت راسها بنفي فوضع وجهها بين يديه قائلاً بحنو:
_اومال مالك بتعيطي ليه؟
رفعت عينيها الباكية إليه وتمتمت بخفوت:
_تعبت من بعدي عنك وخلاص معدش قادرة أققاوم أكتر من كدة.
لم يقتنع بردها لكن صدق عينيها اقنعه لذا اعادها داخل أحضانه ينعم بها وبلحظاتهم.
أصبحت الحياة لا تطاق في منزله.
يفتقد كل شيء به.
وأولهم وجودها.
ضحكتها التي كانت تخصه بها.
حتى فراشه أصبح باردًا يفتقر الدفئ التي كانت تغدقه به.
لم يتحمل البقاء به ثانية واحدة وخرج متجهاً إلى منزل والدته.
ولم تحتاج أمينة لفطنة كي تعلم ما سبب وجومه.
فتحدثت بحكمة:
_ما تروحلها يا ابني وترحم نفسك من العذاب ده.
تنهد حازم ورد بسؤال:
_أقولها ايه؟
_تقولها الحقيقة تعرفها إنك بتعمل كدة لأنك خايف عليها.
أسند ظهره على ظهر الأريكة ورد:
_عرفتها يا أمي حتى لما عرفت الحقيقة برضه مش موافقة، هايدي مستحيل تجهض نفسها مهما كان السبب.
_بس لما ييجي قصاد صحتها لازم توافق.
اسمع كلامي يا ابني واقنعها بالراحة، انت لو عملت كدة غصب عنها عمرها ما هتسامحك.
تنهد حازم بتعب شديد وتمتم بألم:
_يا أمي انتي متعرفيش حاجة هايدي.
أخدت الموضوع عند قصادي يعني برضه مش هتوافق.
هزت رأسها بحيرة:
_مش عارفة اقولك ايه بس ربنا يخلف ظن الدكتور ويطلع الحمل عادي مفيش اي ضرر.
رد حازم بتمني:
_يا رب يا أمي، البيت من غير الولاد صعب أوي.
_من غير الولاد ولا من غيرها هي؟
رد حازم بتشتت:
_هكدب عليكي لو قولتلك الولاد بس، بعدها ده خلاني افتقدها بجد، صحيح الإنسان مش بيعرف قيمة اللي في ايده إلا لما يروح منه.
سألته:
_مفتقد ايه بالظبط يا حازم….مفتقدها هي نفسها ولا طلباتك اللي بتتنفذ من قبل ما تطلبها.
اسند رأسه على ظهر الأريكة ورد باعتراف:
_كل حاجة يا أمي كل حاجة.
ظلت أسيل شاردة طوال الطريق تنظر إلى الخاتم تارة وإلى النافذة تارة أخرى.
ما معنى ذلك؟
إذا كان حقاً يريد الزواج بها واستعد لذلك لما إذًا قام بذلك الفعل المشين.
اغمضت عينيها بتعب شديد وعقلها لا يستوعب كل ذلك.
تطلعت إلى الدبلة بين يدها تقلبها بحيرة وتذكرت حينما وجدته جاثيًا على الأرض يتحسسها.
إذا فقد كان يبحث عنها.
لكن لما احتفظ بها كل تلك المدة.
ولما أيضًا تذكرها الآن؟
تحسستها بأناملها وشعور غريب يجتاحها.
كم حلمت بها وكم طاقت إليها لكنه دمر كل أحلامها.
جاءتها رغبة ملحة بأن تضعها بإصبعها وتختبر ذلك الشعور.
لكن لم تستطيع فعلها.
أعادتها للحقيبة عندما توقفت السيارة أمام المنزل وترجلت منها متجهة للداخل فتتفاجئ بحازم يقف أمامها.
رمشت بعينيها وقد الجمها رؤيته في ذلك الوقت خاصة فتمتمت ليخرج صوتها مهزوزا:
_مساء الخير.
تنحى جانباً كي يجعلها تدلف فتهتز أوصالها أكثر وتدلف في استسلام.
دلف خلفها وحينها اغلق الباب وسألها بحدة:
_برضه مسمعتيش كلامي؟
ازدردت لعابها بوجل وتمتمت باعتراض:
_حازم لو سمحت أنا مش عايزة كلام تاني في الموضوع ده لأنه منتهي بالنسبة ليا، أنا هكمل للاخر عشان ابني.
_بس انت مش محتجاه في حاجة و….
قاطعته أسيل:
_ابني اللي محتاجه مش أنا، وأول ما أوصل للي أنا عايزاه مش هيشوفني تاني.
ضيق حازم عينيه بشك:
_معناه ايه كلامك ده؟
ردت بغصة:
_هاخد ابني واسافر إيطاليا عند جدي ومش هرجع هنا تاني.
اتسعت عينيه بصدمة وسألها:
_ليه؟
رفعت حاجبيها بعدم استيعاب:
_ليه؟
وانا ايه اللي شوفته هنا حلو يخليني افضل عشانه؟ أنا حياتي هنا عبارة عن صفحات كتاب سودة لو هحسب عمري بالسعادة فده معناه إني متولدتش أصلاً.
هزت راسها بآسى:
_حتى الإنسان الوحيد اللي حبيته وقلت هو عوضي عن السنين اللي عشتها في عذاب.
تطلعت لحازم وتابعت:
_لقيته هو الدمار الأكبر في حياتي….
قاطعها حازم:
_لأن أختيارك كان غلط.
_القلب مش بيختار يا دكتور حازم مش بيختار.
أرادت أسيل أن تقطع اي أمل له معها:
_ومش بيكره، لو حب مش بيكره (تابعت بصدق رغمًا عنها) حتى بعد اللي عمله فيا ده عمري ما كرهته.
رمقها بنظرة يلمؤها العتاب:
_للدرجة دي بتحبيه؟
ملئت عينيها المرارة وهي تجيب بصدق:
_كنت فاكرة إنه خرج من قلبي وأن خلاص معدش له وجود في حياتي بس أول ما شوفته اكتشفت اني كنت بضحك على نفسي الفترة دي كلها (سقطت دمعة على وجنتها مسحتها سريعًا وهي تتابع) وإني هفضل ديمًا ضعيفة قدامه فـ أفضل حل إني أهرب من هنا وأبعد يمكن اقدر أنساه.
_وأنا فين من كل ده؟ أسيل أنا….
قاطعته أسيل بثقة:
_متقولهاش لأنك عمرك ما حبتني، أنا بالنسبة ليك أختك الصغيرة اللي اتربت على ايديك وديمًا كانت بتجري وراك في كل مكان، قارن بيني وبين هايدي وفكر انت قادر تتحمل بعدها عنك؟
قادر تقعد في مكان هي مش فيه؟
فكر لو هايدي اصرت على الطلاق حياتك هتكون ازاي من غيرها وقارن.
لامست كلماته أوتار عقله وخاصة عندما تابعت:
_هتلاقي إنك سهل أوي أبعد عنك وأخرج من حياتك لكن هايدي لأ، كل الحكاية انك مدتش لنفسك فرصة تختبر مشاعرك لها.
صدقني يا حازم انا واحدة مفيش منها أمل بقايا من أسيل اللي كنت تعرفها مش أكتر.
بعد أذنك.
تركته أسيل وصعدت إلى غرفتها.
أما هو فقد أخذ يفكر في حديثها وهو يقود سيارته في سكون تام.
وانتهت مقارنته بأن لا حياة له بدون زوجته ولا أولاده.
دلفت وعد المنزل وهو خلفها وعندما أغلق الباب استدارت إليه فتمتمت بحرج:
_ثواني هغير هدومي واحضر الغدا.
منعها سليم قائلاً:
_لأ ارتاحي انتِ وهبعت أجيب أكل من المطعم.
وافقت وعد لأنها حقاً مرهقة فدلفت غرفتها وحديث إيمي يتردد بأذنها.
ماذا تفعل الآن.
لقد ظلمته كثيرًا وأخطأت بحقه لا تعرف ما عليها فعله.
هل تذهب إليه وتقص عليه ما اخبرتها به إيمي.
أم تنهي الماضي عند تلك النقطة وتطوي صفحته ببداية صفحة جديدة بعيدًا عن أوجاع الماضي.
ظلت على حالها حتى انتبهت لطرق الباب وصوت سليم يسألها بقلق:
_وعد انتِ كويسة.
مسحت دموعها سريعة وردت بثبات:
_اه كويسة، خارجة حالا.
أبدلت ملابسها وخرجت بعد قليل وهي تتهرب بعينيها بعيدًا عنه.
أكد له ارتباكها ما شك به منذ ان القت نفسها بحضنه والتمست منه الحنان لكنه تركها كي لا يضغط عليها الآن.
_الشنط في المطبخ فضيها في الاطباق لحد ما أخد شاور.
اومأت له بصمت ودلفت المطبخ تجهز الطعام وتضعه على السفرة.
خرج سليم بعد قليل وهو يتطلع إلى عينيها التي لا تقوى على النظر إليه.
جلس على مقعده وبدأ بتناول الطعام وهو يراقب شرودها حتى أخرجها منه قائلاً:
_انتِ شوفتي ايمي النهاردة؟
اهتزت نظراتها مما اكد له شكه وخاصة عندما تلعثمت قائلة:
_اه… أقصد لأ، بتسأل ليه؟
ترك الملعقة من يده وشبك يديه أمام وجهه قائلاً:
_قالتلك ايه؟
ازدردت لعابها وتمتمت بخفوت:
_مقالتش حاجة احنا كنا….
قاطعها بحدة:
_قالتلك ايه؟
اخفضت عينيها بحزن وتمتمت بصوت بالكاد يسمع:
_الحقيقة.
زم فمه قبل أن يقول بفتور:
_وليه مقولتيش؟
_منعتني اقولك.
رفعت عينيها إليه وتابعت بعتاب:
_ليه خبيت عليا وسيبتني اتهمك الاتهام ده.
التزم الصمت قليلاً وهو ينظر إلى عينيها بعتاب قاسٍ، كيف صدقت أن باستطاعته إيذاء أحد حتى يأذي أخته ثم غمغم قائلاً:
_كنت بتمنى تقبليني بعيوبي وانتظرت كتير بس محصلش، بعد أذنك.
تركها ودلف غرفته مغلقا الباب خلفه.
أما هي فأخذت تنظر في اثره وهي حائرة.
لا تعرف ماذا تفعل الآن.
هل تدلف خلفه وتعتذر منه أم تتركه قليلاً وبعدها تتحدث معه.
قامت بحمل الاطباق ووضعها بالمبرد ثم ذهبت لغرفتها.
في مكتب شاهي بالشركة.
لم يكف هاتفها عن الإتصال وكل مرة تتطلع إليه بازدراء ثم تتركه.
وعندما يأست من توقفه أجابت بفتور:
_أهلا، يا وائل خير.
رد ذلك الشخص من الجانب الآخر:
_لا مفيش انا بس قلت اباركلك على الشركة لإني عرفت بالصدفة إن حسين كتبها باسمك.
ردت بسخط:
_شيء ميخصكش وكفاية عليك أوي الفلوس اللي ببعتهالك كل شيء غير كدة متسألش.
همت بغلق الهاتف لكنه اوقفها:
_ايه حيلك كدة وبالراحة عليا، انا بس بكلمك عشان اعرفك إن بنت حسين لسة عايشة شوفتها من فترة كدة راكبة عربية بسواق إنما ايه من الآخر.
اندهشت شاهي وسألته بصدمة:
_انت بتقول ايه؟ أسيل ماتت من زمان.
_وانا بقولك عايشة ولو مش مصدقة….
قاطعته شاهي:
_ميهمنيش عايشة ولا ميتة المهم أنهم بعدوا عني وخلاص ده اللي يهمني.
أغلقت شاهي وأخذ ذلك الشخص يتطلع إلى هاتفه وهو يتمتم بوعيد:
_ماشي يا شاهي بس كله هيبقى ليا في الآخر.
في مكتب هايدي.
انتهت أخيراً من مناوبتها وهمت بالخروج من الغرفة لكنها وجدته يدلف المكتب دون استئذان:
_ازيك يا هايدي.
لم تجيبه وتوجهت إلى الباب كي تخرج لكنه منعها بأن امسك يدها قبل أن تصل للباب.
_خلينا نتكلم شوية.
هايدي برفض:
_مبقاش فيه بينا كلام يتقال.
جذبها من ذراعها ليقربها منه وتمتم بحمية:
_لأ فيه كلام كتير واعتذار أكتر.
تطلع بعينيها التي حملت حزن دفين هو السبب الرئيسي به وتابع:
_من وقت ما سيبتيني وانا بموت يا هايدي، واكتشفت إني عمري ما حبيت غيرك.
ملس بأنامله على وجنتها وتابع بهمس حميمي بجوار أذنها:
_وحشتيني أوي.
طبع قبلة أسفل أذنها يهز حصونها الرادعة ثم طبع أخرى على جانب ثغرها قبل أن تسعر بالدوار يكتنفها وصوته الهامس يقول:
_أنا آسف.
بدأ جفنيها بالتثاقل لكنها تحاول جاهدة فتحه وهي تتمتم بكلمات واهنة قبل ان يلفها الظلام:
_لأ…يا… حازم…أرجو….
رواية جبل النار الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رانيا الخولي
وقفت وعد أمام غرفته لكنها لم تملك الشجاعة للدخول إليها.
فمازال يتجنبها منذ أن علم بمقابلتها لـ إيمي.
يبدو أنها أخطأت حينما أخبرته بذلك، لكنها لا تحب الخداع، فكان عليها أن تصارحه.
هي تحبه بل تعشقه، لكن لم تنسى جبروته وهو جاذبًا أخته ويلقي بها داخل السيارة بكل عنف، وهي مستسلمة لمصير محتم بالموت.
لكنه أخلف ظنها ولم يستطع فعلها.
إذًا لم يعد ذلك عائقًا بينهما، لذا ستذهب إليه وتعتذر منه حتى يصفح عنها بعد أن عاد الأمان إلى قلبها.
بيد مترددة ضغطت على مقبض الباب ودلفت إليه، فتجده واقفًا في شرفته ينظر للأضواء بسكون تام.
أغلقت الباب خلفها وتقدمت منه تقف أمامه، لكنه لم يعيرها أي انتباه وظلت عيناه تنظر للفراغ أمامه.
"سليم."
لم يلتفت إليها، لكنها لم تيأس.
مدت يدها إلى يده التي يضعها في جيبه واحتوتها بحب بين يديها وتابعت بخفوت:
"أنا آسفة."
أخفض نظره إليها، والذي لاح به عتاب تارة، وتارة أخرى حب لن يمحيه شيء.
سألها رغم معرفته بالإجابة:
"على إيه؟"
اخفضت عينيها بإحراج:
"على أني اتهمتك..."
قاطعها بوجوم:
"وبعدين؟"
اهتزت نظراتها ولأول مرة تشعر بالجفاء بينهم.
لا، لن تيأس وستتحمل عقابه كما تحمل هو عقابها، فقالت برجاء:
"سليم خلينا ننسى اللي فات، أنا الفترة اللي فاتت دي كنت بتعذب أكتر منك، بس الموقف اللي شفته كان صعب أوي وخوفني منك."
لاح الغضب بعينيه لوهلة وهو يتذكر ذلك اليوم وكم كانت نيته قتلها بالفعل، لكنه لم يستطع.
لم يستطع قلبه فعلها، لذا كان عليه أن يخفيها بعيدًا عن الجميع وبعيدًا عنه أيضًا.
"بس أنا مغلطتش، هي كانت تستحق القتل فعلًا، كل الحكاية إني ضعفت أمامها..."
قاطعته وعد:
"ده مش ضعف، ده حب أخوي مفيش حاجة في الدنيا تقدر تغيره. اللي حصل ده أكيد غصب عنها، كان لازم تسمعها الأول وتحكم. صدقني يا سليم، محدش يعرف قيمة الأخوة غير اللي محروم منها."
حاول سليم إخفاء حنينه لأخته والذي لاحقه منذ ذلك اليوم فيزيد من عذابه أكثر، لذا غمغم بألم:
"صدقيني الموت كان أرحم لها في الوقت ده، بس مقدرتش وقتها. كنت كل ما أعاند وأضغط على نفسي عشان أعملها كنت بلاقي نفسي بضعف ومقدرش، فكان الحل الوحيد إني أبعدها. بس سبتها في إيد أمينة، عارف إنها هتحافظ عليها."
تنهد بكل التعب الذي يكتنف بداخله وتابع:
"أسيل بالنسبة ليا كانت كل حياتي، بس أنا اتعودت إني مبينش مشاعري لأني زي ما فهمت من حسين بيه، المشاعر ضعف، وأنا مكنش ينفع أبقى ضعيف لأني لو ضعفت، شاهي هتدوس عليا زي ما عملت في أسيل. كنت عايز أعمل منها سليم تاني، بس هي كانت رقيقة أوي ومعرفتش تتأقلم مع الحياة اللي عاشتها معايا، عشان كدة كان سهل أوي يضحك عليها."
سألته بحيرة:
"طيب هي فين دلوقتي؟"
تنهد بتعب وقال بتسويف:
"لسة مجاش الوقت اللي أصرح فيه بمكانها، ومن هنا لحد ما ييجي اليوم ده مش عايز أي كلام عنها، ده لمصلحتها هي."
أومأت له بتفاهم وقالت بتمني:
"بس أمتى اليوم ده هييجي؟"
ابتسم برضا على تعلقها بأسيل والتي لم تصاحبها إلا لشهرين فقط:
"قريب، قريب أوي كمان وهجبها تعيش معانا هنا."
قالت بلهفة:
"ياريت يا سليم، أسيل اتعذبت كتير أوي في حياتها وجه الوقت اللي لازم ترتاح فيه ونعوضها عن الحياة الصعبة اللي عاشتها."
أومأ لها بتمني:
"إن شاء الله."
تطلع إليها لحظات وعيناه بداخلها آلاف الأسئلة التي يريد طرحها، لكن ليس الآن.
لقد ترك لها زمام الأمور وعليها أن تخطو هي إليه.
تلاقت الأعين بحديث أبلغ من الكلام.
وبلغة لا يفهمها سواهما.
وكان مبتغاها بأنها هي من تركت بيده زمام الأمور.
كل أمورها تركتها بين يديه، فكانت الخطوة الأولى في طريقه إليها، رافعًا راية الاستسلام أمام عشق صبر كثيرًا حتى كتبه بأحرف من نور، فكان لقاءهم بالنهاية مليء بالورود وفقاعات وردية جمعتهم أخيرًا بعد ذلك الشقاء.
تحدث القلب إلى القلب.
وتلاقي المحبين يخيم على عرش حبهم فراشات ربيعهم الأول.
كانت مستسلمة له، وهو كان أحن عليها من نسمات الهواء التي اقتحمت غرفتهم والتي شهدت على لقاءهم الأول والذي أكد فيه بأنه لن يكون يومًا سببًا في إيلامها.
❈-❈-❈
قبلة ناعمة طبعها سليم على رأسها الذي تراخى على صدره العاري وسألها بحنو:
"مش هتنامي؟ انتِ عندك جامعة الصبح."
وضعت يدها على صدره وقالت برفض:
"مش هروح بكرة، وانت كمان بلاش تروح خلينا نقضي يومين مع بعض."
ابتسم سليم بحب:
"وأنا تحت أمرك، يومين كمان مش النهاردة بس."
انتبه الاثنان لصوت الباب فسألته وعد بحيرة:
"انت مستني حد؟"
هز رأسه بنفي:
"لأ، بس ممكن تكون دليدا محتاجة حاجة."
جذب قميصه ليرتديه ثم نهض متوجهًا إلى الباب ليفتحه، فيتفاجأ بأبيه أمامه.
❈-❈-❈
ظلت أسيل طوال الليل تنظر إلى الخاتم بشرود.
وتتساءل ما معنى ذلك؟
إذا كان يريد حقًا الزواج منها وانوى ذلك، فلماذا إذاً قام بفعلته؟
تذكرت حينما كان يستجديها أن توافق على الزواج منه.
فلاش باك
كانت تقف أعلى اليخت تستند على سياجه وعيناها تتطلع إلى طيور النورس ترفرف في السماء تشدو بصوتها العذب أجمل الألحان.
شعرت به يقف بجوارها فالتفتت إليه بابتسامتها التي تسحر قلبه، واندشت عندما وجدتته يرمقها بصمت أخجلها، فسألته بخجل:
"بتبصلي كدة ليه؟"
زم فمه بتردد دام للحظات وقال بخبث:
"أقولك ومتزعليش؟"
قطبت جبينها بحيرة وسألته:
"هي حاجة تزعل؟"
رد بنفي:
"لأ خالص، بس بتزعلك انتِ مش عارف ليه."
ابتسمت أسيل تطمئنه:
"بس انت عارف إني عمري ما هقدر أزعل منك."
رفع حاجبيه بمكر:
"أكيد مش هتزعلي؟"
أومأت له ببراءة، فقال هو بدهاء:
"هو حلم صغير بس بالنسبة ليا كبير أوي وهموت وأحققه."
لم تستطع ببراءتها استنتاج ما يرمي إليه.
حتى وجدته يقترب بوجهه من أذنها وقال بهمس:
"عايز بوسة."
شهقت أسيل بصدمة، وحينها تراجع هو للوراء مدعيًا البراءة:
"ايه يا سيلا بتشهقي كدة ليه؟ أنا قلت حاجة غلط؟"
رمقته بغضب وهي تسأله بغيظ:
"واللي قولته ده مش غلط؟"
هز كتفيه بعدم اهتمام:
"أنا قلت بس منفذتش، انتِ اللي مصرة تعرفي أنا ببصلك كدة ليه واديني عرفتك."
وبعدين أنا قصدي شريف، أنا بقول بوسة أخوية مش الشمال إياها."
زمت فمها بغيظ:
"والله؟"
أكد لها:
"اه طبعًا، أومال إيه، بالنسبة للشمال اللي في دماغك لأ دي أول ما نكتب الكتاب هتتنفذ فوري."
اغمضت عينيها تحاول ضبط أعصابها وقالت بحنق:
"تصدق، أنا غلطانة إني وافقت آجي معاك تاني، يلا رجعني."
رفع حاجبيه بذهول:
"أرجعك فين؟ انتِ فاكرة نفسك راكبة تاكسي، وبعدين يا قلبي أنا بس بصارحك بمشاعري وأحاسيسي ناحيتك مش أكتر."
ردت بغيظ:
"لا احتفظ بها لنفسك، متقولهاش تاني."
تحولت لهجته لتحمل مزيدًا من العشق وهو يقول:
"طيب ما انتِ نفسي، يبقى يحقلي احتفظ بيكِ ولا إيه؟"
أين لها من ذلك الماكر الذي يعرف جيدًا كيف يأسر قلبها وروحها أكثر وأكثر.
فتابع:
"ما تيجي نختار الدبل مع بعض بحيث لما باباكي يوافق نلبس على طول."
باك
عادت لواقعها وعادت معه أحزانه.
تذكرت الحب الذي كان يغدقها به.. تذكرت تلك الليلة وحالته قبل أن يعتدي عليها.
لقد دخلوا المنزل بسعادة لا توصف، ثم بعد ذلك تبدلت حالته لسكون تام قبل أن تهب عاصفتهم.
تطلعت لابنها الذي غفى بجوارها وأخذت تملس على وجنته الناعمة.
لأجله ستفعل المستحيل، وأوله أن ترضخ أمام ذلك القاسي، وبعدها ستكون المواجهة التي ستقضي عليه، وسترحل حينها دون عودة.
استيقظت في الصباح على صوت الباب.
تطلعت في ساعتها فتجد أنها الثامنة صباحًا.
تطلعت إلى مكان طفلها فلم تجده.
علمت أنه استيقظ وأخذته أمينة وهي نائمة.
نزلت للأسفل وقامت بفتح الباب فتتفاجأ بخليل أمامها.
ارتبكت أسيل وقالت بوجل لم يخفَ عليه:
"خليل بيه."
ابتسم خليل قائلاً:
"أيوه يا ستي، خليل بيه إيه مش هتقولي اتفضل."
اهتزت نظراتها وتمتمت برهبة:
"أهلاً بحضرتك، اتفضل."
دلف خليل وهو يتفحص ذلك المكان المتواضع التي تسكن به أسيل وقال:
"أنا عارف إني جيت من غير ميعاد، بس كان لازم أتكلم معاكِ بعيد عن داغر."
تطلعت أسيل إلى غرفة أمينة حيث يقبع ابنها، ثم تمتمت بارتباك:
"متقولش كده، البيت بيتك تشرف في أي وقت."
لاحظ ارتباكها والخوف الظاهر عليها، لكنه لم يعرف سببًا لذلك، وقبل أن يتحدث سبقته هي:
"ثواني هعمل لحضرتك القهوة."
أومأ لها وأسرعت هي بالدخول لغرفة أمينة فتجدها على سجادة الصلاة وإياد نائمًا على الفراش في سكون.
تنهدت براحة ثم دلفت المطبخ تعد القهوة وعادت إليه:
"اتفضل حضرتك."
أخذ منها القهوة وهو يقول:
"متشكر يا ستي، اقعدي بقا خلينا نتكلم في الموضوع اللي جاي عشانه."
انتبهت له أسيل فتابع هو:
"شوفي يا بنتي، أنا فكرت كويس ولقيت إنه انسحب حل إننا نواجهه بالحقيقة، أنا شاكك إن داغر ممكن يكون اتعاطى حاجة هي اللي وصلته لكده."
"لأ."
قالتها أسيل باقتضاب، لكنها كانت حازمة.
لن تطاوع قلبها وتبحث عن مبررات لفعلته.
لكن خليل تحدث بعقل:
"يا بنتي داغر مكنش بيبطل كلام عنك، تفتكري لو كان عايز يعمل كده من الأول إيه اللي يخليه يطلب مني نروح نخطبك؟"
ردت بعناد لقلبها الذي يؤيده:
"يمكن كانت خطة عشان يبعد أي شبهة عنه مش أكتر."
"نفترض زي ما بتقولي، وبإيدنا دلوقتي إننا نصلح اللي انكسر، ليه نعاند و..."
توقف خليل عن الحديث عندما انفتح باب الغرفة وخرجت أمينة وهي تسأل:
"مين يا بنتي اللي كان بيخبط."
نقلت أسيل نظرها بينها وبين خليل، وقبل أن تتفوه بكلمة وجدت إياد يظهر من خلف أمينة ويتقدم منها يلقي نفسه بحضنها وهو يتمتم ببراءة:
"ما..ما.."
❈-❈-❈
فتحت هايدي عينيها بتثاقل وهي تشعر بألم شديد في جوفها.
وضعت يدها عليها، لكن يد أخرى منعتها:
"متحركيش إيدك."
أغمضت عينيها بألم من سماع صوته، فهو آخر شخص تريد رؤيته.
لا تريد منه تماساً، لا تريد شيئاً سوى أن يختفي من أمامها.
جذبت يدها منه وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه، ثم تساقطت عيناها بألم وهي تتمتم بصوتها الواهن:
"اطلع برة."
تأثر حازم بدموعها حتى أنه شعر بقلبه يعتصر حزنًا عليها، فتمتم بأسف:
"اهدي يا هايدي عشان صحتك."
هزت رأسها بألم:
"اطلع برة، مش عايزة أشوفك."
أخذ نفسًا عميقًا يهدئ به مشاعره التي تثور عليه، وتمتم برجاء:
"هايدي أنا..."
قاطعته بانفعال رغم وهنها:
"قولتلك اطلع برة، مش عايزة أشوفك، اخرج من حياتي كلها."
مسح حازم على وجهه وقلبه يعتصر حزنًا عليها، ثم تمتم بروية:
"حاضر، هخرج بس اهدي."
أخذت تبكي بانهيار وتطلب منه الابتعاد عنها، فلم يجد أمامه سوى حقنها بمخدر كي تهدئ من ذلك الانهيار.
رفضت أن تستسلم له، لكنه استدعى إحدى الممرضات كي تساعده.
فهي لا تعرف أن حالها ليس أفضل من حاله، وكم صعب عليه الأمر، لكن ليس بوسعه فعل شيء.
لن يتركها تدمر حياتها ويقف مكتوف الأيدي يشاهدها وهي تقضي على حياتها أمامه.
بدأت تهدأ رويدًا حتى أغمضت عينيها ونامت.
أما هو فقد ظل بجوارها لا يستطيع مفارقتها أو ترك يدها لحظة واحدة.
كيف لم يكتشف حبه لها سوى الآن؟
كيف سمح لنفسه أن يعيش نفسه في وهم حبه لأخرى وناسيها.
هيفاء أسيل عوضته عن أخته التي فقدها في نفس عمرها، ولذلك ظن أن ما يشعر به تجاهها حب، وهو أبعد ما يكون عن ذلك.
تلك هي محبوبته الوحيدة، هكذا صرح بها قلبه وعقله، ولن يقبل بغيرها بديلاً.
ملس على وجهها وتمتم بوله:
"آسف، آسف بجد."
بعد قليل طرق الباب ودلف والديها.
اسرعت فايزة إليها:
"هايدي حبيبتي."
تطلعت لحازم بانفعال:
"انت عملت فيها إيه؟"
مسح حازم على وجهه يهدئ من أعصابه.
فرد فريد:
"عمل الصح يا فايزة، ولا كنتِ عايزاه يسيبها تموت نفسها."
ردت فايزة بحدة:
"برضاها مش غصب عنها."
(تطلعت لحازم وقالت)
"كده ضيعت آخر خيط بينكم يا حازم."
لم يستطع حازم الصمود أكثر من ذلك وانسحب بهدوء خارجًا من الغرفة والمشفى بأكمله.
لا أحد يشعر به ولا بالنار المشتعلة بداخله.
من قال إن الأمر هين عليه؟
بل أصعب منها بكثير، لكن لا يريد شيئًا سواها.
الآن فقط علم كم يعشقها.
الآن فقط بعد فوات الأوان.
ضاع كل شيء منه ولم يعد يملك شيء.
لا يوجد سوى وحدة قاتلة سيعاني منها وحيدًا.
أراد أن يصرخ ويخرج تلك النيران التي تلهب قلبه، لكن لم يعد حتى باستطاعته فعلها.
❈-❈-❈
"ماما؟"
ردد خليل الكلمة بذهول وهو يرى تلك النسخة المصغرة من ابن أخيه يتعلق في عنق أسيل، والتي بدورها اهتزت نظراتها وكأنها تريد أن تنشق الأرض وتبتلعها.
فسألها بذهول:
"الولد ده ابنك؟"
لم تستطيع أسيل النطق بحرف، فكان الصمت هو ردها الوحيد، فعاد يسألها:
"ردي عليا."
تدخلت أمينة قائلة:
"مين ده يا أسيل؟"
تطلعت إليها أمينة باستنجاد ولم تستطيع النطق، فعادت تسألها عندما وجدتها بتلك الحالة:
"في إيه؟ ردي عليا."
رد خليل باستنكار:
"ما تردي يا أسيل وقولي لها أنا مين."
اهتزت نظراتها أكثر وغمغمت بتلعثم:
"ده خليل بيه اللي بشتغل ممرضة عنده."
انقبض قلب أمينة بدوره وتطلعت إليه بتوجس:
"أهلاً وسهلاً بحضرتك، اتفضل اقعد."
نظر إلى الطفل الذي تطلع إليه ببراءة وكأنه يشاهد داغر وهو بسنه.
فقال بأمر:
"اقعدي يا أسيل خلينا نتكلم."
تطلعت إلى أمينة باستنجاد، لكنها أومأت لها بأنها بجوارها ولن تتخلى عنها.
جلسوا جميعًا، لكن إياد أخذ يتطلع إلى خليل بابتسامة شقية مما جعل خليل يبتسم له وأشار له قائلاً:
"تعالى يا حبيبي، اسمك إيه؟"
تقرب منه إياد بخطوات متعثرة، فحمله خليل وأجلسه على ساقه قائلاً:
"اسمك إيه؟"
ردت أمينة بدلاً منه:
"إياد."
"عمره قد إيه؟"
لم تستطيع أسيل التفوه بكلمة وهي ترى كل شيء ينكشف رغماً عنها، فأجابت أمينة:
"سنة وتلات شهور."
نظر إلى أسيل التي مازالت تتهرب بعينيها، ثم تحدث برتابة:
"أنا مش هقولك ليه خبيتي عليا حاجة مهمة زي دي، بس كل اللي هقوله إن كفاية أوي لحد كده وداغر لازم يعرف الحقيقة."
اتسعت عينيها بصدمة وشعرت بأن الدنيا تلتف بها، لكنها أبت أن تظهر ضعفها وقاومت كي تظل يقظة، وقالت برفض:
"مستحيل."
سألها بحيرة:
"ليه؟ ده حقه إن يعرف إن له ابن."
صرخت به أسيل وهي غير واعية:
"لأ مش من حقه، (علىٰ صوتها غير منتبهة لما تتفوه به ولا تستطيع أن تجمع الحديث) مش من حقه أبدًا بعد اللي عمله فيا، محدش أحق بيه غيري أنا."
تفاهم خليل مع عصبيتها، لكن عليه أن يكون حازمًا معها لاجل ذلك الطفل الذي شعر بالخوف وأسرع إلى أمينة يختبئ بحضنها:
"أهدي شوية عشان ابنك. وبعدين أنا عارف كل ده ومقدره، بس خليكي واقعية، انتِ قدرتي تسجلي ابنك؟"
اهتزت نظراتها، فعلم بأنه لم يسجل حتى الآن، فقال بامتعاض:
"طبعاً متسجلش."
"ومستنية إيه بقا لما يكبر ويخرج للناس ويسألوه عن أهله؟"
أشاحت بوجهها وهي تقول بتعند:
"هسجله باسمي."
رد خليل باستنكار:
"ليه؟ عشان إيه تحرميه من اسم أبوه وعيلته."
رددت جملته بتهكم:
"اسم أبوه؟ هو فين أبوه ده، ده حتى مفكرش يسأل راحت فين ولا إيه اللي حصلها."
رد خليل بثقة:
"داغر فضل شهرين بين الحياة والموت، وأول ما فاق سأل عليكي. لما طلبنا من حد يعرف لنا أخبارك قالوا إنك سافرتي ومش هترجعي تاني، أنا عارف إنه غلط وغلط كبير أوي كمان، بس هو أكيد كان ناوي يصلح غلطه، عشان كده سأل عليكي أول ما فاق."
اشتد الألم برأسها، لكن الخوف من خسارة ابنها جعلها لا تبالي به، لذا عارضت بإصرار:
"ميهمنيش كل اللي بتقوله ده، لو كان يهمني صحيح مكنش عمل فيا كده، انت متعرفش اللي حصلي بعدها ولا العذاب اللي شوفته، فأرجوك مش عايزة كلام تاني في الموضوع ده."
"بس يا بنتي، إحنا دلوقتي الظروف بتحكمنا والطفل ده له حقوق علينا لازم نلبيها مهما كانت قسوتها."
لم تلين قيد أنملة، فقال بعد تفكير:
"طيب اسمعيني في الاقتراح ده ولو مش هيعجبك ارفضيه."
❈-❈-❈
استيقظ داغر وهو يشعر بألم حاد في رأسه، وخاصة عينيه، لا يستطيع رفع جفنيه من شدة الألم.
نهض وهو يضع يده على رأسه الذي شعر به سينفجر من حدة الألم.
تحسس المنضدة بجواره، ثم ضغط على الزر فتدلف في ثواني سلوى:
"صباح الخير يا كابتن داغر."
لم يستطع فتح عينيه وقال بتعب:
"عمي صحي ولا لسة؟"
"صحي من بدري وخرج، قالي أبلغك إنك تستناه على الفطار."
"وهي جت ولا لسة؟"
ضيقت عينيها بحيرة:
"هي مين؟"
انفعل داغر ومازال يخفي عينيه بيده:
"الممرضة، هيكون مين غيرها."
"آه تقصد حور؟ لأ لسة مجتش، عايز حاجة أعملهالك؟"
رد بحنق:
"لأ، روحي انتِ."
همت بالخروج، لكنه أوقفها:
"أول ما توصل خليها تجيني."
أومأت له وأضافت:
"طيب، أنا مش هكون متواجدة النهاردة عشان هعمل أوراق السفر، وبعد أسبوع هسافر لجوزي."
زفر بضيق وسألها:
"هترجعي إمتى؟"
"بكرة إن شاء الله."
أومأ لها برأسه.
فخرجت سلوى وتركته هو بألمه الذي يكاد يفتك برأسه.
عاد يستلقي بهدوء على الفراش وضغط على ساعة يده كي يعرف الوقت.
فقد تعدت التاسعة ولم تعود حتى الآن.
هل تأخر عليها صالح أم أنها هي من أخرته؟
حاول رفع جفنه فيجد صعوبة بالغة في ذلك.
تحامل على نفسه ونهض من الفراش ليدلف المرحاض واضعاً رأسه أسفل المياه، ربما يخفف من ذلك الألم ولو قليلاً.
رفع رأسه عن المياه ثم حاول فتح عينيه، فينتفض قلبه بوجل عندما تفاجأ بضوء واهن، لكنه لم يدوم سوى لبرهة واحدة.
ازدردت وتيرة دقاته، وقد أغمض عينيه يضغط عليها بشدة، ثم فتحها بروية، لكن لم ير شيئاً.
تسارعت أنفاسه وحاول إغماض عينيه وفتحها مرة أخرى، لكن لم يتكرر ما حدث.
وازدادت حدة الألم بعينيه.
عاد يضع رأسه أسفل المياه الباردة، ربما تخفف ذلك الألم، لكن لا فائدة.
فتح عينيه على أمل أن يعاود إليه ذلك الضوء، لكن لم يتكرر.
ضرب الحوض بقبضته وهو يلعن ذلك العمى الذي دمر حياته وجعله بذلك العجز.
حياته أصبحت غير محتملة ولم يعد بوسعه الصبر أكثر من ذلك.
حتى قلبه الخائن لم يعد باستطاعته الصمود.
رغم تخليها عنه، إلا إنه ما زال يريدها ويشتاق إليها، يريد أن يبصر فقط ليرى محياها الذي مازال يشتاقه حد الجنون.
خرج من المرحاض ووقف أمام الخزانة ليخرج ملابس له ويرتديها.
غضب شديد يكتنفه من نفسه ومن كل شيء حوله.
جلس على مقعده وقد هدأ الألم قليلاً، لكن لم يهدئ غضبه.
طرق الباب فسمح للطارق بالدخول، فإذا به قلبه يهدر بعنف عندما شعر برائحتها تخترق دواخله.
كانت خطواتها رتيبة، لكنها كانت قاسية على قلبه الذي مازال عاشقًا لها.
وقفت بالقرب منه تسأله بوجوم:
"نعم؟"
رفع حاجبيه متسائلاً:
"نعم إيه؟"
حاولت الرد بثبات:
"سلوى قالتلي إن حضرتك عايزني."
تذكر ذلك بالفعل، ثم سألها:
"عمي جه ولا لسة؟"
"آه جه تحت، أحضر الفطار دلوقتي؟"
نهض داغر ليمر من جوارها متجهاً للباب:
"عشر دقايق ويكون جاهز."
نزل الدرج وشعر بخطواتها تمر من جواره تسبقه إلى الأسفل، لكن بقيت رائحتها التي حركت مشاعر بداخله، ظن لعامين أنها تلاشت من داخله، فتعيدها هي بلا رحمة.
ولا رأفة به.
ناده عمه:
"داغر تعالى، أنا هنا."
تقدم داغر من عمه الذي علم مكانه بمصدر الصوت، ثم تقدم منه ليجلس على المقعد:
"صباح الخير يا عمي."
تطلع إليه خليل بخذلان، لكنه رد بهدوء:
"صباح النور، ايدك عاملة إيه دلوقتي؟"
رد داغر بعدم اكتراث:
"كويسة."
هم داغر بسؤاله عن سبب فتره معه منذ عودته، لكن قاطعته أسيل التي تقدمت منه تقول:
"الفطار جاهز."
أومأ لها خليل وقال بحنو:
"تمام يا بنتي جايين حالاً."
انصرفت أسيل، وقال عمه:
"أنا النهاردة عندي مشوار مهم في القاهرة واحتمال أتأخر شوية، هطلب من حور تفضل موجودة لحد ما أرجع..."
تابع بتحذير:
"...بلاش تضايقها وتبطل حركاتك دي، هي مش عبدة عندك، فاهم؟"
رد داغر بكل هدوء:
"أكيد فاهم، متقلقش."
"طيب قوم خلينا نفطر لأن يادوب الحق أسافر."
نهض داغر وجلس مع عمه على السفرة، وتقدمت منه لتخبره بأماكن الطعام.
همت بالذهاب، لكن خليل أوقفها:
"استني يا حور."
التفتت إليه تسأله:
"نعم."
"النهاردة هتتأخري شوية لأن سلوى مش هتكون موجودة النهاردة وأنا مسافر ضروري وهاجي متأخر، هتستني بس لحد ما أرجع وهخلي السواق يوصلك."
اتسعت عينيها بصدمة وتطلعت إلى داغر الذي اخذ يتناول طعامه بعدم اكتراث، مما جعلها تهز رأسها بنفي وكأن المشهد سيعاد أمامها.
رواية جبل النار الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رانيا الخولي
دلفت شاهي خلف حسين وهي تنظر إلى سليم الذي الجمته الصدمة بخبث، ولما لا وقد علمت بأمر زواجه من تلك الخادمة وستكون فرصة ذهبية للخلاص منه للأبد.
"ايه يا سليم مش هتقولنا اتفضلوا؟" قال حسين بعتاب.
"بتصل عليك مش بترد قلت آجي بنفسي اشوف السبب."
اهتزت نظراته وحمحم قائلاً:
"سوري اتفضلوا."
دخل حسين وشاهي التي جلست على المقعد بأريحية، تضع قدم فوق الأخرى، وتتطلع إلى الشقة بإعجاب. وقالت بمكر:
"جميلة أوي شقتك يا سليم ومرتبة أوي، أكيد الخادمة اللي عندك ذوقها عالي أوي، أقصد نضيفة أوي."
لم يحتاج لفطنة كي يعرف إلى ما ترمي، فقال بمغزى:
"أعلىٰ مما تتخيلي."
خرجت وعد وهي تشدد من وضع المئزر حولها:
"مين يا سليم؟"
الجمتها الصدمة عندما وجدتهم جالسين في البهو، وشاهي تنظر إليها باستهزاء. أما حسين فقد اتسعت عيناه بصدمة وهو يرى أمامها وعد خارجة من غرفة ابنه، تلك الخادمة التي خرجت من الملجأ تقطن بشقة ابنه الوحيد ووريثه.
فتمتم بعدم استيعاب:
"الخدامة دي بتعمل ايه هنا؟"
تطلع إليه سليم قائلاً بحنق:
"مسمهاش خدامة."
أشار لها بالتقدم تجاهه:
"تعالي يا وعد رحبي بضيوفك، أقصد حماكي."
استمتعت شاهي بتلك المواجهة وأخذت تهز قدميها وهي تشاهد ما يحدث في سكون تام.
نهض حسين وقد تجمع غضب الدنيا أمامه وقال ساخطاً:
"انت اتجوزت دي وحطيت راسنا في الطين؟"
رد سليم بسخط مماثل:
"قولتلك ماسمهاش دي، اسمها وعد حرم سليم النعماني، أي مسمى تاني مش مقبول."
انصدم حسين من رد ابنه الذي لأول مرة يقف أمامه ويتحدث معه بتلك الطريقة:
"انت بتكلمني انا بالطريقة دي؟"
رد سليم بتحدٍ وقد انتهى ثباته الذي أجبر نفسه عليه طوال عمره، وتقدم منه ليجيب بتأكيد:
"لما تغلط في مراتي واللي شايلة اسمي واسم العيلة لازم اغلط، لما متحترمش وجودها في بيتها وتقول عليها خدامة يبقى طبيعي أرد عليك الرد ده."
أمسكه حسين من تلابيبه وصاح به بغضب:
"انت لازم تطلقها، مستحيل ولادها يشيلوا اسمي طول ما انا عايش، حتى بعد ما أموت مش هيحصل."
جذب سليم يدي حسين يبعدها عنه وقال بنفور:
"صدقني أنا نفسي مش عايز ولادي يحملوا اسمك ولا حتى أنا، عارف ليه؟"
توحشت نظرات حسين وهو يستمع له، فيتابع سليم:
"لأنه هيبقى نقطة سودة في حياتهم زي ما هو نقطة سودة في حياتي، بلاش تحسس نفسك إنك حاجة كبيرة أوي لأنك ببساطة أصغر من كده بكتير أوي، عارف ليه؟"
أشار على شاهي وتابع:
"لأنك خليت واحدة زي دي تلعب بيك وتدمر حياتك وحياة ولادك."
همت شاهي بالدفاع عن نفسها لكنه منعها بصوته الهادر:
"اخرسي ولا كلمة."
تطلع إلى والده وتابع بسخط:
"مش بس حياة ولادك، لأ دي دمرت مراتك لما عملت خطة دنيئة زيها ودخلت الراجل ده البيت."
تطلع حسين إلى شاهي التي هزت رأسها بفتور:
"محصلش."
أكد سليم بانفعال:
"لأ حصل، والشغالة اللي أكدت لجنابك إنه بيجيلها في فترة غيابك هي اللي اعترفتلي بكل حاجة قبل ما تموت، وإن دي..."
أشار على شاهي.
"...هي اللي أجبرتها تقول كده وهددتها بعيالها."
كان حسين يستمع إليه بذهول، وتابع سليم:
"دمرتنا كلنا مش بس أمي، عملت مني إنسان بارد معندوش أي مشاعر، وأكتر واحدة اتعذبت مني هي أسيل."
"فاكر أسيل؟"
"أسيل اللي خليت حياتها جحيم لدرجة إنها دورت على الحب اللي مفتقداه معانا مع حد تاني، ورغم كل ده خلتني أقتلها بإيدي."
تقدم منه خطوة ليقول بازدراء:
"مرحمتش إحساسي وقتها، ومرحمتش إنها إختي وإني هعيش حياتي كلها أتعذب على قتلي لها."
"بس لأ، مهمكش حاجة زي دي، ولا يهمك العذاب اللي عشته بعدها."
تطلع إليه بسخط وقال:
"انت إنسان تستحق بجدارة إنك تكون المغفل الوحيد في الليلة دي كلها، اللي مجرد ست قدرت تلعب بيه وتدمر حياته بالشكل ده."
كانت وعد تستمع إليه وهي تبكي بحرقة على حال حبيبها.
أما شاهي فقد أخذت حقيبتها وانسحبت بهدوء، لا تريد شيئًا بعد الآن، فقد حصلت على مبتغاها، لذا ليست خاسرة بعد تلك المواجهة.
تابع سليم:
"ودلوقتي اتفضل، لأن وجودك غير مرغوب فيه."
***
في منزل خليل، وقفت أسيل حائرة وقد طلب منها خليل أن تظل معه حتى عودته. كيف يطلب منها ذلك وهو يعلم حقيقة ما حدث منها؟
زدردت أسيل لعابها بوجل وتمتمت برهبة:
"بس حضرتك مش هقدر أتأخر عن البيت فترة طويلة و..."
قاطعها خليل برجاء:
"عارف إنه صعب، بس مش هقدر آمن حد غيرك يبقى في البيت لحد ما أرجع، واوعدك إني هرجع في أسرع وقت."
كان داغر يستمع لعمه وهو يضغط على الملعقة بغضب، فتمتم بغضب:
"عمي..."
تطلع خليل لأسيل:
"طيب اتفضلي انتِ دلوقتي."
أومأت له وذهبت، تاركة ذلك الذي يزم فمه بحنق. سأله خليل:
"في ايه؟"
رد داغر بانفعال:
"انت اللي في ايه يا عمي، انت هتترجاها عشان تقعد مع ابنك الصغير لحد ما ترجع؟"
"لأ مش بترجاها عشان تقعد معاك، بترجاها عشان تفضل في البيت، ملهاش أي علاقة بجنابك."
مسح داغر بيده على وجهه وقال باحتدام:
"برضه متترجاش حد."
لم يريد خليل الجدال معه، لذا تحدث بهدوء وهو ينهض:
"تمام، أنا ماشي دلوقتي، وبلاش أسلوبك المستفز معاها، البنت دي ممرضة مش خدامة حضرتك."
تنهد داغر بتعب وقال بروية:
"حاضر، حاجة تاني؟"
أخذ هاتفه ومفاتيحه:
"خلي بالك من نفسك."
تركه وخرج من المنزل، مما جعل داغر تتيح له الفرصة كي ينتقم برتابة استعداداً للانتقام الأكبر.
خرج خليل من المنزل فيجدها منتظرة في الحديقة، ويبدو عليها الارتباك. وفور رؤيته أسرعت إليه قائلة:
"حضرتك ازاي عايزني أفضل معاه لوحدي، مستحيل أوافق."
تعاطف خليل معها وقال بهدوء:
"انتِ خايفة من ايه؟ تفتكري واحد في ظروفه دي هيقدر يعمل حاجة؟"
ارتعشت أوصالها للذكرى وتمتمت برهبة:
"مش هيقدر، بس أنا كمان مش هقدر أفضل معاه في مكان واحد، ده إنسان..."
قاطعها خليل بحزم:
"لازم تقدري عشان نكمل الخطة اللي اتفقنا عليها، وبعدين انتِ لازم تقدري وضعي أنا ده، مهما كان ابني ومش هقبل أبداً بأي حاجة تأذيه أو حتى تأذي مشاعره."
فركت يديها ببعضها تحاول السيطرة على رجفتهم:
"اللي انت بتطلبه مني ده صعب أوي أوي."
"واللي برضه بترفضيه ده صعب أقبله، ده حفيدي اللي بتلعبوا بمستقبله ده، طالما مش عايزاه يعرف يبقى لازم تنفذي اللي اتفقنا عليه."
رمشت بعينيها وقد انتابها الخوف من القادم:
"بس... بس... أنا خايفة."
طمئنها خليل بثقة:
"قلتلك أنا معاكِ متخافيش، وبعدين دي الطريقة الوحيدة اللي نقدر نثبت بيها إياد، وكمان تكون معاكِ قسيمة جواز لو حبيتي تكملي حياتك مع حد تاني."
لاحت ابتسامة مغمزة بالمرارة وهي تتمتم:
"حد تاني؟ أنا خلاص مبقتش أنفع لحد تاني ولا تالت."
تأثر خليل بحالتها:
"والله يا بنتي أنا مش عارف أقولك إيه، بس اللي واثق منه إن داغر مش كده أبداً، واللي واثق فيه أكتر إنه حقيقي بيحبك."
تنهد وتابع:
"على العموم أنا هسافر أخلص الإجراءات والأوراق اللازمة وهرجع على طول."
أومأت له مرغمة، واستقل خليل سيارته وانطلق بها.
أما هي فقد وقفت تراقب ابتعاد السيارة وهي تخرج من البوابة الكبيرة، ثم أغلقت خلفه. وأمامها هي أيضاً، الآن أصبحت وحيدة معه، ماذا ستفعل لو انعاد من جديد؟
استدرت لتعود للداخل وهي تفكر، هل ما تفعله خطأ أم صواب؟ وإن كان ذلك، هل هو بهذه السذاجة حتى يتركها تهرب بفعلتها بعد أن يبصر ويعرف الحقيقة؟
ماذا إن عرف أن له طفل منها وقد فعلت تلك اللعبة لتسجله وتهرب به؟
ماذا إن حلقها حتى علم بمكانه؟
ماذا ستفعل حينها؟
تعبت من التفكير وقررت أن تثق في عمه كما طلب منها، ودلفت للداخل فوجدته جالساً في البهو وعينيه مصلبة على الفراغ أمامه.
لا تعرف لماذا حزن قلبها على حاله.
سمحت لنفسها أن تتطلع إليه وإلى ملامحه الواجمة، بل المخادعة، والتي ظهرت الآن على حقيقتها.
حقيقة واحدة فقط، وهي أنها عشقت من قام بذ.بحها حد الجنون.
قد تكون مشاعر متضاربة ما بين سخط عليه وبين حزناً على مصابه.
وكلاهما مشاعر تؤكد شيئاً واحد لا غيره.
أنها في النهاية هي مازالت تعشقه.
"هتفضلي واقفة بصالي كده كتير؟"
بوغتت أسيل بسؤاله واندشت كيف باستطاعته معرفة مكانها، والأدهى كيف علما أنها تنظر إليه.
تقدمت منه تسأله بثبات يتنافى تمامًا عما بداخلها من خوف:
"عايز حاجة أعملها؟"
قال بفتور وهو يضع قدم فوق الأخرى:
"السجاير فوق، هاتيها."
أومأت له رغم استيائها وصعدت لغرفته لتأتي بها، لكنها توقفت مكانها عندما عاد إليها الدوار وشعرت بأن المكان يلتف بها.
تحاملت على نفسها وأخذت تبحث عنها حتى وجدتها على المنضدة.
ازداد الألم أكثر حتى كادت تسقط أرضاً عندما هاجمها بقوة، فأسرعت بالجلوس على الفراش وأخذت تتنفس بصعوبة من شدته.
شعرت ببوادر نوبتها، لكنها قاومت.
عليها أن تظل يقظة، هي وحيدة وستكون صيدة سهلة بالنسبة لها.
أخذت تنظم أنفاسها الثقيلة وتحاملت على نفسها ونهضت مترنحة، لكن سقطت العلبة من يدها.
همت بالميل عليها لتلتقطها، لكنها كلما فعلت ذلك كلما اشتد عليها.
فقد أصبح في الآونة الأخيرة يتكرر معها هذا الأمر.
تحاملت على نفسها أكثر وخرجت بها من الغرفة.
ترجلت الدرج بأقدام متعثرة، والرؤية مشوشة، لكنها تجاهد كي تبقيها واضحة.
توجهت إليه لتناوله إياها وهي تتمتم بتيهة:
"اتفضل."
أخذها داغر وقام بإشعال واحدة منها، ينفث دخانها ببزخ، وسألها:
"كنتو عايشين فين قبل ما تسكنوا هنا من سنتين؟"
بغتت بسؤاله وقد اشتد الألم برأسها وردت بثبوت:
"كنا عايشين في القاهرة."
سعلت عندما وجدته ينفث الدخان من قربها وعاد يسأل:
"رجعوا ليه؟"
استندت على المقعد عندما هاجمها الدوار مرة أخرى وحاولت الرد برتابة كي لا يشعر بشيء:
"عادي زي أي حد بيرجع لبيته."
افترى فمه عن ابتسامة ساخرة وقال بتهكم:
"غريبة."
"هو إيه اللي غريب؟"
نهض بعد أن ألقى السيجارة على الأرض ودعسها بقدمه:
"أصل أنا برضه عملت كده، بعد ما قلت مش راجع تاني لأن مبقاش ليا حد هنا، بس الحنين اللي رجعني غصب عني."
سار بخطوات ثابتة حتى وصل للشرفة الزجاجية وتابع:
"صحيح مش شايفها بس حاسسها، كل حاجة حواليا ريحتها بتفكرني بذكريات سعيدة عشتها هنا في البيت ده، بس رغم كده تركت ندوب مستحيل حاجة تمحيها."
"عرفت إني غلطت غلط كبير أوي لما رجعت."
كانت تستمع إليه بحيرة لا تفهم ماذا يقصد. هل ضحية أخرى غيرها أم يقصدها هي ويعاتبها على ابتعادها بعد ما فعله؟
فقالت بمغزى:
"بس ذكريات السعادة عمرها ما بتترك ندوب طالما حافظنا عليها."
ابتسم بسخرية واستدار إليها قائلاً:
"عندك حق، بس لو رفضنا دخولها حياتنا من الأول كانت حاجات كتير أوي اتغيرت، ويمكن مكنتش اتعميت ولا سبت شغلي."
"يعني وجود السعادة دي في حياتي كان أكبر خطأ."
عاد الألم يقتحم رأسها بقوة فلم تعد تستطيع الثبات أكثر من ذلك.
كم تود الاستلقاء الآن، لكن هي تعلم جيدًا بأنه لن يتركها، لذا تحاملت على نفسها وسألته:
"تحب تأكل إيه على الغدا؟"
"هي الساعة كام دلوقتي؟"
تطلعت في ساعتها وردت:
"الساعة أربعة."
تحدث وهو يجلس على المقعد:
"أي حاجة، مش هيفرق النوع كله أكل في الآخر."
***
اخفضت وعد عينيها عندما رمقها حسين بسخط يليه توعد.
لكن يد سليم التي دعمتها جعلتها تخفي وجهها بحضنه.
هانتفضت بوجل عندما قام بصفق الباب بقوة.
لكنه شدد من احتضانه لها وتمتم بشغف:
"متخافيش، ده كابوس وانزاح خلاص."
رفعت وعد عينيها إليه وتمتمت بخوف:
"خايفة يبعدنا عن بعض."
ملس بأنامله على وجنتها وتمتم بثقة:
"ولا الدنيا كلها هتقدر تفرقنا عن بعض، شاهي أهم حاجة عندها إنها خلصت مننا، ميفرقش إحنا فين ولا عملنا إيه."
"أما هو مبقاش يهمني في حاجة."
تطلع إلى عينيها وتمتم بقوة:
"إنتِ مراتي غصب عن الجميع، ومفيش حاجة في الدنيا هتغير ده، فاهمة؟"
أومأت له بصمت ثم عادت تختبيء داخل أحضانه.
في أحد الفنادق، جلست شاهي وهي تضع قدم فوق الأخرى تهزها بكل أريحية.
تراقبه وهو يزرع الغرفة ذهاباً وإياباً بغضب عارم.
واستطاعت ببراعة نفي تلك التهمة التي اتهمها بها سليم.
لا يهمها سوى أنها تخلصت أخيراً منهم وبدون عودة.
فقالت بفتور:
"وبعدين يا حسين هتفضل رايح جاي كده ما تهدى بقا."
زم فمه بغضب ثم تحدث بحنق:
"ابني أنا يتجوز خدامة؟ أقول للناس إيه؟"
تلاعبت بأظافرها وهي تجيب:
"ولا حاجة، هي الناس أصلاً هتعرف منين."
نهضت لتتقدم منه وتضع راحتيها على كتفه لتنفث سمها:
"أنا كل اللي مخوفني إن كل أملكانا تروح لبنت الملاجئ، والاقيها واقفة قصادي في يوم من الأيام وتقولي إنها ليها زي ماليا وتعمل راسها براسي، ووقتها اللي ميعرفش هيعرف."
قطب جبينه بحيرة وتابعت هي:
"أنا بفكر لو ده حصل هنعمل إيه في الفضيحة دي وهنلمها إزاي، وخصوصاً إن البنت دي كانت بتظهر قدام الناس على إنها الخدامة بتاعتنا."
"فالحل هنا في إيدك."
ضيق عينيه مستفهماً:
"تقصدي إيه؟"
"أقصد إن سليم مبقاش بتاع زمان اللي ماشي على نهجك، ده بقى واحد تاني خلاص، وبكرة هيكون زي الخاتم في صباع بنت الملاجئ، وبعد عمر طويل لك هتلاقيها جاية تطالب بحق جوزها، فـ انت مش قدامك غير حل واحد..."
"هو إنك تكتب وصية إن كل حاجة هتتكتب باسمي."
تطلع إليها بشك وسألها:
"وأنا إيه اللي يخليني أعمل كده وأحرم ابني؟"
هزت كتفيها بلؤم وهي تبتعد قليلاً لتوليه ظهرها كي لا يرى الخبث بعينيها:
"ابنك واديته الفرع اللي أسسته هنا وهو كبره ودخل بيه شراكة مع شركة أكبر، وده طبعاً مش هنتكلم فيه."
استدارت إليه وتابعت:
"بس اللي هنتكلم فيه تاني وتلات هو الفيلا الكبيرة اللي والدي ووالدك الله يرحمهم عاشوا مع بعض فيها، فمتجيش واحدة تربية ملاجئ تقف قصادي وتساوي راسها براسي وتقولي أنا ليا في الفيلا دي زي ما ليكِ ولا إيه."
أقنعته بدهاءها فقال موافقاً:
"خلاص أول ما ننزل مصر هكتبلك الفيلا باسمك."
عادت شاهي لتجلس على المقعد باسترخاء، وتركته هو بصدمته.
***
استيقظت هايدي لتلاحظ أن الغرفة معتمة إلا من إضاءة خافتة.
شعرت بشيء يجثم على يدها فتطلعت بوهن إليه، فتجده نائماً على المقعد مستنداً برأسه على يدها.
رق قلبها له، لكن مازال ذلك الجرح تركه حيٌ في القلب لا يندمل.
تعلم جيداً بأنه ما فعل ذلك إلا لأجلها، لكن أن يجبرها على فعل ذلك قطع الخيط الوحيد بينهم والذي عملت كثيراً على الحفاظ عليه.
نعم مازالت تعشقه وتهيم به، لكن لن تعود إليه حتى تشفى جروحها منه.
حاولت سحب يدها بروية كي لا تقلقه، لكنه شعر بها ورفع رأسه إليها بنعاس وسألها بقلق:
"حبيبتي انتِ كويسة؟"
هزت رأسها بإيماءة خفيفة ولم تجب.
تطلع إليها لحظات يرجوها فيه أن تغفر، ثم تمتم بغصة:
"نروح بيتنا؟"
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، وقد كان الصمت أبلغ من الكلام، لكنه لم ييأس وسيتحمل كما تحملت هي من قبل.
فقال برجاء:
"البيت وحش أوي من غيرك انتِ والولاد، محتاجلك أوي يا هايدي، ارجعي عشان خاطري."
أغمضت عينيها بألم ثم تمتمت بوهن:
"مش هينفع، لأني مبقتش هايدي بتاعت زمان، مش هقدر أقدم تنازلات زي الأول ولا..."
قاطعها بإصرار:
"مش عايز تنازلات، انتقمي مني زي ما انتِ عايزة، بس وانتِ في حضني، مش بعيد عني."
هزت رأسها بألم شديد وقالت:
"قلتلك مش هينفع."
رد بإصرار نبع عن صدقه:
"هينفع وهعوضك عن كل جرح ألمتك به من غير ما أحس، بس ارجوكِ ارجعي، لأن فراقك والموت واحد."
أخذت نفس عميق تهدئ به من روعها:
"جيت متأخر يا حازم، لو كنت سمعت منك الكلام ده قبل ما يحصل اللي حصل ده كان زماني أسعد واحدة في الدنيا، بس للأسف اتأخرت أوي."
تحدث بتخبط:
"مش متأخر، بس أنا مكنتش أتخيل إن الحياة من غيرك هتكون صعبة أوي كده."
ابتسمت بمرارة:
"ودي غلطتي، فضلت أقدم وأتنازل لحد ما خليتك متحدش بأي اشتياق، ولما حسيت به كانت كل حاجة انتهت."
غمغم برجاء أقرب للتوسل:
"منتهتش يا حبيبتي، أنا هصلح كل حاجة وهعوضك عن كل اللي استه معايا."
تطلعت إليه برجاء:
"أرجوك يا حازم، سبني أرجع برغبتي، بلاش تضغط عليا، وأنا إن لقيت أي أمل لعلاقتنا هرجع معاك، بس بلاش تضغط عليا دلوقتي أرجوك."
أومأ لها مجبراً كي لا يضغط عليها الآن.
وبعدها سيفعل المستحيل كي تعود إليه.
***
مر اليوم بطيء وطلباته لا تكل حتى ازداد التعب عليها.
وضعت القهوة أمامه وهي تقول بضجر:
"حاجة تاني؟"
تحسس داغر علبة السجائر فوجد أنها قد فرغت:
"اه، هاتي علبة السجاير التانية من أوضتي، وبعدها ممكن تدخلي ترتاحي شوية."
أسدلت أسيل جفنيها بوهن وقد طفح بها الكيل منه.
بمجرد أن تحركت خطوة واحدة، زاد التعب عليها.
تمالكت نفسها وصعدت الدرج، لكنها شعرت بعينيها تهتز علامة على بوادر أزمتها، لكن تلك المرة تختلف عما قبلها.
حاولت تنظيم أنفاسها كي تمر تلك الأزمة، لكنها حقاً مؤلمة.
اشتد الدوار عليها حتى لم تتمكن من الوصول إلى درابزين الدرج لدعمها، وألم رأسه يفوق التحمل مع رغبة ملحة في التقيؤ.
همت برفع قدمها للوصول للأمان بآخر درجة، لكن قبل أن تخطوها قام الظلام بخطفها بعيداً، لتفقد الوعي، فانزلقت قدماها وتدحرج جسدها على الدرج حتى انهارت على الأرضية الصلبة بلا حراك.
انقبض قلب داغر عندما سمع ارتطام شيء ما بالأرض فنهض بقلق وهو يسألها:
"في حاجة؟"
لم يجد رد سوى الصمت.
مما جعل قلبه يهدر بعنف، ما الذي حدث؟
انتبه لآهة خافتة واختفت بعدها.
ازدادت وتيرة دقاته بخوف وتحركت قدماه يبحث عنها، لكن تاهت الأماكن من ذهنه ولم يعد يميز الخطوات.
زاد الخوف بداخله فعاد نداءه:
"في حاجة وقعت؟"
لم يجبه سوى الصمت وضربات قلبه التي ازدادت وتيرتها.
بخطوات متعثرة اخذ يتحسس الطريق إلى الدرج وقد تاه كل شيء من ذاكرته.
لا يعرف كيف الوصول إليه، ولا يعرف إن كان الطريق إليه فارغ أو أمامه أساس. فناداها ربما تجيبه:
"أسيل."
تمتم باسمها وقلبه ينفطر خوفاً عليها.
ماذا حدث لها؟ لما لا تجيبه؟
هل تآذت؟ هل أصيبت؟
خلع حذاءه كي يستطيع تمييز الطريق وسار بأقدامه العارية على الأرض الباردة يتحسس الأماكن.
كان يشعر بالتشتت وكأنه يسير في ذلك المنزل لأول مرة.
وأخذ يلعن ذلك العمى الذي جعله بذلك العجز.
أخذ يلعن ويلعن عجزه وهو يتخبط في كل ما يقابله، لا يعرف أين وجهته إلى الدرج.
حاول وحاول لكن يتوه في الأروقة ولا يعرف كيف يصل إليها.
أغمض عينيه بشدة ثم فتحها على أمل الإبصار كما قال له الطبيب، لكن لا فائدة.
فليعود فقط ولو لدقيقة واحدة يراها ويطمئن عليها.
لكن تبوء محاولته بالفشل.
سقط على ركبتيه عندما تعثر في أحد المقاعد الجانبية.
فازداد شعور العجز بداخله وأراد أن يصرخ في تلك اللحظة بكل ما أوتيّ من قوة، لكن عليه أن يصمد كي ينتبه لخطواته ويصل إليها.
نهض متثاقلاً ووقف على قدميه وأخذ يتذكر الأماكن.
يعلم أن عمه كان بتغيير كل شيء كي يسهل عليه الطريق، وحتى لا يعرف أين هو الآن.
عاد يخطو بخطوات حذرة حتى استطاع أخيراً الوصول إلى الدرج.
ازدرد جفاف حلقه عندما لامست قدمه العارية يدها الملقاة على الأرض.
جثا مسرعاً على ركبتيه ورفع ظهرها مسنداً إياها على قدمه، ثم أخذ يتحسس وجهها وهو يناديها بخوف:
"أسيل انتِ كويسة؟"
انقبض قلبه أكثر عندما شعر بمادة لزجة على جانب رأسها.
لقد أصيبت وهو وحيد في المنزل.
ماذا يفعل الآن؟
حاول الربت على وجهها:
"أسيل فوقي يا حبيبتي."
لم تجبه فازداد خوفه عليها مما جعله يحملها وينهض بها، لكنه وقف عاجزاً.
هو لم يعد يميز الطريق ولا يعرف كيف يتحرك وهو يحملها.
أغمض عينيه وقد تجمعت الدموع بها عندما عاد بها إلى الأرض محتضناً إياها بقوة.
ليس بوسعه فعل شيء، هو لا يستطيع مساعدة نفسه كي يساعد غيره حتى لو كانت حبيبته.
بكى كما لم يبكي من قبل.
وسمح لنفسه أخيراً بالانهيار.
ينهار ببكائه كما انهار كل شيء من قبل.
خسارة تليها خسارة وألم يفوقه ألم، هذه هي حياته.
الآن فقط بأمكانه أن يبكي ويصرخ، ليس على حاله فقط بل على حبيبته التي تقبع بين يديه ولا يستطيع فعل شيء لها.
رن هاتفه الذي أعلن عن اتصال من عمه.
لا يعرف ماذا يفعل.
يستطيع الوصول للهاتف وهو متتبع صوته، لكن لن يستطيع العودة إليها.
ولن يجازف ويعرضها للخطر وهو يحملها إليه.
أغمض عينيه وقد عاد الألم إليه بقوة.
ألم يفوق ما شعر به في الصباح.
لكن عليه أن يتحمله كي ينجد حبيبته.
بصعوبة بالغة قام برفع جفنيه، فتهتز أوصاله عندما لاحظ ذلك الضوء الواهن يعود من جديد.
رواية جبل النار الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رانيا الخولي
انقبض قلبه بخوف، وازداد الألم بعينيه عندما أغمضها سريعًا إثر رؤيته لذلك الضوء. يخشى أن يكررها وتفشل مثل سابقتها.
ارتعشت أوصاله، وتحلى رغم خوفه بالشجاعة عندما ضغط على عينيه. ماذا إن فتحها ولم يرى؟ تضرع إلى ربه ألا يخذله تلك المرة، وقام بفتحها ببطء.
فتتضح الرؤية شيئًا فشيئًا أمامه، وبدأ ذلك الظلام الدامس يتلاشى.
ازدرد لعابه بصعوبة، وقد أخذ وجهها يظهر بروية. رويدًا رويدًا أخذت تتضح أكثر حتى ظهرت أمامه.
هل ما يعيشه حلم أم حقيقة؟ هل عاد نظره كما عادت حبيبته؟ أم كل ذلك مجرد أوهام.
تطلع إليها بحب، وعيناه ترمقها بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب.
قطب جبينه بألم وهو يراها أخيرًا بعد ذلك الشقاء. سقطت دمعة منه على وجنتها، محاها هو بأنامله وبكل رقة، كأنه يعتذر لها على حدتها.
حملها وصعد بها الدرج، رغم أن الرؤية لم تتضح بقوة، لكنه مكتفٍ بها، لا يريد أكثر من ذلك. يكفي أنه يراها بعد مرور تلك الأعوام التي نحرته بدون رحمة.
قربها أكثر من صدره وهو يصعد الدرج بخطوات مهتزة. يخشى عليها من السقوط.
دلف غرفته ووضعها على الفراش بروية. حلم كثيرًا بتلك اللحظة الذي يحملها ويضعها على الفراش كما فعل الآن، لكن ليس هكذا ولا في مثل تلك الظروف.
أدار رأسها حتى يرى الجرح، لكن اطمأن قلبه عندما لاحظ أنه سطحي وبسيط. فتح الدرج بجوار الفراش وأخرج منه قطن ومعقم، وأخذ يعالجه.
أعاد كل شيء في موضعه، وجلس على الفراش بجوارها يتطلع إليها بمشاعر متضاربة. تارة بحب، وتارة عتاب، وتارة بلوعة، وأخرى بإدانة، تلاها اشتياق وكمد. كل المشاعر المتناقضة تجمعت بداخله.
لكن قلبه لا يبالي بكل ذلك، وأعلن بأن عشقه هو المنتصر الوحيد في تلك المعركة، وأنه ما زال عاشقًا لمعذبته.
شعر بالقلق عندما لم تعد لوعيها، فنزل للأسفل كي يبحث عن هاتفه، ثم اتصل بيحيى الذي عاد لتوه إلى منزله.
"أيوه يا داغر عامل..."
قاطعه داغر: "أيوه يا يحيى، هات دينا وتعالى دلوقتي."
دلف يحيى شقته وأغلق الباب خلفه قائلًا: "دلوقتي إيه؟ أنا لسه راجع من السفر."
تحدث داغر بضجر: "يا ابني عايزها دلوقتي..."
قاطعه يحيى بغيظ: "وأنا مالي يا عم، بقولك لسه راجع، متشوف دكتور غيرها. دا أنا بقول عليك دماغ وبتفهم. بس قولي الأول عايزها ليه."
رد داغر باقتضاب: "لما تيجي هتعرف."
أغلق داغر الهاتف دون أن يستمع رده، وصعد إليها، وما زال لا يصدق ما حدث معه حتى الآن. فتح درج المنضدة وأخرج منها نظارة سوداء وقام بارتدائها. عليه أن يظل ذلك الأمر في طي الكتمان حتى يعرف الحقيقة أولاً.
ظل يتطلع إليها وهو لا يصدق أنها عادت إليه أخيرًا. لقد ظنت أنه لم يعرفها، ولا تعرف أنه يراها بقلبه لا بعينيه. لا يحتاج لنظره كي يعرفها.
رن هاتفه، وكان المتصل يحيى. أجاب مسرعًا: "أيوه يا يحيى، انت فين؟"
"أنا تحت، انزل افتحلي لأني بخبط محدش بيرد."
أغلق الهاتف ونزل لأسفل ليفتح لهم. سألته دينا بقلق: "خير يا داغر، في إيه؟ انت كويس؟"
رد داغر بثبوت وهو يتظاهر بالعمى: "مش أنا اللي تعبان."
سأله يحيى بقلق: "يا ابني في إيه، طمنا. مين تعبان."
"خليك هنا، أنا راجعلك حالاً."
صعدت دينا معه حتى وصلت لغرفته، وحينها توقف قائلًا: "أسيل جوه، وقعت من على السلم ومن وقتها وهي فاقدة الوعي. ادخلي طمنيني عليها."
قطبت جبينها بحيرة: "أسيل؟!"
أومأ لها: "أيوه أسيل. واجل أي استفهامات دلوقتي لأن أنا معنديش إجابة ليها. طمنيني بس."
أومأت له بتعاطف ثم دخلت الغرفة. ووقف هو منتظرها بوجوم، وعينيه الغائمة تنظر إلى الفراغ أمامه. كل ما يشغله هو ما تخفيه وراءه. ماذا حدث بعد أن ذهبت معه إلى القاهرة؟ لما فجأة غاب عن الوعي ولم يفق إلا في المستشفى ضريرًا؟ وهي لما تركته؟ ولما قامت بتغيير اسمها؟ هل هربت من أهلها وتخفت بذلك الاسم؟ وحازم أيضًا، ما دوره بحياتها؟
انتبه فجأة على صوت دينا وهي تستنجد به: "داغر، تعالى بسرعة."
دلف داغر مسرعًا، وقد توقف قلبه عن النبض عندما وجد جسدها متشنجًا بصورة تدعو للذعر. لم يبالي بشيء سواها، وأسرع إليها يسألها: "في إيه، مالها؟"
تناست دينا عماه في تلك اللحظة وقالت بقلق: "معرفش، أنا فجأة لقيت جسمها بيتشنج كده. حاول تسيطر على الرجفة لحد ما أديها الحقنة دي."
اهتزت نظراته ومشاعر كثيرة متضاربة، ما بين خوفه عليها ومشاعر ستحيا ما أن يلمسها. ازدرد لعابه بصعوبة، وقد ضغط على قبضته يحاول التماسك وألا يضعف حين يلمسها.
تنهد براحة عندما هدأ جسدها وتوقف نشيجه. لكنها مصرة ألا ترحمه: "إيه يا داغر، بقولك إمسكها عشان أديها الحقنة دي."
اهتزت نظراته، وبيد مرتعشة تقدم منها، يضغط على كتفها كي يسيطر على رجفتها. وقد حدث ما كان يخشى منه، لكنه حاول السيطرة على مشاعره وانشغل مع دينا بالتحكم في حركتها حتى تنتهي من حقنها.
قالت دينا براحة عندما هدأ جسدها: "الحمد لله عدت على خير."
خرجت معه من الغرفة وهي تقول: "التشنجات اللي حصلتلها دي ملهاش علاقة بالوقعة، لأنه باين أنه مرضي. لازم تعرضها على تخصص مخ وأعصاب."
هز رأسه لها، ولم يستطع الرد من شدة الخوف التي تملكت منه. هم بتوصيلها، لكنها منعته: "أنا عارفة الطريق، خليك بجانبها لأنها هتفضل نايمة للصبح."
أومأ لها، وذهبت لزوجها الذي سألها: "أومال داغر فين؟"
"تعالى نروح وأنا هحكيلك كل حاجة."
***
عاد داغر للغرفة، وضربات قلبه تهدر بقوة. كانت كل خطوة تقربه منها تزيد من وتيرته. ولما لا وهو يراها بعد عامين وأكثر من الشقاء. كانت نائمة في سكون، وذلك الضوء الخافت بجوارها يضفي عليها سحرًا ألهم مشاعر ظن أنه تناساها. لكن يبدو أنها كانت خامدة لا أكثر، وقد عادت لتثور من جديد.
جلس على حافة الفراش وهو ما زال لا يستوعب ما حدث. عاد نظره وكذلك هي، لكن بينهم أسوار لا يمكن تخطيها. بيد مترددة وأنامل ترتعش، رفع أنامله إلى وجهها، يرفع عن عينيها تلك الخصلة التي عانى كثيرًا من تمردها. وعاد معه العذاب بأشده عندما تحسس ملمسه الناعم. وبدون إرادته، ترجلت أنامله رغماً عنه على وجنتها الرخوة، يتحسسها بشوق وحنين. أغمض عينيه عندما هاجمته تلك المشاعر وعادت من جديد تأرقه كما أرقت لياليه وجافت النوم عنه.
كم حلم بتلك اللحظة التي يراها بها على فراشه. قد جاءت، لكن ليس كما أراد، بل مرغمة. شعر برغبة ملحة بالاستلقاء بجوارها، ولم يستطع الوقوف والاعتراض أمام قلبه الذي عانى من ويلات العذاب، لذا أراد أن يريحه قليلًا. استلقى بهدوء ووضع ذراعه أسفل رأسه، يتأمل تلك الملامح التي عشقها حد النخاع. يتساءل ماذا سيفعل بعد أن عاد إليه بصره؟ هل يخبرهم ويواجهها بالحقيقة؟ أم يتريث قليلًا حتى يعرف كل شيء بنفسه. ظل يفكر حتى وصل لقرار جعله يغمض عينيه باستسلام وينام بجوارها.
***
في غرفة سليم. رفعت وعد رأسها عن صدره وتطلعت إليه، فتجده متظاهرًا بالنوم. نادته بخفوت: "سليم."
"امم."
عادت برأسها على صدره وتمتمت: "ندمان؟"
قطب جبينه بحيرة: "على إيه؟"
"إنك اتجوزتني."
أبعدها عنه قليلًا ليستلقي على جانبه وينظر إليها قائلًا: "شوفي عشان منتكلمش تاني في الموضوع ده. أنا اخترتك بإرادتي، ولو رجع بيا الزمن كنت اتجوزتك في اليوم اللي قلبي حبك فيه. مكنتش هستنى المدة دي كلها. لا أبويا ولا أي حد في الكون ده هيخليني أندم لحظة واحدة إني اتجوزتك. خليكي واثقة من حاجة زي دي لأني مش بحب أكرر كلامي، فهمتي؟"
"أنا خايفة عليك، الست دي مش سهلة وخايفة تأذيك."
ملس بابهامه على وجنتها وقال بثقة: "شاهي كل اللي يهمها الشركة والفلوس وبس. أي حاجة تانية مش هتفرق معاها، لا جوازي ولا اللي حصل مع أسيل. كل اللي يهمها إنها تبعدنا وخلاص، وطالما بعدنا مش هيفرق معاها حاجة. الشركة مكتوبة باسمها والفيلا مبقاش حد فيها غيرها، ومظنش إننا هنرجعها في يوم من الأيام، يبقى كل حاجة أصبحت ملكها."
أبعدها عنه لينهض قائلًا: "بما إننا واخدين إجازة النهارده، إيه رأيك نخرج ونقضي الليلة في فندق."
هزت رأسها بإيماءة تحمل سعادة الدنيا بداخلها، لكن نظراته تحولت لمكر وهو يحملها قائلًا: "أنا بقول نخلينا في الأوضة أحسن."
ضحكت وعد ليكتم ضحكتها بفمه الذي التهم فمها بكل الحب الذي يحمله لها.
***
استيقظت أسيل في الصباح على ألم شديد برأسها. فتحتها بتثاقل، فتتفاجئ عينيها بوجودها في ذلك المكان. نهضت مسرعة، فينقبض قلبها عندما وجدته نائمًا بجواره. ماذا حدث؟ وما الذي جاء بها إلى هنا؟ تأكدت من ملابسها قبل أن تنهض مسرعة وتخرج من الغرفة. وضعت يدها على قلبها تهدئ من نبضاته وهي مستندة بظهرها على الباب. هل غابت عن الوعي مرة أخرى؟ كل ما تتذكره صعودها على الدرج وألم شديد اجتاح رأسها. وضعت يدها مكان الألم، فتجد إصابة صغيرة خلف رأسها. لابد أنها سقطت على الدرج عندما جاءتها نوبة الإغماء. لكن من الذي جاء بها إلى غرفته؟ هو لن يستطيع فعله. من إذاً؟ ولما غرفته بالأخص؟ تذكرت طفلها وأمينة التي لابد أنها قلقت عليها.
أسرعت للمطبخ كي تبحث عن هاتفها، حتى وجدته على الطاولة. أسرعت بفتحه، فتجد اتصالات كثيرة من أمينة، فقامت بالاتصال عليها.
"إنتي فين يا أسيل ومش بتردي ليه؟"
ردت أسيل باعتذار: "غصب عني والله، حالة الإغماء جانتني تاني ومفقتش غير دلوقتي."
"اوعى يكون..."
قاطعتها أسيل بثقة: "هيعمل إيه يعني وهو بظروفه دي. أنا مش هقدر أرجع دلوقتي غير في ميعادي، متقلقيش عليا، خلي بالك من إياد."
أغلقت الهاتف قبل أن تعترض أمينة. وهمت بالخروج، لكنها تسمرت عندما وجدته أمامها.
***
دلف خليل المصنع الذي تولى إدارته، وشعور عجيب يكتنفه. هو لا يريد ذلك العمل، لكن وافق لأجل من استغاثت به. جلس على مقعده وتحدث بثبوت لمديرة مكتبه: "الأول، اسمك إيه؟"
ردت المديرة بابتسامة مجاملة: "شروق يا فندم."
"طيب يا شروق، عايزك تجمعيلي كل الملفات الموجودة حاليًا واتصلي على مدام سيلين خليها تجيني دلوقتي."
"حاضر يا فندم، تؤمر بحاجة تاني؟"
"لأ، اتفضلي انتِ."
خرجت المديرة وعادت بعد قليل وهي تحمل مع الساعي الملفات التي طلبها، ووضعتها على الطاولة: "اتفضل، دي كل الملفات الموجودة حاليًا. وفي ملفات تانية في الأرشيف تحت لو احتجتها بلغني وأنا ابعت أجيبها لحضرتك."
نهض خليل من مكتبه وتقدم من الملفات وهو يقول بثبوت: "طيب اطلبيلي فنجان قهوة، ومتدخليش حد لأي سبب، ولما مدام سيلين تيجي دخليها."
أومأت المديرة وخرجت من المكتب. ارتدى نظارته وبدأ في تصفح الملفات بدقة متناهية. واندهش من تلك الثغرات التي كانت تمر دون أن يهتموا بها. هل ذلك عن عمد أم أنهم لم يكونوا بخبرة كافية لإدارة مثل تلك المشاريع؟
طرق الباب ودخلت شروق وخلفها سيلين: "السلام عليكم."
خلع نظارته ليضعها على الطاولة أمامه ورد بترحيب: "وعليكم السلام، اتفضلي."
تطلع إلى شروق وقال: "شوفي مدام سيلين تشرب إيه."
رفضت بتهذيب: "لأ، متشكرة أوي."
أومأ لها بالانصراف، ثم تطلع إلى سيلين قائلًا: "واضح أوي إن كان فيه تلاعب جامد أوي في المصنع. ومنها مشاريع تقدري تقولي عليها وهمية، ونصب واحتيال كتير. يعني مصنع زي ده مكنش ينفع يكون بإدارة ضعيفة زي دي."
خفضت عينيها بحزن: "للأسف في الفترة الأخيرة محمد كان تعبان أوي وكان سايب الشركة أغلب الوقت للموظفين، وخصوصًا بعد سفر ولاده وتخليهم عنه."
عاد بظهره للوراء وتمتم بجدية: "على العموم، أنا عندي عرض يمكن يكون كويس ليكي لو وافقتي عليه. هيكون منفعة ليا وليكي، ولو معجبكيش في غيره مرضي برضه ليكي."
انتبهت لحديثه وسألته: "اللي هو إيه؟"
رد بثبوت: "هدفع مديونية البنك وهكون شريك معاكي. وإن رفضتي هفضل برضه معاكي، وفي خلال سنة إن شاء الله هكون سددت المديونية."
تطلعت إليه بحيرة وسألته: "بس إنت إيه اللي يخليك تدفع مبلغ كبير زي ده في مصنع محتاج وقت ومجهود عشان يقف على رجليه؟"
"شوفي عشان نكون واضحين من البداية. أنا لما قررت أسيب القضاء فكرت إني أفتح شركة صغيرة، وفعلاً كنت هبدأ أمشي في الإجراءات لحد ما حضرتك شرفتيني وحكيتيلي على ظروفك. ولما جيت واطلعت على الملفات لقيت إن المصنع ماشي كويس جدًا، بس لولا التلاعب اللي حصل فيه. أنا كان ممكن أقولك اشتغل عليه لحد ما أعوض الخسارة، بس البنك حطني هنا عشان أوقع المصنع أكتر مش عشان أوقفه على رجله من تاني، وممكن بكل سهولة يستبدلوني. وعشان كده عرضت عليكي العرض ده. ولو رفضتي ده مش هيغير أي حاجة وهفضل معاكي."
"وأنا معنديش أي مانع، بالعكس أنا مبسوطة أكتر بالعرض ده، ومن النهارده نكلم المحامي ونخليه يمشي في الإجراءات."
"لأ، مش هنتسرع. خلينا نصبر ونشوف رد فعلهم إيه الأول."
***
ازدردت جفاف حلقها عندما وجدته أمامها ويسألها بحيرة: "مين إياد ده؟"
انقبض قلبها خوفًا وحاولت أن تكون ثابتة حتى لا يشك بأمرها، وقالت: "دا... ابن... أخويا."
قطب جبينه بتذكر: "هو ده الطفل اللي كنتوا سايبينه لوحده وهو مريض؟"
اهتزت نظراتها بوجل وتمتمت برهبة: "آه هو، لأن مامته بتعدي تسيبه عندنا وهي رايحة المستشفى."
كان يتابع ملامحها التي بان عليها الخوف من خلف النظارة، وهو لا يعرف لما. فقال بأمر: "اعملي فنجان قهوة وهاتيه على المكتب."
"مش هتفطر الأول."
تطلع إليها قليلًا ثم تحدث بروية: "هستنى عمي زمانه على وصول."
تركها وسار اتجاه المكتب. أما هي فقد وضعت يدها على صدرها وتنهدت براحة. عاد رنين هاتفها، وكان تلك المرة عمه. فتحت الهاتف لتجده يقول: "أنا في الجنينة بره، اطلعي."
أغلقت الهاتف وتوجهت حيث ينتظرها خليل. وقفت أمامه وسألته بعتاب: "ليه حضرتك مجتش امبارح؟"
تنهد خليل بتعب: "كان لازم أستنى لما الورق يخلص." أخرج من سترته بعض الأوراق وتابع: "دي البطاقة وكل الأوراق اللي تثبت إنك أسيل حسين النعماني، وبرضه عملتلك جواز سفر زي ما اتفقنا. النهاردة هفاتح داغر في موضوعك بحيث إننا نكتب الكتاب آخر الأسبوع ده، وعلى يوم الأحد تسافري معاه ومنها لإيطاليا زي ما وعدتك."
أخذت منه الأوراق وهي تقول بامتنان: "متشكرة أوي لحضرتك، بس أهم حاجة ابني."
رد بثقة: "متقلقيش، أنا بنفسي اللي هوصله لحد عندك بعد ما أسجله باسم أبوه، مع إني مش موافق على اللي بتعمليه."
"أنا كمان مش موافقة حضرتك على اللي أصرت عليه، بس وافقت عشان خاطر ابني، ولولا كده مكنتش فكرت في يوم من الأيام أربط حياتي بواحد زيه بعد اللي عمله فيا."
ما زال عقله لا يستوعب ما فعله ابن أخيه، فقال بالتماس: "والله أنا لحد دلوقتي مش قادر أستوعب اللي شوفته، وبحاول أدور على أي عذر بس مش لاقي. على العموم، كل اللي يهمنا دلوقتي زي ما قولتي مصلحة الولد، وإنتي برضو هتكون معاكي قسيمة جواز." تبسم في وجهها وأردف: "يلا بقا جهزي الفطار لأني واقع من الجوع، وأنا هروح أغير هدومي وأفتح الموضوع مع داغر."
كان داغر يشاهدهم من نافذة المكتب بعينين حائرة. ما الذي بين عمه وبينها حتى يتحدثا بعيدًا هكذا؟ وما هي الأوراق التي أعطاها لها؟ ارتدى نظارته سريعًا عندما وجدهم يدلفون المنزل. عاد ليجلس على المقعد وانتظر عودة عمه. أسئلة كثيرة بداخله يريد لها إجابة.
بعد دقائق دلف خليل المكتب: "السلام عليكم."
رد داغر وهو يحاول تثبيت نظراته التي تاقت لرؤية عمه: "وعليكم السلام، قلت راجع آخر النهار، رجعت تاني يوم."
جلس خليل على المقعد قبالته: "كنت بستلم المصنع يا سيدي، ومقدرتش أرجع إلا الصبح. حتى اتصلت عليك مردتش، قلت يبقى أكيد نايم."
تذكر داغر أحداث الأمس، فظهرت ابتسامة لكنها حزينة: "كنت نايم فعلاً."
"طيب أنا كلمت الدكتور امبارح واتفقت معاه على معاد العملية، يعني هنسافر خلال الأسبوع الجاي."
توقف خليل عن الحديث عندما دلفت أسيل تقول بارتباك: "الفطار جاهز."
استطاع داغر أن يتطلع إليها بحرية من خلف نظارته، وقد رأى أخيرًا عينيها التي تاق لها عامين وأكثر. لكن لم تبقى كثيرًا وانصرفت، فتنصرف روحه معها. يبدو أن القادم أصعب بكثير.
جلس على السفرة مع عمه، وتقدمت أسيل لتضع الطعام في طبقه، فتهفو رائحتها تعطر دنيته. سقطت خصلاتها تحجب وجهها عنه، فتسلب قلبه منه عندما رفعتها لتضعها خلف أذنها بحركة عفوية منها. كانت تشرح له ما يحتويه طبقه، لكنه لم ينتبه لما تقوله، وغير مبالٍ سوى بتلك العيون الغادرة التي خدعته فيما مضى برقتها، وما زالت تفعل. تغيرت ملامحها كثيرًا، لكنها ما زالت بنفس الجمال الذي خطف أنفاسه منذ الوهلة الأولى. ونفس الملابس المحتشمة التي لا ترتدي غيرها. ابتعدت عنه، لكن ما زالت رائحتها تملأ جوارحه. لم يتخيل يومًا أن يغض نظره كما حدث الآن، فقد أعاد معه ضعفه أمامها، ولن يستطيع مجابهة ذلك القلب الغادر الذي ما زال عاشقًا لها.
أخرجه من شروده صوت عمه: "ها، قلت إيه؟"
حمحم بإحراج وسأله: "عفوًا يا عمي، كنت بتقول إيه؟"
"لأ، إنت مش معايا خالص."
قال باعتذار: "معلش سرحت شوية، كنت بتقول إيه؟"
"بكلمك عن العملية، أنا جهزت أوراق السفر وإن شاء الله هنسافر خلال الأسبوع الجاي."
شرع داغر في تناول طعامه بعد أن قال بهدوء عجيب: "بس إنت مش هتسافر معايا."
قطب جبينه بحيرة وسأله: "ليه؟"
"بكرة هتعرف، بس النهارده رايح مشوار مهم مع يحيى، ولما أرجع هعرفك ليه."
رواية جبل النار الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رانيا الخولي
انصرف داغر كي يتهرب من أسئلة عمه.
فوجد يحيى ينتظره بالسيارة أمام الباب الداخلي.
استقل مقعده وتطلع ليحيى الذي سأله:
_ها عايز تروح فين؟
ابتسم داغر وهو يتطلع إلى وجهه وتمتم بمكر وهو ينظر إلى أحمر الشفاه المطبوع على خده:
_هي ليلة امبارح كانت شديدة عليك أوي كدة ولا دي كانت اصطباحة؟
لم يفهم يحيى ما يرم إليه داغر مما جعله يتطلع في المرآة فيلاحظ أحمر الشفاه المطبوع على خده وقال باستياء:
_لا دي حاجة بريئة…….
توقف عن الحديث عندما انتبه لمغزى داغر.
فتطلع إليه بشك.
أكده داغر بأن خلع نظارته وتطلع إليه مبتسماً:
_وحشتني يا ابو دماغ تخين انت.
اتسعت عين يحيى بسعادة بالغة وسأله:
_انت….
أومأ له داغر.
فهم باحتضانه لكن داغر اوقفه:
_لأ اهدى كدة مش وقته خلينا نخرج من هنا الأول لأن محدش لسة يعرف.
قطب جبينه بحيرة وسأله:
_ليه؟ هي دي حاجة تستخبى؟
_اطلع بس وانا هفهمك في الطريق.
شغل يحيى محرك السيارة:
_ماشي لما نشوف.
❈-❈-❈
في منزل فريد.
اسرع التوأم ليحتضنوا والدهم الذي جاء لزيارتهم:
_بابا.
احتضنهم حازم بحب ثم سألهم:
_اومال ماما فين؟
رد عمر:
_ماما لسة راجعة من الشغل دلوقتى في أوضتها.
خرجت فايزة من المطبخ بابتسامة:
_اهلا يا حازم اتفضل هاأنادي لهايدي حالاً.
رفض حازم قائلاً:
_لا خليها انا هدخل لها.
اخذت فايزة الاولاد ودلفت بهم احد الغرف.
ودلف هو غرفة هايدي فيجدها جالسة أمام المرآة تمشط خصلاتها.
تلاقت الاعين بعتاب لم يلبس كثيراً.
حينما تقدم منها حازم بخطوات متمهلة يتطلع إليها باشتياق ولوعة.
يعشقها حد الجنون وهذا تأكد منه عندما طال غيابها عنه.
وتذوق مرارة الفراق.
نهضت وهي تحاول التحلي بالثبات وردع تلك المشاعر التي تحركت فور رؤيته.
لكن ضاع كل شيء حينما وجدته يتقدم منها.
وعيناه لأول مرة ترى فيهما ذلك الكم من المشاعر.
تريده وتريد العودة لمنزلها ولحياتها.
لكن يصعب عليها ذلك.
بوغتت عندما وجدته يتمتم بانفاس مضطربة:
_وحشتيني...
اهتزت نظراته وتسارعت دقاته اكثر حينما رفع أنامله إلى وجنتها يداعبها بحب ولهفة.
وتابع:
_الحياة صعبة اوي من غيرك، وعقابك خلاص مبقتش قادر اتحمله.
حاولت ايجاد صوتها فيخرج مهزوزاً بسبب مشاعرها التي تبعثرت بوجوده.
وتمتمت بتلعثم تلملم به شتاتها:
_بس ده مش عقاب ده قرار.
تقدم منها خطوة اخرى لاغي اي مسافة بينهما وقال بثبوت:
_عاقبيني زي ما انتِ عايزة بس وانتِ جانبي وقدام عيني.
تطلع إليها برجاء وتابع:
_مش قادر اكمل حياتي من غيرك، أرجوكِ يا هايدي ارجعيلي الحياة من غيرك صعبة أوي أوي.
ازدردت لعابها بصعوبة وقد أخذت قوتها تنهار تدريجياً.
أبعدت عينيها عنه كي لا تضعف أكثر من ذلك.
لكنه رفع أنامله ليضعها خلف ذقنها يعيدها إليه وتمتم بوله:
_هربتي مني ليه؟ انا بحبك.
انهارت قوتها عند سماعها تلك الكلمة وتوقفت عن التنفس للحظات عندما وجدته يميل على وجنتها يطبع قبلة حانيه عليها وصوته الرخو يتمتم:
_وحشتيني أوي..
نزلت قبلته بجانب ثغرها وتابع همسه قبل أن يأخذها في قبله اطاحت بتعقلها عرض الحائط:
_بحبك يا هايدي.
استسلمت له وهي تستمع لى إسمها الذي يردده بترقب لأي غلطة منه تقوي عزيمتها التي انهارت أمام عشقها له.
لكن لم يحدث ما تخشاه.
بدأت يده تتخذ طريق أخر جعلها تعود لرشدها وهي تتمتم باعتراض:
_حازم مينفعش ماما ممكن تدخل دلوقت.
ابعد وجهه عن عنقها لينظر إليها:
_خلاص خلينا نروح بيتنا.
ابتعدت عنه قليلًا وعينيها تهتز بارتباك:
_مش هينفع.
قطب جبينه بحيرة وسألها:
_ليه يا حبيبتي أنتِ….
قاطعته هايدي بروية:
_مش بالسهولة دي يا حازم أرجوك سيبني براحتي وانا اول ما حس إني جاهزة هرجع من نفسي بس دلوقت حقيقي صعب.
أومأ لها حازم رغم اعتراضه.
هو لن يقبل ان يضغط عليها بالرجوع يريد ان تعود إليه بإرادته.
لكن لن يمل وسيحاول بكل الطريق كي تعود إليه برضا.
طبع قبلة أخيرة على جبينها ثم تمتم بروية:
_وانا مش هيأس أبدًا.
تركها وغادر تاركاً إياها في حيرة من أمرها.
قلبها يعاند ويود الذهاب معه لكن عقلها يرفض، لم يحين الوقت بعد.
لذا كان عليها ان تتريس في قرارها كي لا تندم بعد ذلك.
❈-❈-❈
انهى داغر سرد كل شيء حدث منذ عودتها إلى الآن ويحيى يستمع إليه بذهول:
_معقول اللي بسمعه ده؟ طيب شغلها عندك ده كان صدفة ولا هي قاصدة ده؟
تنهد داغر بتعب:
_ده اللي عايز أعرفه بأي شكل، ليه سابتني وليه كدبوا وقالوا انها سافرت وليه غيرت اسمها وليه بتشتغل ممرضة، هتجنن يا يحيى هتجنن.
رأف يحيى بحالته:
_طيب اهدى وخلينا نفكر بهدوء، انت بتقول أنها كانت بتعاني في بيت باباها ممكن تكون هربت لما انت عملت حادثة وافتكرت إنك لا قدر الله حصلك حاجة ومكنتش تعرف انك لسة عايش، ولما عرفت مقدرتش تواجهك و…
توقف عندما لاحظ نظرات داغر المستنكرة فقال باستياء:
_ما انا برضه زيك مش فاهم، طيب ليه متكلمتش معها وواجهتها بالحقيقة.
تطلع للطريق أمامه وتمتم باعتراض:
_مش هينفع مش دلوقت على الاقل، اوصل للحقيقة الأول وبعدين اواجها.
_ودي هتوصلها ازاي.
_هسأل بنفسي الأول، اطلع على القاهرة.
أومأ يحيى مستسلماً وتوجه معه إلى القاهرة.
في القاهرة.
توقفت السيارة امام منزل حسين النعماني.
فسأله يحيى:
_ادينا وصلنا هتعمل ايه.
أخرج هاتفه من سترته وهو يقول بتمني:
_يارب بس تكون لسة معاهم.
انتهت المحاولة الأولى فلم ييأس وهاتفها مرة أخرى.
أجابته بارتباك:
_داغر بيه خير حضرتك؟
قال بلهجة لا تقبل نقاش:
_انا واقف برة اطلعي.
أغلق الهاتف قبل ان تعارضه وترجل من السيارة واستند على مقدمتها ينتظر خروجها.
خرجت شهد بعد قليل وهي تتلفت حولها بخوف.
تقدمت منه وهي تتمتم باعتراض:
_يا بيه انت كدة هتوديني في داهية.
سألها داغر بجمود:
_أسيل فين؟
ارتبكت الفتاة وتمتمت برهبة:
_معرفش والله ماعرف.
_قولي الحقيقة وهديكي المبلغ اللي تقولي عليه.
تطلعت بترقب خلفها ثم قالت بصدق:
_اقسملك بالله ما اعرف، انا كنت اخده أجازة ولما رجعت قالوا انها سافرت عند جدها وسليم بيه كمان سافر امريكا هو ده كل اللي اعرفه.
ضغط على فمه بحيرة ثم سألها:
_مرجعتش من وقت اللي حصل او سمعتي حد بيكلمها.
تمتمت الفتاة بتأثر:
_بصراحة محدش بيجيب سيرتها أصلاً زي ما تكون هم وانزاح عنهم، هي اصلا اترحمت منهم والعذاب اللي كانت بتشوفه معاهم.
تأكد ظنه الآن لكنه ليس كاملاً.
لذا أخرج بعض الأموال من محفظته وقدمه لها قائلاً:
_انا عايزك تبقي عيني في البيت ده لو عرفتي أي حاجة عنها عرفيني على طول، فاهمة.
أخذت شهد النقود منه وتمتمت برهبة:
_تمام.
عاد لمقعده فسأله يحيى:
_عملت ايه؟
_خلينا نرجع الاول وبعدين هحكيلك.
❈-❈-❈
عادت سلوى إلى المنزل مما جعل أسيل تستئذن بالانصراف.
وافق خليل وتركها تعود لأجل حفيده.
وجدت صالح يشير لها بالصعود للسيارة فقالت بتهذيب:
_لا خليك انت، انا هركب تاكسي.
رد صالح باصرار:
_مينفعش الكابتن داغر منبه عليا متروحيش لوحدك.
وافقت أسيل كي لا تحرجه.
ثم توجه بها إلى المنزل.
كانت تنظر من نافذة السيارة تفكر.
هل ما تفعله خطأ أم صواب.
فكرت سفرها معه لوحدها يجعلها تشعر بالرعب.
ماذا إن كررها مرة أخرى وهي هناك وحيدة لا تعرف أحد.
إذا كان الامر سينتهي خلال يومين كما أخبرها خليل فلا ضير بذلك.
ستتحمل حتى يمروا، هو بالفعل لن يستطيع ايذاءها بذلك العجز لكن أيضًا عليها أن تكون منتبهة له.
توقف السيارة أمام منزلها ولم تلاحظ تلك العيون التي تراقبها.
ترجلت من السيارة فتتفاجئ بسيارة حازم تقف أمام منزلها وهو بداخلها يتطلع إليها باستياء.
شكرت صالح بإيماءة وانتظرت حتى انصرف.
فترجل حازم بدوره وهو يتطلع إليها بامتعاض.
تقدم منها يسألها:
_برضه مصرة تكملي؟
اخفضت أسيل عينيها بإحراج:
_لو سمحت يا حازم احنا اتكلمنا في الموضوع ده كتير والنهاية بتكون واحدة، اه هكمل للآخر.
زم فمه يحاول تهدئة أعصابه وقال بروية:
_أسيل أنا خايف عليكي….
قاطعته بثقة:
_متخافش يا حازم ميقدرش يعملي حاجة انا خلاص قربت اوصل للي انا عيزاه، ووقتها هختفي من حياته نهائي.
لم يلاحظ أحد تلك القبضه التي اشتدت حتى ابيضت مفاصلها وهو يستمع إليهم بسخط.
وتوعد بالعذاب لكليهما.
انتبه فجأة على صوت ذلك الصغير:
_با..با
ازدادت وتيرة دقاته عندما استمع لصوته وكان وقع الكلمة عليه عجيب كأنه يناديه هو.
حاول النظر إليه باشتياق من خلف الجدار لكن لم يرى سوى ظهر حازم الذي أحجبه عنه وكذلك هي.
لم ينتبه لحديث حازم بل كل ما يشغله ذلك الصغير الذي خطف قلبه بشكل عجيب.
دلفوا جميعاً للداخل مما جعل نار الغيرة تشتعل بداخله.
عاد إلى السيارة وعينيه تقدح شرارًا لو خرج لأشعل كل ما حوله فقال ليحيى باقتضاب:
_أرجع على البيت.
لم يناقشه يحيى وأعاده وقام بتشغيل المحرك وانطلق بالسيارة إلى المنزل في صمت فهو يعلم تلك الحالة جيدًا.
ظل داغر ينظر من نافذة السيارة وهو يتوعد لكلاهما.
ما الذي تخطط له؟
ولما؟
إذاً عليه ان يلاعبهم كي يفشل كل مخططاتها ويواجهها بحقيقتها التي تخفيها عنه.
ترجل من السيارة دون ان يوجه كلمة إلى يحيى الذي تعاطف معه واستدار بسيارته عائدًا إلى منزلها.
خرج داغر النظارة من سترته ثم ارتداها وهو يدلف للمنزل.
تعجب عمه وهو يراه يدخل وعلامات الغضب مرتسمة على وجهه فظن خليل بأنه مقتضب من شعور العجز بداخله كلما عاد من الخارج:
_داغر.
توقف قبل ان يصعد الدرج ورد دون الالتفات إلى عمه:
_نعم.
نهض خليل ليتقدم منه قائلاً:
_خلينا نتكلم شوية.
_بعدين يا عمي.
رد خليل بحزم:
_لا دلوقت الموضوع اللي عايزك فيه مهم خلينا نتكلم وبعدين اطلع ارتاح براحتك.
وافق مجبرًا وجلس على المقعد أمام عمه والذي بدأ حديثه قائلاً:
_انا كلمت الدكتور دلوقت وخلاص هنسافر الاسبوع الجاي.
قاطعه داغر باقتضاب:
_بس انت مش هتسافر معايا.
قطب جبينه بدهشة وسأله:
_ليه؟
تطلع إليه داغر قليلًا ثم تحدث بحزم:
_هاخد الممرضة معايا.
انشرح قلب خليل قليلاً وسأله بمراوغة:
_بس هتروح معاك بصفتها ايه، أكيد أهلها مش هيوافقوا.
لاح الشك بعين داغر فقد كان يظن ان عمه سيرفض ذهابه من دونه وخاصة بتلك العملية.
هو يعلم جيدًا أن عمه ليس موضع شك.
لذا رد بهدوء يتنافى تمامًا عمّ بداخلها من غضب:
_بصفتها مراتي.
❈-❈-❈
في منزل أسيل.
انهت اعداد القهوة ثم وضعتها أمامهم وحازم ينتظر انتهاء تهربها لذا تحدث بجدية:
_ممكن بقا تفهميني ايه اللي اتفقتي عليه مع عمه؟
اهتزت نظراتها عندما وجدتهم يتطلعوا إليها منتظرين ردها.
لكنها حاولت الثبات وتمتمت برهبة:
_إني اتجوزه.
لم يفهموا شيئاً من حديثها فسألتها أمينة تستوضح حديثها:
_تتجوزي مين؟
ازدردت جفاف حلقها وردت بتيهة:
_اتجوزه هو؟
لم تفهم أمينة وسألتها بعدم استيعاب:
_تقصدي عمه؟
رفعت أسيل عينيها مسرعة:
_لأ مش عمه.
وجدت أسيل صعوبة في نطق اسمه.
لكن حازم سبقها:
_تقصدي داغر.
رمشت بعينيها وقد اخذ قلبها ينبض بقوة خشية من رد فعله فأومأت له بوجل.
وهب هو واقفاً ليقول باحتدام:
_لااا انتِ شكلك اتجننتي.
نهضت أسيل قبالته لترد بدفاع:
_متجننتش يا حازم بس مفيش حل تاني قدامي غير كدة، عمه وعدني انه هيحميني منه وهيساعدني نسجل إياد باسمه وبعدها هسافر بابني ومش هيعرف عني حاجة.
زم حازم فمه وهو يسألها بحدة:
_هو إنتِ فاكرة إن الموضوع بالسهولة دي، تقدري تعرفيني المأذون هيكتب ازاي من غير ما جنابه يعرف؟
قالت بأمل:
_اه هو وعدني أنه مش هيعرف أنه متجوز أسيل وانا بثق في عمه وعارفة انه مش هيخذلني.
_يعني ده قرارك؟
تهربت بعينيها منه وقالت بآسى:
_معنديش غيره والمفروض انت تشجعني عليه متقفش ضدي.
تطلعت إليه برجاء وتابعت:
_أرجوك يا حازم انا بجد محتجالك تقف جانبي، مينفعش يكون عمه في صفي وانت لأ، أنا مش عايزة اعيش هنا، عايزة أبعد لأن كل مكان بيفكرني به.
تطلع إليها بدهشة عندما لاحظ بعينيها عشق خفي له:
_انتِ مش بتهربي من الذكريات انتِ بتهربي من مشاعرك اللي لسة جواكي ناحيته.
لأنك ببساطة لسة بتحبيه.
تهربت بعينيها منه وقالت بنفي:
_لأ مش حقيقي.
_لأ حقيقي وده واضح أوي في عينيكي، لو نسيتيه صحيح مكنتش وافقتي على الجواز منه بعد اللي عمله.
شعرت أسيل بحشرها في الزاوية مما جعلها تكابر:
_قولتلك مش حقيقي انا منستش اللي عمله بس عشان ابني مستعدة أرمي نفسي في النار مش بس اربط نفسي به.
انا عشت حياتي كلها مجبرة مش مخيرة، والمرة الوحيدة اللي اتخيرت فيها الظروف برضه اجبرتني امشي ضد إرادتي.
تقدم منها حازم خطوة وتحدث بثقة:
_انتِ رافضة تواجهي نفسك بالحقيقة يا أسيل وهي إنك لسة بتحبيه ولو عمل معاكي اكتر من اللي عمله هتفضلي برضه تحبيه، وانا مش بلومك لأن دي حاجة مش بايدك بس بطلب منك تحكمي عقلك لأنك لما طاوعتي قلبك دمرك.
دي نصيحة أخ لأخته.
أنهى حديثه وأخذ مفاتيحه وخرج من المنزل.
تاركاً أسيل تفكر في حديثه.
هي لا تنكره لكنها تخشى من مواجهة تلك الحقيقة المرة بأن قلبها مازال عاشقًا لمعذبه ومهما فعل سيظل ذلك الحبيب الذي كان ولايزال مالكه الوحيد.
تطلعت لطفلها الذي غفى بين ذراعي أمينة والتي بدورها ترمقها بتأثر على ما تمر به ابنتها من مصاعب.
حملت أسيل طفلها وضمته لصدرها بحنو بالغ.
عليها أن تتحمل لأجله فقط بضعت أيام وبعدها ستفر هاربة من براثين معذبها ولن تعود إلى هذه البلد مرة أخرى.
❈-❈-❈
دلف داغر غرفته وعقله يكاد يجن من شدة التفكير.
لم يستطيع التوصل لشيء وكل ما عرفه هو ما أُخبر به من قبل.
هل هربت من أهلها وتخفت في شخصية حور؟
إذا كانت كذلك لما تخفي هويتها عنه؟
لما لم تخبره بأنها أسيل؟
هل تخجل من فعلتها وأنها تخلت عنه في محنته؟
وما الذي تخطط له مع ذلك المدعو حازم.
وضع رأسه بين يديه يشعر بها تتحطم من شدة التفكير.
وعمه الذي ادعم قرار زواجه منها بشكل يدعو للدهشة.
وكأنه كان ينتظر طلبه ذلك.
هل لأنه فرح بقرار الزواج نفسه؟
نفى فلم يرفض قراره حينما أخبره بأنه حبر على ورق ولن يكون زواجاً عادياً.
كان عليه ان يخفي نيته بأن تكون زوجته قولاً وفعلاً كي لا يشك أحد بما ينتوي فعله أو إلى ما يريد الوصول له.
ضغط على قبضته بعنف عندما تذكر حديثها مع هذا المدعو حازم.
اشتعلت نار الغيرة بداخله وقرر أن يهرب بها للخارج ولن يعود حتى يعرف الحقيقة.
أما هي فقد استلقت بجوار طفلها تنظر إلى ذلك الخاتم بوجوم.
رسالة عمه التي يخبرها بموافقة داغر على الزواج منها تجعلها تشعر بأنها اخطأت الأختيار منذ البداية.
وافق ان يتزوج ويعيش حياته ولم يفكر لحظة واحدة بمن تركها خلفه بمصير محتم آخره الموت.
لم تقتنع بحديث عمه وظنت انه يقول ذلك لأجل الدفاع عنه وحفظ ماء الوجه.
يومين وستكون زوجته وبعدها ستسافر معه وستظل هناك حتى ميعاد العملية وقبل أن يخرج من العمليات ستلوذ هي بالفرار إلى إيطاليا وبعدها سيعود طفلها إليها مع أمينة وسيظلوا هناك في مكان لن يعرفه مهما بحث.
❈-❈-❈
في منزل سليمان.
انتهت وعد من إعداد الغداء ودلفت غرفتها مسرعة لتبدل ملابسها قبل عودته.
وقفت امام المرآة تمشط خصلاتها وهي شاردة في ذلك الحبيب الذي وضعه القدر في طريقها كي يبدل حالها لأفضل حال.
قام بتعويضها عن كل شيء.
الأمان والحنان والعطف الذي لم تراه طوال حياتها إلا معه.
والعشق الذي كتبه على جدران قلبها بأحرف من نور.
انتبهت لصوت الباب فظنت أنها دليدا جارتهم.
جذبت الروب لترتديه وذهبت لتفتح لها لكنها تفاجئت بشاهي أمامها تتطلع إليها بتعالي.
_شاهي هانم.
رمقتها بسخرية وهي تدلف للداخل:
_اه شاهي هانم عندك مانع؟
أغلقت وعد الباب ودلفت شاهي وهي تتطلع إلى المكان قائلة:
_حلوة الشقة دي طبعاً مكنتيش تحلمي تسكني فيها بس كل شيء وراد في الزمن ده.
انهت شاهي حديثها فسألتها وعد:
_تحبي تشربي ايه؟
جلست على المقعد تضع قدم فوق الأخرى تهزها بتعالي قائلة:
_انا مش جاية اضايف هما كلمتين هقولهم وأمشي على طول لأن ميعاد الطيارة قربت.
طلعت إليها وعد تنتظر حديثها:
_طبعاً فاكرة اني جاية اقولك إزاي واحدة تربية ملاجئ تتساوى بيا وتعمل راسها براسي والكلام ده، تؤ لأن ببساطة أنا ميهمنيش أي حاجة غير إني ارجع حقي.
لا يهمني اذيت سليم ولا حتى أسيل وأكبر دليل على كلامي إني عارفة إن اسيل لسة عايشة وإن سليم معملش اللي ابوه طلبه منه بس زي ما قولتلك ميهمنيش حد غير إني أرجع ممتلكات بابا الله يرحمه.
وبما انك صاحبة الفضل عليا وبسببك خليت حسين يتنازلي عن كل حاجة فأنا هسيبك عادي مع حبيب القلب بس على شرط.
ضيقت وعد عينيها بحيرة فتابعت:
_تبعدي جوزك عني ومتخليش عقله يوزه يقف قصادي لأنه هيكون الخسران الوحيد فيها.
نهضت لتتابع وهي تحمل حقيبتها:
_انا ماشية بقا واتمنى إني مشفش حد فيكم قدامي مرة تانية.
خرجت شاهي تاركة وعد ترتعد بخوف على حبيبها.
إن علم سليم بما حدث فلن يمر الأمر مرور الكرام.
جلست على المقعد تحاول الوصول لحل.
هل تخبره وتعرضه للخطر أمام تلك البغيضة.
أم تلتزم الصمت كي تحافظ عليه من بطشها.
دلف سليم بابتسامته التي اصبحت لا تفارقه كلما رآها وقال بحب وهو يجلس بجوارها:
_مال الجميل شكله سرحان في ايه…أوعى يكون في حد غيري.
تطلعت إليه بابتسامة مشرقة أشرقت شمسه وقالت بحب:
_مستحيل اسرح في حد غيرك.
قطب جبينه بحيرة وسألها:
_اومال مالك شكلك مضايقة.
لن تستطيع اخفاء ذلك الأمر لذا عليها ان تخبره.
تبدلت ملامح سليم وهو يستمع لها بصدمة لا يتخيل ان يصل بها الطمع لتلك الدرجة.
تابعت وعد برجاء:
_أرجوك يا سليم سيبها احنا مش محتاجين….
قاطعها سليم بغضب:
_مستحيل اسيب واحدة زي دي تنصب علينا وتعدي كدة بالساهل.
وقفت وعد قبالته وقالت برجاء:
_ارجوك يا سليم بلاش تقف قصادها وبعدين متنساش ان ابوك هو اللي عمل كدة هي مضحكتش عليه.
سليم انت اتنازلت عن كل حاجة لما فكرت تسيب مصر وتعيش هنا واظن إننا مش محتاجين حاجة منهم وانا مستعدة اعيش معاك لو هموت من الجوع بس المهم اكون مطمنة عليك، عشان خاطري سيب الملك للمالك ولو هي شايفة إن ده حقها تاخده من ابوك وخلينا أحنا بعيد عن الصراعات دي أرجوك.
فكر فيا لو جرالك حاجة انا هعيش ازاي من غيرك ارجوك يا سليم.
لامس رجاءها قلبه وخاصة عندما سقطت دمعة على وجنتها أرهقت قلبه فقام بمحوها بأنامله متمتمًا بعتاب:
_قولتلك بلاش الدموع دي لأنها بتوجعني أوي.
تمتمت بتوسل:
_خلاص سيبك منها وخلينا أحنا بعيد عنها.
أومأ لها فقط كي يطمئنها لكن بداخلها ينتوي لها بأشد العقاب.
وعندما وجدها تتطلع إليه بشك مال عليها يحتضنها كي لا يسمح لها بالتفكير ولا قراءة افكاره التي تظهر أمامها ككتاب مفتوح.
رواية جبل النار الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رانيا الخولي
في الصباح، ترجلت أسيل الدرج وهي لا تعرف كيف تخبر أمينة وحازم بذلك القرار.
لقد اتصلت عليه وأخبرته بأنها تود التحدث معه، وها قد جاء دون تأخير.
تقدمت منهم وهي تقول بروية:
_ صباح الخير.
ردوا جميعاً:
_ صباح النور.
سألتها أمينة:
_ خير يا أسيل.
حاولت أسيل البحث عن صوتها، فخرج مهزوزاً وهي تقول:
_ أنا هتجوز بكرة وهسافر معاه.
قطب جبينه بحيرة وسألها:
_ اللي هو إزاي مش فاهم.
اهتزت نظراتها وتمتمت برهبة:
_ هو طلبني من عمه امبارح.
صححت سريعًا:
_ أقصد يعني إنه طلب منه يكتب صوري بس عشان أسافر معاه في العملية، وبعدها عمه هيخلص إجراءات التثبيت بطريقته، وأول ما تخلص هرجع آخد ابني وأسافر.
مسح حازم على وجهه بكفيه ثم تطلع إليها:
_ بأي اسم؟
ازدردت لعابها بوجل وتمتمت:
_ باسمي.
رفع حاجبيه متسائلاً:
_ وهو عادي كدة مش هياخد باله من الاسم؟
_ وهو هيعرف منين؟ وبعدين عمه هيظبط كل حاجة.
زم فمه كي يتحكم في أعصابه وسألها:
_ والمطلوب؟
تطلعت إليه بعتاب:
_ إنك تكون معايا يا حازم، مش معقول بعد كل ده هتسيبني دلوقتي.
تنهد بتعب، لا يعرف ماذا يفعل معها، هل يتركها لتلك المجازفة أم يحافظ على الأمانة التي تركها سليم معه بكل الطرق ويرفض ذلك القرار المتهور.
_ وإنتِ هتآمني مع نفسك معاه.
ردت بثقة:
_ ميقدرش يعمل حاجة، أنا واثقة من ده كويس، وبعدين أول ما يطلع من العمليات هكون أنا سافرت.
زفر بضيق ثم وقف وهو يسألها بثبوت:
_ أمتى؟
تهربت بعينيها بإحراج:
_ بكرة والسفر بعده.
أومأ لها رغم اعتراضه:
_ خلاص، إياد وأمي هيكونوا معايا الفترة دي لحد ما ترجعي.
تركها وغادر دون أن يضيف كلمة أخرى.
تطلعت إلى أمينة التي التزمت الصمت منذ بداية الحوار وسألتها:
_ مش هتقولي حاجة يا دادة؟
تنهدت أمينة وقالت باستسلام:
_ هقول إيه يا بنتي، المهم في الآخر مصلحة إياد، مش عايزين غير كده.
أومأت لها أسيل والتزمت الصمت بدورها.
❈-❈-❈
وقف داغر أمام المرآة وهو يعدل من رابطة عنقه.
اليوم ستكون زوجته.
ذلك الحلم الذي تمناه وحلم به كثيرًا، الآن يتحقق، لكن ليس كما تمنى.
نعم، مازال يرغبها ويريدها حد الجنون، لكن فُقد الاشتياق ولم يعد كما كان من قبل.
لكن ما يشغله حقًا أن تتزوجه بذلك الاسم الآخر.
نفى ذلك، فهي قد تعرض نفسها للمسائلة.
وإن كان باسمها الحقيقي، فإن ذلك يثبت أن عمه على دراية بحقيقتها ويخفي عليه هو أيضًا.
استبعد ذلك، فإن عمه لن يفعلها.
أخرجه من شروده صوت الباب، فقام بارتداء نظارته ثم سمح للطارق بالدخول.
دَلفت سلوى وهي تقول ببهجة:
_ خليل بيه مستنيك تحت مع المأذون.
سألها بهدوء:
_ وهي جت؟
_ آه جت مع أخوها ومستنيين حضرتك.
أومأ لها:
_ جاي حالًا.
ترجل داغر الدرج بروية، عكس قلبه الثائر الذي تلاعب الظن بداخله من جهة عمه.
وهو يشاهده يمليه بياناتها.
وها هو حازم الذي يجلس على جمر ملتهب ولم يستطيع إخفاء امتعاضه مما يحدث.
لا يعرف لما تمنى ألا يبصر في تلك اللحظة ويرى الجميع يشارك بخيانته، ضاغطين على نقطة عجزه.
تقدم منهم قائلاً وهو ينظر إلى حازم ببغض:
_ السلام عليكم.
رد الجميع السلام ما عدا حازم الذي أشاح بوجهه بعيدًا.
جلس بجوار يحيى الذي يندهش مما يحدث.
سأل المأذون:
_ مين الوكيل؟
أجاب خليل الذي جلس بجواره:
_ أنا وكيلها زي ما قولتلك.
ضغط داغر على قبضته يحاول السيطرة على أعصابه.
ويحيى الذي اندهش بدوره من موقف خليل، لكن داغر أشار له بأن يتجاهل كل شيء طالما بالنهاية ستصبح زوجته، وبعدها سيحاسب كل من قام بخداعه، لكن بتروي.
أنهى المأذون عقد القران وطلب أن تأتي كي تمضي أمامه على القسيمة.
ظهرت أمامه وهو يحاول بقدر الإمكان ألا يلتفت إليها.
جلست بجوار حازم، وكأنها تتعمد ذلك كي تتأجج نار الغيرة بداخله.
زم فمه كي يتحكم في أعصابه وألا ينهض ليلكم ذلك الوجه العابث، وأخذها من جواره.
لكنه تحكم في أعصابه التي أصبحت على وشك الانفجار، وهو يراه يقرب الورقة منها ويناولها القلم لتمضي به.
ولكن العجيب في الأمر تلك النظرة التي رمقته بها وهي تحمل عتاب قوي لا يعرف سببه.
من يعاتب من؟ وما الذي تخفيه عنه؟
أسئلة متكررة ولكن ليس لها إجابة.
والآن جاء دوره.
وضع يحيى القسيمة أمامه وتمتم بخفوت:
_ شيل عينك من عليها شوية عشان محدش يلاحظ.
ضغط على قبضته يحاول التماسك وألا يبدي شيء، عندما رأى اسمها "أسيل حسين النعماني" مدون على القسيمة.
دون إرادته رفع عينيه إلى عمه بعتاب قاسٍ.
ثم أخذ القلم ودون اسمه بجوار اسمها.
انتهى عقد القران والمأذون ومن معه خرجوا وتركوهما.
كل واحدٍ ينظر إلى الآخر ينتظر رد فعله.
لكن التزم الجميع السكون، وكأن على رؤوسهم الطير.
كل واحد منهم يخفي أمرًا عن الآخر، ولا أحد منهم يستطيع البوح به.
لكن نهوض حازم قطع ذلك السكون وهو يقول بلهجة خرجت حادة:
_ إحنا ماشيين دلوقتي.
_ على فين؟
قاطعه داغر بصوتٍ حاد جعل الجميع ينتبه له.
قال حازم بصبر نافذ:
_ مروحين، عندك مانع؟
نهض داغر وقال باحتدام:
_ مفيش خروج لها، إنما اتفضل مع السلامة.
قطب حازم جبينه بدهشة وانقبض قلب أسيل بوجل، فسأله حازم:
_ مفيش خروج إزاي مش فاهم.
رد داغر بلهجة حاول أن يكون ثابتًا:
_ هتروح فين؟ وده بيتها.
تطلعت أسيل إلى حازم تستنجد به، وقد تلاعبت بها الظنون.
تدخل خليل يهدئ من أعصابهم:
_ إيه يا داغر؟ ميعاد السفر لسة بكرة وهي لازم تروح تجهز شنطتها والصبح هنعدي عليها واحنا رايحين المطار.
رد داغر بلهجة حازمة عندما وجدها تتحامى في حازم، الذي وقف بدوره حاميًا لها، فتشنج فمه قبل أن يقول:
_ وأنا قلت مش هتخرج من هنا إلا على المطار.
هدر حازم به:
_ بصفتك إيه؟ ده مجرد جواز صوري حبر على ورق عشان بس نحلل تواجدها معاك.
سخر داغر منه وهو يضع قدم فوق أخرى:
_ ولما إنت راجل أوي كدة إزاي تسمح لأختك أنها تسافر مع واحد غريب وتضطر تمضيها على عقد صوري زي ما بتقول عشان تحلله.
انفعل حازم وهم بالرد، لكن يحيى تدخل قائلاً:
_ اهدوا يا جماعة، فيه إيه.
تطلع إلى حازم وقال بحكمة:
_ وإنت يا دكتور حازم، هي خلاص بقت مراته، حتى لو كان جواز صوري، ده أصبح جوزها ولازم تطيعه.
أصيبت أسيل بالذعر مما يحدث، فأمسكت بذراع حازم دون إرادتها، جعلت غيرته تشتعل أكثر وأصبح كبركان على وشك الانفجار.
فقال حازم بانفعال:
_ بس ده مكنش اتفاقنا من الأول.
تدخل خليل ليحسم الجدال:
_ خلاص يا دكتور حازم، الموضوع بسيط، إحنا الأوض عندنا كتير والموضوع مجرد سواد ليل مش أكتر، والصبح هيكونوا في المطار، فمفيش داعي للجدال ده.
تطلع إلى أسيل التي وقفت ترتعد وقال بهدوء:
_ وإنتِ يا حور، اطلعي أي أوضة تعجبك وباتي فيها للصبح.
_ مش هتبات غير في أوضتها.
التزم الصمت قليلًا كي يتلاعب بأعصابهم، ثم تابع بحزم:
_ اللي هي أوضتي، وكلمة زيادة هلغي كلمة صوري اللي عمالين ترددوا فيها دي وتكون مراتي شرعًا، مش معنى إني أعمى إني أسيبكم تمشوا كل حاجة على مزاجكم، هتطلع أوضتها دلوقتي تجهز شنطتي، وتبات فيها للصبح.
تسمر الجميع في أماكنهم وكأن على رؤوسهم الطير.
هزت أسيل رأسها بوجل، وكأن المشهد يعاد أمامها.
انتبه الجميع فجأة على سقوطها مغشيًا عليها.
فيسقط قلب داغر معها.
أسرع الجميع إليها، فينتفض جسد داغر من شدة الغيرة عندما حملها حازم ليضعها على الأريكة.
هم داغر بالتحرك لمنعه، لكن يحيى أوقفه:
_ اهدى يا داغر، إنت كدة هتشككهم فيك.
ضغط على قبضته بعنف حتى ابيضت مفاصله، وهو يشاهد حازم الذي جثى على ركبتيه بجوارها يسعفها.
فكانت لمساته لها تشعل النار بداخله أكثر وأكثر.
وكم كان صعبًا عليه أن يراها بتلك الحالة وجسدها ينتفض بهذه الحدة، كما حدث من قبل.
عليه أن يعرف سببًا لذلك عندما يسافرا معًا.
انتهت النوبة وهدأ تشنجها.
لكن قلبه لم يهدأ.
سأل خليل بقلق:
_ نوديها المستشفى عشان نطمن؟
رفض حازم:
_ لأ، مفيش حاجة، ده بيحصلها لما بتكون تحت ضغط، هي دلوقتي نايمة.
_ خلاص خليها هنا، مينفعش تاخدها وهي بالحالة دي.
تابع بمغزى:
_ سيبها ترتاح ومتخافش عليها.
اضطر حازم للموافقة مطمئنًا لوجود خليل معها، يعلم بأنه لن يذهب ويتركها معه لوحده.
أرمق داغر ببغض، ثم تقدم منه ليقول من بين أسنانه بتهديد:
_ لو فكرت بس تأذيها ولا تقرب منها، هتشوف مني جانب تاني خالص.
ابتسم داغر بسخرية يستفزه:
_ طبعًا مش أخوها.
تطلع إلى خليل يسأله:
_ فين الأوضة اللي هتكون فيها؟
رد خليل:
_ تعالي معايا.
حملها حازم وصعد خلف خليل تحت نظرات داغر التي تشتعل بلهيب لو خرج لأحرق المكان بمن فيه.
جلس على المقعد خلفه وهو يقول بغضب:
_ شايف.
جلس يحيى بجواره وهو يقول برتابة:
_ آه شايف، بس شايف عمايلك اللي هتكشفك قدامهم، لازم تهدى شوية ومتبينش إنك شايف حاجة لو عايز تستمر في اللي بتعمله.
هي خلاص بقت مراتك ويوم بالكتير وهتكون معها لوحدكم، وهناك واجهها بالحقيقة واعرف منها ليه اتخلت عنك في ظروفك دي.
هز رأسه بنفي وتحدث من بين أسنانه:
_ مش بالسهولة دي، لازم أندمها الأول وأعرفها إنها غلطت لما فكرت تستغفلني، وبالنسبة لعمي هيكون بينا كلام تاني، بس بعد ما أصفّي حسابي معاها وأرجع من السفر.
لم يعجبه نية داغر في معاقبة الجميع، لذا قال بحكمة:
_ داغر، أنا صاحبك وأكتر واحد خايف عليك، بلاش تعمل حاجة تندم عليها.
هز رأسه بنفي:
_ مش هندم، بس هندمهم كلهم وهتشوف.
توقف عن الحديث عندما سمعوا صوت خطوات حازم وخليل.
لم يهتم داغر بنظرات حازم له ولا يد خليل التي ربتت على حازم كأنه يتعاطف معه.
بلع تلك الغصة التي أرهقت قلبه من عمه الذي ظل عمره سندًا له، فيتعاطف الآن مع معذبيه.
لم يكن عمه موضع شك ولن يكون، ومؤكد بأن هناك شيء جعله يوافقهم على التلاعب به، وعليه أن يعرفه بأسرع وقت.
نهض يحيى قائلاً:
_ طيب، أنا ماشي عشان مسافر الصبح، لو احتاجت حاجة كملني.
أومأ له داغر واستأذن يحيى من خليل وخرج.
لم يريد داغر البقاء مع عمه، لذا استأذن بدوره وصعد للأعلى.
دلف غرفته وقام بتبديل ملابسه، ومن ثم خرج متجهاً إلى غرفتها.
فتح الباب ودلف الغرفة التي حلم كثيرًا أن يدخلها وهي معه، يحملها عروسًا له.
كل ركن بتلك الغرفة حلم بتواجدها معه، متخيلًا لحظات تجمعهم بسعادة لا توصف.
ولم يتخيل للحظة أن تجمعهما كأعداء، وكل منهم يخطط للآخر.
ذلك الفراش الذي كان شاهدًا على مدى اشتياقه لها، وتمنى أن يأتي اليوم الذي يعود من الخارج فيجدها مستلقية عليه، فينضم إليها وينعم ببحور عشقه.
لكن الآن هي نائمة مرغمة، تبغض تواجدها في مكان يجمعهم.
لم ينسى تلك الرجفة التي انتابتها فور أن أعلن عدم ذهابها.
أو فقدانها للوعي فور أن هددها بأن تكون زوجته فعلاً.
إذا كانت تبغضه كل ذلك البغض، فلماذا وافقت على الزواج منه؟
سؤال آخر انضاف للقائمة، والتي لا يعرف متى يتلقى الإجابة عليها.
الإجابة الوحيدة التي يعرفها أنه ضعيف أمام هذه الفتاة.
تنهار قوته ويهدأ جبروته عندما يراها أمامه.
كيف باستطاعته الانتقام وهو بذلك الضعف؟
دون إرادة منه وجد قدميه تسوقه إليها وانضم للفراش بجوارها، مستلقيًا على جانبه يتطلع إليها بشوق لم تمحوه السنين.
نعم، عاشق لها مهما فعلت به.
وسيظل عاشقًا مادامت به روح تنبض.
تطلع إلى وجهها الذي اشتاقه كثيرًا، رغم أنه لم يغب عن مخيلته لحظة واحدة.
رفع أنامله رغماً عنه يمررها على وجهها بشغف ووله.
كانت عيناه تجوب ملامحها بعشق جارف، يتأمل عينيها نزولًا لشفتيها التي تاق كثيرًا لشفهها.
مرر إبهامه على شفتيها الرخوة يتحسسها بشوق وحنين.
لما كان عليها أن تكون بذلك الغدر؟
لو لم تهرب منه، لكانا الآن ينعمان بعشقهما، وربما يكون بينهما طفل يزيد من ولعهما.
غلبه الشوق ووجد نفسه يميل بوجهه عليها، يطبع قبلة هادئة على جبينها.
وكأنه بذلك ملك الدنيا بأكملها، وأعلنها بكل وضوح أنه ضعيف أعزل أمام سطوة عشقها.
وضع وجهه بين ثنايا عنقها وأغمض عينيه كي ينام لأول مرة براحة واطمئنان بعد أن أصبحت زوجته.
❈-❈-❈
توقفت سيارة الأجرة أمام منزل حسين، فيترجل منها وعلامات الغضب مرتسمة على وجهه.
دلف إلى المنزل فيجد شاهي تترجل على الدرج وابتسامة ساخرة على وجهها.
_ حمد لله على السلامة.
هدر بها حسين:
_ ممكن أفهم إيه اللي عملتيه ده؟
رفعت حاجبيها تتصنع الدهشة:
_ عملت إيه يا حبيبي؟
رد ساخطاً:
_ إزاي أدخل شركتي، الأمن يمنعني ويقولي الهانم مانعة دخولك.
أومات برأسها وهي تقول بتأكيد:
_ حصل، واللي إنت متعرفوش إني منعتك برضه من دخول الفيلا، بس يظهر إن الأمن الأغبياء مأخدوش بالهم من دخولك.
اتسعت عيناه ذهولاً مما تقول وسألها:
_ إنتِ بتقولي إيه؟
تقدمت منه بثقة عندما وجدت الأمن يدلف الفيلا وقالت بفتور:
_ بقول الحقيقة، مش إنت برضه كتبتلي كل حاجة باسمي عشان الخدامة متخدش منهم حاجة؟ خلاص، لا إنت ولا الخدامة ولا ولادك هتاخدوا منهم حاجة، لإني ببساطة أخدت كل حاجة كانت لبابا، وأبوك نصب على بابا وأخدهم منه.
هو بصفعة قوية على وجهها:
_ يا واطية.
أمسكه رجال الأمن عندما هم تكملة ما بدأه فيهدر بهم حسين:
_ سيب دراعي يا حيوان منك له.
قال أحدهم:
_ آسفين يا باشا، بس حضرتك لازم تطلع معانا.
تطلعت إليه شاهي بسخط:
_ بقا بتمد إيدك عليا؟ أنا هرميك في الشارع زي الكلاب.
قالت لرجال الأمن بأمر:
_ ارموه بره وميدخلش الفيلا لو شفتوه بيموت قدامكم.
لم يصدق حسين ما يحدث ولم يتحمل عقله كل ذلك، كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده وسمح لتلك المرأة أن تدمر حياتهم.
إذا فما أخبره به سليم كان حقيقة واضحة، وهو بعماه لم يرى ذلك.
انتبه للأمن الذي يطلب منه الخروج، وقبل أن يخطوا به خطوة واحدة شعر بألم حاد في قلبه واهتزت قدماه، ثم سقط على الأرض بدون حراك.
❈-❈-❈
استيقظت أسيل وهي تشعر بألم حاد في رأسها.
فتحت عينيها أثر ذلك الطرق على الباب جعلها تنتفض مسرعة وهي تحاول استيعاب أين هي.
تذكرت ما حدث أمس عندما غابت عن الوعي.
كيف تركها حازم هنا ورحل.
فتحت الباب فتجد أمامها سلوى تسألها:
_ عاملة إيه دلوقتي يا حور.
رمشت بعينيها مرات متتالية وعقلها يستوعب ما حدث:
_ كويسة.. كويسة الحمد لله.
_ طيب كابتن داغر مستنيكي تحت عشان ميعاد الطيارة قرب.
اتسعت عين أسيل بصدمة، كيف لها أن تسافر دون أن ترى طفلها وتودعه.
خرجت من الغرفة وهي تسألها:
_ هو فين؟
اندهشت سلوى من سؤالها:
_ تحت مستنيكي.
لم تستمع إليها أسيل ونزلت إليه فتجده جالسًا على المقعد بأريحية.
تقدمت منه لتقول باندفاع:
_ أنا لازم أروح البيت حالًا.
رد باقتضاب:
_ ليه؟ شنطتك والسواق جابها، عايزة إيه من هناك؟
تطلعت إلى حقيبتها التي وضعت بجوار حقيبته، ثم قالت بإصرار:
_ هسلم على دا...
(صححت قولها)
_ على ماما قبل ما أمشي.
نهض وهو يقول بهدوء:
_ حقك برضه، بس للأسف مفيش وقت، ممكن نعدي عليها في طريقنا دا إذا أمكن.
زمت فمها بغيظ منه، وخاصة عندما تابع:
_ يلا بسرعة لو عايزة تعدي عليها.
خرجت معه وحمل صالح الحقائب ليضعها في السيارة، ثم تلى خروجهم خليل الذي أصر على أن يذهب معهم للمطار.
في السيارة.
ظلت أسيل تنظر من نافذة السيارة تفكر، هل أخطأت فيما أقدمت عليه؟
لكن لم يكن بوسعها فعل شيء سوى الزواج منه لأجل طفلها.
فهو يستحق أن تضحي بنفسها لأجلها.
أخذت تفكر في تلك الأيام التي لن تستطيع رؤيته فيها ومدى صعوبته.
لكن عليها التحمل فقط لأيام، كما وعدها عمه، وبعد تسجيل طفلها والحصول على شهادة ميلاده، حينها سينتهي كل شيء وستأخذ طفلها والهروب دون عودة.
أما هو، فقد كان يتطلع إليها بحرية من خلف نظارته ويرى شرودها منذ أن خرجوا من المنزل.
من الذي شغل تفكيرها إلى ذلك الحد.
أمر خليل السائق أن يصل بهم أولاً إلى منزلها.
فهو يعلم بأنها لن تستطيع الذهاب دون أن تودع طفلها.
توقفت السيارة أمام المنزل وترجل قلب أسيل قبل جسدها كي ترى روحها والتي ستغيب عنها.
أخذت تحتضنه وتقبله وتعتذر له ببكاء شديد، حتى شعر الطفل بالخوف وبدأ يبكي لبكائه.
تقدمت منها أمينة بتعاطف:
_ كفاية يا أسيل، الولد خاف.
مسحت دموعها سريعًا وقالت بابتسامة له:
_ معلش يا حبيبي، هما يومين بس هغيبهم عنك وهرجع على طول، ووقتها مش هسيبك لحظة واحدة.
أعادته لحضنها مرة أخرى، وكم صعب عليها تركه، لكن لابد من ذلك.
تركته بصعوبة بالغة لأمينة، ثم خرجت عندما ازداد صوت أبواق السيارة تحثها على الخروج.
فخرجت لهم ونظراتها تحمل بغض وسخط لداغر، الذي بادلها النظرات بأخرى متعجبة.
وتساءل، لما نظراتها لها دائمًا تدينه، وكأنه هو من أخطأ بحقها.
حتى عمه نظراته له تحمل عتاب قوي ولا يعرف لما.
منذ متى وهو يعاتبه في الخفاء، فقد كانت حياتهم معًا أكثر من عم وابن أخيه، بل كان دائمًا داعمه أبيه وأخيه وصديقه.
ماذا فعل حتى يستحق منهم ذلك.
لما تكالبوا عليه وكأنه مجرم والكل يعاقبه.
تطلع إليها عندما جلست بجواره وقد ارتدت نظارة سوداء مثله كي تخفي بها دموعها.
لما تلك الدموع؟
ظل يتساءل حتى وصلوا لوجهتهم.
وقفت السيارة أمام المطار وترجلوا جميعًا، إلا من داغر الذي ظل مكانه.
سأله خليل:
_ إيه يا داغر؟ منزلتش ليه.
تطلع داغر إليها وهي تقف بعيدًا تنتظر خروجهم، فقال لعمه:
_ المفروض إني واحد أعمى، والمفروض برضه إن مراته تقوم بدورها وتسانده.
علم خليل ما يود داغر الوصول له، فتقدم من أسيل قائلاً:
_ تعالي يا أسيل، خلي اليوم ده يعدي على خير.
عقدت حاجبيها بعدم فهم:
_ آجي فين؟
تنهد بتعب:
_ عايزك تكوني جنبه.
قبل أن تعترض، منعها خليل:
_ اسمعي كلامه بس لحد ما توصلوا، وهناك اعملي اللي انتِ عايزاه.
أومأت له وتقدمت من داغر وهي تتمتم بجمود:
_ اتفضل انزل.
رد داغر دون النظر إليها:
_ المفروض إن المكان مش محفوظ بالنسبة لواحد أعمى، فطبيعي إن مراته تاخد بإيده وتساعده، ولا إيه؟
زمت فمها باستياء وأرادت أن تتركه وترحل وتضرب بتعقلها عرض الحائط، لكنها أحجمت تلك الرغبة، ثم مدت يدها إليه، وحينها ظهرت ابتسامة ماكرة على فمه، ومد يده إلى يدها الرخوة يحتويها بتملك وحب.
أما هي، فقد اهتز جسدها برهبة وهي تنظر ليده التي لاقت منها قسوة لن تنساها على مر السنين.
سارت بجواره ترشده للطريق كي تنسى مداهمة تلك الذكريات لها.
أما هو، فقد كان بعالم آخر، وتلامس أيديهم أشعلت النار بداخله وأحيت بداخله مشاعر ظن يومًا أنها لم يعد لها وجود.
كان يشعر بارتجافتها، فظن أنها محرجة منه.
إذا كان ذلك سيعمل بكل الطريق كي يمحيه، وألا يجعل له وجود.
من قال إن زواجهم سيظل صوريًا؟
واهم من ظن ذلك، لكن سيشفي غليله منها، ثم يطبع ملكيته عليه.
لن ترحل بتلك السهولة التي ظنتها، بل هي ملكه ولن تكون لغيره.
وخطأها في حقه سيحاسبها عليه حتى ترضخ له ولعشقه، حينها فقط سيدخلها دنياه من جديد.
وقف خليل يتطلع إلى الطائرة التي انطلقت، فتنهد بتعب قائلاً:
_ اديني جمعتك بها، ياريت بقا تصلح غلطك وتتأسف على اللي عملته.
عاد إلى السيارة وقال لصالح:
_ اطلع بينا على القاهرة.