تحميل رواية «جبل النار» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1 - بقلم راينا الخوليترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليهلم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمهظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.قام بفتحها فتلفح وجهه نسمات الليل الآتية من البحر الهادئ ع...
رواية جبل النار الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رانيا الخولي
انقبض قلب داغر عندما وجد جسدها يهتز ثم يتشنج كما حدث من قبل.
وقبل أن تسقط أرضًا، أسرع إليها لتسقط بين يديه.
ثم حملها سريعًا ووضعها على الفراش.
خلع نظارته وألقاها جانبًا وقلبه ينتفض رعباً مع انتفاضتها.
ضغط على كتفها كي يتحكم في تشنجها، لكنها أقوى من قبله.
لم يجد أمامه سوى أن يتصل بالطبيب.
تركها واتصل على الفندق.
"أريد طبيب حالاً بغرفتي."
أغلق الهاتف دون أن يستمع لرده وعاد إليها سريعًا.
أنهى الطبيب معاينتها تحت نظرات داغر الملتاعة خوفاً عليها.
سأله الطبيب: "هل النوبة هذه تتكرر كثيراً؟"
تذكر داغر عدد المرات التي رآها، فقال بتأكيد: "نعم تحدث كثيرًا."
دون الطبيب عنوان المشفى التي يعمل بها وقال: "لن أستطيع تأكيد تلك الشكوك إلا إذا قمت بعمل فحوصات طبية لها. سأنتظرك غدًا لنعرضها على طبيب مختص لحالتها."
سأله داغر بتوجس: "هل تشك بشيء معين؟"
زم الطبيب فمه بحيرة ثم سأله: "هل تعرضت لضرب مبرح على رأسها من قبل؟"
لم يعرف داغر بماذا يجيب: "لا أعرف."
"حسناً، سنعلم كل ذلك غدًا عندما نقوم بالفحوصات."
أومأ له داغر ثم قال بروية: "لكن أريد أن يبقى ذلك في طي الكتمان، لا أريدها أن تعرف."
أومأ له الطبيب بتفاهم ثم خرج.
عاد داغر إليها وقلبه ينفطر قلقاً عليها.
جثى على ركبتيه بجوار الفراش، ثم أمسك يدها يقبلها بحب.
وقد تناسى كل شيء في تلك اللحظة.
لا يريد أن يعرف شيء سوى أنه ما زال يعشقها، ومهما فعلت به سيظل عاشقًا لها.
ملس بإبهامه على وجنتها وتمتم بوله:
"خلاص، من بعد النهاردة مفيش حاجة هتفرق بينا. بس هأجل المواجهة لحد ما أطمن عليكِ، وبعدها هحط النقط على الحروف."
كان جسدها ساكنًا يبدو عليه التعب.
فما كان منه سوى أن يستلقي بجوارها يتطلع إليها بعشق جارف.
وقد قرر أن يغتنم تلك الفرصة ويحتفظ بها إلى الأبد.
❈-❈-❈
دَلفت هايدي غرفة أمينة لتضع إياد على الفراش بعد أن نام أخيرًا.
ثم دثرته جيدًا وسألت أمينة: "محتاجة حاجة مني قبل ما أنام؟"
ابتسمت أمينة لها وقالت بمغزى: "عايزة سلامتك يا حبيبتي، روحي انتِ نامي."
أومأت لها هايدي وهمت بالخروج، لكن أمينة استوقفتها:
"هايدي، ومتطوليش في البعد لأنه عمره ما كان حل. مش بقول كدة عشان ابني، أنا بقول كدة نصيحة لبنتي."
ابتسمت لها هايدي بتفاهم وقالت بثقة: "متقلقيش، أنا عارفة بعمل إيه."
مالت على رأسها تقبلها بحب: "تصبحين على خير."
"وأنتِ من أهله."
دلفت هايدي غرفتها، فتجده جالسًا على الفراش ينتظرها.
لم تعره انتباه وتوجهت إلى الخزانة لتأخذ ملابس لها لترتديها، ودلفت المرحاض.
تركها تفعل ما تشاء، يحق لها ذلك ولن يسأم مهما فعلت.
ظل منتظرها وعينيه على باب المرحاض حتى خرجت منه.
ولم تعره انتباه.
وقفت أمام المرآة تمشط خصلاتها، تتحاشى النظر لصورته المنعكسة أمامه.
لم يعد يطيق صبرًا.
ودون إرادته وجدته يتقدم منها وهو يرى انعكاس نظراتها في المرآة، والتي ما زالت تدينه.
وضع يده على كتفها ومال على عنقها يقبله وهو يتمتم بشجن:
"وحشتيني."
ازدردت لعابها بصعوبة وعينيها تهتز أثر تلك المشاعر التي اقتحمتها.
عندما مرر أنامله على ذراعها ليصل إلى يدها كي يأخذ منها الفرشاة ويلقيها على الطاولة أمامه.
ثم جذبها لتنهض وأدارها إليه متطلعًا إلى عينيها قائلاً برجاء:
"أوعي تبعدي عني تاني، بعدك والموت واحد."
ملس بأنامله على وجنتها قبل أن يطبع قبلة ناعمة عليها.
"بحبك يا هايدي، بعشقك."
انهارت قوتها التي كانت في الأصل واهنة، لكنها قاومت عندما هم بتقبيلها.
فوضعت يدها على فمه تمنعه من الوصول إليها وقالت برفض:
"خلينا نتكلم الأول ونصفّي اللي بينا."
أومأ لها ولم يعترض، فقام بجذبها من يدها وتوجه بها إلى الأريكة وجلسا عليها ليسألها:
"قولي اللي جواكي ومتخبيش حاجة."
رمشت بعينيها وهي لا تعرف كيف تصيغ حديثها، لكنه علم بما تود التحدث بشأنه فقال بجدية:
"شوفي يا حبيبتي، أنا بابا الله يرحمه مات وأنا عمري ست سنين وحور كان عمرها سنتين. ماما اضطرت وقتها إنها تشتغل عشان تصرف علينا. فكانت بتسيبها معايا، بس أنا كنت لسه صغير ومعرفتش آخد بالي منها. كان عمرها تلات سنين لما غرقت في البحر وده لأني معرفش آخد بالي منها وأحافظ عليها. ماما مقدرتش تفضل في البيت وواحدة جارتنا كانت شغالة عند والد أسيل بس سابتهم عشان ولادها وطلبت من أمي تشتغل مكانها. والدة أسيل رحبت بينا جدًا وكانت بتعاملني زي ابنها سليم بالظبط. لما شفت أسيل كانت في الوقت ده بعمر حور، حسيت كأني شايفها قدامي. اتعلقت بيها لأنها قدرت تملى الفراغ اللي سابته حور ومحت على إحساس الندم اللي جوايا. بقيت أنا اللي بهتم بها وهي اتعلقت بيا أكتر. مكنش فيه غيرها قدامي ولا كان في غيري قدامها. كان حبنا أخوي ومتبادل، بس لما كبرت ودخلت الجامعة كان لازم أسيب الفيلا وأسكن لوحدي. وقتها حسيت بالفراغ اللي كانت هي ملياه وافتكرت وقتها إني حبيتها، وفضلت عايش في الوهم ده. ولما صارحتها بمشاعري قالت إني زي أخوها، وبعدها سافرت إيطاليا وأنا اتعرفت عليكي واتجوزنا. وفضلت معيش نفسي في الوهم ده. لما رجعت وعرفت إنها حبت، غيرت عليها كأخ حقيقي وكنت عايز أحميها منه، بس لما شفت قد إيه هي بتحبه ومتعلقة به سبتها تخوض التجربة."
تنهد بتعب وتابع:
"لحد ما جاه اليوم المشؤوم ده ولقيت سليم بيسلمهالي وبيطلب مني أخليها معايا. وطبعًا انتي عارفة الباقي. ولما سبتي البيت ومشيتي لقيت نفسي بموت حرفيًا من بعدك. وقارنت بين معزتي لأسيل وحبي ليكي."
وضع وجهها بين كفيه وتابع:
"لقيت إنك أغلى من نور عينيه، وإن بعدك والموت واحد. يعني أسيل هي العوض عن اختي، وانتي العوض عن الدنيا كلها."
لم يكن هناك شك في صدق حديثه، فافتَرت ثغرها عن ابتسامة أشرقت روحه.
فسألها بحب:
"لسة عندك شك في حبي ليكي؟"
هزت رأسها بنفي وقالت:
"بس كان غصب عني..."
قاطعها حازم:
"مش عايز أسمع حاجة عن اللي عدى، إحنا بنبدأ صفحة جديدة مع بعض، مش عايز أي حاجة تتكتب فيها غير حبنا وبس."
مال على ثغرها يقبلها بحب، ولم تعارضه، بل استسلمت له كي تتأكد بنفسها.
وقد كان لها ما أرادت وهي تسمع منه كلمات الغزل مرددًا اسمها بعشق جارف.
❈-❈-❈
استيقظت أسيل في الصباح على ألم حاد في رأسها.
وقد أصبح ملازمًا لها في الآونة الأخيرة حتى أصبح غير محتمل.
انتبهت لتلك اليد التي أحاطت خصرها بتملك، فأدارت رأسها ناحيته فتجده نائمًا بجوارها ويحيطها بذراعه.
تطلعت إليه بمشاعر مختلطة.
باشتياق تارة، وبعتاب تارة أخرى.
لكن الأقوى هو العشق الذي لازمها منذ أن رأته على الباخرة وظل يلازمها حتى الآن.
واهمة هي إن ظنت ولو لوهلة أن باستطاعتها مجابهة ذلك العشق.
ظلت تتطلع إليه وهو نائمًا بهدوء، من يراه يظنه ملاكًا لا يجرح ولا يظلم.
تصلب جسدها عندما وجدته يتمتم باسمها:
"أسيل."
تصلب جسدها وازدادت وتيرة دقاتها لسماعها اسمها من بين شفتيه، وهي ظنت أنه محاها من حياته.
تجمعت العبرات بعينيها وهي تنظر إليه، وقد عاد أمامها ذلك المحب الذي أطربها بأجمل الكلمات.
ليته يعود ويمحي ذلك المتجبر الذي أصبح عليه الآن.
أغمضت عينيها تتظاهر بالنوم عندما وجدته يتحرك في الفراش.
لم تبالي بمسح دموعها، هو عامة لن يراها.
لكن من قال ذلك؟ وقد فتح عينيها ليرى تلك الدموع التي بللت وجهها.
علم أنها مستيقظة وتتظاهر بالنوم، وكم أراد أن يمحي تلك الدموع، لكنه أحجم تلك الرغبة وظل يتطلع إليها للحظات.
وقد تلاشى كل شيء من داخله ولم يبق سوى الحب.
اليوم سيأخذها ليطمئن عليها، وبعدها لن يتركها لحظة واحدة.
نهض من الفراش وتوجه إلى المرحاض كي يتركها تنهض وتمحو دموعها.
وما إن أغلق الباب حتى نهضت لتمسح دموعها وتلعن ذلك القدر الذي جعلها تعشق مهلكها دون عن باقي البشر.
نعم، ما زالت تحبه وما زال القلب ينبض فقط لعشقه.
لم تستطع وقف دموعها، بل شعرت بها تزداد حتى وصلت للنحيب الذي تحاول كتمه بشتى الطرق.
وهو بالداخل يستمع لبكاءها المكتوم بقلب ينفطر ألمًا عليه.
لما هذا البكاء؟
هل تبكي لأنها اقترنت به؟ أم لأنها ندمت على تركها له وتريد العودة له؟
كلاهما ينكوي بنار الفراق، وكلاهما يعاتب كلاً منهم الآخر، لكن في صمت مطبق.
ظل داخل المرحاض حتى هدأت نحيبها واستكان الهدوء في الغرفة.
خرج وهو يحاول بصعوبة أن يبعد عينيه عنها، وتكتشف أنه عاد يبصر من جديد.
لكن ثباته انتهى عندما وجدها تمر من جواره لتدلف المرحاض.
وحينها لم يستطع منع نفسه، ووجد يده تسحبها إليه ليحتويها بحضنه ويشدد من احتضانه لها كأنه يريد أن يسحب أحزانها ولا يترك لها سوى الفرح.
احتياجها أكثر من ذي قبل.
وكذلك هي، لأول مرة تسمح له أن يراها بذلك الضعف، وأطلقت لدموعها العنان تبكي على كتفه.
تبكي على كل شيء.
تطالبه أن يعود كما كان وليس ذلك المتجبر.
فهي ما زالت تعشقه وتريده، فقط يعتذر عما بدر منه وحينها قلبها سيسامح ويغفر.
أما هو، فكان ينتظر منها أن تعترف له.
أن تخبره بأنها أسيل حبيبته، لكن يبدو أنه سينتظر كثيرًا، وربما لن يأتي ذلك اليوم.
بوغت عندما وجدها فجأة تبتعد عنه وتمسح دموعها بظهر يدها وتتمتم بارتباك:
"أنا آسفة إن كنت أزعجت حضرتك بس..."
قاطعها بلهجة حاول بها إخفاء عتابه:
"عادي، كلنا بييجي علينا وقت بنكون محتاجين فيه لحضن يخفف عنا، بس للأسف مش بنلاقيه."
لا تعرف لماذا شعرت بعتاب خفي خلف حديثه، وكأنه يطلب منها أن تقرأ ما بين السطور.
انسحبت بهدوء دون أن تتفوه بكلمة ودلفت المرحاض.
❈-❈-❈
خرجت أسيل من المرحاض فتجده انتهى من ارتداء ملابسه.
سألته:
"إحنا هنروح المستشفى دلوقتي؟"
أومأ لها:
"آه، اجهزي بسرعة عشان يارين هتعدي علينا دلوقتي."
عادت الغيرة تحتل قلبها، لكنها حرصت على ألا تبدي ذلك.
ثم أخرجت من الخزانة سترة لها تلاها الحذاء وارتدتهم في صمت.
شعرت بعودة الألم برأسها، لكن تلك المرة أشد.
لاحظ داغر ذلك الألم الواضح عليها فيشعر بالقلق أكثر.
رن هاتفه باسم يارين، أجاب مسرعًا:
"يارين وصلتي ولا لسة؟"
أجابت من الجانب الآخر:
"آه يا حبيبي، وصلت. أنا مستنياكم تحت والدكتور مستنينا في المستشفى."
تطلع إليها وقال:
"تمام، إحنا نازلين حالاً."
أغلق الهاتف وقال:
"يارين وصلت، يلا."
أومأت له وأخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة معه.
وشعور الألم يزداد معها.
كانت يارين تنتظرهم داخل سيارتها، وعندما وجدتهم ترجلت منها وتوجهت إلى داغر لتقبله:
"كيف حالك؟"
ابتسم داغر بود:
"الحمد لله بخير، يلا بسرعة عشان ميعاد الدكتور."
جلس داغر بجوارها وجلست أسيل في المقعد الخلفي للسيارة وظلت تراقبهم بغيرة جعلتها تنسى ذلك الألم.
كان داغر يتحدث معها بالإنجليزية كي لا تفهم أسيل حديثهم.
"هل تثقين بذلك الطبيب؟"
ردت يارين بثقة:
"بكل تأكيد، فهو الأشهر هنا وقد تحدثت معه وتفهم الوضع."
زم فمه بحيرة ثم تحدث:
"لم يطمئني الطبيب أمس وأخشى أن يكون الأمر أكبر بكثير مما يظن."
ربتت على يده تطمئنه:
"اطمئن، ستكون بخير إن شاء الله."
"لكن لما لم تخبري أبي بمجيئك؟"
تنهد بتعب شديد وقال:
"لا أريد مواجهات، ليس الآن على الأقل، فأمامي مواجهة مصيرية وبعدها سيعود كلا إلى نصابه."
توقفت السيارة أمام المشفى وترجلوا جميعاً متجهين للداخل.
كانت تنظر ليد يارين التي تحيط ذراع داغر بغيرة.
مما جعلها تندهش.
لم تكن تغار بتلك الشدة وهما معاً في بداية عشقها له، فلما تغار الآن وهي على وشك تركه للأبد.
لكن هل باستطاعتها تركه؟
تعلم جيدًا مهما حاولت الإنكار أنها لن تستطيع، لكن ليس هناك بد من الفراق.
في مكتب الطبيب.
وضعت الممرضة العصير أمامهم فشكرها داغر بابتسامة بادلها بها، وأسيل تتظاهر بالانشغال بهاتفها.
تطلعت إليها يارين لتسألها:
"حور، مالك ساكتة ليه؟"
هزت كتفيها قائلة:
"عادي، بس أنتم بتتكلموا بالإنجليزية وأنا مش بفهمها."
تظاهرت يارين بالجهل وقالت بأسف:
"أوووه، مكنتش أعرف."
"عادي ولا يهمك."
أخذت يارين كوب العصير لتناوله إياها وقالت:
"طيب اتفضلي اشربي العصير ده، هيعجبك أوي."
أخذت منها الكوب وكذلك فعل الجميع كي لا تشك بشيء.
ولم تمضي لحظات حتى غرقت بثبات.
لحق داغر الكوب قبل أن يسقط من يدها ووضعه على الطاولة ثم قال ليارين:
"نادي الدكتور بسرعة."
أومأت له وخرجت.
وقام هو بحمل أسيل ووضعها على السرير (الشازلونج) ينتظر مجيء الطبيب.
دلفت يارين ومعها الطبيب الذي تقدم منه يسأله:
"هل نامت بفعل المخدر؟"
أجاب داغر بقلق:
"نعم."
"حسناً، احمها واذهب بها إلى قسم الأشعة."
وقف داغر أمام الغرفة ينتظر الانتهاء.
يدعو من قبله أن تكون بخير وهو يوعدها بأن يطوي صفحات الماضي دون الرجوع إليها مرة أخرى.
تقدمت منه يارين عندما لاحظت مدى قلقه وقالت بتعاطف:
"متخافش عليها، إن شاء الله خير."
أومأ لها بصمت.
فخرجت الممرضة لتقول له:
"لقد انتهينا، بإمكانك أخذها."
دلف داغر ليحملها ويخرج بها من الغرفة.
فقال للممرضة:
"أين الغرفة؟"
أشارت له على نهاية الممر:
"الغرفة مئة وعشرون في نهاية ذلك الممر."
أومأ لها ثم توجه بها إلى الغرفة.
❈-❈-❈
قامت الممرضة بدفع مقعده لتقربه من النافذة كما يفضل دائمًا وسألته:
"محتاج حاجة تاني؟"
نفى حسين بعينيه، فانسحبت الممرضة وخرجت من الغرفة.
أخذ هو ينظر لحديقة المكان الذي أصبح حبيسًا بداخله.
ولا يرى أحد سوى الحقيقة المرة التي ستلازمه طوال عمره.
وهو أنه ظلم كل ما هو جميل بحياته.
تلك الحبيبة التي ظلمها بأبشع التهم وصدق تلك اللعبة التي حكتها عليه شاهي.
وبعد ذلك ابنته.
أذاقها أشد العذاب رغم أنها كانت ضحية أخرى لشاهي.
وفي النهاية ألقت به داخل دار مسنين بعد أن أصيب بشلل نصفي أثر تلك الجلطة التي أصابته عند معرفة الحقيقة.
يستحق ما وصل إليه بسبب حماقته، فليتذوق ما أذاق أباه أولاده وحبيبته.
❈-❈-❈
في غرفة أسيل.
سحب داغر يده التي تحتوي يدها عندما شعر بها ترمش بعينيها.
ارتدى نظارته سريعًا وابتعد بكرسيه للوراء قليلًا.
فتحت أسيل عينيها وما زال ذلك الألم يفتك برأسها.
انتبهت لاستلقاءها على الفراش ثم التفتت بجوارها فتجد داغر جالسًا على المقعد بجوارها.
هل أصابها الإغماء مرة أخرى؟
أغمضت عينيها وخرجت منها آهة خافتة جعلت داغر يسألها:
"إنتِ صحيتي؟"
حاولت النهوض لكنها لم تقوى على ذلك فقالت بألم:
"إيه اللي حصل؟"
"مفيش، تعبتي شوية وخلاص. حاسة بأي ألم؟"
وضعت يدها على رأسها وقالت بوهن:
"صداع شديد أوي."
ازداد قلقه عليها وقال:
"ثواني هنده للدكتور يديكي أي حاجة مسكنة."
منعته قائلة:
"لأ، خليك. أنا هروح آخد علاجي وهكون كويسة."
نهضت وهي تتابع:
"لو خلاصت كشف خلينا نروح."
أومأ لها قائلاً:
"تمام."
ترجلت أسيل من السرير لكنها شعرت بأن قدميها كالهلام لا تقوى على حملها مما جعل قلب داغر يزداد خوفًا عليها.
تناسى كل شيء في تلك اللحظة ولم يرى أمامه سوى أسيل حبيبته.
فسألها بقلق:
"هتقدري تمشي؟"
تحاملت أسيل على نفسها:
"آه هقدر."
لكن مع أولى خطواتها كادت تسقط، لكن يد داغر لحقتها ومنعتها من السقوط.
وقال بقلق:
"خليني أنده للدكتور..."
قاطعته برجاء:
"لا، أرجوك خليني أروح. لو أخدت العلاج هرتاح."
أومأ لها ثم مال عليها ليقوم بحملها.
شهقت أسيل بتوجس، لكنه طمأنها:
"متخافيش."
بعد كلمته تلك دون إرادتها استسلمت له، ولم ترَ أمامها الآن سوى ذلك الحبيب الذي كانت تشعر معه دائمًا بالأمان.
ها هو الآن عاد إليها من جديد.
وقبل أن يخرجوا من الغرفة دلفت يارين وهي تقول:
"إيه، مالها أسيل؟"
"مفيش، بس دايخة ومش هتقدر تمشي. عرفيني الطريق وخلينا نروح."
أومأت له وسبقت خطواته تدله على الطريق كي لا تشك أسيل بشيء.
حتى وصلوا للسيارة.
ووضعها برفق داخلها.
استقل مقعده بجوار يارين وهو يسألها:
"التقارير طلعت؟"
"لا، هتطلع كمان ساعة والدكتور چون قال أنه هيستلمها بنفسه ويشوف الحالة وهيكلمك على طول."
أوما لها بثبات رغم القلق الذي يعتمل بداخله.
والتزم الصمت حتى وصلوا للبناية.
أما أسيل فظلت نظراتها معلقة عليه، وقد أعاد إليها ذكريات الماضي بذلك الحنان الذي أغدقها به.
هل تعود تلك الأيام؟
أم أن هذا هو السكون الذي يسبق العاصفة؟
هل تسمح لقلبها بأن يُخدع مرة أخرى؟
أم أنها الآن أصبحت على أرض صلبة ولا يوجد ما تخشى منه؟
توقفت السيارة أمام البناية مما جعلها تندهش.
من مجيئهم هنا.
همت بسؤاله لكن انعقد لسانها عندما رأت سليم أخاها يخرج من البناية المجاورة لتلك التي وقفوا قبالته.
لم تنتبه لداغر الذي يحدثها ولا ليارين التي تناديها.
فقط سليم الذي سار باتجاه سيارته وانطلق بها مارًا بجوار سيارتهم.
أصبحت الرؤية أمامها غير واضحة، حتى صوت داغر الذي يناديها ولا ليده التي تربت على وجنتها.
ولأول مرة تشعر برغبة بأن يلفها ذلك الظلام.
لم تعد تستطيع التحمل والصمود أكثر من ذلك.
تركت نفسها ليد داغر التي حملتها ودلف بها المبنى.
نادت ظلامها لكنه لم يلبيها.
فقط دموعها التي واسيتها وهي تنزل بغزارة.
فأغمضت عينيها لا تريد رؤية أحد بعد الآن.
❈-❈-❈
شعرت أمينة بالسرور وهي ترى سعادة ابنها بعودة زوجته له.
وضعت هايدي باقي الأطباق على الطاولة ثم جلست على مقعدها المجاور لمقعده.
خرج حازم من غرفته فتكتمل سعادته وهو يرى عائلته متجمعة على السفرة تنتظر مجيئه.
مال على رأس والدته ليقبلها:
"صباح الخير يا ست الكل."
ردت أمينة:
"صباح النور يا حبيبي."
مال على هايدي ليقبل وجنتها قائلاً بحب:
"صباح الورد."
ابتسمت له بحب:
"صباح النور، يلا بقا افطر عشان تحلق تودي الولاد الحضانة."
جلس على مقعده وقال برفض:
"لأ، خليهم اليومين دول عشان إياد ميزهقش لوحده."
تلفت حوله:
"أومال هو فين؟"
قالت أمينة:
"نايم، فضل يعيط طول الليل عشان أسيل. ربنا يعدي اليومين دول وترجع بقا."
"هي لسة مصرة إنها تسافر؟"
رد حازم بجدية:
"أنا شايف إن كده أفضل. داغر لما يعرف إنها سابته وهربت وإنها كانت بتخدعه الفترة دي كلها مش هيسكت، فالأفضل إنها تسافر هناك مش هيقدر يوصلها."
قالت هايدي بتأثر:
"أسيل صعبانة عليا أوي، زي ما يكون انكتب عليها التعب طول عمرها."
أومأت أمينة بمرارة:
"إنتِ كمان مشوفتيش حاجة، ولا شوفتي اللي كانت بتعمله فيها شاهي ولا حتى أبوها."
"بكرة تلاقي اللي يعوضها عن التعب اللي شافته ده."
ردت أمينة باستياء:
"هتلاقيه إزاي وهي يعتبر متجوزة."
قالت هايدي:
"تطلب الطلاق."
رد حازم بتهكم:
"بالسهولة دي؟ مفتكرش إن واحد زي داغر هيعدلها اللي حصل ولما تطلب الطلاق هيطلقها بالسهولة دي."
"خلاص تطلب من عمه إنه يساعدها ويطلقها منه."
"كل ده كلام سابق لآوانه، خلينا نستنى عمه يثبت إياد وبعدين نتكلم في كل ده."
"هو احتمال ييجي ياخد إياد النهاردة أو بكرة بالكتير وأنا هحاول أفضي نفسي وأروح معاه."
❈-❈-❈
فتحت أسيل عينيها وقد اكتفت من التظاهر بالنوم.
كانت الغرفة معتمة إلا من ضوء خافت.
وكان هو جالسًا على الأريكة في سكون تام.
أخذت تتطلع إليه وقلبها الخائن يتلهف على قلبه.
هل ما زال يفكر بها؟
أم كانت مجرد فتاة عابرة مرت من أمامه ولم يعد يلتفت خلفه ليراها؟
أما هو، فقد ظل ثابتًا أمام نظراتها التي تراقبه وعينيه تتلهف لرؤيتها.
لكنه أبى ذلك كي لا يضعف أكثر أمام مشاعره التي تطالبه بها.
مسح بكفيه على وجهه ثم سألها:
"مش هتاكلي؟"
علمت أنه شعر بها فاعتدلت لتنهض قائلة:
"مليش نفس."
وما أن وضعت قدمها على الأرض حتى شعرت بألم رأسها يزداد بشكل عنيف ونظراتها تهتز دون إرادتها.
عادت للفراش وقد انتابتها رغبة في التقيؤ.
وضعت يدها على فمها وتحاملت على نفسها لتذهب إلى المرحاض لتتقيأ ما بجوفها.
وقلب داغر ينبض بعنف لعدم استطاعته الذهاب إليها.
ستكشف أمره إذا سألها.
ظل ملتزم الصمت وهو واقفًا على باب المرحاض يستمع لها بقلق زائد.
لم يستطع منع نفسه فدفع الباب فيجدها تستند بيديها الواهنة على الحوض وتتقيأ بألم.
دنا منها ليسند رأسها ويبعد خصلاتها للخلف حتى انتهت.
فتح المياه وقام بغسل وجهها.
وعندما حاولت الاعتراض طمأنها بحب:
"مكسوفة من إيه، إنتِ مراتي."
تركت نفسها له بعد تلك الكلمة حتى عندما حملها وعاد بها للفراش لم تمانع.
بل عادت تترك له زمام أمورها كما كانت تفعل من قبل.
رواية جبل النار الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رانيا الخولي
رواية جبل النار الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رانيا الخولي
رواية جبل النار الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم رانيا الخولي
جبل النار
رانيا الخولي
الرابع والثلاثون
……………..
عاد وائل إلى مصر بعد أن هدئت الأمور وتأكد من موت اخته والذي استمر وجودها في المشفى ليومين حتى توقف قلبها وأعلنوا وفاتها
لذا عاد إلى مصر كي يرفع اعلان الوراثة ومن غيره وريثاً لها
دلف الفيلا وهو يشعر بانتشاء لعودته إلى منزله بعد غياب دام لأعوام كثيرة حرم عليه أن يدخله
لكن أخيراً ابتسم له القدر وجعله يعود إليه مالكاً له.
ايام قليلة وسوف تكون هذه الأملاك باسمه وحده.
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن إذ سمع صوت سيارات الشرطة تقتحم المنزل مما جعله يندهش
خرج ليفهم ما يحدث فوجد الشرطة تتقدم منه وقال الضابط فور رؤيته
_اقبضوا عليه.
صاح بهم وائل
_هو ايه اللي بيحصل؟
قال الضابط
_هتعرف…خدوه على البوكس.
أخذوه مجبرًا وهو يصيح بهم انا معايا جنسية أمريكية محدش يقدر يمسني.
اومأ له الضابط وقال بتوعد
_جنسية أمريكية تمام.
تطلع للعساكر وتحدث بأمر ارموه في البوكس زي الكلاب لحد ما نروح القسم
صعد وائل سيارة الشرطة مرغماً وهو لا يفهم ما يحدث..
رن هاتف سليم وهو في طريقه مع وعد للمشفى
فقال سليم
_انت متأكد.
_……..
اومأ له
_تمام لو قدرت توصل لمكان بابا عرفني على طول.
اندهشت وعد مما تسمعه وسألته
_في ايه يا سليم؟
اعاد سليم الهاتف لسترته ورد عليها
_الشرطة قبضت على وائل اخو شاهي أول ما نزل مصر، كان فاكر إن الموضوع سهل وهيفلت منها.
ابتسمت بسعادة
_بجد؟ بس الشرطة عرفت ازاي.
زم فمه بضيق عندما تذكر ذلك اليوم
_انا كلفت واحد صاحبي انه يهكر فون شاهي عشان اعرف مكان بابا وفي آخر مكالمة كانت بينها وبين اخوها بيقولها انه حطلها السم في الأكل وقتها خليته يقدم التسجيل للشرطة وطبعاً بما انه برة مصر محدش قدر يوصله واول ما نزل قبضوا عليه.
_طيب وباباك.
تنهد قائلاً
_لسة مش عارفين.
توقفت السيارة أمام المشفى وتوجهوا حيث غرفة أسيل والتي لم يتركها داغر لحظة واحدة
لم يتعاطف سليم معه حتى بعد ان عرف الحقيقة كاملة
ما كان عليه أن يطلب منها المخاطرة ويأخذها منزله ولا أن يطالبها بالخروج معه
كما انه شجعها مرات كثيرة على مقابلته.
توقف مكانه عندما لاحظ حركة داخل غرفتها
تطلعت إليه وعد بخوف فوجد قدميه تسرع إليها مقتحماً الغرفة بقلب لهيف فيجد الطبيب يتحدث مع اسيل يحثها على الرد وداغر يقف يشاهد ما يحدث بقلب ملتاع.
حركت اسيل إصبعها مما جعل الطبيب يقول
_لقد فاقت اخيرًا واصبحت بأفضل حال، سنتركها الليلة هنا في العناية تحسباً لأي ظرف وفي الصباح سنقوم بنقلها.
ثم خرج من الغرفة.
تقدم داغر منها ليمسك يدها لكن سليم منعه
_إبعد عنها.
تطلع إليه داغر باحتدام وهم بمعارضته لكن سليم تحدث بحزم
_انت آخر واحد أسيل محتاجة تشوفه، ياريت تبعد لحد ما تفوق وتسترد صحتها وبعدين اظهر براحتك.
توحشت نظرات داغر وغمغم من بين أسنانه
_محدش بعد النهاردة هيقدر يمنعني عنها،هستناها تفوق واعرفها كل حاجة وهي اكيد هتسامحنى
لكن إني أسيبها تاني مستحيل يحصل حتى لو فيها موتي.
تحدثت وعد بمحايدة كي تنهي ذلك الجدال
_احنا حاسين بيك وعارفين ان كل اللي حصل كان غصب عنك بس هي دلوقت وضعها أصعب ومينفعش نعرضها لصدمات تانية، ارجوك سيبها لحد ما تسترد صحتها وبعدين اعتذر منها وفهمها كل حاجة لكن دلوقت حقيقي مش هينفع.
ضغط داغر على يدها التي يحتويها بيده وكم صعب عليه ذلك الأمر لكن هي محقة
بعد ما فعله معها هو آخر واحد تريد رؤيته أمامها.
لذا اضطر رغمًا عنه ان يوافقهم فقط حتى تسترد صحتها وبعد ذلك لن يمنعه أحداً عنها.
رفع يدها إلى فمه ليطبع قبلة حانية عليها قبل أن يسحب يده بصعوبة بالغة عندما بدأت ترمش بعينيها.
خرج بهدوء من الغرفة وصوتها الواهن التي تردد به اسم أخيها علق بذهنه وهو يرى سليم يتقدم منها بدلاً منه
اخذ يتطلع إليها من خلف الزجاج وهي تتشبث بيد أخيها
لم يبرح مكانه إلا عندما رآى بعينيه الحنان الذي يغدقها به أخيها.
عليه أن يرحل الآن فهو ليس سوى لعنة سقطت عليها
وعليه هو أن يبتعد الآن.
❈-❈-❈
بعد مرور شهر..
وقفت أسيل على الشاطئ تتلاعب نسمات البحر بخصلاتها البنية
كانت تتطلع إلى بعيون هائمة
فذلك البحر الذي شهد على أجمل لحظات مرت بحياتها شهد أيضاً على أصعب أيام مرت عليها.
شددت من ضم سترتها عليها عندما شعرت بالبرد وتذكرت مشهد مماثل وهو يضع غطاء سميك عليها
قطبت جبينها بحيرة من ذلك القلب الذي رغم كل ما حدث مازال يعشقه
والعجيب في الأمر أنها تشعر به حولها
تشعر دائمًا أنها مراقبة وعندما تلتفت حولها لا تجد أحد
مما يجعلها أحياناً تشعر بالذعر وتعود إلى المنزل.
ظلت تتلفت حولها عندما عاد ذلك الشعور
حاولت أن تتأكد من ذلك الأمر وظلت تبحث لكن لا أحد.
قررت الذهاب لعملها وقد تأكدت تلك المرة أنها مجرد أوهام.
عادت أسيل إلى المطعم فتمر اولاً على مكتب جدها
دلفت وهي تقول بمزاح
_هل مازلت هنا أيها الوسيم.
نهض جدها وهو يتمتم باعتراض
_إذا كانت مساعدتي تتأخر فلن استطيع ان ابرح مكاني حتى تعود.
تقدمت منه لتقبل خده وتمتمت باعتذار
_اسفة على التأخير لكني كنت اطمئن على حفيدك فقد أخبرني سليم بأنه سيأتي به الأسبوع القادم.
نهض جدها وهو يتمتم بسعادة
_إذا فدعيني اعود مسرعًا كي استعد لاستقبال ذلك الشقي بطريقتي الخاصة.
قبل خدها ثم خرج من المكتب.
فجلست هي تأخذ مكانه
فمنذ ان جاءت هنا وهي تعمل بلا حدود كي لا تفكر في شيء
لم تبالي بتلك الرسائل التي تصلها وتقوم بحذفها دون قراءتها ظناً منها أنها طريقة أخرى كي يصل لمبتغاه
أيام قليلة وسيأتي ابنها ولن تعود مهما حدث.
نهضت من مقعدها كي تشرف على العاملين في المطعم وتساعد بعضهم في إعداد الطعام
تلك هي الطريقة الوحيدة التي تجعلها تنشغل عن ذلك القلب الخائن الذي يتلهف لقراءة رسائله.
ينقضي اليوم بهذه الطريقة وتظل تتحدث مع جدها أو بعض اصحابها كي لا تنفرد بنفسها وتهاجمها ذكريات تعمل بكل الطرق على ردعها.
حتى أحياناً تطلب منه ان يظل بجوارها حتى تنام ولم يبخل عليها باهتمامه بعد ان علم بما عانته حفيدته.
يتأكد أنها نامت ثم يغلق الضوء ويخرج من الغرفة تاركاً لذلك العاشق بعض الخصوصية كي ينفرد بحبيبته.
بقلب لهيف يدلف داغر الغرفة يتأمل بعشق جارف تلك النائمة لا تعرف شيء عن مجيئه بعد ان رآى جدها مراقبته للمنزل وسيره خلف حفيدته
وعندما استطاع الوصول إليه وسأله عن سبب تتبعها أخبره بكل شيء
ومنذ ذلك الحين وهو يسمح له بالمبيت في الغرفة بعد أن تأخذ أسيل المهدئ الذي يجعلها تنام بعمق حتى الصباح.
خلع داغر حذاءه واندس بجوارها متلفحاً بالغطاء الذي جمع كلاهما
وبكل روية يمد يده أسفل عنقها يسحبها إلى صدره كي يجعلها تضع رأسها فوق قلبه ربما تشعر بنبضاته الثائرة.
يظل طوال الليل يتأملها وقبل شروق الشمس يطبع قبلة على ثغرها ثم يرحل.
وفي الصباح تنهض كعادتها لتراقب الشروق على شاطئ البحر وتظل هناك
حتى ميعاد عملها.
_أسيل.
تصلب جسدها عندما سمعت صوته يتمتم باسمها فظنت بأن ما تسمعه في منامها يتكرر في يقظتها لكن حينما انعاد استدارت كي تتأكد مما تشك به.
وقد أصبح شكها يقيناً عندما وجدته أمامها يتطلع إليها بعشق ووله.
انقبض قلبها وشعرت بالخوف منه فهزت رأسها ترفض أن يعود ذلك الرجل مرة أخرى لحياتها.
لم تجد أمامها حل سوى الهرب
وعندما وجدته يخطوا تجاهها لم تجد أمامها مهرب سوى أن تلوذ بالفرار من أمامه
لم يندهش من فعلتها بل آلمه قلبه عليها
فاسرع بالركض خلفها كي يوقفها
_أسيل استني وانا هفهمك كل حاجة.
صرخت أسيل بفزع من سماع صوته واسرعت بالركض بلا هوادة
وصوته الذي يناديها يجعل قلبها ينتفض رعباً
صرخت بأعلى صوتها عندما وجدته يحيط كتفيها يوقفها
_أسيل اهدي ارجوكي واسمعيني.
علت صرخاتها وهي تحاول الإفلات منه
لكنه كان يشدد ذراعيه حولها يحاول التحكم في حركتها كي لا تهرب منه.
لم تؤثر بها كلماته وهي تصرخ بخوف أرعبه عليها
_طيب اسمعيني وبعدها هسيبك تمشي بس أرجوكي اسمعيني
صرخت بأعلى صوتها
_ابعد عني بقا…
اغمض عينيه بأسف على ما اوصلها له وقال برجاء
_طيب إهدي…
جعلها تستدير بين يديه وأمسك ذراعيها كي لا تهرب منه وتمتم بوله
_أسيل أنا بحبك اسمعيني.
صرخت به حتى شعرت بانشقاق حلقها وهي تصيح
_اسكت بقا مش عايزة اسمع تاني، ابعد عني وارحمني منك
توقفت عندما شعرت بقدميها تتراخى وتنزل على الأرض من شدة الدوار
كادت ان تسقط لولا ذراعيه التي تدعمها كي لا تسقط
تحولت صرخاتها إلى نحيب وقد استسلمت له من شدة الإجهاد الذي مارسته كي تهرب منه
هي تعلم جيدًا بأنها لم تسترد صحتها كاملة بعد لذا أُجهدت حقاً
جذب رأسها إلى صدره وهو يغمض عينيه بألم شديد عليها وإلى ما وصلت إليه حبيبته..
_إهدي يا عمري وانا هفهمك كل حاجة.
هزت راسها المستندة على صدره وتمتمت بألم
_ابعد عني بقا مش عايزة اعرف حاجة غير انك تبعد عني.
أخذ نفس عميق يهدئ به من آلامه وتمتم بحزن
_لما تسمعيني هتعذريني.
ابعدها عنه قليلًا كي يحيط وجهها بكفيه ويرفعه إلى مرمى عينيه وتمتم بثقة
_اسمعيني وبعدها هسيبك تمشي بس اديني فرصة اعرفك الحقيقة…
هزت راسها بهستيرية وهي تدفعه بعيدًا عنها صارخة فيه
_قولتلك مش عايزة اسمع حاجة سيبني فى حالي بقا انت دمرتني وضيعت حياتي.
رد بلهفة وعيون تقطر ندماً
_هعوضك يا عمري عن كل ده بس أرجوكِ خلينا نتكلم.
ارتد داغر للوراء عندما دفعته بصدره وقالت بانهيار
_مبقاش في كلام بينا، ليه عايزني اسمعك وانت مفكرتش لحظة واحدة تسمعني، كنت بتخدعني الفترة دي كلها عشان توصل لغرضك ومكتفتش بده، كملت خداعك ودمرتني للمرة التانية(صرخت به بكل الألم الذي سكن مكنونها) وانت بتتهمني في شرفي ومع حازم الانسان الوحيد اللي وقف جانبي وساندني.
تشنج فمه من شدة الغيرة وصاح بها
_متجيبيش سيرته على لسانك…
قاطعته أسيل بتعند
_لأ هجيب لأنه هو الوحيد صاحب الفضل عليا وإني لسة واقفة على رجلي لحد النهاردة
حازم عمل معايا اللي أقرب الناس ليا معملوش.
تساقطت دموعها وهي تتمتم بامتنان لحازم
_من صغري وهو ضهر وسند ليا، كان بيعوضني عن كل اللي اتحرمت منه، حتى لما غدرت بيا محدش وقف جانبي غيره، اداني بيته بعد ما كنت في الشارع وأداني اسم أخته، حتى أمه سبها معايا، وبعد كل ده تيجي تقولي متجيبيش اسمه على لسانك.
دفعته بكل قوتها على صدره رغم خطورة الأمر على صحتها التي لم تستردها بعد وقالت بغضب
_أومال أجيب اسمك انت بعد كل اللي عملته فيا ومستظلم حقك.
هزت راسها بازدراء
_انت احقر انسان شوفته في حياتي..
تحمل داغر حديثها اللاذع فهي محقة إذا كانت لا تعلم الحقيقة
همت بالذهاب لكنه امسك ذراعها يمنعها
_أسيل….
قاطعته بهدر وهي تجذب ذراعها منه
_متنطقش اسمي على لسانك
اشار لها ان تهدئ لأن الطبيب حذره من التعصب وتمتم بهدوء
_طيب اهدي وإديني فرصة اعرفك ازاي ده حصل.
عادت الذكرى تقتحمها مما جعل اطرافها ترتعد لكنها جاهدت كي لا يرى ذلك وصاحت به
_مش عايزة اعرف، مش طايقة حتى اسمع صوتك، كل اللي عايزاه انك تبعد عني وتسيبني أعيش لأول مرة الحياة اللي انا عايزاها مش اللي انتم عايزنها، بس قبل ما تمشي تطلقني..
توحشت نظراته عند ذكر تلك الكلمة وامسكها من ذراعها يهزها بعنف فقد فيه السيطرة على اعصابه
_الكلمة دي متتكررش تاني انتِ فاهمة، مفيش قوة في الأرض هتخليني اطلقك مهما حصل مستحيل..
شعرت أسيل بالدوار من هزه لها فرفعت يدها إلى رأسها مما جعل داغر يأنب نفسه
لقد أخبره الطبيب ان يتروى معها فهي في فترة نقاهة ولم تسترد عافيتها بعد فتمتم بقلق
_أسيل انا آسف…..
وجدها تتهاوى في وقفتها من شدة الدوار الذي اقتحمها بسبب هزه لها فقام مسرعًا باسنادها وسألها بلهفة
_انتِ كويسة؟
أغمضت عينيها تحاول الثبات لكنها لم تقوى على ذلك
لم تجادل داغر عندما حملها وسار بها اتجاه منزله فهي مازالت ضعيفة من جراء العملية لكنها تقاوم كي يوافق سليم على إرسال ابنها لها.
دلف داغر منزله ثم وضعها على الأريكة بقلق بالغ
ابعد خصلاتها عن وجهها وقال بلهفة
_احسن دلوقت؟
كان الدوار شديد حتى إنها لم تستطيع إجابته
نهض داغر من جوارها وأسرع بالاتصال بالطبيب يسأله عن سبب ذلك فقال الطبيب باستياء
_لقد أخبرتك سيد داغر أن تؤجل تلك المواجهة كي لا تتعرض لهذه الحالة.
استاء داغر من تسرعه وسأله
_ماذا افعل الآن؟
_اتركها ترتاح قليلًا وستكون بخير.
في منزل صغير بالقرب من منزل جدها
جلست أسيل على الأريكة تنزوي عليها ومازالت تلك الرهبة تراوضها، ما الذي جعلها تستسلم له وتتركه يأخذها إلى منزله؟
لما ذلك الرجل يسيطر عليها بذلك الشكل وتتحول لدمية أمامه يتلاعب بها كيفما يشاء
لكن تلك المرة لن تنخدع وستسمعه ثم تلقي بمبرره في وجهه.
أشاحت بوجهها عندما وجدته يخرج من المطبخ ويتقدم منها حاملاً كوبين بين يديه.
ناولها أحدهم وقال بتروي
_اشربي ده هيريحك.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه لكنه أعاد كلمته
_قولتلك هيريحك.
وافقت كي لا تتجادل معه ثم حبستها بين يديها
جلس على المقعد المجاور لها وقال بتعاطف
_انا عارف إني ظلمتك كتير وكنت سبب في تدمير حياتك بس أقسملك انه ما كان بإرادتي.
لم تعير حديثه أي أهمية كيف لم يكن بإرادته وقد تعمد حدوث ذلك.
_على العموم اسمعيني، وبعدها هسيبك تمشي.
ترقرقت الدموع بعيونها وتمتمت بألم
_اسمع أيه؟ أسمع غدر الإنسان الوحيد اللي حبيته ووثقت فيه وكنت مستعدة أديله عمري لو طلبه، ولا لما رجعت أأمن له من تاني وبرضه غدر بيا من تاني.
جثى على ركبتيه أمامها وهم بلمس يدها لكنها جذبتها قبل ان يصل إليها صرخت بتحذير
_متلمسنيش.
اومأ لها يطمئنها
_تمام بس إهدي، انا هحكيلك على كل حاجة ومش مطلوب منك غير انك تسمعي.
وافقته لأنها تعلم جيدًا بأنه لن يتركها حتى تستمع له.
بدأ يحكي لها ما حدث في قضية عمه وكيف أن ذلك الرجل وضع ذلك المخدر في القهوة كي يبتزه به لكن هما من سقطا به
فتابع
_فوقت لقتني في الجنينه مش عارف ايه اللي حصل ولا ايه اللي جابني هنا، دخلت بسرعة اخدت الفون واتصلت عليكِ لقيت فونك غير متاح، اخدت مفاتيح العربية وخرجت بها وطبعا تركيزي كان ضعيف لحد ما شوفتك وانتِ في العربية
لفيت بسرعة عشان اروح وراكي بس العربية اتقلبت بيا ومش فاكر حاجة بعدها غبر لما فقت ولقتني اعمي.
بوغت عندما وجدها تتطلع إليه بجمود وتسأله
_والمطلوب مني؟
عقد حاجبيه بحيرة فتابعت هي
_اقولك خلاص مسمحاك ونرجع لبعض وننسى اللي فات؟ هو ده اللي انت عايزه؟
علا صوتها قليلًا
_بالسهولة دي شايف إن اللي حصل ممكن يتنسي والعذاب اللي شوفته من عملتك سهل يتمحي من حياتي؟
هزت راسها بنفي وقالت بضياع
_مستحيل، عارف ليه؟ لإني هحتاج عمري على عمري عشان اقدر أنسى.
تطلع إليها برجاء
_اوعدك إني هنسيكِ كل ده، مش هسمح للدموع أنها تنزل من عينيكِ تحت أي ظرف، أسيل انا بحبك محبتش حد ولا هحب غيرك ارجوكِ متزوديش عذابي اللي ربنا وحده عالم بيه، بلاش تعاقبيني على حاجة قولتلك إني مليش ذنب فيها؟
تمتم بعذاب وهي يتذكر مقتطفات من ذلك اليوم
_انا اليوم ده كنت ببات احلم به وماتخيلتش انه يحصل بالشكل ده ولا إني مافتكرش حاجة منه
اقسملك إن عذابي كان أضعاف عذابك لما فوقت ولقيت نفسي فقدت كل حاجة
نظري وشغلي والانسانة الوحيدة اللي حبيتها
كل حاجة ضاعت من ايديا مرة واحدة
كنت محتاجلك اكتر من اي حد في الدنيا، مكنتش اعرف إنك بتعاني زيي
سألت عليكِ وعمي بعت حد يحاول يوصلك بس قالوا إنك سافرتي إيطاليا وقتها قلت انك اتخليتي عنى خلاص
أول ما رجعت اسكندرية عشت على أمل إنك تعرفي وتجيني لحد ما جيتي فعلاً
عرفتك وقتها، صحيح مش بعينيه بس عرفتك بقلبي وصوتك اللي مغبش عني لحظة واحدة
عارف إني قسيت عليكِ وقتها بس انا كمان كنت مجروح منك، كنت شايف فيكِ إنك اتخليتي عني لما عرفتي بعمايا
كنت عايز انتقم منك بس لقيت إني اضعف من كدة بكتير
بس كل اللي كان محيرني ازاي رجعتي؟ وليه غيرتي اسمك؟ وليه بتشتغلي ممرضة، اسئلة كتيرة وللأسف معرفتش أوصل لأجابة لإني ببساطة كنت واحد أعمى مش شايف تحت رجله، لما وقعتي من السلم وقتها حسيت بعجز رهيب
مش عارف ايه اللي حصلك ولاعارف أحدد مكانك، دورت عليكِ وانا بحسس زي المجنون ولما وصلتلك شيلتك بس معرفتش اتحرك بكِ خفت لو اتحركت اقع بكِ وتضري أكتر، وقتها صرخت زي المجنون وانا واخدك في حضني وزي العاجز مش عارف اتحرك.
وده كان أكبر دافع عشان نظري يرجعلي والحمد لله شوفت وقتها وعرفت إن قلبي مخدعنيش وإنك فعلاً أسيل.
رفع عينيه إليها وتابع بصدق
_لما طلبت اتجوزك كنت اعترفت لنفسي إني لسة بحبك وكان غرضي إني اتجوزك بجد واوجهك إني عارف كل حاجة واطلب منك ننسى اللي فات ونبدأ مع بعض من جديد
وأكبر دليل على كدة اللي حصل بينا في الشقة..
زم فمه بأسف للذكرى وتابع
_بس كان غصب عني لما لقيتك مش بنت، أي حد مكاني كان هيعمل كدة وأكتر كمان….
قاطعته أسيل كي لا تستمع للباقي
_خلصت كدة؟
رمش بعينيه لا يجد ما يقوله فتابعت هي نحره
_سيبني بقا امشي.
نهضت وينهض هو واقفاً قبالتها يتطلع إليها بعتاب وتمتم برجاء
_أسيل متمشيش.
اهتزت نظراتها وقد لامس رجاوءه قلبها لكنها أبت أن ترضخ له ومرت من جواره غير عابئه بنظراته الراجية لها
لكن من قال أنها لا تبالي برجائه
بل انسحبت عندما شعرت بأنها تضعف أمامه
خرجت من المنزل كي تسمح لدموعها بالانهمار
لن تكون عودتها إليه بتلك السهولة عليها ان تلملم شتاتها وتمحي من داخلها بقايا القهر الذي عاشته
ومن قال أيضاً بأنه سيتركها ترحل بتلك السهولة
خرج خلفها يسرع الخطى حتى وصل إليها وجذبها من ذراعها ليديرها إليه يحتضنها بقوة لن يسمح لها بالذهاب بعد اليوم بعيدًا عن دائرته
_مش هسيبك يا أسيل تبعدي لو مهما حصل.
شدد من احتضانه لها وتمتم بشغف
_بعدك والموت واحد لإنك انتِ كل عمري.
كانت تبكي وهي مستسلمة بين يديه بتملك عاشق
يخفي وجهه بخصلاتها كي يخفي عنها دموعه التي لم تنساب على أحد سواها حتى اختلطت دموعها بدموعه
وكلاهما ينفطر الماً على الآخر
رفع كفيه إلى وجهها يمسح دموعها التي تكوي قلبه بابهامه لكنه أصبح لا يعرف أن كانت دموعها أم دموعه
كان يضع جبهته على خاصتها ولم يستطيع أحد منهم ردع تلك الدموع التي تنهمر بقوة
وكلا منهم يبكي على حال الآخر وحال الآخر هو حاله.
اعاد رأسها على صدره يقبله بأسف وندم متوعدًا بأشد عقاب لمن قاموا بتدميرهم
ابعد وجهها عن صدره ومسح دموعها بابهامه ثم تمتم بغصة تهز قلبها وقلبه
_سامحيني يا حبيبتي…
رفعت عينيها إليه فوجدته يرمقها بعينين دامعة مشفقة على كلاهما.
أغمضت عينيها بقوة تحاول السيطرة على نحيبها ورجفتها لكن لا فائدة بل شعرت بالدموع تنهمر أكتر حتى أصبحت قدميها كالهلام
نزلت على الأرض ونزل هو معها ليحتويها اكثر داخل أحضانه وجعلها تخرج تلك الآلام على هيئة بكاء من داخلها
وأقسم ان يكون ذلك هو البكاء الاخير لهما لذا تركها تبكي وتنتحب كما تشاء.
تشبثت به بوهن كأنها تطلب منه ألا يعاد ما فعله معها من قبل
وكأنه علم بما تود القلوب التفوه به لذا شدد من احتضانه لها كأنه يوعدها بذلك
بعد فترة استكانت بين يديه وتوقف نحيبها
تطلع إليها فوجد أنها قد نامت بين يديه..
بكل روية قام بحملها ونهض بها ليدلف منزله ثم صعد بها للأعلى ليضعها على فراشه.
خلع حذائها ثم سترتها كي تنام براحة ثم جذب عليها الغطاء وتركها لتنام
قام بالاتصال بجدها وأخبره أنها ستبقى معه
رحب جدها بذلك ولم يمانع فهي بالنهاية زوجته.
اغلق داغر الهاتف ثم وضع يديه في خصلاته وهو مستند على مرفقيه
لقد وصل التعب منه مبلغه لذا قرر أن ينام أخيراً بعد ذلك الشقاء
خلع سترته تلاها حذاءه ثم استلقى بجوارها على الفراش
جذبها لحضنه يشدد ذراعيه حولها كأنه يخشى هروبها منه.
أغمض عينيه وقد إرتاح قلبه أخيراً برؤيتها معه..
❈-❈-❈
في القاهرة.
دلف سليم غرفة الصغير فيجد وعد مستلقية بجوار إياد الذي غفى على فراشه
فقد أصر منذ عودته إلى القاهرة بعد أن أسترد أملاك والده التي لا يعرف عنه شيء حتى الآن أن يحتفظ بابن أخته لديه
وقد تعلقا به حتى أنهما يخشى رجوعه إلى أسيل والتي رفضت العودة إلى مصر نهائياً
دنى منها ليوقظها بخفوت
_وعد..
فتحت وعد عينيها ليبتسم قلبها قبل ثغرها عند رؤيته
همت بالتحدث لكنها تذكرت إياد الذي نام بعد عناء.
أشارت له بالصمت ثم خرجت معه للخارج وهي تقول بعد ان أغلقت الباب
_أخيراً نام، يظهر إننا زودناها أوي ولازم نبعته لأسيل.
تنهد سليم بعتب وقال
_انا بحاول اضغطت عليها عشان ترجع بس يظهر إنها مصرة وجدي كمان مشجعها تفضل معاه.
ضيقت عينيها بشك
_عايز تفهمني انه ده السبب اللي مخليك مش عايز ترجعه؟
حك رأسه بإحراج
_بصراحة بفكر احتفظ به وهي تخبط راسها في الحيط، عايزة ابنها يبقا ترجع تعيش معانا هنا.
ضحكت وعد وقالت
_انت مجنون بس بصراحة الولد ده بيعلق الكل به، انا مش قادرة أنسى شكل دادة أمينة وانت بتقنعها أنك تاخده يعيش معاك صدقني صعبت عليا أوي.
_هي كمان رفضت تعيش معايا هنا وحازم أصر على الرفض قال أنه سابها تفضل معانا بس عشان أسيل وبما إن أسيل مش موجودة يبقا مينفعش ترجع.
غمغمت بزعل
_بصراحة البيت وحش أوي من غيرها
غمز بعينيه بمكر
_وانا اللي بقالي يومين غايب مكنش وحش من غيري؟
ضحكت وعد وردت
_مين اللي قال كدة
رفعت اناملها تعد عليها
_دا انا عدتهم باليوم والساعة والدقيقة حتى الثانية.
رفع حاجبيه متسائلاً
_أومال فين مش شايف.
هزت كتفيها بلؤم
_بما إنك مش صابر تعالى معايا.
اندهش عندما وجدها تجذبه من يده ودلفت به غرفتهم
فتحت أحد الأدراج لتخرج شيء صغير وتتقدم منه تشير به أمام عينيه
_ده اللي كان بيخليني اعد الثواني عشان تيجي واقولك.
قطب جبينه بحيرة وسألها
_هو ايه ده؟
امسكه بيده فيجد جهاز صغير ويرى بهما خطين باللون الاحمر
قالت بسعادة
_انا حامل.
كان وقع تلك الكلمة عليه رهيب وهو يرى حلمه يتحقق بزوجته التي عشقها وطفل تمناه منها وحلم به كثيرًا
صدحت ضحكتها عندما قام بحملها وأخذ يلتف بها بسعادة كبيرة وقد انقشعت تلك الغيوم من حياته وازدهر حاضره ومستقبله
فقط يصل لوالده وتعود أخته كي ينعما معا بتلك السعادة
رواية جبل النار الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم رانيا الخولي
جبل النار
رانيا الخولي
الخامس والثلاثون
……………..
انهى خليل امضاء العقود التي وضعها المحامي أمامه
وسيلين تنظر لذلك الرجل الذي وضعها الله في طريقها كي يجعلها تقف على قدميها من جديد
اخذ المحامي الاوراق وقال
_مبروك للجميع.
ابتسمت سيلين وهي تنظر لخليل بامتنان
مبروك ليا إن ربنا وضعك في طريقي.
رد خليل
_انا معملتش حاجة تستاهل الكلام الكبير ده إن شاء الله نوقف المصنع على رجليه من تاني.
نهض المحامي وهو يقول
بالتوفيق إن شاء الله بعد إذنكم.
خرج المحامي فتطلعت سيلين لخليل بامتنان
متشكرة اوي.
ابتسم خليل بود
_على ايه، اي حد مكانك كان هيضايق المصنع بعد ما كان ملك بقى ليكِ شريك.
هزت راسها بنفي
_المصنع شوية كمان هيروح من ايدي نهائي لو كان البنك كلف مدير غيرك
كان زمانه سقطه نهائي واتباع بالبخس.
رد خليل بحكمة
شوفي يا مدام سيلين، اعرفي إن أي مكان بيدخله ربا فهو ساقط، عمر القروض مكانت حل لأي مشكلة لأنها ببساطة بتاخد الحلال بالحرام وتخرج به، ياما بيوت كتيير اوي اتخربت بسبب القروض ومصانع وشركات كان لها وزنها وللأسف بتسقط بسببها.
أيدت رأيه
_فعلا عندك حق
غيرت سيلين مجرى الحديث لتسأله عن داغر
_داغر عامل ايه دلوقت؟
تنهد خليل بتعب منه وقال
_اهو قاعد جنب مراته بيحاول يراضيها ومطلع عيني هنا وعمال يؤمر، اخلص الورق بتاع شغلي عشان ارجع تاني وغيرلي فرش البيت ولا اللي شغال عنده
اندهشت سيلين من أخلاق ذلك الرجل الذي كل مدى يؤكد لها مدى مثابرته على كل من حوله.
نهض خليل ليجلس على مكتبه وهو يقول
_ خلينا بقا نكمل شغلنا.
اومأت له سيلين بإعجاب وبدأت تعمل معه في صمت لا يخلو من النظرات.
❈-❈-❈
فرح؟
رددتها أسيل بوجل رغم رغبتها الشديدة بذلك وخاصة عندما أكد داغر
ايوة يا أسيل فرح احنا نستاهل ده بعد العذاب اللي شوفناه.
اهتزت نظراتها ولا تعرف ماذا تفعل
هل تخبره بأن ذلك أمر مستحيل لأجل ابنهم الذي لا يعرف عنه شيء حتى الآن
أم تلتزم الصمت حتى يأتي الوقت المناسب لذلك
أخرجها من شرودها داغر عندما سألها بتوجس
_انتِ لسة رفضة ترجعيلي بعد ما قولتلك الحقيقة؟
رفعت عينيها إليه فوجدته يرمقها بعينين تحمل لوعة وتوجس.
اخفضت عينيها ووضعت رأسها على صدره وتمتمت
_خايفة؟
حاوطها بذراعيه وهو يملس بيده على خصلاتها يطمئنها
_متخافيش مش هسمح لأي حاجة إنها تفرق بينا من تاني.
ابعد رأسه عن صدره يحتويه بيده وتابع
النهاردة هنرجع مصر انا حجزت التذاكر وهكلم عمي يعزم الدنيا كلها عشان يكون فرح يتحاكى به العالم كله.
تطلعت بعينيه التي ملئتها السعادة وتمتمت بألم
_ مش هينفع.
قطب جبينه بحيرة وسألها
_ ليه يا سيلا لو كان على اللي حصل…..
قاطعته أسيل دون تفكير
_لأن في طفل مش هيقدر يواجه الناس لو عملنا الفرح وهو موجود.
❈-❈-❈
أغلقت هايدي اللاب الخاصة بها فور خروج حازم من المرحاض والذي جلس على الفراش بجوارها قائلاً بحب
_مش قولتلك طول ما انا في الأوضة متخليش حاجة تشغلك عني؟
ابتسمت هايدي بحب وقالت
_مفيش حاجة في الدنيا دي تقدر تشغلني عنك بس ده دكتور الماني جاي مصر قريب بيعالج الحالات اللي زي حالتي فقلت اعرف هييجي امتى ونروح له.
_لسة مصرة، انا خايف عليكِ.
_متخافش عليا لو الدكتور قال ان مفيش امل هنسى الموضوع تمامًا
تمتمت بحنين
بصراحة من وقت ما إياد سابنا وانا حاسة بفراغ كبير أوي.
لم يريد حازم أن يقف أمام رغبتها لذا قال بروية
_اللي تشوفيه يا حبيبتي.
وضعت رأسها على صدره وتمتمت بخفوت
_ربنا يخليك ليا.
_ويخليكِ ليا يا عمري.
❈-❈-❈
رمش داغر بعينيه لا يفهم معنى حديثها فسألها بحيرة
طفل ايه مش فاهم.
اهتزت نظراتها أكثر وازدادت وتيرة دقاتها فيخرج صوتها مهزوز وهي تتمتم
_ا..بـ..ني.
لم يفهم منها شيء لذا طمئنها بعينه وتمتم بهدوء
_لو لسة خايفة مني فانا بقولك متخافيش لو الدنيا كلها قست عليكِ انا مستحيل.
لم يطمئنها حديثه بل جعلها تخشى رد فعله عندما تخبره
وخاصة عندما أخبرها خليل أن تخبره باسرع وقت وإلا سيفعل هو ذلك
ازدردت لعابها بصعوبة وتمتمت برهبة
إياد….يبقى…
توقفت عندما وجدته يقطب جبينه بحيرة
_ إياد ابن حازم؟ ماله؟ متتكلمي على طول يا سيلا.
ازدادت انقباضة قلبها لكنها شجعت نفسها على قول الحقيقة فقالت
_اياد مش ابن حازم لأنه ابنك انت.
تسمر ت عينيه على شفتيها التي نطقت تلك الجملة والتي اوقت العالم عن الدوران حتى شعر بأن قلبه توقف لبرهة من هول ذلك الخبر
أسبل عينيه للحظة ثم تطلع إليها مستفهماً
_ابن مين مش فاهم.
ارتدت خطوة للوراء خوفاً من رد فعله وغمغمت بلتعثم
_ابنك انت.
استوعب أخيراً ما قالته لكن الصدمة جعلت عقله يتوقف عن التفكير وكأن كل اعضاءه توقفت معه
مشاعر متضاربة ما بين صدمة وشعور بالغدر وفرحة بأن قلبه لم يخطيء عندما تعلق به فور حمله
لكن انتهى كل ذلك عندما اذكر صوته وهو يردد لقب "بابا" لحازم
تشنج فمه لكنه لم يبد ذلك وتحدث بثبوت
ارجعي البيت جهزي شنطتك عشان الطيارة هتطلع بعد ساعة.
انهى جملته ثم تركها ودلف للداخل كي يستعد للسفر.
لم تفهم ردت فعله وتجنبت الحديث معه الآن على الأقل
عادت إلى المنزل لتجهز حقيبتها بعد أن أخبرت جدها بكل شيء
لم يرفض رغم رغبته الشديدة في بقاءها معه
لكن عليه أن يتركها لأجل طفلها وزوجها الذي تأكد حقاً من صدق حبه لها.
ظل داغر ملتزم الصمت طوال رحلتهم وملامحه لا تعبر بشيء سوى الصمت
حتى اثناء خروجهم من المطار ظل واجماً وعندما سألته
_احنا رايحين فين دلوقت؟
توقفت سيارة صالح أمامهم فقال بجمود
اركبي وانتي هتعرفي.
استقلت السيارة وجلس هو بجوارها تتطلع إليه بين الحين والآخر وكلما حاولت التحدث يشير لها بالصمت
ظلت في ترقب حتى وجدته ينعطف باتجاه منزلها
تطلعت إليه بحيرة وسألته بوجل
_احنا جايين بيت بابا ليه؟
رد بفتور
_هو مش ابني مع سليم؟
هزت راسها بالايجاب فعاد هو لوجومه حتى توقفت السيارة بالداخل.
تحدث دون ان يتطلع إليها
_انزلي.
لم تفهم شيء فظنت أنه جاء إلى هنا ليأخذوا طفلهم
ترجلت اولاً وترجل هو بعدها فيجدا وعد تخرج من المنزل وهي تحمله ظناً منها أنه سليم
لكنها تفاجأت بأسيل وداغر معاً
ترقرقت عين أسيل بالدموع عندما وجدت إياد أمامها يتطلع إليها بفرحة
_ماما..
وقبل أن تخطو خطوة تجاهه وجدت داغر يندفع ليأخذه من يد وعد عنوة ثم يتوجه به إلى السيارة
لم تفهم أسيل شيء لكن عندما وجدته يدلف السيارة بابنها تاركاً إياها خلفه واستداربسيارته للخارج
حينها استوعبت أسيل ما يحدث فصرخت به
_داغر.
لم يبالي بندائها وهو يحتضن ابنه الذي أخذ يبكي عليها يتطلع إليها من زجاج السيارة الخلفي.
سقطت أسيل وهي تركض خلف السيارة حتى خرجت من البوابة الخارجية وانعطفت على الطريق
اسرعت وعد لتهدئتها خوفاً من حدوث شيء لها
لكن أسيل كانت تصرخ وهي تنادي داغر أن يعود.
دلف سليم بسيارته ليجد ذلك المنظر أمامه
اوقف السيارة وترجل مسرعًا تجاههم وهو يسألهم
_في ايه؟
ردت وعد التي تحتضن أسيل المنهارة
_داغر جه وأخد ابنه.
زم سليم فمه باستياء فهذا ما كان يخشاه ولا يلوم داغر على ذلك
امسك يد أسيل يساعدها على النهوض
_قومي معايا.
سألته وعد
_على فين؟
_هنروح لداغر، لازم تتكلم معاه وتفهموا هي ليه خبت عنه، لأنه مش هيسمع من أي حد غيرها، كلنا خبينا عليه.
نهضت أسيل مستسلمة ويد سليم تقودها لسيارته ثم ساعدها على الصعود وانطلق بها.
سألها
_عارفة عنوانه في القاهرة؟
_اطلع على اسكندرية.
❈-❈-❈
ظل داغر طوال الطريق يتطلع إلى ابنه الذي غفى بين يديه بحنين جارف
بين ليلة وضحاها يكتشف أن له أبناً رآه بقلبه ولم يعرفه
نعم شعر به قلبه لكن عقله لم يفهم ذلك
يتوعد بالعقاب لكل من قاموا بتدمير حياته وجعلوه ينحرم من تلك اللحظات التي يعيشها اي أب
أضاعوا عليه ليلة عمره التي حلم بها مع حبيبته
وأيضاً معرفته بحملها حتى ولادتها
كل تلك اللحظات ضاعت عليه ولم يعلم شيء عنها.
تشنج فمه عندما تذكر منادته لحازم بـ أبي
لكن هو حقاً لا يلوم أحد في كل ذلك..
دلف منزله بالإسكندرية وصعد لغرفته ليضع طفله على الفراش ثم جذب عليه الغطاء.
تطلع إليه ملياً وهو مازال غير مستوعب كل ذلك
فقد تلقى صدمات الواحدة تلو الأخرى وكأن صدمة واحدة لا تكفي
لم يندهش عندما سمع صوتها بالاسفل
فهو يعلم بأنها آتية خلفه
خرج من الغرفة فيجد أسيل بالأسفل تتطلع إليه برجاء ألا يظلمها مرة أخرى.
فتمتمت بصوت معذب
_فين ابني؟
ترجل من الدرج بوجوم حتى وصل إليها وسألها بمغزى
_ابنك لوحدك؟
أجابه سلبم بحدة
_اللي انت عملته ده غلط كبير…..
قاطعه داغر بانفعال
_انت بالذات متتكلمش عن اللي ينفع ومينفعش.
لم يجد سليم كلمات يرد بها فهو يعلم مقصده من ذلك فتابع داغر كي يواجهه بحقيقة لم يستطيع فعلها في المشفى لذا تحدث بهجوم
_لو كنت وقفت جانبها من الأول وجيت اخدت حقها مني مكنش حصل كل ده.
رد سليم بانفعال أشد
_كان غصب عني انت لو مكاني كنت هتعمل كدة.
_كنت هسمعها الأول وبعدين احكم اعمل ايه، بدل ما اسيبها مع حد غريب ومعرفش عنها حاجة
منتظر مني ايه لما اعرف إن ابني يتولد على ايد حد غريب ومن دادة امينة لحازم ليك انت زي ما يكون ملوش أب، تتحملها انت ازاي.
لم يستطيع سليم الرد ثم توجه داغر لأسيل يقول بعتاب.
_وانتِ لو أنا مجرم كدة وبالبشاعة اللي تخيلتيني بها ليه معملتش كدة واحنا مع بعض في اليخت
ليه معملتش كدة واحنا على الجزيرة، ايه اللي كان يخليني استنى تلات شهور وانا كنت قادر اعملها من زمان؟
لما دخلنا الفيلا مع بعض وانا بكلمك عن ظروف شغلي وبنخطط لجوازنا بعدها ملاحظتيش حاجة
ملاحظتيش بعد ما شربت القهوة وانا بحاول انطق واقولك اهربي….الحالة اللي كنت بهاجمك بيها دي كانت لأنسان طبيعي؟
حتى لو انا كدة
ليه مجتيش واجهتيني ليه ما رحتيش لعمي وقوتليله على اللي حصل لو انتِ خايفة من الوحش ده ليكررها تاني، لما عرفتي انك حامل ليه محاولتيش توصليلي انا كنت وقتها لسة في مصر.
هدر بها
_لما رجعت ليه مجتيش رميتي الحقيقة في وشي ووقتها كنت هنزل راكع قدامك واعتذرلك ليه سيبتي ابني طول الفترة دي مجهول هوية لا له شهادة ميلاد ولا اي حاجة تثبت وجوده، يعني لو الولد حصله أي حاجة متقدريش تتحركي به
لأن الناس هتسألك مين ده هتقوليلهم ايه؟
ابن حرام؟
قال كلمته الأخيرة بكل الغضب الذي يحمله بداخله حتى جعلها تنتفض إثرها.
اهتزت نظراتها وتمتمت بخفوت
_روحتلك البيت وانا شايلة ابني وقلت اواجهك زي ما بتقول بس وقتها الحارس قالي انك مسافر من فترة واحتمال مترجعش، وبعدين كنت منتظر إيه من واحدة الدنيا كلها غدرت به ومفيش غير الغرب اللي بتقول عليهم هما اللي وقفوا جانبها.
فجأة لقيت نفسي بنطرد وبيتحكم عليا بالموت
لما عرفت إني حامل مكنش قدامي حل غير إني أنزله
بس وقتها مقدرتش وتراجعت
لما ولدته قررت إني أجيلك عشان على الاقل تسجله باسمك ولو حتى بعقد عرفي بس قالي انك سافرت
وغيبت سنتين عني
لما دكتور عاصم طلب مني اشتغل عندك ممرضة لما سمعت اسمك انصدمت حقيقي كانت مشاعر جوايا ملخبطة، بإني حزنت على حالك وفي نفس الوقت اتشفيت فيك
وحسيت إن دي فرصتي اني انتقم منك
بس قلبي وقتها مقدرش وعرفت إني عمري ما هقدر أكرهك.
خفت اقولك إنك لك ابنك تاخده مني وعشان كدة قررت إني اخليك تتجوزني عشان أسجل ابني واقدر اسافر به لإيطاليا
ولما عمك عرف وقالي انه هيقولك الحقيقة خفت وطلبت منه انه يساعدني إنه يخليك تتجوزني عشان نسجل إياد الأول وبعدهاهحكيلك وانت شوفت الباقي بنفسك.
رغم تأثر داغر بما عانته إلا إنه تحدث بعناد
_برضه ده ميدكيش الحق إنك تخبي عليا.
تدخل سليم لينهي هذا الجدال
_داغر انت عارف كويس أوي إن كل اللي حصل غصب عنها لو عايزها برة حياتك سيبلها ابنها.
انفعل داغر وتحدث بحزم
_ابني مش هيخرج برة باب البيت ده.
عقد سليم حاجبيه متسائلاً بحدة
_يعني ايه؟ هتاخده بالغصب؟
رد داغر باحتدام وقد بدأ الحديث يشتد بينهم
_أيوة بالغصب واللي عندك اعمله.
لم تجد اسيل حل كي تنهي ما يحدث سوى أن تتظاهر بالاغماء
ولم تعرف أن فعلته تلك كادت ان تزهق بروحه عندما وجدها تسقط على الأرض أمامه.
_أسيل.
أسرعوا إليها قام داغر بحملها ليضعها على الأريكة وامسك يدها بسألها بلهفة
_حبيبتي انتِ كويسة؟
فتحت عينيها تتظاهر بالوهن وتمتمت بخفوت
_ابني يا داغر اوعي تبعدني عنه.
فهم سليم لعبتها لذا تراجع وتركها تتابع دهاءها وخاصة عندما رد داغر بوجل
_محدش يقدر يحرمك منه طول ما انا عايش.
مسح بيده على وجنتها وقال بلوعة
_ابننا هيعيش وسطينا مش هخليه يعيش الحياة اللي عانينا منها.
اومأت بعينيها بامتنان وانسحب سليم وتركهم يصفوا فيما بينهم.
تطلعت أسيل إليه برجاء
_عايزة اشوفه.
اومأ لها وقال
_تقدري تمشي ولا أشيلك.
وافقت ان يحملها كي لا يشك بشيء
فصعد بها الدرج وهو يحملها وقد استطاعت بدهائها إخضاعه لها وان ينسى كل شيء كما نست هي.
❈-❈-❈
دلف داغر الغرفة فيجدها مستلقية على الفراش تحتض صغيره وكلاهما ينامان في سكون
ابتسم وهو يتقدم منهم ليجلس على الفراش بجوارهم
لا يصدق بأنه أصبح أب وزوج لحبيبته التي حلم بها لأعوام
استلقى بدوره بجوارهم ولم يهتم بالطعام الذي طلبه ووضعه على السفرة بالأسفل
وضع رأسه على الوسادة وأغمض عينه على تلك الصورة التي اجمل ما رأتها عيناه.
❈-❈-❈
توقفت سيارة حازم أمام باب منزل داغر بالإسكندرية بعد أن أغلق هاتفه ووضعه على المقعد بجواره يتطلع إلى الباب بترقب.
لا يصدق بدوره ما حدث حتى الآن
ترجل من السيارة ووقف مستندًا يفكر
هل انتهت معانات أسيل أخيراً أم أن القدر مازال يتلاعب بها.
فتح الحارس الباب الحديدي فيظهر أمامه داغر وهو يحمل طفله الذي مازال مستغرباً إياه.
لكن عندما رآى حازم هلل بسعادة مما جعل داغر يغتاظ منه
_بابا.
ازداد حنقه وهو يقول لطفله بتوعد
_ماشي يا ابن القبطان لما أرجعلك بس.
ضحك حازم وهو يحمل إياد
_مع الوقت هينسى حازم واللي جابته كمان.
ابتسم داغر بود لكن بداخله مازال شعور الغيرة يكتنفه منه لكنه يحمل امتنان كبير له لولاه لتدمرت حبيبته بالفعل، كما أنه حافظ عليها طوال تلك الأعوام ولم يشعر أبنه باليتم.
أخذه حازم ووضعه في مكانه ثم استدار ليستقل مقعده فيتوقف مكانه عندما وجد داغر يقول بامتنان شديد
_متشكر أوي.
تطلع إليه حازم وقد فهم مقصده فرد بصدق
_انا معملتش حاجة تستحق الشكر أسيل أختي ولولا إني عرفت الحقيقة مكنتش هقبل برجوعها ليك.
استقل المقعد وانطلق بالسيارة تحت نظرات داغر الذي شعر بروحه تفارقه بمفارقة طفله
لكن سيتحمل لأجل ان يعوض حبيبته ويعود نفسه عن ذلك العذاب والقهر الذي عاشاه كلاهما.
عاد للداخل ودلف غرفته فيجد أسيل مازالت نائمة
لقد استيقظ عندما شعر بأنين طفله وهو يستيقظ بدوره فقام بحمله قبل أن يوقظها وخرج به من الغرفة
أجرى عدت اتصالات وهو يطعم طفله والذي شعر بالرهبة منه في البداية لكن داغر أغدقه بدفئ وحنان جعله يهدئ قليلًا
أخذه وصعد به إلى غرفة بجوارهم طلب من عمه قبل ان يعرف بوجود ابنه أن يتركها فارغة لأجل يوم كهذا
بدأ يحدث طفله بسعادة بأنه سيغيبا عنه فترة صغيرة وسيعود ليجد تلك الغرفة مخصصة له وحده بكل متطلباتها
وأخذ يخبره أيضاً بمكان مخصص له في الحديقة واعداً إياه ان يعوضه عن غيابه
أخرج هاتفه ليختارا معاً غرفة له يسأله عن رأيه لكن إياد لا يستوعب شيء فقط ينظر للرسومات الكرتونية ويشير عليها.
رن هاتفه برقم حازم فعلم بوصوله وقام بتركه معه..
اتكأ على الوسادة بمرفقه تطلع إليها بكل الحب الذي يحمله بداخله لها وقد أقسم في تلك اللحظة أن يعوضها حتى تمل من ذلك
كان بوده أن يقوم بزفاف كبير يليق بحبه لها لكن وجود طفله جعله يتراجع كي لا يكتشف بأنه حضر زفاف والديه وذلك كفيل ليجعله يشعر بأنه جاء نتيجة غلطة وقاموا بتصليحها
وحينها سيضطر مجبرًا أن يخبره بكل شيء
رفع أنامله ليضعها على وجنتها يملس عليها بحنو حتى شعرت به
فتحت عينيها بتثاقل وكأنها لم تكتفي من النوم بعد لكن بعد أن وقع نظرها عليه ووجدته ينظر إليها بتلك النظرات العاشقة
ابتسمت عينيها قبل ثغرها
وقد رأت ان تلك الغيوم قد انقشعت ولن تخفي سماءهم مرة أخرى.
سألها داغر بمشاكسة
_كل ده نوم، احنا بقينا بالليل.
ردت أسيل برقة
_حاسة إني بقالي سنين منمتش ولسة مشبعتش نوم.
أمسك يدها ليقبلها بحب وتمتم بوله
_ومش هسيبك تنامي تاني لمدة شهر.
قطبت جبينها بحيرة مصطنعة تسأله
_اشمعنى شهر؟
رفع حاجبيه بمكر
_لو عايزة أكتر معنديش مانع وكله وقدرة تحملك.
ضيقت عينيها بشك
_هتعمل ايه؟
ساعدها على النهوض وهو يقول بلا حياء
_هحجزك حصري لنفسي بس على جزيرة هنسيكي فيها اسمك.
لم تسمح لتلك التخيلات المخيفة ان تعكر صفو تلك اللحظة وقد نظرت الدنيا إليها أخيراً نظرة رضا فأومأت له برقة أذابته
_وانا معنديش مانع.
تذكرت أمر إياد فسألته بحيرة
_إياد فين؟
تقدم منها اكثر وأحاط خصرها بتملك وقال
_طلبت من حازم انه يفضل معاه الفترة دي لحد ما نرجع.
سك على أسنانه متوعدًا
_ابن….لسة بيقوله بابا لما ارجعله بس وحياة أمه لأنسيه حازم واليوم اللي شافه فيه.
تطلعت إليه أسيل بلوعة ومازالت لا تصدق أن حبيبها عاد من جديد يقتحم حياتها بقوة كما اقتحمها من قبل.
لو كان ما حدث يعد ضربية لحبهم فهي مرحبة بذلك دون اعتراض.
اخرجهم من فقاعتهم الوردية صوت هاتفه
تركها وأجاب هاتفه الموضوع على المنضدة
_خلصت ولا لسة
_…….
_تمام سيب كل حاجة وامشي انت والعمال.
لم تفهم أسيل شيء
وانتظرت حتى أغلق الهاتف وعاد إليها سألته بحيرة
_في ايه؟
ابتسم بحب وجذبها من يدها ليقول
_تعالي معايا وانت تعرفي.
تركته يأخذها إلى حيث يريد فوجدت اليخت يضيء في ذلك الليل المعتم على حافة الشاطئ
شهقت أسيل عندما وجدته يميل عليها يحملها ويسير بها على الممر حتى صعد بها لليخت
وعندما خطى داخله قال بأمر محبب
_غمضِ عينيكِ.
_خايفة لو غمضتها يطلع كل ده حلم.
طمئنها بابتسامته وقال بمشاغبة
_لا متخافيش، غمضي بقا لأنك تقلتي أوي وضهري وجعني.
ضربته بخفة على كتفه جعلته يضحك بسعادة ثم اغمضت عينيها فوجدته ينزلها على قدميها وقال
_فتحي عينيكِ.
فتحت أسيل عينيها فتجد صورهم في كل مكان وهم على الشاطئ وصور أخرى لهم على الجزيرة
وصورة لها وحدها وهي نائمة على الأريكة
ترقرقت عينيها بالدموع عندما تذكرت تلك اللحظات وكيف أنه ظل محتفظ بها طوال أعوام
كانت الأرضية مفروشة بالورود التي تهب عليها الرياح تتقاذفهم برقتها
أدارها إليه عندما لاحظ الدموع المتعلقة بأهدابها فقام بمحوها بأنامله متمتمًا بعتاب
_ليه الدموع دلوقت؟
تطلعت إليه بعشق جارف وتمتمت برهبة
_خايفة..
عقد حاجبيه متسائلاً بمكر
_اوعى تقولي خايفة ليكون حلم، أصل وقتها هضطر اعمل حاجات تانية غير اللي مخطط عليها عشان أخليكي تصدقي.
رمقته بعشق جارف وتمتمت بوله
_وانا مش هقولك لأ بعد النهاردة.
حك رأسه بيده وهو يقول بحيرة
_انتِ كدة هتخليني آجل كل المخطاطات دي لبعد سنة على الأقل.
ضحكت اسيل وقالت
_لا وعلى إيه وريني باقي مخططاتك.
مال عليها ليهمس بجوار أذنها
_هتلاقي اتنين تحت اللي يعجبك البسية بس واحد منهم مينفعش تطلعي به انا اللي هنزلك لو اختارتيه دلوقت.
فهمت أسيل ما يرمي إليه مما جعلها تخفض عينيها بحياء وتتركه لتنزل للأسفل.
لم يسلم الدرج من لمساته التي زينها بأشرطة حريرية تسلب الأنفاس وهي لا تعرف كيف فعل كل ذلك في تلك الفترة الوجيزة
دلفت الغرفة وقد اتسعت عينيها بذهول مما تراه
فقد وجدت صورهم معاً وهم في المياه عندما انزلها بالغصب لكن الصورة لم تكن ذات جودة فعلمت أنها تم أخذها من كاميرة اليخت.
غير الوسائد التي كتب اسماءهم على كل وسادة منهم
وعلى الفراش الوثير كلمتين خصهما بها وحدها
(وردتي الشائكة)
اغمضت عينيها وهي تضع يدها على قلبها تهدئ من نبضاته
تطلعت إلى الثوب الأبيض والذي يشبه ثوب زفاف لكنه هادئ وجميل.
زمت فمها بحنق عندما وجدت الأخير موضوع بجواره
_قليل الأدب.
أخذت الثوب الأبيض ودلفت المرحاض.
خرجت بعد مدة وهي تتهادى بمشيتها فتجده واقفاً أمام الطاولة التي وضع عليها العشاء وقد أشعل الشموع التي تراقص ضوءها بفعل النسمات الهادئة التي هبت عليهم.
لأول مرة تراه يرتدي بدلة ورابطة عنق لاقت به كثيرًا
لم يتحرك من مكانه وهو يراها تخطو تجاهه بخطوات شعر بها تدعس على قلبه بلا شفقة ولا رحمة وقد عاندته النسمات وهي تتلاعب بخصلاتها وكأنها تعلم جيدًا مدى ضعفه أمام ذلك.
ازدادت وتيرة أنفاسه عندما وجدها تزين عنقها بذلك العقد اللؤلؤي كما حال الأقراط التي وضعت بأذنها ما كان عليه أن يهديها إليها الآن فيكفي ذلك الثوب الذي أرهقه
اسبل جفنيه لبرهة عندما لفحته رائحتها الوردية والتي اسكرته بحب لم يشعر بمثله من قبل
هالك لا محالة
رفع جفنيه فوجد تلك الحورية أمامه تتطلع إليه بعشق وخجل أرهقه
مد يده إليها طالباً يدها ولم تبخل عليه بها ووضعتها بيده
جذبها إليه ليقربها منه يتطلع إلى ملامحها بعشق ووله وتمتمت بصوت مبحوح
_قولتلك قبل كدة إني بحبك.
تهربت بعينيه خجلاً وأومأت له
فسألها بمكر
_يعني بلاش اقولها؟
هزت كتفيها بدلال
_لأ قولها.
ظهر الخبث بعينيه وهو ينظر لثغرها
_انا بقول نأجلها أحسن لإني لو قولتلها هنموت من الجوع.
ضحكت أسيل وهمت بالجلوس على مقعدها لكنه منعها
_رايحة فين؟
اندهشت من قوله
_هقعد.
ازداد المكر بعينيه وهو يقول بلهجة ماكرة
_مينفعش أصله مكسور وممكن يوقعك.
سحب مقعده ليجلس عليه ثم جذبها لتجلس على ساقه.
_داغر انت بتعمل ايه؟
رفع حاجبيه مدعي البراءة
_عايزاني اقعدك على الكرسي المكسور وبعدين يا عمري انا لازم أكل بايدي لأن مفيش أكل تاني إلا على الجزيرة لما نوصل.
_وهنوصل امتى بقا.
غمز بعينيه بشقاوة
_احنا مش هنام على الفجر كدة نتحرك باليخت، كفاية كلام وخليني أكلك بايدي.
ظل داغر يمطرها بكلمات الغزل وهو يطعمها بيده وهو تفعل ذلك لكن بحياء شديد وهو يتطلع إليها بعشق ووله.
امسك هاتفه وقام بفتحه على اغنية
سهرنا يا ليل
ثم نهض بها كي يراقصها على ألحانها وهي تتحرك بخفه بين يديه وسعادة غامرة أحاطت كلاهما
كانت كالفراشة بين يديه يبعدها دون أن يترك يدها ثم تلتف لتعود لحضنه برشاقة ولوعة
حتى بالأخير شعر بأنه لم يعد يستطيع التحكم في مشاعره أكثر من ذلك وقام بحملها وترجل بها للأسفل..
رواية جبل النار الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم رانيا الخولي
رمشت أسيل بخجل عندما أنزلها داغر على الأرضية المفروشة بالورود.
مما جعل نظراتها تهتز عندما وجدته يتطلع إليها بعشق ورغبة.
وصوته الحاني يتمتم:
_ مش مصدق إنك أخيراً بقيتي في حضني وملكي.
تاهت عينيها في بحور عينيه.
وقد حاولت بقدر المستطاع طرد تلك المخيلات التي تقتحم رأسها وتجبرها على الابتعاد.
لا تريدها أن تعكر صفو تلك اللحظة.
أحاط خصرها بذراعيه برقة كأنه يخشى عليها من حدة يديه وقربها منه أكثر.
متابعاً بوله:
_ عشت سنين بستنى اللحظة دي ولما جات.
طافت عينيه على ملامحها وتابع بهمس وعينيه تتلكأ على شفتيها:
_ خايف أموت على إيديكي من الفرحة.
وضعت يدها على فمه وهي تقول بلهفة:
_ أوعى تقول كده تاني، أنا أموت لو جرالك حاجة.
أمسك يدها التي تضعها على فمه وقبلها بحب جارف مغمضاً عينيه متأثراً بمشاعره.
عندما تابعت:
_ أنت عمري اللي بقيت عايشة ومن غيرك أموت.
فتح عينيه كي يتوه أكثر في بحور عينيها وتمتم بشغف:
_ انتِ حبيبتي يا أسيل من يوم ما شوفتك واقفة بجانب سور السفينة وانتِ ملكتي كل كياني.
حاوط وجهها بكفيه وعينيه تنظر لثغرها هامساً أمامه حتى داعبت أنفاسه أنفاسها:
_ ومن وقتها وأنا بحلم باللحظة اللي تكوني فيها مراتي، كنت بتعذب أوي كل ما أفاتحك في جوازنا وتأجلي.
طبع داغر قبلة صغيرة على جانبه وتابع:
_ كنت بلاقي صعوبة رهيبة وأنا بتحكم في مشاعري كل ما نبقى لوحدنا، لأنك كنت روحي اللي لازم أحافظ عليها، لأن مفيش حد بيأذي روحه يا روحي.
ترقرق الدموع بعينيها متأثرة بكلماته.
لكنه منعها:
_ هشش مش عايز أي دموع الليلة دي، مش عايزين أي حاجة تبوظ فرحتنا.
ملس إبهامه على شفتها التي ترتجف وتمتم بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من مشاعر عشق ألهمت قلوبهم:
_ لو خفتي من الدنيا كلها أوعى تخافي مني لأنك أغلى حاجة في حياتي.
مال عليها ليطبع قبلات خاطفة على جانب ثغرها قبل أن يحتويه بعشق جعل ضربات قلبه تهدر بقوة.
رفعت أسيل ذراعيها تضعها على صدره تتشبث بقميصه وتغمض عينيها بقوة.
عندما عادت تلك الذكريات بأشدها إليها مما جعل جسدها يرتجف.
حاولت بصعوبة السيطرة عليها لكن لم تنجح بذلك.
كانت تترقب كل حركة له وكأن تلك اللحظات السعيدة التي تعيشها معه الآن ستنقلب على عقبيها وتجد ذلك الوجه الآخر يدمر كل شيء.
وكأنه شعر بما تعانيه إذ أبعد وجهه عنها يتطلع إلى عينيها بلوعة وتمتم بعتاب ألهب قلبها:
_ لسه خايفة مني؟
رفعت عينيها إليه فوجدته يرمقها بعينين يغشاها العشق والخوف في آن واحد.
خفضت عينيها لا تعرف بماذا تجيب.
هي تريده كما يريدها لكن الخوف حقاً يفعم قلبها.
لكن استطاع بكلمات مقتضبة أن يهدئها قليلاً وهو يقول بصدق لامس قلبها:
_ أنا بعشقك.
استطاعت كلماته أن تهدئ من روعها وعاد يأسر شفتيها بقبلة متمهلة متأنية حتى استسلمت له.
كان صبوراً إلى أقصى حد عليها ولا يلومها على ذلك.
فقد تذكر كل شيء وكيف أنه أخذها بعنف لن يستطيع أحد تحمله.
والمرة الأخرى كانت مشاعره متضاربة ما بين أن حبيبته بين يديه وبين استيائه من غدرها به وقد فقد السيطرة على نفسه حينها.
مرات عديدة لذا لا يلومها على رفضها الذي يظهر مع كل خطوة تخطوها نحو علاقتهم.
فأخذ يمطرها بوابل من الكلمات المعسولة والمطمئنة لها.
حتى بالأخير استسلمت له.
في غرفتهما.
ظل كلاهما يعدا قطرات المطر التي تتقاذف على زجاج النافذة بسعادة عارمة وهو يحتويها بذراعيه داخل أحضانه على الفراش.
ضحكت أسيل عندما زادت القطرات مما جعلها تكسب الرهان.
تطلعت إليه بسعادة وهي تجذب الغطاء على وجهها:
_ كده بقى أنام براحتي.
جذب الغطاء عن وجهها وقال بجدية مصطنعة:
_ أنتِ هتخمنيني من أولها، أنا قولتلك لو زادت هسيبك تنامي بس دي وقفت خالص.
زمت فمها بغيظ منه:
_ أنا اللي بخمن ولا أنت، وبعدين هي أه وقفت بس زادت قبل ما تقف.
تطلع إليها بغيظ منها:
_ تصدقي بالله أنا غلطان إني وافقتك من الأول على الرهان لأنك عيلة.
ضحك داغر عندما وجدها تزم فمها وتقذفه بالوسائد حتى أنه لم يستطيع أن يمنعها:
_ أنا اللي عيلة ولا أنت يا قليل الأدب.
تظاهر داغر بالجدية وأخذ منها الوسادة ليلقيها بعيداً:
_ قليل الأدب، أنتِ بتقولي لمين كده؟
قالها داغر مدعي الصدمة فقالت بتأكيد وقد توقفت عن ضربه:
_ ليك أنت.
رفع حاجبيه متسائلاً:
_ أنتِ قد الكلمة دي؟
هزت رأسها بتأكيد:
_ آه قدها، هتعمل إيه؟
وجده يتطلع إليها بخبث فهمته وخاصة عندما رد بمكر:
_ لو على العمايل فأنا هعمل كتير.
وقبل أن تلوذ بالفرار من جواره أسرع بجذبها إلى حضنه ليأسر شفتيها بقبلة أطاحت بتعقل كلاهما.
حاولت الفرار منه لكنه أحكم قبضته حولها ثم أخذها لعالمهم الخاص.
صعد داغر على متن اليخت كي يقوم بتحريكه متجهاً إلى وجهتهم.
فقد نامت أسيل غصباً عنه ولم يريد أن يضغط عليها أكثر من ذلك.
شعر بحنين جارف إلى طفله وكم أراد أن يعود ليأخذه معهم.
لكن اليخت أو الجزيرة ليس مكان آمن له.
سيصطحبه معهم فور عودتهم إلى منزل عمه بالقاهرة وسيظل هناك حتى موعد عودته للعمل.
يعلم جيداً بأن عودتهم لذلك المنزل سيكون صعباً على حبيبته وصعباً عليه أيضاً بعد أن عرف ما حدث.
لكن عليه ذلك كي تواجه مخاوفها.
فمازالت حتى بعد معرفتها الحقيقة تترقب كل خطوة منه وهي بين ذراعيه.
لولا كلمات الغزل التي لم يكف عنها كي يجعلها تهدأ وتنتهي تلك الرجفة التي تنتابها.
ابتسم بحب عندما شعر بيديها تحتضن خصره وتضع رأسها على ظهره وتمتمت بخفوت:
_ وحشتني.
ترك تارة القيادة واستدار ليتطلع إليها وتشرق شمسه بابتسامتها التي أضاءت روحه.
أبعد خصلاتها عن وجهها وتمتم بعشق:
_ مش قولتي هنام؟
هزت كتفيها بدلال:
_ مجاليش نوم وأنت بعيد عن حضني قلت آجي أنام جنبك على الكنبة زي ما كنت بتعمل زمان.
ابتسم داغر للذكرى:
_ يااا يا سيلا على الأيام دي، كنت بحلم امتى تكوني مراتي.
كنت كل ما نجتمع مع بعض لوحدنا كنت بلاقي صعوبة كبيرة عشان أتحكم في مشاعري ناحيتك لو كنت حسيتي بيا وقتها كنت هترحميني.
ضحك داغر عندما ضربته على كتفه وتمتمت بحنق:
_ قليل الأدب..
رفع حاجبيه بمكر:
_ تااااني؟
جذبته أسيل من أذنه وهي توبخه كطفل صغير:
_ اعمل فيك إيه دماغك ديما شمال.
تظاهر داغر بالألم وقال:
_ غصب عني دي حاجة مش بإيديا تقدري تقولي كده مرض بعيد عنك.
تركته لتتوجه ناحية الأريكة لتستلقي عليها:
_ ربنا يشفيك.
تطلع إليها بمكر:
_ هو أنتِ فكرك إني هعرف أشوف قدامي وأنتِ جانبي كده؟ يا تيجي تقفي جانبي يا تنزلي تنامي تحت.
استدارت أسيل كي توليه ظهرها وهي تشعر برغبة شديدة في النوم فتثاءبت قائلة:
_ خلاص مش هخليك تشوفني.
وفي لمح البصر انتظمت أنفاسها وغرقت في سبات عميق.
ابتسم برضا ثم ترجل للأسفل ليأخذ لها الغطاء ويضعه عليها.
مال ليطبع قبلة حانية على وجنتها وكم أراد في تلك اللحظة أن ينام بجوارها لكن عليه أن يؤجل كل ذلك حتى يصل للجزيرة أولاً.
أصبحت العلاقة بين خليل وسيلين مشاركة في كل شيء.
متعلل كلاهما بعدم استطاعتهم العودة إلى منازلهم للغداء.
فيتناولوا طعامهم معاً في كافتيريا المصنع.
وأثناء تناولهم الطعام سألته سيلين كأنها تفتح مجال للحديث:
_ داغر ومراته أخبارهم إيه رجعوا ولا لسة.
رد خليل بقلة حيلة:
_ رجع يا ستي وأخد مراته وراحوا يقضوا شهر العسل مفكرش حتى ييجي يسلم عليا، يظهر إن كل ده كنت بربي لغيري.
ضحكت سيلين وقالت:
_ هي دي سنة الحياة مهما كان معاك أولاد بييجي علينا الوقت اللي كل واحد ينشغل بحياته ويديها كل أولوياته.
أومأ لها:
_ يعني اللي خلف في الآخر زي اللي مخلفش.
شعرت سيلين بالإحراج وتمتمت معتذرة:
_ أنا مكنتش أقصد….
قاطعها خليل بصدق:
_ صدقيني الموضوع ده عمره ما شغلني من وقت ما مراتي الله يرحمها قالت إن العيب منها وإنها مش هتقدر تخلف وأنا شيلت الموضوع من دماغي وبصراحة داغر في وقتها كان معوضني عن الحرمان ده عشان كده إحنا كمان عوضناه عن حرمانه بأمه وأبوه، عشنا مع بعض أسرة مترابطة، وخصوصاً أنه رفض يسافر مع والده وأصر إنه يفضل معانا.
لما مراتي ماتت وعرفت إن العيب كان مني أنا مفرقش معايا ولا حسيت بالذنب لأني محسستهاش لحظة واحدة إني ظلمتها حتى لو بنظرة.
تطلعت إليه بتقدير وقالت باطراء:
_ بجد أنت شخصية جديرة بالاحترام أوي يا خليل بيه ونادر وجودك دلوقتي.
رفع حاجبيه متسائلاً:
_ مش شايفة إنك مبالغة حبتين؟
هزت رأسها بنفي وتحدثت بثقة:
_ دي حقيقة أنا شايفاها وواثقة منها.
أراد خليل أن ينهي الحديث لأنه حقاً لا يحب ذلك الإطراء وقال بثبوت:
_ مش هجادلك لإني مش بحب الجدال.
على العموم الرسول عليه الصلاة والسلام قال (الخير هيفضل في أمتي ليوم الدين).
أيدت حديثه:
_ عليه الصلاة والسلام، فعلاً الدنيا لسه بخير طالما فيها زيك.
أومأ لها وقام بتغيير الحديث:
_ الولاد أخبارهم إيه؟
_ كويسين الحمد لله ديدا مصرة إنها تدخل شرطة ومعتز رافض بيقولها انتِ بنت وده مجال للشباب مش ليكي انتِ، وبصراحة محتارة.
مش عايزة أكسر كلمة معتز عشان مهزقش ثقته في نفسه ويحس إن كلمته مش مسموعة وخصوصاً في سنه ده وبرضه مش عايزاه يكون متحكم أوي في حياتها.
تحدث خليل بحكمة:
_ الأفضل إنك تقنعي معتز برأي أخته وتتركي الرأي الأخير له بمعنى إن دي رغبتها ومش عايزين ومينفعش نكسر رغبتها بس لو انت مصر تمام، وقتها مش هيقدر يرفض لأنك كبرتيه قدام نفسه وقدام أخته فمش محتاج يثبت كيانه طالما أنتم شايفينه كده.
أيدت رأيه بنظرة منها وقد أثبت ذلك الرجل بأنها أحسنت تلك المرة الاختيار.
أوقف داغر اليخت أمام الممر بعد رحلة استمرت ساعة.
تطلع إلى تلك النائمة بعشق جارف يتأمل ملامحها التي لا تكتفي عيناه من النظر إليها.
تقدم منها ليجثو على ركبتيه بجوارها وملس أنامله على وجنتها فتشعر به تلك النائمة ترمش بعينيها قبل أن تفتحها على تلك العيون التي سقطت صريعة لها فور رؤيتها:
_ صباح الورد.
ابتسمت بخجل من نظراته وتمتمت بشجن:
_ أجمل صباح صحيت عليه.
اتسعت ابتسامته للسعادة الواضحة عليها وقال بحب:
_ وأنتِ أجمل حاجة شفتها عيني، بحبك يا أسيل.
أغمضت عينيها تحاول الثبات أمام تلك المشاعر التي اقتحمتها بنظراته وكلماته المعسولة.
امسكت كفه الذي يملس به على خدها وقامت بتقبيله بحب وهي تتمتم بخفوت:
_ خايفة يكون كل ده حلم، بس لو حلم مش عايزة أفوق منه.
هز رأسه بنفي وتمتم بوله:
_ لا حقيقة بس هنخليها حقيقة زي الحلم هنعيش مع بعض أجمل لحظات وهعوضك عن كل ثانية عيشتيها بعيد عني.
مال على ثغرها يطبع قبلة حانية بجانب شفتيها قبل أن يأخذها إلى تلك الفقاعة الوردية التي لا يدخلها سواهم.
سار داغر على الممر وهو يحتضن أسيل وكأنه يخشى أن تهرب بعيداً عنه ولو حتى خطوة واحدة.
صرخت عندما با بغتها داغر بحمله لها وهو ينزل من الممر على الأرض الخضراء.
أخفت وجهها في عنقه وتمتمت بسعادة:
_ أنت مجنون.
ضحك داغر بسعادة أكبر وتمتم بتوعد:
_ هو انتِ لسه شفتي جنان اصبري بس عليا.
حاوطت عنقه بذراعيها وتمتم بحبور:
_ بحبك يا داغر.
_ وأنا بموت فيكي يا قلب داغر.
صعد درجتين حتى وصل لباب المنزل الصغير الذي استأجره لها ليقضوا به رحلتهم.
أنزلها أمام الباب وقال بثبوت:
_ ثواني.
أخذ الشريط الوردي الموضوع على الباب الزجاجي ثم وضعه على عينيها فسألته:
_ حبيبي بتعمل إيه؟
ربط الشريط بحنو وهمس بجوار أذنها:
_ مفاجأة يا عيون حبيبك.
فتح الباب وقادها للداخل ثم أغلق الباب بقدمه وقال هامساً وهو محتضنها من الخلف:
_ تحبي تفتحي عينيكي هنا ولا في الأوضة؟
هزت كتفيها بدلال:
_ وإيه الفرق؟
قربها لصدره أكثر:
_ لااا الفرق كبير أوي تحبي تجربي.
هزت رأسها بنفي:
_ لأ متشكرة خلينا هنا.
طبع قبلة خاطفة على وجنتها قبل أن يرفع الشريط عن عينيها فتتفاجئ أمامها بمنزل صغير بجدران زجاجية وستائر بيضاء سائدة كحال كل شيء به.
تطلعت إليه بانبهار وعينيها تستكشف المكان بذهول.
كل شيء به باللون الأبيض حتى جدران الغرفة الوحيدة به.
وكذلك المدفأة الجانبية.
كما كانت أزهار التوليب البيضاء تحيط المنزل من كل جانب حتى زهور الأقحوان تتراقص مع النسمات الهادئة برائحة اليود.
استدارت لتنظر لداغر وتمتمت بعدم استيعاب:
_ أنا مش مصدقة نفسي معقول الجمال ده؟
ابتسم بسرور عندما لاحظ انبهارها وتمتم بعشق:
_ وأكتر كمان أنا هعيش بس عشان أسعدك يا عمري.
استدارت له لتنظر داخل عينيه التي تسحرها وتمتمت بعيون دامعة:
_ داغر أنا…..
لم تجد الكلمات التي تصف بها امتنانها لكل ما يفعله لأجلها.
رفع داغر أنامله ليتلاعب بخصلاتها وتمتم بوله:
_ متقوليش حاجة، أنا شايف وقاري في عينيكي كل حاجة، بس لو استمريتي على كده هتهنجي مني لسه قدامك مفاجأت كتير.
لفت ذراعيها على عنقه تحتضنه بشدة ولم تستطيع حينها منع دموعها من النزول وهي تشدد من احتضانه.
شعر داغر بدموعها على عنقه مما جعله يبعدها عنه بقلق فوجد عينيها تنهمر منها الدموع بغزارة فأحتوى وجهها بكفيه يسألها بلهفة:
_ مالك يا قلبي بتعيطي ليه؟
أغمضت عينيها كي تتخلص من الدموع المتعلقة بأهدابها وتمتمت بخفوت:
_ بعيط على السنين اللي ضاعت وأنت بعيد عني.
مسح دموعها بابهامه وتمتم بحنو:
_ قولتلك هعوضك يا عمري لدرجة إني هنسيكي كل لحظة عذاب عيشتيها بعيد عني.
هزت رأسها بألم:
_ خايفة الدنيا تستكتر عليا الفرحة دي.
ابتسم لها وهو يقول بثقة:
_ طول ما أنا جنبك اطمني ومتخافيش من حاجة.
عادت لحضنه ليكتنفها شعور الأمان من جديد.
كانت تستمع لنبضاته كأنه لحن موسيقي أطرب أذنها.
طبع قبلة متملكة على رأسها ثم تمتم بوله:
_ هنفضل كده كتير؟
أومأت له دون أن ترفع رأسها إليه:
_ مش عايزة أسيب حضنك.
فقال هو بمكر:
_ ولا أنا كمان مش عايز أسيبه، بس عايزه بطريقة مختلفة.
رفعت وجهها وزمت فمها بغيظ:
_ أنت منحرف.
هز رأسه بنفي:
_ بصراحة دي المرة الوحيدة اللي غرضي شريف تعبت بس من الوقفة وعايز نقعد على الكنبة.
رمقته بشك فهز رأسه بثقة أن تصدقه فقالت:
_ ماشي هصدقك.
أمسك يدها وجلس بها على الأريكة الوثيرة ثم سألها:
_ تشربي إيه؟ ميكس ولا بلاك؟
نهضت أسيل:
_ خليك أنت أنا هعمله.
نهض معها وهو يقول بخبث:
_ خليني أساعدك أصل المكان غريب عليكِ ومش هتعرفيه.
رفعت حاجبيها تتصنع الدهشة:
_ لا والله.
أومأ بتأكيد:
_ آه طبعاً تعالي.
جذبها من يدها وتقدم من المطبخ الذي صمم بإتقان في أحد الأركان ثم قال بجدية مصطنعة:
_ عيبه الوحيد أنه ضيق مينفعش اتنين يقفوا فيه إلا إذا كانوا حاضنين بعض.
ضحكت أسيل وسألته:
_ إزاي بقى؟
_ كده.
احتضنها من الخلف ووقف بها أمام الغلاية الكهربائية ليأخذها ويضعها أسفل المياه يتحرك بها وهو يحتضنها بقوة وكأنه يخشى أن يتركها لحظة واحدة.
فتحت أسيل نافذة المطبخ التي تطل على حديقة مليئة بالزهور فتداعب نسائم الربيع خصلاتها التي داعبت وجه داغر وهو مازال محتضنها فيغمض عينيه مستمتعاً بعبيرها.
الذي يسحره بعطره الآخذ، فقد أصبحت كالخمر كلما ارتوى منه كلما ازداد شعوره بالظمأ.
استدارت بين يديه ليفتح عينيه على تلك العيون الذي أيقن الآن أن عاجلاً أم آجلاً ستكون سبباً في هلاكه.
كانت تحدثه وهو غير منتبه لحديثها بل كان في عالم آخر وعينيه تجوب ملامحها بشغف ووله.
هي العالم وما به من ملذات.
تجمع فقط بداخلها فلم يعد يرغب شيئاً بعد الآن غيرها.
توقفت عيناه على شفتيها التي تحركها بالحديث الذي لا يسمع منه شيء.
صب كل حواسه على تلك الحورية المتمثلة أمامه ومن خلفها بحره الهادئ يرسل إليه نسماته برائحة اليود ماراً بطريقه إلى نسمات الياسمين مقتحمين وحدتهم.
أخذ نفس عميق من تلك النسائم التي اختلطت برائحة اللافندر التي تنبثق منه.
انتهت عند تلك النقطة قوة تحمله ولم يعد يطيق صبراً فمال يحملها بين يديه ودلف بها تلك الغرفة التي تزينت بإتقان للعروس.
نهض الطبيب من مقعده بعد معاينته لهايدي.
وحازم يمسك يدها بدعم حقيقي.
ساعدها على النهوض ثم أشار لهم الطبيب بالجلوس وقال:
_ تفضلوا بالجلوس.
جلسوا منتظرين حديثه بترقب حتى قال:
_ دعوني أكون صريحاً معكم، الحالة صعبة لكن علاجها ليس مستحيلاً قد يستغرق بعض الوقت لكن بالنهاية سيكون باستطاعتك الإنجاب.
تطلعت لحازم بسعادة وقد بادلها هو بابتسامة متحفظة كي لا يشعرها بأن الأمر يفرق معه.
وفي حقيقة الأمر هو يود أن يكون له عائلة كبيرة يعوض بها حرمانه لكن لن يظهر بذلك كي لا تشعر بالحزن.
تابع الطبيب:
_ ستتابعين معي خلال فترة وجودي بمصر وبعد سفري راسليني بالفحوصات.
أومأت هايدي وخرجا معاً من المشفى وقد شعرت بالأمل بعد أن فقدته.
قالت بغيظ:
_ لو كنت عرفتني من الأول كان زمانا معانا أربعة.
ضحك حازم وهو يفتح لها باب السيارة:
_ أربعة مرة واحدة.
أومأت له وقالت بحدة محبب:
_ آه عندك مانع؟
تمتمت بكل ما يحمله بداخله من حب لها:
_ وأنا أقدر برضو كل اللي نفسك فيه هعمله.
احتواها بحب ليقبل رأسها ثم تمتم بمكر:
_ أنا بقول نروح البيت أحسن لأني ممكن أتهور دلوقتي.
ضحكت هايدي بعلو جعلت حازم يحرك السيارة كي يعود بها إلى منزلهم.
في الغرفة.
كانت أسيل تضع رأسها على صدره في سكون تام.
مما أقلق عليها داغر فسألها:
_ مالك ساكتة ليه؟
أغمضت عينيها وقد داهمتها ذكريات تلك الليلة والتي علمت جيداً بأن لا شيء مما يفعله سيمحيها من ذاكرتها.
ازداد قلقه عندما لم يجد منها رداً فابعد رأسها عن صدره واستلق بجانبه ينظر إليها فيتفاجئ بدمعة سقطت على وجنتها مما جعله يلتاع عليها:
_ مالك يا سيلا أنا ضايقتك من غير قصد؟
لم تستطع فتح عينيها ورؤية قلقه عليها في عينيه.
لن تخبره حتى لا تقهره أكثر فقالت بكذب وهي تفتح عينيها:
_ مفيش بس إياد وحشني، وكان نفسي ييجي معانا.
يعلم جيداً بأنها لا تخبره الحقيقة لكنه سايرها قائلاً:
_ أنا كمان وحشني أوي بس تفتكري المكان ده أمان لطفل عمر سنتين وأنا قولتلك إن وقت ما نرجع هنسافر القاهرة نقضي شهر كمان مع عمي لإني بصراحة قصرت معاه أوي وعايز أقعد معاه لحد ميعاد السفر.
رفعت عينيها إليه بصدمة:
_ سفر؟
أكد داغر:
_ آه عشان شغلي، ما أنا قولتلك إني رجعتله.
ظهر القلق واضحاً عليها وسألته بتوجس:
_ هتغيب عني كتير؟
زم فمه بأسف:
_ معرفش، ده بيبقى حسب.
اخفضت عينيها بحزن فوضع أنامله أسفل ذقنها يرفع وجهها إليه وقال بابتسامة يخفف عنها حزنها:
_ وبعدين يا ستي احنا لسه قدامنا شهرين أوعدك إني هزهقك فيهم وأخليكي تقولي خلاص زهقت منك.
ابتسمت وهي تهز رأسها بنفي:
_ مستحيل أزهق منك.
رفع حاجبيه بمكر:
_ واثقة؟
أومأت له بتأكيد:
_ واثقة أوي أوي.
تمتم ببراءة مصطنعة وهو يجذب الغطاء عليهما:
_ خلاص بما إنك مش هتزهقي يبقى اتحملي.
رواية جبل النار الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم رانيا الخولي
أوقف داغر اليخت في مكان بعيد عن الجزيرة كما طلبت منه عندما أرادا أن يسبحا في المياه.
ابتسم عندما تذكر وهي تخبره بأن من الممكن أن يراهم أحد.
لم تقتنع عندما أخبرها بأن لا أحد غيرهم، لذا وافقها وأخذها باليخت بعيدًا كي تكون مطمئنة.
ما زالت ثقتها في كل من حولها مفقودة.
لكنه سيعمل بكل الطرق على إعادتها.
سيصبر عليها وسيعمل على أن تنتهي تلك الرجفة كلما تقرب منها.
لا يريد شيئًا من هذه الدنيا سوى تلك الحورية التي اقتحمت حياته وتذوق من عشقها شهد الحياة.
وردته الشائكة التي بنظرة واحدة تنسيه كل تلك الآلام التي عاشها بعيدًا عنها.
ظل واقفًا ينظر في ساعته بين الحين والآخر يستعجلها، لكن إن كانت ستخرج له كما تخيلها فلن يمل من الانتظار.
تذكر تلك القبلة الناعمة التي وضعتها على وجنته الملتحية قليلًا وتمتمت بدهاء:
_ ثواني يا حبيبي هغير هدومي وأرجعلك.
ازدرد لعابه بصعوبة من مغزى حديثها وظل يتخيل ما سوف ترتديه له، وما لونه.
فقد وعدته أن تعوضه أيضًا عن سنين العذاب الذي قساها كلاهما.
وأخبرها كيف يعوضه عن ذلك.
زفر بصبر نافذ عندما تأخرت أكثر وشعر بأنه لم يعد يطيق صبرًا، فهمّ بالنزول لها.
لكنه تسمر مكانه وهو يتطلع لها تصعد إليه الدرج بعدم استيعاب لما ترتديه، وخاصة عندما قالت ببهجة:
_ إيه رأيك يا حبيبي؟
تطلع بذهول إلى ذلك البنطال والكنزة الصوفية التي ترتديها، كما حال القلنسوة والتي بدورها أخفت عنه خصلاتها العاشق لها.
فسألها بعدم فهم:
_ رأيي في إيه يا حبيبتي مش فاهم.
التفت حول نفسها كي تجعله يتذكر ذلك الثوب:
_ الطقم ده، ده كان أول هدية تجبهالي لقيته في الدولاب تحت وأنا بقلب فيه.
هز رأسه وقد أوشك صبره على النفاذ:
_ يعني بقالك ساعة بتلبسي وأنا عمال أقول محتارة في لون البيكيني أو الاستيل مش عاجبها بتشوف غيره وحاجات كتير أوي والآخر ألاقي عم شرابي اللي طالع عليا.
أومأ لها بمكر ودهاء وهو يخطو تجاهها متوعدًا.
لاحظته سريعًا، وقبل أن تنفد بجلدها أمسك بها وحملها مسرعًا بين يديه وهو يقول بتوعد مرح:
_ انتِ اللي جيبتيه لنفسك، اتحملي بقا.
صرخت أسيل حينما سقط بها في المياه.
فتنتهي صرختها داخلها وهي تتشبث بعنقه بقوة عندما أفلتها بمكر كي تتشبث به أكثر، ثم سحبها على صدره وهو يغوص بها مستمتعًا بقربها الذي علم بأنه سيكون يومًا سبب هلاكه.
لم يستطع مواصلة خبثه المحبب وصعد بها على سطح المياه لحاجتها للتنفس.
فشهقت بقوة ونظرت إليه بغيظ، لكن قبل أن تتفوه بكلمة سحبها مرة أخرى للعمق.
لكن تلك المرة أحاط خصرها ليقربها منه كي يأسر شفتيها بقبلة أطاحت بعقل كلاهما.
فتستسلم له وتترك له زمام الأمور ليفعل ما يشاء.
لم يكن يصعد بها إلا للحاجة كلاهما للهواء، ثم يعود بها مسرعًا ليعلمها الغوص في عمق عشقه.
صعد بها للسطح فتنزع نفسها من بين يديه وهي تلتقط أنفاسها وتقول بغيظ:
_ انت مجنون.
ضحك داغر وتمتم بغزل:
_ وانتِ قمر.
ازداد غيظها منه وحاولت نزع نفسها بعيدًا عنه:
_ أوعى بقى سيبني مش لاعبة.
رفع حاجبيه بمكر:
_ عايزاني أسيبك؟
ضربت كتفه بخفة وهي تقول بتعند:
_ آه سيبني اوعى بقى.
بكل هدوء قام داغر بإبعاد ذراعيه عن خصرها.
فشهقت بقوة عندما وجدت جسدها يتهاوى للأسفل، فهي لم تتمكن بعد من السباحة.
التقفها داغر ليواصل الغوص بها ليصعد فقط لتلتقط أنفاسها.
وقبل أن تعترض يغوص بها مرة أخرى.
ظل يغوص بها وهو محتضنًا إياها بقوة خوفًا عليها، فهي لم تفعل شيئًا مما علمه إياه، فقط تتشبث به بخوف.
صعد بها السطح كي لا يضغط عليها، فهي لم تعتد الغوص بعد.
شهقت أسيل وتطلعت إليه بشر، لكن قبل أن تتفوه بكلمة قال بتحذير مرح:
_ ها هتغلطتي تاني؟ انتِ بقيتي تحت رحمتي هاخدك وانزل تاني ومش هطلعك إلا لما أشبع بطريقتي.
ضحكت أسيل رغمًا عنها وتشبثت بعنقه بقوة وهي تتمتم:
_ بحبك يا مجنون.
أخذ داغر يلتف بها وهو يصيح بسعادة:
_ بحبك بحبك بحبك.
علا صوت ضحكتها على صوته والسعادة ترفرف حولهم من كل جانب.
صعدا على اليخت بعد فترة طويلة وهو يحملها وترجل بها الدرج وهو يقول بمكر:
_ هسيبك تغيري هدومك بسرعة بس لو لبستي اللبس ده تاني هفاجئك باللي هعمله.
ضحكت أسيل وهي تخفي وجهها في عنقه.
ثم أنزلها بالغرفة وأخذ ملابس له ودلف المرحاض بعد أن طبع قبلة متملكة على عنقها.
شرع داغر في تحضير الطعام وتركها هي تأخذ حمامها ثم تحصله للسطح.
خرجت أسيل وهي تتهادى بخطواتها تبحث عنه على سطح اليخت فلم تجده.
نادت عليه:
_ داغر.
انتفضت عندما وجدته يهمس بجوار أذنها:
_ عيونه.
استدارت مسرعة فتجده يتطلع إليها بشغف فقالت بعتاب:
_ خضتني يا داغر.
_ بعد الشر عليكى يا قلب داغر.
ابتعد عنها قليلاً لينظر إلى ما ترتديه وقد كان ثوبًا سماويًا بشرائط رفيعة أظهر جمالها وقال:
_ تعرفي إني أول مرة أشوفك بفستان!
أيدت قوله:
_ أنا أول مرة فعلًا ألبس فستان باستثناء الفستان اللي لبسته امبارح.
رفعت إصبعها في وجهه وقالت بتحذير مرح:
_ بس أوعى تفتكر إني ممكن أخرج بفساتين.
قطب جبينه بامتعاض:
_ ومين قالك إني هسمحلك تخرجي بفساتين.
ظهرت على ملامحه الجديدة وهو يحيط خصرها يقربها منه وقال:
_ أسيل أنا عايزك تلبسي حجاب.
رفع أنامله لخصلاتها وتمتم بغيرة:
_ مش عايز حد يشوف الجمال ده غيري أنا، بس عايزك لما توافقي توافقي عن اقتناع مش عشان تراضيني.
تفاجئ بابتسامتها رغم أنه ظن أن تندهش أو تعارض تحسبًا بأن ذلك تحكمًا بها، لكنها جعلته يوقن أكثر بأن نظرته لها من البداية كانت صائبة وأنه حقًا أحسن الاختيار.
وخاصة عندما وجدها تقول بحبور:
_ ومين قالك إني مش هلبسه عن اقتناع، بالعكس ..أنا هلبسه ارضاء لربنا الأول وتكفير عن أخطاء إحنا عملناها من غير ما نفكر إذا كان غلط ولا لأ.
لاح الحزن والندم على ملامحها وهي تتابع:
_ كان فيه تجاوزات كتير بينا وده اللي اتعاقبنا عليه بس خلاص اتعلمنا من أخطائنا.
أومأ لها بتأييد:
_ عندك حق، وإن شاء الله في أقرب وقت نطلع كلنا ومعانا عمي نعمل عمرة.
اتسعت عينيها بسعادة وهي تسأله:
_ بجد يا حبيبي.
أومأ لها:
_ بجد يا قلب حبيبك.
احتضنته بحب وقالت ببهجة:
_ ربنا يخليك ليا يا عمري.
قربها أكثر لصدره:
_ ويخليكي ليا.
ابتعدت عنه أسيل وهي تستنشق تلك الرائحة وسألته:
_ هو اليخت بيولع ولا إيه؟ أنا شامة ريحة حريق.
أغمض داغر عينيه بحنق:
_ الأكل اتحرق.
ضحكت أسيل وتخطته تجاه المطبخ:
_ خليك انت وأنا هعمل غيره.
دلفا المطبخ معًا وشرعوا في إعداد طعامهم تمامًا كما كان يتمنى.
جلس على المقعد يعد السلطة يراقبها بعينيه وهي تتحرك كالفراشة أمامه.
حاول الانشغال بما يفعله لكن تلك الحبيبة لا ترحمه بعفويتها لذا ترك كل شيء من يده وتقدم منها يقف خلفها ليغلق الموقد تحت دهشتها.
ثم شهقت عندما وجدت نفسها محمولة بين يديه وقبل أن تعترض قام بتقبيلها وهو يخرج بها من المطبخ.
❈-❈-❈
عاد سليم من الخارج بعد يوم شاق قضاه وهو يبحث عن والده في كل مكان لكن لا أثر له.
وظل يتساءل كيف استطاعت أن تخفيه ومن ساعدها بذلك.
حتى عندما سأل حرس المنزل أخبروه أنها طردتهم فور عودتها ولا يعرفون شيئًا عن الأمر.
حتى الكاميرات الموضوعة خارج المنزل لم يجدوا بها شيئًا.
عاد برأسه للوراء وقد تعب حقًا من شدة التفكير.
_ سليم.
انتبه على صوت وعد التي تقدمت منه وقد تأثرت بحالته التي يعود بها كل يوم.
جلست بجواره تسأله:
_ لسة برضه مقدرتش توصله؟
هز رأسه بنفي:
_ للأسف مخلتش مكان مدورتش فيه.
بقالي شهر بدور ومفيش فايدة.
قالت باقتراح:
_ طيب ما تبلغ الشرطة.
تنهد بتعب وقال بتسويف:
_ مش هينفع عشان الشوشرة بس بفكر أكلم المستشار خليل عم داغر هو اللي يشوف الموضوع ده.
_ آه صح ليه مفكرناش في كده من الأول، هو أكيد يعرف ناس ممكن يساعدوا في حاجة زي دي، طيب كلمه مستني إيه؟
هز رأسه بنفي:
_ مش هينفع أنا اللي أكلمه، إن شاء الله داغر وأسيل راجعين خلال أيام هبقى أخليه هو اللي يكلمه.
_ خلاص قوم غير هدومك وارتاح لحد ما أجهزلك الغدا.
أمسك يدها يقبلها بحب وقال:
_ بلاش انتِ مش عايزك تتعبي نفسك وانتِ حامل.
ابتسمت بحب:
_ بحب أعملك كل حاجة بإيدي مش هقبل إنك تاكل من إيد غيري.
قبل يدها مرة أخرى وتمتمت بوله:
_ تسلميلي.
❈-❈-❈
في حديقة جانبية للمنزل الزجاجي أخذت أسيل تتجول بها عندما استيقظت في الصباح.
لم تشأ أن توقظه لذا تركته نائمًا وخرجت لتتجول قليلاً.
لقد مر أسبوعين أذاقها فيهم فنون العشق الذي جعلها تحلق في السماء حتى وصلت للنجوم.
لكن ما زالت تلك الرهبة تنتابها كلما اقترب منها.
هي تحاول قدر المستطاع ألا تظهر ذلك لكن الأمر خارج عن إرادتها.
وما يهون عليها الأمر أن داغر يهون عليها ويتعامل معها بروية حتى تنسى وتندمج معه.
لاحت ابتسامتها على ثغرها وهي تتذكر حبه لها ومصابرته عليه.
لو كان ذلك العذاب الذي عاشته يعد ضريبة لتلك السعادة التي تعيشها الآن.
فهي أكثر من مرحبة بذلك.
فردت ذراعيها أمام الريح وهي تلتف تشارك سعادتها مع نسمات الصباح التي تداعبها حتى شعرت بالفراشات ترفرف حولها من كل جانب.
فلم تتخيل يومًا أن تعيش هذه السعادة التي تنعم بها الآن.
توقفت إثر اصطدامها بشيء.
فتحت عينيها مسرعة فتجد داغر يقف أمامها يلهث وقد ظهرت عليه علامات الغضب وصوته الغاضب يقول:
_ انتِ إزاي تقومي من جانبي وتبعدي كده من غير ما تعرفيني.
اهتزت نظراتها وقد شعرت بأن ما كانت تخشى منه يحدث أمامها، وخاصة عندما تابع بسخط:
_ أنا فضلت أدور عليكي لدرجة إني……
لم تستمع أسيل لشيء بعدها.
فهو عاد ليدمر كل جميل عاشته معهم.
مما جعل الخوف يظهر جليًا في عينيها.
وكأنها تشاهد نسخة أخرى لوالدها وتعليماته التي تنتهي بالأخير.
لا بقلم حاد على وجهها.
فارتدت خطوة للوراء تضع يدها أمام وجهها كأنها تحميه.
مما جعل داغر يزفر باستياء عندما لاحظ وجلها منه فتقدم منها خطوة وهو يقول باعتذار:
_ أنا آسف مكنش قصدي أتعصب عليكي….
صرخت أسيل عندما وجدته يرفع يده إليها فظنت أنه سيضربها كما فعلوا جميعًا من قبل.
انقبض قلبه عليها وقال بروية يهدئها:
_ إهدي يا أسيل….
هزت رأسها وهي تصم أذنها بيديها كأنها تخشى ما سيقوله.
صرخت مرة أخرى عندما وجدته يخطو خطوة أخرى تجاهها ولاحت أمامها ذكريات مشابهة لخطوات تخطو تجاهها تنتهي بالضرب.
مما جعلها تهرب.
تهرب من كل شيء حتى لو وصلت إن تهرب من الحياة نفسها.
كانت تستمع لصوت داغر وهو يناديها لكنه كان كصوت والدها.
كصوته هو حين تعدى عليها.
حين ضربها.
فتزداد صرخاتها حينما استطاع الوصول إليها وحاوطها من الخلف يقربها لصدره.
حاولت الإفلات منه لكنه أحكم ذراعيه حولها لاغيًا أي مسافة تساعدها على الهرب وتمتم بحنو بجوار أذنها:
_ اهدي يا حبيبتي متخافيش، أنا آسف.
استكانت أسيل بين يديه عندما لم تجد فرصة للهرب لكن نحيبها لم يستكين بعد.
أغمض داغر عينيه بحنق من نفسه لكنه لم يقصد شيء سوى أنه قلق عليها عندما استيقظ ولم يجدها.
فتمتم معتذرًا:
_ اهدي يا أسيل أنا اتعصبت بس لما دورت عليكي ملقتكيش خفت يكون جرالك حاجة، اهدي خلاص أنا آسف.
جعلها تستدير بين يديه وقد هاله دموعها والزعر الذي ظهر بعينيها.
التاع قلبه عليها وعلم بأن عليه أن يكون أكثر حرصًا في تعامله معها.
فتمتم بحنو وهو يمسح دموعها:
_ مكنش قصدي أخوفك مني، حقك عليا.
أغمضت عينيها كأنها تناجي الظلام الذي كان يسحبها لدائرته كلما شعرت بالخوف.
لكن يبدو أنه تخلى عنها بدوره.
ضم داغر رأسها لصدره وظل يهمس لها بوعود حتى هدئ نحيبها قليلاً.
أبعد رأسها عن صدره ورفع وجهها إليه يمسح دموعها التي بللت وجهها.
وابتسم بحنو كي يطمئنها ثم حدثها بمرح أخفى به حزنه عليها:
_ بس مكنتش أعرف إنك خوافة كده.
أغمضت عينيها تحاول تهدئة خوفها تذكر نفسها بأنه حبيبها وقد فعل ذلك لخوفه عليها.
قربها داغر لحضنه يربت عليها بحنان:
_ أوعدك إني مش هتعصب تاني لأي سبب حتى لو من خوفي عليكي.
أومأت له.
في حافة الشاطئ سار داغر بجوارها يحيط كتفها بذراعه.
وقد استطاع بعد عناء أن يهدئ من روعها.
حتى هدئت وعادت ابتسامتها تضيء دنياه مرة أخرى.
وبدأت أسيل تندمج في حديثه معها وهو يخبرها عن الجزيرة وموقعها مما جعلها تسأله بحيرة:
_ بس انت عملت كل ده إمتى إحنا مكملناش ساعات في مصر.
ابتسم داغر بحنو وهو يقربها منه أكثر:
_ ساعات إيه أنا مرتب لكل ده من شهر تقريبًا قبل ما ننزل بأسبوعين.
_ وايه اللي كان مخليك واثق كده إني كنت هرجعلك.
أراد أن يشاكسها فتحدث بغرور:
_ بقا بذمتك كنتي هتقدري تقاومي قلبك اللي لسه بيموت فيا.
لم تستطع منع ابتسامتها من الظهور لذا أخفت وجهها في كتفيه.
وواصلا السير حتى وقعت عين أسيل على دراجة هوائية.
شعرت برغبة ملحة في قيادتها لكنها أجلت ذلك كي تستمتع بتلك اللحظة معه وهو يحاول أن يراضيها بكل الطرق.
❈-❈-❈
عاد خليل إلى المنزل بعد مجهود شاق قضاه في المصنع والذي استطاع بعد عناء أن يوقفه على قدمه مرة أخرى.
دلف غرفته وهو يشعر بوحدة قاتلة.
فغياب داغر أثر به حقًا ولم يستطع عمله أن يعوض غيابه.
فقد وعده أن يعود بعد عشرة أيام مع زوجته وابنه.
ابتسم لتذكر حفيده وازدادت سعادته عندما وعده داغر بأن يتركهم معه مدة سفره.
لكن لم ينتبهوا جميعًا لشيء هام.
كيف باستطاعة أسيل أن تعيش في المنزل بعد ما حدث.
سيكون ذلك صعبًا عليها.
وغرفة داغر التي حدث بها اعتداؤه عليها.
كيف تخيل أن توافق على الإقامة بها.
فكر كثيرًا حتى توصل لحل سيقوم بتنفيذه من الآن.
أمسك هاتفها وقام بإجراء مكالمة يعد بها كل شيء.
❈-❈-❈
ظل داغر يعوض أسيل بكل الطرق وهي تنعم معه في بحور عشقه.
لم تتخلص من ذلك الخوف لكنها تحاول أن تتناسى وتعوضه هو أيضًا عن ذلك الشقاء اللذان عاشاه.
تطلع داغر إليها وهي ما زالت تشيح بوجهها بعيدًا عنه.
نهض من مقعده ليجلس على الأريكة بجوارها وقد ضعف أمام زعلها منه.
مد أنامله ليدير وجهها الذي يعشقه إليه كي يجبرها على النظر إليه وقال بلوعة:
_ ممكن أعرف هتفضلي زعلانة لحد أمتى؟
تطلعت إليه بعتاب ثم تمتمت بزعل محبب:
_ عشان كدبت عليا.
رفع حاجبيه بدهشة:
_ أنا كدبت عليكِ؟
أومأت بحزن مصطنع:
_ آه لما وعدتني تعوضني عن كل حاجة اتحرمت منها واديك أهو بتقولي لأ؟
تمتمت بدهاء وهي تلف ذراعيها حول عنقه تتلاعب على وتر عشقه لها:
_ يعني ينفع مراتك حبيبتك يكون نفسها في حاجة وتقولها لأ.
رمقها داغر بغيظ وقد علمت تلك الفتاة كيف تجعله راضخًا لكل طلباتها فقال باستسلام:
_ أنا عارف إني بطلع في الآخر عيل قدامك وإن دور سي السيد ده مينفعش معاكي، ماشي يا ستي قومي.
(تمتم بمكر وهو يتطلع إلى ثغرها برغبة) بس قبلها تسدي الضريبة.
عضت أسيل على شفتها عندما فهمت مغزى حديثه وهمت بالهرب من جواره.
لكنه أدرك ذلك وجذبها إليه كي يعوض ذلك البعد الذي أرهق كلاهما.
سار على الطريق يراقبها وهي تقود الدراجة بجواره تسبقه ثم تعود إليه لتلتف حوله تشاكسه:
_ قولتلك خد واحدة وتعالى نتسابق، براحتك بقا.
ضحكت عندما وجدته يتطلع إليها بغيظ.
فأوقفت الدراجة قاطعة الطريق أمامه وهي تقول بدلال:
_ خلاص يا سيدي متزعلش أوي كده أركب انت وأنا هركب على الكرسي وراك.
أشاح بوجهه قائلاً بتعند:
_ لأ.
تركت الدراجة وتقدمت منه لتحيط عنقه وتقول بدلال:
_ ولو قولتلك عشان خاطري.
بدأت حصونه تتهاوى أمام دلالها لكنه أبى الرضوخ إليها وتمتم برفض:
_ برضه لأ.
تلاعب المكر بداخلها ودنت منه أكثر لتتمتم بجوار أذنه:
_ المرة دي لونه فوشيا.
تراقص قلبه فرحًا لتلك البادرة منها وشعر بأنها على وشك أن تتخلص من ذلك الخوف الذي يراودها.
فازدرد لعابه بصعوبة يتخيلها به لكنه واصل عناده.
فتقضي هي على ما تبقى من إرادة أمام سطوة عشقها عندما طبعت قبلة على خده وتتابع رجاءها بغنج:
_ عشان خاطري، تهون عليك مراتك حبيبتك تزعلها كده.
هز رأسه بنفي وقد استطاعت بدهاءها إخضاعها له وتمتم باستسلام:
_ وأنا أقدر! أنا عارف إني مش هعرف أمشي عليكِ كلمة.
ضحكت عندما سألها:
_ متأكدة إنه فوشيا؟
أومأت له فيمسك الدراجة ويشير لها بمكر:
_ طيب خليكي قدام أفضل عشان متقعيش مني.
هزت كتفيها بموافقة وهي تتمتم بغنج:
_ اللي تشوفه يا روحي.
عض داغر على شفته وهو يتمتم بوعيد:
_ هو أنا بعد كلمة روحي دي هعرف أسوق ولا أتني. أنا بقول نروح أحسن.
أخذت مقعدها أمامه وقالت بأمر محبب:
_ يلا سوق.
هز رأسه بيأس منها ثم انطلق بالدراجة لينعم بذراعيها التي أحاطته بحب ووله.
ظل يتجولا بها في الجزيرة حتى اكتفى كلاهما وعادا إلى منزلهما بسعادة تزداد كل يوم عما قبله.
وها قد انتهى الشهر وقررا العودة إلى طفلهم.
ظلت أسيل تنظر للجزيرة بوداع.
لاحظه داغر تقدم منها ليقبل جانب عنقها قائلاً:
_ أوعدك إنها مش هتكون آخر مرة.
استدارت إليه وتطلعت إليه بولع:
_ أي مكان معاك بيكون جنة، انت اللي بتحلي المكان نفسه.
ابتسم داغر من إطراءها له وقال بغرور مصطنع:
_ بس انتِ بكلامك ده هتخليني أتغر وأنتِ مش قد غروري.
ضحكت بسعادة وسألته:
_ ده اللي هو إزاي؟
غمز لها بشقاوة:
_ لما نوصل بيتنا هقولك.
رسى اليخت على شاطئ الإسكندرية وأمام منزلهم.
أوقف داغر اليخت وتطلع إليها بعينين تحمل الكثير من الولع بها وتحدث بشغف وهو يتلاعب بخصلاتها:
_ أوعى تفتكري إن شهر العسل خلص على كده بالعكس هو بدأ دلوقت واللي هيحليه أكتر وجود ابننا معانا، متعرفيش هو وحشني قد إيه مع إني مش شفته غير مرة واحدة بس طول الأيام اللي فاتت دي مغيبش عن بالي لحظة واحدة واللي مصبرني وجود امه معايا.
ضحكت أسيل بسعادة غامرة وأحاطت عنقه بذراعيها وهي تقول بعشق:
_ مش مصدقة يا حبيبي إننا رجعنا لبعض وانتهى العذاب اللي كنا عايشين فيه.
ملس بأنامله على خصلاتها يطمئنها:
_ انتهى خلاص وأوعدك أنه مش هيرجع تاني.
يلا بقا ادخلي البسي الحجاب عشان أكون أول واحد يشوفك بيه.
اندهشت أسيل من إصراره على ارتداءه الآن وبين اليخت ومنزلهم خطوات معدودة:
_ طيب خلينا لما ندخل بيتنا مش معقول حد هيشوفني دلوقتي وأنا نازلة من اليخت وداخلة بيتنا.
رد بتروّي:
_ آه طبعًا فيه الحارس اللي على الباب بره.
يلا اللبس هتلاقيه في شنطة في الدولاب البسيه لحد ما أنزل الشنط.
_ دا انت مرتب لكل حاجة بقا.
أومأ مؤكدًا:
_ من زمان.
ضحك كلاهما ثم طبع داغر قبلة متملكة على جبينه قبل أن يسمح لها بتركه ثم انشغل بحمل الحقائب وإخراجها من اليخت.
خرجت أسيل بعد قليل وقد تزينت بذلك الحجاب الذي أضاف جمالاً فوق جمالها.
كما حال ثوبها الفضفاض والذي لاقى استحسانه.
شعرت بالاطراء من نظراته وانبهاره بها فسألته بدلال:
_ عجبك؟
حك رأسه وتمتم بأسف:
_ المشكلة إن مفيش وقت لو فيه كنت قولتلك بطريقتي.
لفت ذراعيها حول عنقه وقالت بغنج:
_ خليها لما نروح ويلا بقا عشان إياد وحشني.
طبع قبلة صغيرة على ثغرها وقال:
_ ماشي يا ستي يلا.
كانت الساعة التاسعة مساءً عندما وصلا لمنزلهم وقد كان المكان معتمًا لذا تشبثت بداغر قائلة:
_ داغر انت مش قلت إننا هنروح نلاقي إياد؟ شكل مفيش حد في البيت.
رد بخبث:
_ شكلنا رجعنا بدري، على العموم تعالي ندخل نرتاح شوية وبعدين نروح احنا نجيبه.
وما إن فتح داغر الباب حتى أضاء المكان فتنبهر أسيل بما تراه أمامها.
رواية جبل النار الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم رانيا الخولي
اتسعت عين أسيل بذهول وهي ترى الجميع أمامها يصفقون لهم بسعادة وورقات الزهور تتقاذف عليهم، لا تعرف من أين.
يد داغر تحيط كتفها بتملك وحب.
كانت تنظر إلى الجميع وهم يتطلعون إليها بسعادة كبيرة صادقة وليست مزيفة.
ومن بين الجميع ترى ذلك الصغير الذي يسرع تجاهها بخطوات متعسرة، فتلتقطه لتضمه لصدرها بسعادة كبيرة وكأن الدنيا الآن أصبحت بين يديها.
قبلت كل انش بوجهه وكأنه غاب عنها زمن، فتمتمت بأنفاس متلهفة:
"وحشتني أوي أوي يا حبيبي."
ولم يكن حال داغر أفضل من حالها، وهو ينظر لطفله بلهفة وشوق وعيون تكاد تلتهم كل إنش به، يود حمله لكن يخشى من رد فعله، فهو لم يعتاده بعد.
وكأن أسيل شعرت بمدى معاناته، إذ تمتمت في أذن طفلها:
"ديدو تروح لبابا."
بعفوية نبعت من فطرته، نظر إلى داغر وابتسم بخجل.
قد كانت دعوة لداغر بأن يحمله، ولم يرفض الطفل ذلك بل ألقى نفسه بين يدي والده التي مدها إليه بعفوية، وحينها شعر داغر بأنه يحمل الدنيا بين يديه.
ظل يملي عينيه منه غير منتبهاً لأحد، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.
فبين ليلة وضحاها يكتشف أن له طفلاً، وبذلك العمر يتذكر هول تلك الصدمة عليه، وقد حرم من لحظات مبهجة تكاد تصله لعنان السماء عندما تكون يده أول يد تحمله.
لكن أقسم في تلك اللحظة أن يعوضه عن غيابه وحرمانه منه.
ربتت أسيل على يده تعيده لعالمهم، فتطلع إليها بوله قبل أن يضمها إليه ويحتويها هي وطفلهما بكل ذلك التملك.
تقدم خليل من داغر ليحتضنه بأبوة:
"حمد لله على السلامة يا داغر."
رد داغر بتقدير له:
"الله يسلمك يا عمي، تعبتك أوي معايا."
رد خليل بصدق:
"متقولش كده، انت ابني. معاك انت عرفت إن الأب اللي بيربي مش اللي يخلف."
تطلع إلى إياد الذي استكان بهدوء بين يد داغر وداعبه بحنو:
"المستشار الصغير عامل إيه؟"
عقد داغر حاجبيه باستياء:
"مستشار!! لا يا عم أنا هطلعه قبطان زيي."
رد خليل بتعند:
"وليه بقا ميكملش مسيرة جده؟"
"طيب بزمتك مهنتك دي كانت حرقت أعصاب ولا لأ."
وافقه باستسلام:
"منكرش."
"خلاص سيب حفيدك بقا يخليه في مهنة الرفاهية بتاعت أبوه."
تدخلت أسيل لفض جدالهم:
"والله بقا أنا شايفة إنكم تأجلوا الكلام ده لحد ما يكبر ويقرر بنفسه."
رد خليل بقلة حيلة:
"ماشي يا ستي. ها هتيجوا معايا زي ما وعدتني ولا الجو عجبك وعايز تكمله؟"
غمز داغر بشقاوة لعمه:
"بصراحة الجو عجبني أوي أوي، بس راجع معاك يا باشا."
"يعني مش ناوي تبيع؟"
"من الجهة دي مكدبش عليك، مع كل إجازة هبيعك وآخدهم وآجي على هنا."
ضحك خليل وقال برضا:
"وأنا قابل يا سيدي."
أشار لسيلين أن تتقدم منهم وقام بتقديمها لهم:
"دي مدام سيلين صاحبة المصنع، جات مخصوص عشان تباركلكم."
ابتسمت سيلين بمجاملة وهي تصافح أسيل وداغر:
"ألف مبروك، تتهنوا بابنكم يا رب."
رحبت أسيل بها بحفاوة:
"متشكرة أوي لذوق حضرتك."
أخرجت علبة صغيرة من حقيبتها وقدمتها لأسيل قائلة:
"دي هدية صغيرة، أتمنى إنها تعجبك."
أخذتها أسيل كي لا تحرجها:
"مكنش في داعي تتعبي نفسك."
تطلعت لخليل ببهجة وهي تقول:
"مفيش تعب ولا حاجة، دي أقل حاجة ممكن أقدمها."
لاحظ داغر نظراتها لعمه فتمتم بصوت خافت:
"هي السنارة غمزة ولا إيه؟"
سأله خليل:
"بتقول حاجة يا داغر؟"
تدارك داغر موقفه سريعًا:
"ها لا يا عمي، بقول إنك كنت وحشني أوي."
ربت خليل على كتفه بتقدير:
"وانت كمان، بس خلاص هتعوضني بقا عن غيابك بمرات ابني وحفيدي."
تذكر خليل أمر أخيه وقال بجدية:
"على فكرة أنا عزمت والدك ويارين وهما جايين من المطار دلوقت. ياريت تنسى اللي فات وتبدأ صفحة جديدة معاه، انت خلاص بقيت أب وجربت بنفسك صعوبة إن ابنك يكون بعيد عنك. انسى اللي فات وكمل فرحتك بعيلتك."
أومأ داغر وقد قرر أن يطوي صفحات الماضي دون أن يعود إليها مرة أخرى.
تقدم سليم من أسيل وهو يقول بابتسامة:
"حمد لله على السلامة يا سيلا."
بادلته أسيل الابتسام وهو يحتضنها بأخوة:
"الله يسلمك يا سليم، عامل إيه؟"
"الحمد لله، أحسن."
سألته بتوجس:
"برضه مفيش أخبار عن بابا؟"
تنهد بتعب شديد وقال:
"لسة مش عارف أوصل لمكانه. المشكلة إني بتعامل مع الموضوع بحذر عشان محدش يشم خبر، فقلت أكلم المستشار خليل، هو اللي يقدر يساعدنا."
"تحب أكلمه أنا؟"
قاطعها سليم:
"لا أنا اللي هكلمه، متشيليش انتِ هم حاجة."
"إن شاء الله نوصله بأقرب وقت. أومال فين وعد؟ أوعى تقول مجتش."
التفت حوله فيجده تتقدم تجاههم وهي تقول بمزاح:
"أنا هنا يا قلبي، مقدرش أتأخر."
احتضنت أسيل بسعادة كبيرة وتمتمت:
"كنت هزعل أوي لو مجتيش."
تقدمت هايدي بدورها:
"وسعوا خليني أسلم على اللي استنذلت أول ما رجعت لحبيبها."
ضحكت أسيل واحتضنتها بحب:
"مستحيل استنذل معاكي انتِ بالذات."
وقبل أن تسأل عن أمينة وجدتها تتقدم منها وتقول بعتاب:
"يظهر إني أنا اللي اتناسيت، مش انتِ يا هايدي."
ترقرقت العبرات في عين أسيل حينما رأت أمينة تدنو منها، فتمتمت اسمها باشتياق:
"دادة وحشتيني أوي."
قطعت أسيل المسافة بينهم لتحتضنها بحنين واشتياق لتلك المرأة التي كانت سند ودعم لها طوال عمرها.
شدت من احتضانها وهي تتمتم بصدق:
"لو نسيت الدنيا كلها، مستحيل أنساكي انتِ."
ابتعدت عنها قليلًا وتابعت:
"طول عمرك وأنتِ سند وضهر بالنسبة لي، وكمان مرايتي اللي بتنبهني لأخطائي، مستحيل أنساكي."
تأثرت أمينة بحديثها وتمتمت بإخلاص:
"انتِ بنتي يا أسيل، ومفيش كلام زي ده بين البنت وأمها."
عادت تحتضنها من جديد، فتتفاجأ بصوت حازم وهو يقول بتزمر:
"وأنا بقا شرير الرواية بتاعكم، مش كده؟"
ضحكوا جميعًا وابتعدت أسيل عن أمينة وهي تقول بمزاح:
"بلاش أقولك مكانتك قد إيه عشان عندنا واحد بيغير."
تطلع داغر لحازم باعتزاز:
"مبقاش ينفع أغير منه من وقت ما عرفت الحقيقة، كفاية أوي إنه وقف جنب مراتي وابني وعوضهم عن غيابي. لولاه الله أعلم كان ممكن يحصلهم إيه."
رد حازم بجدية:
"أنا معملتش حاجة استاهل عليها الكلام الكبير ده، أي واحد مكاني كان هيعمل كده وأكتر كمان."
أرادت وعد أن تنهي ذلك الحديث عندما انتبهت لحزن سليم وقالت بمزاح:
"إيه يا جماعة، إحنا هنقلبها نكد ولا إيه؟"
ردت أمينة:
"ربنا ما يجيب نكد وتدوم فرحتنا على طول."
أمن الجميع خلفها وبدأ المدعوين بالظهور، وكان أولهم يحيى ودينا زوجته.
تقدم يحيى منه وقال بمزاح:
"من لقى أحبابه نسي أصحابه، صح ولا أنا غلطان."
أيده داغر بمزاح مماثل:
"بالظبط كده، يعني تخلع والنهار بدري."
تنهدت دينا براحة:
"أخيرًا، يعني اللي حاولت أنا أعمله في سنين، جات أسيل عملته في شهرين."
تطلعت لأسيل وقالت بتنبيه:
"أنصحك تبعديه عن جوزك، لإن جوزي عينه زايغة وهيعلم جوزك بعد ما ربنا هداه."
شهقت أسيل وهي تنظر لداغر بإدانه.
تلعثم داغر وهو يقول لدينا:
"إيه يا دينا، متخليكي محضر خير. انتِ جايه تباركي ولا جايه تنكدي عليا في أول ليلة في البيت ده؟ ما تشوف مراتك يا زفت."
ردت دينا بغيظ:
"لا وحياتك، بوعيها عشان متغلطش غلطتي."
تطلع إليها يحيى وهو يقول بجدية مصطنعة:
"ده مرض يا حبيبتي، بعيد عن عنك ومرض مستعصي كمان بيصيب الإنسان اللي عياره فالت زيي كده."
هزت رأسها بيأس منه وقالت لأسيل:
"عشان تصدقي."
تطلعت أسيل لداغر وقالت بتهديد:
"يبقى يعملها وهو عارف إيه اللي هيجراله."
وضع داغر يده على عنقه عندما تذكر تحذير يارين من غيرة المرأة وقال بتهرب:
"أومال فين الباقي؟ مش شايف حد منهم."
تطلع يحيى تجاههم وقال:
"مستنيينك هناك، تعالى نروح لهم."
سأل داغر بغمزة وهو يتطلع لإياد:
"بس قولي، عملتها إزاي دي يا نمس، الواد نسخة منك."
تطلع إليه بسخرية:
"العب بعيد يا شاطر، دي قدرات انت مش قدها."
"خلاص يا عم متزقش، اللي اداك يدينا."
تطلع يحيى إلى إياد وقال بتهديد:
"وحياة أمك لما تكبر وتعرف إنك شربت سيجارة محشية من غيري، لانفخ أبوك."
تقدم أحد أصدقائهم وهو يتطلع إلى داغر بتساؤل مرح:
"حصل إزاي وأمتى؟ أفهم بس."
ضحك داغر ورد قائلاً:
"بعد الحادثة لما سافرت أمريكا."
غمز طارق بعينيه:
"طول عمرك بتاع مفاجآت، بس متخيلتش مفاجأة زي دي. على العموم يا سيدي ألف مبروك."
رد داغر بسرور:
"الله يبارك فيك يا طارق، عقبالك."
رد طارق بتفاخر:
"لااا، أنا لسة ملقتهاش ومظنش إني هلاقيها، لإني حاطتلها مواصفات إنما إيه عنب."
ربت يحيى على كتفه وقال بسخرية:
"يبقى هتعمل زي حسنين."
قطب جبينه بحيرة وسأله:
"حسنين مين؟"
ضرب على كتفه وتمتمت بسخرية:
"واحد صاحبي متعرفوش."
ضحكوا جميعًا على مزاحهم الذي لا يكفوا عنه، فقال داغر:
"يا سيدي بكرة نشوف، بس ابقا اعزمنا."
"لا طبعًا، اعزمك إيه دا أنا…."
توقف عن الحديث عندما وجد تلك الحورية التي دلفت من الباب الرئيسي وخلفها والدها، فتمتم بمكر:
"هي المكنة طلعت قماش ولا إيه؟"
تطلع داغر إلى حيث ينظر فوجد يارين تدلف مع والده، فقال بتحذير مبطن بالغيرة:
"عين لقلعهالك."
جذبه يحيى من أمام داغر وهو يقول:
"ملقتش إلا دي، يخرب بيتك دي أخته."
عض طارق على شفته وهو يقول بحسد:
"الواد ده الستات في حياته ملهمش حل، بس وديني أنا قتيلهم الليلة دي."
قال الآخر:
"سيبه، هو شكله ناوي على نهايته."
"الله! أنا عملت إيه؟ كلكم متجوزين، مفيش سنجل غيري وخلاص لقيتها. وبعدين هو هيلاقي أحسن مني فين."
ضربه يحيى على مؤخرة رأسه:
"يا شيخ اتلهي."
ابتسم داغر بود لوالده الذي تقدم منه ليحتضنه وقال بسرور:
"ألف مبروك يا داغر."
رد داغر بحب:
"الله يبارك فيك يا بابا، متشكر أوي إنك جيت."
ربت ناجي على كتفه وتحدث بصدق:
"متقولش كده، ده أسعد يوم في حياتي وخصوصًا إني شوفت حفيدي."
حمله من يد داغر وداعبه بحنو:
"عامل إيه يا ديدو؟"
تقدمت يارين من داغر لتقبله وقالت بسعادة:
"داغر congratulations."
ابتسم داغر بحبور:
"الله يبارك فيكِ يا قلبي، عقبالك."
رفعت إصبعها أمام داغر بتنبيه مرح:
"بس يكون قبطان زيك."
تمتم داغر بغيظ وهو يتطلع لطارق:
"حظه خدمه ابن اللذين."
"نعم."
سألته يارين بحيرة.
أدرك نفسه قائلاً:
"لا يا حبيبتي، دا أنا بقول هيكون سعيد الحظ اللي هياخدك."
قبلت خده بحبور:
"ميرسي يا قلبي. أومال فين أسيل."
أشار لها باتجاهها:
"واقفة مع حبايبها أهه."
عند أسيل:
اتسعت عينيها بسعادة وهي تسألها:
"بجد يا وعد، يعني أنا كلها كام شهر وهشيل ابن سليم."
"صححت بسعادة: لا وحياتك بنت، مش ابن. وكمان سليم ناوي يسميها أسيل على اسمك."
احتضنها أسيل بسرور:
"ألف ألف مبروك، تتربى في عزك وفي عز سليم يا قلبي."
التفتت أسيل إلى يارين التي ميزت صوتها:
"أسيل How are you."
"يارين جيتي إمتى؟"
قبلتها يارين بحب:
"لسة واصلين حالاً، بس مش مطوليين، هنسافر بكرة إن شاء الله."
قالت أسيل باستياء:
"ليه كده؟ كان نفسي أقعد معاكي أكتر من كده."
"معلش، تتعوض مرة تانية."
…
كان سليم يقف مع خليل، تحدثوا في أمور عدة قبل أن يفتح معه أمر والده وشرح له كل شيء.
فقال خليل بحيرة:
"معقول محدش قدر يوصله؟"
هز سليم رأسه بأسف:
"أنا بنفسي اللي دورت لإني مش عايز شوشرة، انت عارف المواضيع دي بتبقى حساسة قد إيه."
أومأ بتفاهم:
"تمام، أنا هكمل صديق في الدخلية وهخليه يبحث في الموضوع بشكل سري، وإن شاء الله نوصله بأقرب وقت."
شكره سليم ثم تحدثوا في أمور عدة.
تقدم داغر من أسيل بعد أن شعر بالضيق لأبتعادها عنه ولم يعد يتحمل.
أشار لها بالتقدم تجاهه، فلبت نداءه وتركت كل شيء وتوجهت إليه، فقال بغمزة:
"وحشتيني أوي. لو أعرف إن الحفلة دي هتاخدك مني المدة دي مكنتش عملتها."
"ياسلام، دول كلهم ساعتين."
تطلع إلى ثغرها وقال بمكر:
"اصلك بصراحة تجنني أوي أوي في الحجاب وعايز أشكرك بطريقتي."
رفعت حاجبيها تتصنع الدهشة:
"وهتشكره إزاي بقا؟"
غمز بشقاوة:
"هقطعه."
ضحكت أسيل على خفته وقالت بيأس:
"انت مجنون."
رفع حاجبيه بتوعد:
"بقا كده؟ طيب اصبري بس لما يمشوا وأنا هعرفك الجنان بيبقا إزاي."
هزت رأسها بصبر نافذ، ثم تطلعت إلى سيلين التي لم ترفع عينيها عن خليل وقالت:
"مش واخد بالك من حاجة؟"
قطب جبينه بحيرة وسألها:
"حاجة إيه؟"
"شوف مدام سيلين مرفعتش عينيها عن عمي طول الحفلة، إيه رأيك لو نجوزهم."
تطلع إلى سيلين التي تقدمت من عمه لتحدثه وقال:
"تصدقي عندك حق، وبصراحة الموضوع جاي في ميعاده."
"إزاي يعني؟"
"هقولك بعدين لأنهم جايين علينا."
تقدم خليل من داغر وقال:
"طيب يا داغر، أنا لازم أرجع القاهرة دلوقت عشان أوصل مدام سيلين وهستناكم الصبح زي ما اتفقنا."
"إن شاء الله يا عمي."
تطلع إلى سيلين وتابع:
"شرفتينا يا مدام سيلين."
ابتسمت بمجاملة:
"الشرف ليا أنا إني اتعرفت عليكم."
خرجت سيلين مع خليل، فقالت أسيل:
"أخدت بالك؟"
"واضحة أوي بصراحة، بس عادي نخطبهاله وبالمرة…."
توقف عن التحدث عندما وجد طارق يقترب من يارين وقال بحنق:
"ليلة أمك سودا."
تابع بامتعاض:
"استنيني هنا لحد ما أشوف المتخلف ده بيعمل إيه."
حاولت أسيل منعه لكنه تركها وتقدم منهم وهو يقول من بين أسنانه:
"إيه يا طروقة، الحفلة عجبتك."
حمحم طارق باحراج:
"بصراحة جداً، وناوي إن شاء الله المرة الجاية هتكون عندك برضه."
ضرب على كتفه وتمتم بمغزى:
"طيب من هنا للحفلة الجاية، لم دورك عشان معندش قصادك."
رفع يديه باستسلام:
"لا وعلى إيه، الطيب أحسن، بس…."
دنى من أذن داغر وأردف:
"بس حب فيا قدامها، إلهي يستر anaerobic أنا تبت بعد النهاردة وهمشي جانب الحيط."
أومأ لها داغر:
"ماشي، يلا بقا عشان بينادوا عليك."
في نهاية الحفل بدأ الجميع بالانصراف، حتى جاء الدور على طارق الذي تقدم من داغر وقال بمغزى:
"بقولك إيه يا كابتن، متتوسطلي ينوبك ثواب، أهه تكون سبب توبتي."
ضرب داغر بقوة على كتفه وقال بمغزى:
"ربنا يسهل، بس التوبة دي هتمشيك جانب الحيط وهتتعبك، نصيحة شوفلك حاجة غيرها."
فعل طارق بالمثل وهو يقول بتهديد مرح:
"يا سيدي أنا راضي أمشي جانب الحيط اللي خلاك أنت مشيت، أنا مش همشي."
تطلعت إليه أسيل بصدمة أخرى، لكن داغر أدرك الموقف:
"ماشي، ربنا يسهل. روح انت ولما ترجع تاني من أمريكا يبقا أفتحها، هي هترجع قريب متخافش."
"إن كان كده ماشي، يلا سلام."
حمحم داغر عندما وجد أسيل تتطلع إليه بغيظ، فسألها مدعي الجهل:
"في حاجة يا حبيبتي."
زمت فمها بحنق وقالت بتوعد:
"لما نطلع أوضتنا هقولك."
انصرف الجميع، وتعلق داغر بأن يضع ابنه في فراشه ثم يأتي إليها.
دلف داغر غرفة ابنه التي أعدها له لتناسب طفلاً بسنه.
أغلق الباب خلفه وسأل ابنه:
"ها عجبتك الأوضة؟ لو مش عجباك قولي أغيرهالك من الصبح."
تطلع إليه بحب وتالع بوعد:
"هعوضك عن كل الأيام اللي عشتها بعيد عنك."
قربه من صدره وتابع بوعد:
"وهعيش في الدنيا دي عشان أسعدك إنت وماما."
ظل يحدث طفله حتى غفى بجواره على الفراش، وكلما هم بالنهوض من جواره تشبث به طفله حتى استكان هو أيضًا ونام بجواره.
❈-❈-❈
في اليوم التالي
توقفت سيارة داغر أمام المنزل، مما جعل أسيل تغمض عينيها بألم عندما داهمتها الذكريات.
هي ليست مستعدة بعد لأن تدخل ذلك المنزل، ليس الآن على الأقل، لكن داغر أصر على ذلك كي تواجه كل الصعاب.
انتبهت على يده التي أمسك بها يدها يخبرها أنه بجوارها.
أومأت له بصمت ثم تطلعت لطفلها الذي غفى في مقعده وتمتمت بتأثر:
"دا نام."
تطلع داغر إليه بابتسامة:
"المشوار كان طويل أوي، يلا خلينا ندخل."
انفتحت البوابة الخارجية ودلف داغر بسيارته، وأسيل تحاول بشتى الطرق أن تجابه تلك الذكريات.
اندهش داغر عندما لم يجد الباب الداخلي، مما جعله يترجل من السيارة وينادي أحد الحرس:
"محمد."
تقدم منه الحارس يسأله:
"حمد لله على السلامة يا كابتن، خير؟"
أشار داغر على الحائط وسأله:
"فين الباب؟"
قال الحارس بأسف:
"أنا متأسف لحضرتك، نسيت أعرفك إن المدخل ده اتلغى وخليل بيه عمل مدخل من ورا."
اندهش داغر لبرهة لكنه فهم سريعًا.
شكر الحارس وعاد لسيارته التي توجه بها إلى الجانب الآخر.
تطلع إلى أسيل التي ما زالت تخفي عينيها بتلك النظارة السوداء، فقال بروية:
"أسيل."
تطلعت إليه أسيل متسائلة، فقال بحنو:
"وصلت."
ترجل من السيارة وتوجه ناحية مقعدها كي يفتح لها الباب، عندما ظلت مكانها لم تتحرك، فقال بدعم:
"انزلي، متخافيش."
ترددت لبرهة قبل أن تمد يدها إليه وترجلت بدعمه.
تطلعت إلى المنزل بوجل وتمتمت برهبة:
"داغر أرجوك…"
قاطعها داغر بحكمة:
"أرجوكي انتِ يا أسيل، قومي عشان خاطري، وزي ما انتِ شايفة عمي بيعمل اللي يقدر عليه عشان يساعدك."
أومأت له رغم اعتراضها، وتركها داغر ليحمل طفله، ثم عاد إليها ليكون داعمًا لها.
حسها على السير حتى دلفت المنزل، تتشبث بذراعه، فيجدوا خليل قد بدل معامل المنزل بأكمله، مما جعل داغر يندهش كيف استطاع في تلك الفترة الوجيزة أن ينهي كل ذلك.
ومنها أشياء كان يعتز بها حقًا، كيف استطاع محوها من مكانها.
ابتسم برضا، فهذا عمه الذي ظل طوال حياته يعطي دون أن ينتظر مقابل.
تطلع إلى أسيل التي ما زالت تغمض عينيها، فتمتم بروية:
"فتحي عنيكي، إحنا في بيت غير البيت."
فتحت أسيل عينيها وهي لا تفهم شيء مما يقول.
بعيون مهتزة تلفتت حولها، فترى أنها حقًا في مكان آخر غير الذي دخلته من قبل.
صحيح أنه لم ينهي رهبتها كاملة، لكنه خفف من وطأته عليها.
انتبه كلاهما على ترحيب خليل:
"حمد لله على السلامة."
تبتسم داغر باعتزاز وهو ينظر لعمه الذي تقدم تجاههم:
"الله يسلمك يا عمي، بس إيه اللي عملته في البيت ده؟ أنا قلت دخلت غلط ولا إيه."
تطلع خليل لأسيل وقال بتقدير:
"أسيل تستاهل أكتر من كده، لو كان ينفع كنت بعت البيت كله وشفت مكان تاني، بس أنا عارف إن البيت غالي عليك برضه."
تطرق في حديث آخر كي يخفف عن أسيل:
"تعالوا بقا أفرجكم على أوضة المستشار الصغير."
رد داغر بغيظ وهو يمسك بيد أسيل ويصعد معه للأعلى:
"شكلنا كده هنخسر بعض بسببه، بس ماشي يا سيدي، مستشار مستشار."
لم تطاوعها قدمها على الصعود، فترك داغر إياد لعمله وسألها باهتمام:
"مالك يا أسيل؟"
أغمضت عينيها لتسقط منها الدموع المتعلقة بأهدابها وتمتمت برهبة:
"مش قادرة يا داغر، مش هقدر أدخل الأوضة دي مهما حصل."
هنا تدخل خليل بحنو:
"بس الأوضة دي معدش لها وجود يا أسيل، تقدري تقولي كده محيتها نهائي. وبعدين ده موقف صعب من مواقف كتير بتمر في حياتنا، ولو وقفنا عند كل موقف منهم يبقى مش هنقدر نكمل حياتنا، فلازم تكوني أقوى من كده عشان بقا في روح مسؤولة منك، لازم تكوني قوية قدامها عشان تستمد منك القوة دي. وخليكي على ثقة إن كلنا جانبك وبندعمك بكل اللي نقدر عليه. أنا هاخد حفيدي أفرجه على أوضته، وانت خد مراتك وخليها تختار الأوضة اللي تعجبها، أنا برضه غيرت فرش الأوض كلها."
صعد خليل وترك داغر معها كي يبث الاطمئنان بداخلها أكثر.
وبالفعل استطاع داغر أن يمحو أي خوف بداخلها، ثم أخذها وصعد بها للأعلى.
لم تجد حقيقة أي معالم للغرفة، وقد فتحها خليل كردهة وملأها بالكثير من أشجار الظل.
اندهشت أسيل بدورها، هل فعل عمه كل ذلك لأجلهم؟ أو بشكل أدق لأجلها هي، فقد أخبرها داغر كذباً بأنه لا يتذكر سوى استيقاظه في الحقيقة، إذاً فقد فعل ذلك لأجلها وحدها.
بدأ الخوف يتلاشى تدريجيًا، وخاصة عندما تحدث داغر:
"تحبي تتفرجي على الأوض عشان تختاري واحدة منهم."
هزت رأسها بنفي، وقد لاحت ابتسامة رضا على فمها:
"لا مش هختار، أنا واثقة
رواية جبل النار الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم رانيا الخولي
وقفت أسيل أمام المرآة تمشط خصلاتها تتحاشى النظر إلى انعكاس صورته وهو يزرر قميصه بجوارها بكل هدوء وكأنه لا يعبأ بى فضولها
لكنها لم تستطيع الصمت أكثر من ذلك فالتفت إليه وقالت بانزعاج
لازم كل مرة تخرجني على عمايا كدة؟
رفع حاجبيه بمكر
_الله مراتي وانا حر فيها اخدها على عماها برضاها انا حر.
تطلعت إليه بغيظ
_يا سلام، طيب وإياد؟
اخذ الفرشاة ليمشط خصلاته وقال بهدوء
_إياد مع جده بيراجع طفولته معاه متقلقيش.
ألقى الفرشاة من يده وقال بمكر
_وبعدين هو مشوار صغير وهنرجع على طول متخافيش اوي كدة.
اغمضت عينيها بيأس منه
_يعني برضه مش هتقولي رايحين فين؟
غمز لها بشقاوة
_هخطفك.
اتسعت عينيها بذهول
_ما انت لسة خاطفنى من شهر ويادوب لسة راجعين امبارح.
هز كتفيه ببساطة
_وايه المشكلة لما اخطفك تاني وتالت ومليون..
لف خصرها بذراعيه الحانيتين وتابع
_طول ما انا عايش هفضل اخطفك لحد آخر يوم في عمري، حتى لو مت...
وضعت يدها على فمه تمنعه مسرعة وقالت بخوف
_اوعى تنطق الكلمة دي تاني (تطلعت لعينيه وبوجل) مقدرش أعيش في الدنيا دي وانت مش فيها.
الخوف الذي لاح بعينيها جعله يصر على ما انتواه
فرفع أنامله إلى وجنتها يتحسسها وتحدث بحنو
_حتى لو حصل هتلاقي روحي معاكي مش هتفارقك لحظة واحدة.
شعرت بالخوف أكثر وتذكرت مغامراته في البحر فقالت بخوف ورجاء
_داغر لو بتحبني فعلاً بلاش الجنون اللي كنت بتعمله ده، أرجوك بلاش تنزل المايه في العواصف…بلاش تنزلها خالص، عشان خاطري.
أومأ لها بحب لكنها لم تقتنع بتلك الإيماءه فمال على ثغرها يقبلها بحب ووله متناسيًا كل شيء
لا يتذكر سوى تلك الحورية التي تستكين بين يديه رغم مخاوفها.
توقفت السيارة أمام البناية وتطلع داغر إلى أسيل التي لا تعرف لما جاء بها إلى ذلك المكان فسألته بتوجس
_داغر احنا جايين هنا ليه؟
ابتسم لها يطمئنها
_تعالي نطلع وانتِ هتعرفي كل حاجة.
ترجل من مقعده والتف ليفتح لها الباب ضاغطاً على يدها بحب كي يشعرها بالأمان الذي حاول بكل الطريق أن يعيده إليها لكن دائما تبوء محاولاته بالفشل.
استسلمت له أسيل وصعدت معه ليقف كلاهما أمام عيادة لدكتورة أمراض نفسية
تطلعت إليه بتوجس فطمئنها بنظرة منه وصوته الحاني يقول
_لازم يا أسيل عشان تتخلصي من الخوف اللي جواكي.
اهتزت نظراتها وقد تلاعبت بها الظنون بأنه بدأ يستاء منها ولا تلومه على ذلك ففي كل مرة يقترب منها يعاني حتى تستسلم له
فتمتمت بصوت معذب
_انا عارفة إنك مليت مني و…..
قاطعها داغر
_هششش أوعى تقولي الكلمة دي تاني، أسيل احنا اللي بينا مش مجرد علاقة بين زوج وزوجته اللي بينا اكبر بكتير ومش ده السبب اللي جايبك عشانه
انا جايبك عشان تتخلصي من كل المخاوف اللي جواكي، انا صحيح حاولت اعوضك كتير بس مينفعش أكون انا السبب في كل اللي انتِ عشتيه وأكون انا طبيبك.
امسك يدها الباردة وقال بثقة
_انا عارف انك قوية لأن مفيش واحدة تمر باللي انتِ مريتي به وتفضل واقفة على رجليها، بس لازم نتخطي أي عقبة ممكن تقف في طريقنا وأولهم الخوف
لم تقتنع لكن عليها أن تطيعه ربما تنجح تلك الطريقة وتتخلص من مخاوفها وفور دخولهم سأل داغر الممرضة
_في حجز هنا باسم أسيل الحسيني.
نظرت في الكشف أمامها وقالت
_اه اتفضلوا.
وقف داغر بها على باب الغرفة وقال بمزاح اراد به التخفيف عنها
_ادخلي انتِ وانا هستناكي تحت في العربية لإن لو استنيتك هنا مضمنش نفسي لأن البنت اللي هنا حلوة أوي
اتسعت عينيها بذهول وهمت بتعنيفه لكنه منعها بحزم
_لأ عيب قولتلك ونبهت عليكي متغلطيش فيا قدام حد، بيني وبينك تمام قدام حد لأ.
ضحكت أسيل لعلمه بأنه يقول ذلك كي يخفف عنها وقالت بتوعد
_اصبر لحد ما اروحلك.
امسك يدها يقبلها ثم تركها لتدلف وحدها.
❈-❈-❈
كانت سعادة هايدي لا توصف عندما أخبرها الطبيب أن باستطاعتها الإنجاب
تطلعت إلى حازم بسعادة بالغة وتمتمت بفرحة
_انا مش مصدقة يا حازم حاسة كإني بحلم.
ابتسم بسعادة لسعادتها وقال
_لا يا قلبي مش حلم حقيقة بس هتقدري تتحملي التعليمات دي؟
أيدته بشدة
_اه طبعاً كل اللي قالي عليه هعمله دا انا مصدقت.
رفع حاجبيه بمكر
_ما صدقتي ايه؟ تخلصي مني سبع شهور؟
ضحكت هايدي عندما فهمت مغزى حديثه
_ ميبقاش قلبك إسود بقا، هعوضك بعدين.
قطب جبينه بضيق
_بعدين ايه بقا وانتِ هتكوني فضيالي؟
وضعت يدها على كتفه وهي تستند بذقنها عليه
_ وانا ما اقدرش برضه على زعل حبيبي.
لاح الخبث بنظراته
_خلاص يبقا تعويض قبل وبعد.
أومأت له بخجل محبب جعله يأخذها في جولة عشق من جوالاتهم.
❈-❈-❈
في المصنع
انتهى خليل من عمله ونهض كي يعود لمنزله ولذلك الصغير الذي سلب عقله وتفكيره أغلب الوقت
طرق الباب ودخلت سيلين كي تراجع معه بعض الاوراق فوجدته يستعد للانصراف.
فقالت باعتزاز
حضرتك ماشي دلوقت؟
رد خليل وهو يضع هاتفه في سترته وقال
_داغر عمال يرن من بدري بيستعجلني على الغداء وحتى خلى الشقي الصغير يكلمني عشان عارفه نقطت ضعفي.
ضحكت سيلين
_ربنا يخليهولك، خلاص يبقا نراجع الأوراق دي بعدين.
همت بالانصراف لكنه اوقفها
_بما إن الاولاد مسافرين ايه رأيك لو تيجي تتغدى معانا ونراجع الأوراق عندي، أسيل اكتر من مرة تطلب مني اعزمك على الغدا بس عارف إنك مش بتقدري تسيبي الولاد يتغدوا لوحدهم.
تراقص الأمل بعين سيلين لكنها ترددت في قبول ذلك فعلم خليل سبب ترددها وقال
_لو قلقانة أتصل على أسيل تكلمك بنفسها…
قاطعته سيلين بنفي
_لا طبعاً انت بتقول ايه الحكاية مش كدة خالص بس خليني الاول أكلم معتز واستئذن منه.
أومأ لها وقال بثبوت
_طيب انا هنزل أخرج العربية من الجراچ واستناكي نروح مع بعض بعربيتي.
أومأت سيلين وتركها خليل تتصل بابنها..
❈-❈-❈
في المطبخ
دلف داغر كي يساعد أسيل في تحضير الطاولة وهو يقول بغيظ
_انا مش فاهم ايه اللي يجبرك على التعب ده، قولتلك اجيب واحدة تساعدك.
تركت الاطباق من يدها وتقدمت منه لتحيط عنقه بذراعيها وقالت بدلال تعلم جيدًا بأنه يفقد عقله
_قولتلك مية مرة مش عايزاك تاكل من ايد حد غيري.
تظاهر داغر بالضيق
_ليه بس يا سيلا بتقطعي على غيرك…اااه..
تألم داغر عندما دعست أسيل قدمه بحذاءها وقالت بتوعد
_بقا كدة ماشي يبقى تروح تنام مع ابنك الليلة دي.
همت بالابتعاد لكنه احكم قبضته حولها وقال بمكر
_ايه مالك بقيتي شرسة كدة، وبعدين انا قصدي شريف، بقول متقطعيش رزق حد يا قلبي مش اكتر.
رمقته بعدم تصديق
_يا سلام.
أكد داغر
_اه أومال فكرك ايه، هو معقول ابص لحد غيرك، يبقى معايا القمر وابص للنجوم.
زمت فمها بغيظ
_اه ثبتني واضحك عليا.
غمز لها بشقاوة
_يعني لو مضحكتش عليكي انتِ اضحك على مين بس.
مال عليها كي يقبلها لكنها وضعت يدها على فمه تمنعه
_انت بتعمل ايه عمو زمانه جاي.
تذكر داغر امر عمه
_اه فكرتيني مدام سيلين جاية مع عمي تتغدا معانا.
ابتسمت اسيل
_بجد، طيب مقلتش ليه كنت عملت…
قاطعها داغر
_تعلمي ايه بس، ده هيكون غدا كدة وكدة
عقدت حاجبيها بعدم فهم وسألته
_يعني ايه مش فاهمة؟
_يعني عمي بدا يقتنع بكلامي لإني دخلتله دخله شمال الصراحة وانا عارف إن دي الطريقة الوحيدة اللي هتقنعه.
ضحكت أسيل وهي تخفي وجهها في صدره
_انت مجنون.
_هو انتِ خليتي فيا عقل.
سمع صوت خليل في الخارج فابتعد عن أسيل
_اهو وصل.
خرجت أسيل لترحب بسيلين
_أهلاً وسهلاً مدام سيلين نورتي.
سلمت عليها سيلين بحرارة
_منور بأهله، اومال فين ديدو؟
رد داغر الذي رحب بها بحفاوة قبل ان يجيب
_إياد نايم ثواني هطلع أجيبه.
استئذنت أسيل لتقوم بإعداد السفرة فاصرت سيلين أن تساعدها
مضى الوقت في جو عائلي سعد الجميع به حتى اصرت سيلين على العودة
قام خليل بتوصيلها حتى باب المنزل فقالت بشكر
_متشكرة اوي على الجو اللطيف ده اللي قضيته معاكم .
ابتسم خليل وقرر ان يفتح معها الحديث الذي أجله حتى الآن وقال بدون مقدمات
_ولو طلبت منك إنك تكوني واحدة مننا تقولي ايه؟
رمشت بعينيها تحاول استيعاب ما سمعته فسألته بحيرة
_مش فاهمة.
_مش فاهمة ايه انا بطلب منك تكوني من عيلتي يعني مراتي.
تغيرت تعبير وجهها فظن خليل أنها ترفضه فقال بثبات كي يرفع عنها الحرج
_لو طلبي سببلك احراج…
ردت سريعًا
_لأ خالص بالعكس ده شرف ليا، بس انا مش عارفة ولادي هيكون رأيهم إيه وبالأخص مصطفى.
رد خليل بحكمة
_خدي وقتك عادي ولو وافق انا هاجي اطلبك منه.
_مش قصة اقناع بس معتز مش هيوافق ييجي يعيش معانا في البيت عندك وخصوصاً في وجود أسيل وديدا كمان كبرت فمش هتكون اخده راحتها.
رد خليل بحكمة
_بس انتِ قولتيلي إن معتز هيسافر عشان يكمل تعليمه برضه
وفريدة هتدخل كلية الشرطة ووجوها معانا مش هيشكل اي عائق لأي حد، على العموم فكري كويس وردي عليا.
أومأت له وترجلت من السيارة وعاد خليل لغرفته.
بعد مرور اسبوعين رأت فيهم أسيل اهتمام كبير من الجميع وأولهم داغر الذي محى من داخلها أي خوف او توجس
وأصبحت حياتها وردية اللون
حتى طفلهم استطاع أن يعلقه به حتى أنه اصبح لا ينام بعيدًا عن حضنه.
عاد داغر من الخارج وعينيه تبحث عنهم لكنه لم يجدهم
نادى حبيبته
_أسيل.
سمع صوتها من داخل غرفة الألعاب التي خصصها خليل لأجل حفيده
_تعالى يا حبيبي احنا هنا.
دخل الغرفة فوجدهم جالسين بجواره على الأرضية وهو يبكي بلا توقف
_بابا جاه خلاص.
نهض إياد ليسرع بخطاه تجاه والده الذي حمله بقلب يهفو ليضمه إليه وسألهم
_ماله إياد فيه ايه؟
قال خليل وهو ينهض بتعب
_بيعيط على جنابك من وقت ما سيبته، عملتله قرد عشان يسكت وبرضه مفيش فايدة.
ضحك داغر وتطلع إلى ابنه الذي لف ذراعيه الصغيرة حول عنقه وسأله ببهجة
_صحيح الكلام ده يا ديدو؟
أخفى إياد وجهه في كتف والده فقالت أسيل بغيظ
_هو هيقدر ينكر؟ مش عارفة هيعمل ايه بعد ما تسافر.
انتبهوا على هاتف خليل الذي اجابه مسرعًا وكأنه كان ينتظره فاندهش كلاهما حينما وجداه يسأله
_انت متأكد من الإسم؟
_…..
تطلعت أسيل لداغر بتوجس فينقبض قلب داغر حينما قال عمه
_تمام جايين حالاً ابعتلي اللوكيشن ومسافة الطريق هنكون عندك.
أغلق خليل الهاتف فيسأله داغر
_خير يا عمي؟
تطلع خليل إلى أسيل وقال
_لقينا والدك..
❈-❈-❈
وقفت أسيل على باب الغرفة وقلبها يهدر بعنف
لا تعرف ماذا تفعل
هل تطوي صفحات الماضي كما يخبرها داغر وتدلف إلى والدها
أم تطاوع عقلها وتلوذ بالفرار
تذكرت عندما سألتها الطبيبة
ماذا ستفعلين إذا وجدتِ والدك؟
لم تستطيع الإجابة حينها والتزمت الصمت.
لكنها علمت الآن
أنه مهما فعل ستظل دماءه التي تجري بعروقها هي المتحكمة الوحيدة في قرارها وهي
نعم تسامح.
فتحت الباب ودلفت الغرفة فتتفاجئ بوالدها قعيد على كرسي متحرك يجلس عليه بسكون أمام النافذة بملامح هادئة مستسلمة واختفت من ملامحه ذلك الجبروت الذي عاش عمره يفرضه على الجميع
بخطوات واهنة تقدمت منه وقد تجمعت العبرات بعينيها تأثراً على حاله.
_بابا..
لم يحرك ساكناً وظل يتطلع إلى الفراغ أمامه
ذلك الصمت الذي يراوده دائمًا في كل وقت وحين
هو وحده سلواه عن هذه الوحدة القاسية
لكنه ينحر قلبه بلا رحمة
_بابا..
تجمعت العبرات بعين حسين وهو يتمتم بصعوبة بالغة
_بنـ..ـتي..
أغمضت أسيل عينيها تنفض الدموع المتعلقة بأهدابها فتقدمت منه خطوة أخرى وتمتمت بخفوت حتى لا تخيفه
_بابا انا أسيل.
انتفض جسد حسين عندما شعر بلمستها على ذراعه وأدار وجهه بصعوبة إليها فتزداد دموعه أكثر ظناً منه انه يتخيلها أمامه
جثت أسيل على ركبتيها أمامه ومدت يدها إلى يده تحتويها بحزن فقالت بنشيج
_انا عايشة ممتش.
لم يقتنع حسين لكنه ظنها فرصة كي يطلب من روحها السماح فرفع يده بوهن إلى وجنتها يتحسسها كأنه يطلب منها السماح
شهقت أسيل ببكاء عندما لامس حنانه قلبها فأمسكت يده تقبلها وعندما شعر بدموعها على يده أدرك حينها بأنها حقيقة
حاول تحريك يده الأخرى كي يتأكد أكثر لكن يشعر بها ثقيله ولا يستطيع تحريكها
حاول نطق اسمها رغم صعوبته
_أ..سـ..يل..
أومأت تؤكد له وتمتمت بخفوت
_أيوة أسيل اول ما عرفت مكانك جيت عشان ارجعك، مش حسين النعماني اللي يستسلم بسهولة لكرسي زي ده.
جذبها حسين ليقربها من صدره لينتحب حينها ويبكي لأول مرة.
لا يصدق أنه يراها بعد ذلك العذاب الذي عاناه منذ ان علم الحقيقة
لم تمت كما أخبروه بل مازالت على قيد الحياة ولن يموت حتى تغفر هي له
أغلق داغر الباب عندما شاهد ذلك الموقف وقام بالاتصال على سليم
والذي بدوره جاء مسرعًا يطلب من والده العفو على تركه وحيدًا
أصر على أن يعود والده لمنزله عندما طلبت منه أسيل ان يظل معها كي تهتم به
لكنه رفض ذلك وأصر على أن يعود إلى منزله ويعالجه حتى يعود كما كان.
مرت الأيام وحسين في تحسن ملحوظ وخاصة عندما رآى حفيده وسعادة الجميع من حوله
وانتهت رحلة العذاب الذي شعر بها الجميع
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
في غرفة إياد
ظل داغر يزرع الغرفة ذهاباً وإياباً ربما يحن عليه ذلك الصغير ويغمض عينيه
لكن كأنه تعند ذلك لعلمه بأنه على وشك العودة لعمله لذا يتمسك.به تلك الفترة بشكل عجيب
تطلع إياد إليه فيجده ينظر إليه بوداعة فقال داغر بغيظ
_وبعدين بقا احنا متفقناش على كدة انت بطريقتك دي هتخليني اهنج وملحقش اشبع من امك قبل ما اسافر.
ضحك إياد ببراءة واخفى وجهه في صدر والده
_مالك اتكسفت كدة ليه؟ وحياة امك شكلك فاهم وبتسطعبتنا، وانت يعني هتجيبه من برة ابن ابوك بصحيح
يلا بقا نام والصبح نكمل كلامنا.
تشبث إياد به أكثر فقال بغيظ
_يابني ابوس ايدين أمك نام بقا، انا شكلي بقى وحش أوي وانا بقالي أكتر من ساعتين بنيم فيك.
دلفت أسيل الغرفة ظناً منها بأن إياد استطاع مثل كل مرة أن ينيم والده بجواره فتأتي هي كي توقظه
لكن الغريب أنهم مازالوا يقظين حتى الآن
_معقول كل ده ومعرفتش تنيمه؟
رد داغر بغيظ
_مش عارف ماله النهاردة انا كنت بفكر ابعته لجده زي المرة اللي فاتت.
_طيب وعمي ذنبه ايه يفضل سهران بيه وهو عنده شغل الصبح.
_الله وانا كمان ذنبي ايه ما انا برضه عندي شغل كمان يومين، ودي آخر ليله هسهر فيها.
هزت راسها بيأس منه وأخذت منه إياد
_طيب سيبه وانا هنيمه وآجي وراك.
ترك لها إياد وغمز بعينيه
_أوعى تتأخرى وآجي الاقيكي نمتي، على اتفاقنا نسهر للصبح.
رمقته بغيظ
_وانت تنام براحتك وانا اقوم لإياد وعمي افطرهم.
_ما انتِ اللي غاوية تعب وقولتلك اجبلك مربية لإياد رفضتي وعمي بيقولك مش بحب افطر بدري بتصري تفطريه قبل ما يخرج.
_قولتلك مية مرة الأكل ده انا بعمله بحب يعني مش مفروض عليا، وإياد انا بحب اهتم به مينفعش اسيبه لغيري واتخلى عن دوري تجاهه.
تطلع إليها داغر بحب وفي كل موقف تعرض له كلاهما تؤكد له أنه حقاً أحسن الأختيار.
طبع قبلة خاطفة على شفتيها قبل ان يقول بمكر
_طيب انا هستناكي أوعى تنامي؟
هزت راسها بابتسامة ثم تركها ودلف غرفته، ليأخذ حماماً بارداً فيخرج بعد قليل على صوت هاتفه
_ايوة يا محسن عملت ايه؟
_……
_انت متأكد؟
_….
_طيب ربع ساعة وأكون عندك.
دلفت أسيل فتجده يرتدى ملابس خروج مما جعلها تسأله بقلق
_داغر انت رايح فين؟
اخذ مفاتيحه ورد بفتور
_مشوار صغير وراجع.
انقبض قلبها بخوف
_مشوار ايه اللي هتخرجله في وقت زي ده.
انفعل داغر من اسئلتها
_ايه يا أسيل هو تحقيق قولتلك مشوار صغير وراجع.
أصبح شكها الآن يقيناً وهي ترى التوعد بعينيه مما جعلها تقف قبالته تمنعه قائلة
_مش هسيبك تخرج.
توحشت نظراته وتطلع إليها بحزم
_أسيل أنا لازم أخرج دلوقت أوعى من قدامي.
صرخت بإصرار أشد
_قولتلك مش هتخرج ولو خرجت هقول لعمي ولو وصلت هبلغ الشرطة.
هدر بها بغضب محذراً
_أسيل.
ازداد إصرارها أكثر وهي تقول بتعند وقد اوشكت على البكاء من شدة الخوف
_برضه مش هسيبك.
جذبها من ذراعها ليبعدها من أمامه لكنها تشبثت بذراعه ترجوه
_ أرجوك يا داغر متضيعش نفسك، انا وابنك محتاجين لك.
اشتد بكاءها حد الانهيار وهى تتابع بألم.
_مش هسامحك طول عمري لو جرالك حاجة.
جثت على ركبتيها وهي تقول بتوسل
أرجوك..
لم يتحمل داغر حالتها لذا مال عليها ليجعلها تقف على قدميها ثم مسح دموعها قائلاً
_ مش هقدر اسيبهم بعد ما دمروا حياتي..
_متدمرتش وانا خلاص رجعتلك وانت كمان رجعت لشغلك وانا والله مسامحاهم.
قطب جبينه بدهشة
_مسامحاهم بعد اللى عملوه فيكى؟
أومأت له بتأكيد
أيوة طالما رجعت لي فأنا مسامحهم، شوف الجانب الإيجابي في اللي حصل
شوف بسبب الحادث ده على قد ما كان دمار على قد ما في النهاية صلح حاجات كتير أوي وعرفك من اللي بيحبك بجد ومين اللي كان بيخدعك.
داغر الانتقام أخرته وحشة..
أومأ لها داغر وجذبها لحضنه حتى هدئ نحيبها.
تسلل داغر من جوارها عندما تأكد بأنها نامت ثم أخذ مفاتيحه وخرج من الغرفة متجهاً لوجهته..
رواية جبل النار الفصل الأربعون 40 - بقلم رانيا الخولي
في المنزل
دخل داغر فيجد أسيل تسرع إليه تلقى نفسها داخل أحضانه وهي تصرخ به وتعاتبه
وكان هو صامتًا فلا احد منهم يشعر بذلك القهر الذي لازمه وهو يرى من كان سبباً في تدميره يعيش حياته بكل اريحية
كان عليه ان ينتقم منهم ولم يعلم شيء عن تخطيط عمه الذي اعده مسبقاً دون أن يخبره.
نعم أخطأ عندما قرر فعل ذلك لوحده لكن أيضًا لم يستطيع أن يخبر أحد بما حدث لأجل زوجته وابنه
لن يترك احد يعرف بأنه تعدى يوماً على زوجته حتى لو دون إرادته وأن ابنه جاء للدنيا بتلك الطريقة
لا يشعر أحد بما يعانية وهو يتذكر ذلك الحادث وكيف عاملها بكل تلك القسوة
لعن ذاكرته التي أعادت له ذلك اليوم
وتمنى أن ينسى ويمحيه من ذاكرته.
لم يخبر عمه لأنه رجل قانون ولن يعترف بذلك النوع من الانتقام لذا تعامل مع الأمر دون أن يخبره
ابعد أسيل عنه عندما دلف عمه فتطلع إليه لحظات قبل ان يقول بحزم
تعالى ورايا على المكتب.
تشبثت به أسيل كأنها تخشى من بعدها عنه حتى للو لحظات
_داغر..
طمئنها بابتسامته
_انا كويس متقلقيش اطلعي ارتاحي وانا جاي وراكي.
قبل جبينها ثم تركها ودخل المكتب فيجد عمه واقفاً يتطلع إليه بغضب لم يراه عليه من قبل
اغلق الباب وتقدم منه ليتمتم قائلاً
_نعم يا عمي.
هدر به خليل وهو يتذكر ذلك المشهد
_عمك؟! انت خليت فيها عم ولا زفت.
تقدم منه وهو يصيح به
_ايه اللي خلاك تعمل اللي عملته ده، انت فاكر نفسك فين؟
رد داغر باحتدام
_يعني كنت عايزني اسيب حقي.
انفعل خليل أكثر
_لأ تروح تاخده بدراعك زي البلطجية اللي كانوا هيخلصوا عليك
لولا إني كنت مراقب خطواتك لما عرفت انك بتدور وراهم
ولولا إنهم كلموني كان زمانا دلوقت انا ومراتك وابنك بننكوي بنارك بالفيديو اللي كانوا بيصوروه
انت بتهورك ده كنت هتدمر كل حاجة خططنا لها عشان نوقع توفيق واللي معاه.
_طيب ليه معرفتنيش.
_لإني عارفك متهور واللي حسبته لقيته لولا ستر ربنا
ايه فاكر ان توفيق هيسيب ابنه كدة من غير ما يكون وراه حراسة؟
اشاح داغر بوجهه فتابع خليل
_اتفضل يا استاذ روح لمراتك اللي كانت هتموت من الخوف عليك وسيبك من حياة التهور اللي كنت عايشها واعمل حساب لها ولابنك، اتفضل.
صعد داغر غرفته وعقله يكاد يفتك برأسه
فعمه محق في كل كلمة ولا يلومه
عليه ان يكون اكثر حذر لأجل زوجته وابنه
دلف الغرفة فيجد أسيل جالسة على الفراش في سكون تام
فقط تبكي بصمت
شعر بالحزن عليها وعلم أنه يخطأ دائمًا بحقها
فتقدم منها ليجثو أمامها ويمسك يدها بتأثر
_أسيل..
اغمضت عينيها كأنها لا تريد أن تستمع لأي مبررات منه
مسح بابهامه دمعة سقطت على وجنتها وتمتم بوله
_ارجوكي يا أسيل تحسي بيا، مكنش ينفع اسيب اللي عمل فينا كدة
وضع يده اسفل ذقنها يرفع وجهها إليه وقال
_خلاص هما اخدوا جزاءهم ودلوقت هنقدر ننسى اللي فات.
هزت راسها بوجل
_ولو كانوا قتلوك ولا عملوا فيك حاجة كنت هعمل ايه من غيرك؟
مفكرتش فيا؟
ولا فكرت في ابنك.
وضعت يدها على جوفها وتمتمت بألم
_ولا في ابنك اللي جاي؟
رفع داغر عينيه إليها وقد ألجمته المفاجأة حتى ظن أنه أخطأ السمع
فردد اخر ما نطقت به بتيهة
_اللي جاي؟!
أومأت له مما جعل نظراته تهتز ومازال غير مدرك لما قالته.
ازدرد لعابه بصعوبة وهو ينظر لجوفها وغمغم بتيهة
_يعني انتِ حامل؟
اشاحت بوجهها بعيدًا عنه ومازالت غاضبة منه لكنه أجبرها على النظر إليه فلانت ملامحها عندما لاحظت الرجاء بعينيه بألا تخذله
_ردي أرجوكي.
أومأت له بتأكيد قبل أن تشهق بخوف عندما وجدته يحملها فجأة بين ذراعيه ويلتف بها في الغرفة وهو يصدح بصوته
_بحبك..بحبك..بحبك.
ضحكت أسيل رغمًا عنها بسعادة لسعادته حتى تناست كل شيء وأولهم غضبها منه.
_داغر كفاية..
توقف داغر وانزلها على الأرض ومازال يحيطها بذراعيه
_انا مش مصدق نفسي معقول في يوم وليلة اكون اب لاتنين.
اومأت له بسعادة
_إن شاء الله الجاية تكون بنت
_يا ستي بنت ولد انا راضي المهم إنك تقومي بألف سلامة.
اجلسها على الفراش وجلس بجوارها وهو يقول بأمر
_ياريت نهدى بقا كدة وتسمحي لواحدة تجبيها بمعرفتك تساعدك في المطبخ..
همت بالمعارضة لكنه منعها بحزم
_أسيل مش بحب اكرر كلامي انا قلت تجيبي حد يساعدك وخلاص وبعد ما تقومي بالسلامة اعملي اللي انتِ عايزاه.
أومأت له كي لا تضايقه ثم جذبها لحضنه بحب حتى اراد أن يخفيها بين ضلوعه.
❈-❈-❈
بعد مرور شهر
ضغطت أسيل على شفتيها بخبث ثم هزت كتفيها بدلال لتقول بدهاء أنثى
_خلاص براحتك بس كدة ضيعت على نفسك مفاجأة النهاردة.
قطب جبينه بشك ثم نهض ليتقدم منها يقف خلفها
_مفاجأة!! مفاجأة ايه دي يا سيلا؟
حاولت اخفاء ابتسامتها وهي تستدير لتنظر إليه بدهاء أشد
_أصل القميص اللي طلبناه امبارح اونلاين وصل النهاردة بس بما إنك زعلتني ونكدت عليا خلاص مفيش مفاجأت ولا غيره.
همت بالذهاب مدعية الحزن لكنه أمسك ذراعها يمنعها من الذهاب وهو يقول بجدية مصطنعة
_يا سلام عليكي يا سيلا كل حاجة بقيتي بتخديها جد كدة، انتي برضه هتخديلي على كلام.
أشار على نفسه وتابع
_بقا بذمتك انا بقيت راجل له كلمة؟ ولا حد بقا بياخدلي على كلام ولا أفعال، وبعدين دا انا بهزر معاكي يا حبيبتي.
حاولت إخفاء ابتسامتها وهي تتمتم بغنج
_اه ما انت اللي عمال تقولي لأ يعني لأ ومينفعش تخرجي بالفستان ده وانت بنفسك اللي أختارته.
حك عنقه بيده وتمتم باحراج
_ماهو يا حبيبتي مكنتش اعرف أنه هيكون بالجمال ده عليكِ، انا بقولك خليه ليا واختاري أي واحد غيره.
تقدمت منه لتتلاعب بأزرار قميصه وتمتمت بغنج تعلم جيدًا بأنه لن يستطيع الثبات أمامها
_مفيش وقت يا عمري مش هلحق أشتري واحد غيره كتب الكتاب بكرة وانا بصراحة مبقتش أقدر اعمل شوبنج زي الأول لأن الحمل تاعبني زي ما انت شايف، وبعدين يا قلبي مفيش حد غريب هيحضر المناسبة يبقى ليه الرفض.
لم يكن ينتبه لحديثها اكثر ما يحاول تذكر لون القميص التي اختاراه معاً
فقال مدعياً التفاهم
_إن كان كدة ماشي، بس قوليلي اختارتي أي لون فيهم….. ولا أقولك خليه مفاجأة.
جذبها من يدها ليصعد بها لغرفتهم وهو يقول بخبث
_تعالي بقا خليني أشوف الفستان عليكِ مرة تانية قبل ما تخرجي به.
ضحكت أسيل بسعادة لم تشعر بها من قبل وهو يحملها ليصعد بها كي يخبرها بطريقته كيف يعشقها ويهيم بها عشقاً..
في الحفل
انهى المأذون عقد القران وبدأ الجميع بالمباركة لخليل وسيلين
حتى ابنها الذي رفض في البداية لكن وافق كي يكون مطمئن عليها هي وأخته فترة دراسته في الخارج
تقدم داغر وأسيل ليباركوا بدورهم
_الف مبروك يا عمي.
رد خليل بحب
_الله يبارك فيك يا حبيبي..
تقدمت اسيل لتقبل سيلين
_الف مبروك يا…
تطلعت إلى داغر وسألته
_هو انت هتقولها أيه..
ضحكت سيلين وقالت
_يا ستي اي حاجة ولا اقولك خليها من غير ألقاب وقولي سيلين.
تطلعت أسيل لخليل وقالت بتقدير
_يا خبر لا طبعاً مرات عمي مكانتها لازم تكون بنفس مكانته عندي مينفعش انطق اسمها من غير ألقاب.
انتبه داغر ليد طارق التي جذبته بعيداً عنهم وقال
_وبعدين معاك مش ناوي تجوزني أختك بقا.
رمقه داغر بغيظ
اخطبهالك ازاي مش لما اخد رأيها الأول.
رد دون انتباه لما يقول
_وهي موافقة و….
انتبه طارق لما قاله فقطب داغر جبينه بتوعد
_ولاه انت بتستغفلني وبتكلم اختي من ورايا؟
حمحم طارق باحراج
_لا طبعاً انا بس قلت اخد رأيها مش أكتر.
ضرب على كتفه بتوعد
_طيب تروح لابوها واطلبها منه بقا.
_يعني هتستندل معايا مش هتتوسطلي عنده.
تطلع إليها بغيظ وقال
_لا يا خفيف خليها هي اللي تتوسط انا شيلت ايدي.
_ماشي يا كابتن مردودالك.
❈-❈-❈
في غرفة أسيل وداغر
دلف وهو يحمل كوب الأعشاب ودنى منها ليضعه على المنضدة ثم جلس بجوارها وقال بقلق
_انا بقول نروح لدكتور أحسن.
ابتسمت أسيل كي تطمئنه
_يا حبيبي متقلقش قولتلك كل ده طبيعي في الشهور الأولى.
امسك يدها يقبلها بحنو بالغ
_لو مقلقتش عليكي انتِ هقلق على مين.
تطلعت إليه بابتسامة تدل على مدى سعادتها به وقالت
_تعرف ايه اللي هيريحني دلوقت؟
_أؤمري.
_انك تاخدني في حضنك وتضمني أوي.
حك رأسه بحيرة
_بس إنتِ تعبانة وانا بصراحة بضعف من أقل لمسة.
ضحكت أسيل ورمقته بكل الحب الذي تحمله له بداخلها وتمتمت بشغف
_انت أكبر عوض ربنا عوضني به عن التعب اللي شوفته في حياتي، ربنا يخليك ليا.
قبل يدها مرة أخرى وقال
_ويخليكي ليا.
عدل من وضع الوسائد خلف ظهرها ثم ناولها الكوب
_يلا اشربي الاعشاب دي هتريحك.
تطلعت إلى الكوب باشمئزاز
_داغر ده رحته قوية اوي.
_معلش اتحملي ده هيريح معدتك.
أخذت الكوب من يده وكلما قربته من فمها كلما اشمئزت أكثر.
_مش قادرة يا حبيبي ارجوك بلاش.
اخذ منها الكوب ووضعه على المنضدة ثم اعتدل في الفراش ليسحبها إلى صدره كي تسند عليه وقال بمكر
_طيب خليني احكيلك عن مغامرة من مغامراتي وأنتِ بتشربيه.
أخذ الكوب وقال
_شوفي يا ستي
انا كنت نازل البحر كالعادة..وبعدين الموج كان عالي أوي فأخذني جوه شوية..لا نقول شويتين..فاضطريت أغطس لما لقيت موجة شديدة اوي مقبلاني
وفي لحظة لقيتني قدام كهف تحت الماية
وقفت مصدوم ومش عارف اعمل ايه، اهرب؟
بس روح المغامرة جوايا مخلياني أكمل.
لحد ما لقيت حورية خارجة منه..
_نعم؟ داغر انت بتسطعبتني.
كان يتحدث وهو يقرب الكوب من فمها كي تتناوله وهي منتبه لحديثه.
_ما تصبري وتسبيني اكمل للآخر.
أخذت الكوب من يده وتابعت الاستماع له بغيرة وهو يضيف بإعجاب
_بس بصراحة كانت ايه مزة من الآخر..
غصب عني قربت منها والغريبة انها كانت شبهك أوي لدرجة إني محستش بنفسى ولقتني بقرب منها..
اتسعت عينيها بذهول
_عملت ايه؟
_بقولك شبهك كنت هعمل ايه يعني!
تناولت باقي الكوب وهي تقول بغيظ وتوعد في ان واحد
_كمل يا حبيبي كمل دا انت ليلتك سودة.
تمتم داغر بخفوت كانه يحدث نفسه
_سودة اكتر من كدة! هي أجازة سودة أصلاً..
_بتقول حاجة؟
اخذ منها الكوب الفارغ ووضعه على المنضدة وتابع بخبث
_لا يا حبيبتي مش بقول..المهم لقتها هي كمان بتقرب مني وبصراحة ضعفت قصاد جمالها ولسة….
قاطعته أسيل بترقب
_لسة ايه؟
جعلها تستلقي بجواره ومال أمام وجهها وهو يتطلع لثغرها برغبة
_ولسة هقرب أكثر وابوسها لقيتك انتِ طبيتي علينا..
هم بتقبيلها لكنها أبعدته بغيظ
_حلو الحلم ده، أصل تفكيرك شمال عشان كدة احلامك كلها شمال.
استغفر داغر في سره وتمتم بتوعد
_منك لله يا يحيى انت اللي بصتلي في الأجازة دي.
_بتقول ايه؟
_لا يا قلبي مش بقول انا بس ببقى مشتاقلك فعشان كدة العقل الباطن بيصوري الستات كلها زيك.
وبعدين يا حبيبتي الأجازة بتمر وهما كلهم سبع ايام راح منهم اتنين يرضيكي كدة.
_اه يرضيني لما تبطل تخيلاتك الشمال دي.
تطلع إليها بتوعد وهو يجذب الغطاء فوقهم
_لا انا يظهر إني دلعتك زيادة عن اللزوم وانتِ مينفعش معاكي غير القوة.
❈-❈-❈
بدأت هايدي تلتزم الفراش كما اخبرها الطبيب
فقد أصبحت بالشهر السادس وبدأت تشعر بالتعب والخمول حتى إنها لم تعد تستطيع التحرك من الفراش
فقرر حازم أن يأخذ بدوره أجارة من عمله كي يهتم بها لكن أمينة ووالدتها رفضوا ذلك وأصروا على أن يعتنوا هم بها.
عدل حازم من وضع الوسائد وجعلها تستلقي بعد أن ساعدها في أخذ حمام دافئ كي يهدئ به ذلك الألم
جذب عليها الغطاء وسألها باهتمام
_كدة أحسن؟
أومأت له بامتنان
_الحمد لله بقيت أحسن.
_ثواني هعملك حاجة دافيه تشربيها…
قاطعته هايدي برفض
_لأ مش عايزة وبعدين انت واقف على رجلك طول النهار في المستشفى ولازم ترتاح.
ابتسم حازم وقال بعد ان طبع قبلة حانية على يدها
_يا قلبي تعبك راحة وبعدين انا مش تعبان ولا حاجة بالعكس ببقى مبسوط اوى وانا بساعدك.
_خلاص تعالى نام جانبي وخدني في حضنك ده اللي انا محتجاه دلوقت.
أومأ لها بكل ترحيب واستلقى على الفراش بجوارها ليسحبها إلى صدره يحتويها بذراعيه
❈-❈-❈
في المشفى
تجمعت العائلة في غرفة وعد بسعادة غامرة
وقد انجبت فتاة وأصر سليم على أن يسميها أسيل رغم اعتراض داغر.
وقفت اسيل تحتضن الفتاة بسعادة وداغر يحمل طفله بجوارها فقال لطفله
_بنت زي القمر عايزك بقا تبقى مفتح كدة زي أبوك وتوقعها زي ما عملت في أمك.
تطلعت إليه أسيل بذهول
_ايه الكلام اللي بتقوله للولد ده؟
_وانا قلت ايه مش احسن ما يطلع خايب زي خاله.
_وخاله خايب في ايه بقا؟
قالها سليم بغيظ عندما استمع له فرد داغر بتأكيد
_اه خايب تنكر؟
حك سليم رأسه وهو ينظر إلى وعد كي يتركها ترد نيابة عنه فقالت وعد بمدح
_ده اسمه تقل مش خيابة، فضل يتقل لحد ما جنني.
ضحكوا جميعاً مما جعل داغر يقول
_عرفتوا بقا انه خايب.
تنهد سليم بيأس منه
_ماشي يا سيدي منك نستفيد بس البنت لبوها وهخليها تخلي ابنك يزحف عشان نظرة منها.
رد داغر بتهكم
_الايام بينا وبكرة نشوف.
انفتح الباب ودلف حسين وهو يستند على عكازه ومعه السائق
فاسرع سليم إليه يقول بعتاب
_ليه يا بابا تعبت نفسك وجيت.
أخذ يده من يد السائق ليساعده على السير
حتى تقدم من وعد ليميل عليها يقبل رأسها
_حمد لله على السلامة يا بنتي.
ابتسمت وعد بسعادة لمجيئه وقالت بامتنان
_الله يسلمك يا عمي، مكنتش تعبت نفسك انا خارجة النهاردة.
ساعده سليم بالجلوس على المقعد
_مفيش تعب ولا حاجة مقدرش استنى لما ترجعوا وقلت آجي اطمن عليكي وأشوف حفيدتي.
تقدمت منه أسيل لتضع الطفلة بين يده وقالت بمزاح
_احكم انت يا بابا بيقول انها شبهي وانا صغيرة صحيح الكلام ده؟
تطلع حسين إلى الفتاة ثم رفع وجهه لأسيل قائلاً
_بصراحة نسخة منك.
شهقت أسيل بصدمة عندما وجدتهم يضحكون عليها وقالت بحنق
_يعني انا كنت وحشة كدة؟
رد حسين بقلة حيلة
_انتِ طلبتي رأيي وانا قولته، بس ده برضه بيأكد أنها لم تكبر هتكون حلوة زي عمتها.
غمغمت أسيل
_ثبتني بصراحة.
مضي الوقت في جو عائلي أصبح سائد بينهم
وكل واحد منهم يعيش اجمل لحظاته مع من أحب..
تمت