الفصل 5 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الخامس 5 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
22
كلمة
2,339
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

في كثير من الأحيان نتعرض لصدمات تقلب حياتنا رأسًا على عقب، خاصةً إن كانت صدمة قوية، حينها يصبح رد الفعل غير متوقع على الإطلاق، نكتشف جانب في شخصياتنا لم نكن نعلم أنه موجود بداخلنا مطلقًا. وإذا أتت تلك الصدمة من مَن نعتبرهم أقرب لنا من أنفسنا، وقتها يصبح العقل غير قادر على الاستيعاب، أو ربما تمر تلك الصدمة مرور الكرام بعد أن تعطينا درسًا قاسيًا.

فلكل منا قدرة على التحمل، تختلف قدراتنا بين كل شخص وآخر، وفي حالة "خضرا" لم تستطع تحمل وجود "سلسبيل" كزوجة في حياة زوجها، رغم أن الكثير من النساء يتقبلون وجود زوجة واثنتين وثلاثة أيضًا بحياة أزواجهن، ويتعايشون مع الأمر بكل رضى.

بينما هي الآن في حالة نفسية أسوأ ما يكون، خاصةً بعد محاولة الانتحار التي أقدمت عليها توضح مدى تطور حالتها من سيء لأسوأ، وكان يجب أن تخضع للعلاج النفسي فترة ليست بقليلة حتى تستعيد توازنها وإدراكها العقلي. تتصرف بلا أدنى تفكير في أفعالها وما ينتج عنها من عواقب وخيمة، وصل بها الأمر إلى مراقبة زوجها عن طريق "حسان"، الرجل الذي يعتبره "عبد الجبار" ذراعه اليمين الذي أدهشها بموافقته السريعة على طلبها.

حتى وصل بهما الأمر إلى تبادل أرقام هواتفهما سرًا، وبدأ بالفعل ينقل لها كل تحركات زوجها. "اممم يعني قال إنه ردها لعصمته؟! دمدمت بها "خضرا" بصوت خفيض، وتابعت دون أن تعطيه فرصة للرد عليها. "وهي قالت له إيه لما قالها أكده؟ جاوبها "حسان"، الجالس داخل سيارة "عبد الجبار" الواقفة أمام إحدى المستشفيات الخاصة بالمنصورة. "مرضيتش ترجعله واصل.. سمعت صوت رفضها وبكاها يا ست الناس."

انبلجت شبه ابتسامة على ملامح "خضرا" التي تبدلت للنقيض بعدما كانت تشع طيبة، تحولت لأخرى جامدة وقد انعكس على وجهها ما تحمله بقلبها من جروح نافذة غلفته بقسوة غريبة عليها كليًا. "عينك متغفلش عنهم واصل.. لو حصل ووافقت المحروقة دي ترجع على ذمته!! صمتت لبرهة، وقد توحشت نظرة عينيها وتابعت بلهجة حادة لا تقبل الجدال. "وقتها يجيني خبرهم الليلة.. تخلص عليهم اثنين، فاهمني زين؟ قال "حسان" بطاعة. "أمرك يا ست الناس."

أغلقت الهاتف بوجهه ليبتسم هو ابتسامة يتطاير منها الشرر والطمع في الحصول عليها بعدما يتخلص من الرجل الذي استأمنه على نفسه، فعلته هذه تعلمنا أن لا أحد يؤتمن في زمننا المليء بالغدر هذا. بينما هي تعمدت عدم نطق اسمه ليقينها بأن "بخيتة" تتجسس عليها كعادتها، تفوقت عليها في الجبروت، وأصبحت لا تخشى منها ولا حتى من غيرها. اعتدلت بمقعدها بوضع أكثر راحة، تنظر للفراغ بشرود تتذكر حديث زوجها معها بعد خروجها من المستشفى. ...

فلاش باااااااااااك ... جذب "عبد الجبار" مقعدًا وجلس عليه بجوار الفراش النائمة عليه "خضرا" تبكي وتئن بوهن، مد يده وأمسك يدها بين كفيه يربت عليها برفق، وهو يتنهد بقوة مغمغمًا. "ليه كل ده عاد يا خضرا؟! أيه اللي حصل يا غالية وصلك للحالة العفشة دي.. معقول غيرتك عليا تخليكي تموتي نفسك وتحرقي جلب البنتة الصغار وجلب أبو البنتة عليكي؟! "مش الغيرة اللي خلتني أعمل أكده."

همست بها بصعوبة بالغة من بين شهقاتها الحادة، ورفعت عينيها الغارقة بالعبرات، ونظرت له نظرة طويلة مكملة بابتسامة زائفة أثارت بقلبه الريبة. "الخوف.. الخوف واعر قوي قوي وأني خوفت عبد الجبار." عقد حاجبيه وهو يقول بتساؤل مستفسرًا. "خوفتي؟! من إيه عاد؟ أجهشت بنوبة بكاء مرير دفعته لاحتوائها داخل صدره كمحاولة منه لتهدئتها، لتهمس هي بصوت مرتجف قائلة.

"من حديث مراتك سلسبيل.. قالتلي إنها هتخليك تطلقني وترجعني على البلد بعد ما تاخد مني بناتي ومحدش غيرها هيفضل على ذمتك.. حديثها مخلاش فيا عقل.. الموت عندي أهون من بعدي عنك أنت وبناتي." تطلع لها مدهوشًا من حديثها الذي لم يدخل عقله مطلقًا، وحرك رأسه بالنفي مغمغمًا بثقة. "مستحيل.. مستحيل سلسبيل تقول أكده.. متقدرش تنطق بالحديث العفش ده يا خضرا لأنها خابرة زين إني هزعل منها وهي متقدرش على زعلي واصل."

زادت حدة بكائها.. بكاء يهدد بدخولها إحدى نوبات انهيارها الذي تكرر في الفترة الأخيرة كثيرًا، وصاحت بجنون مرددة. "كنت خابرة إنك مهتصدقنيش.. كنت خابرة إنك هتكدبني لخاطرها.. كيف ما هطلقني برضوا لخاطرها يا عبد الجبار." "وبعدهالك عاد يا خضرا.. بكفاك حديثك الماسخ ده." أردف بها وهي يسيطر على حركاتها الهستيرية العنيفة، ملتفًا بذراعيه حولها جعل ظهرها مقابل صدره حتى استكانت بين يديه، وتراخى جسدها على صدره.

"الأيام بتورينا يا عبد الجبار وهييجي اليوم اللي هتوقع فيه سلسبيل بيني وبينك وهتخليك تختار بيني وبينها وأني متأكدة إنك هترميني كيف ما قالتلي لأنك محبتنيش كيف معشقتها." رفع "عبد الجبار" يده وأمسك ذقنها جبره على النظر له وتحدث بنفاذ صبر. "بكفاكِ يا خضرا.. اللي بتقوليه ده مش هيحصل.. مهما حصل هتفضل كفتك أنتي عندي هي اللي رابحة.. مهما حصل ومهما اتقال عنك إني مهستغناش عنك يا أم الغوالي." ... نهاية الفلاش باااااااااااك ...

تنهدت بارتياح حين شعرت أنها على وشك تحقيق مرادها وما تسعى إليه جاهدة وهو استرجاع زوجها لها ثانيةً وإبعاد غريمتها عنهم للأبد. "سلسبيل".. تهللت أساريرها حين رأت باب الغرفة يُفتح ودلفت منه "عفاف" مقبلة عليها بخطى شبه راكضة وهي تقول بلهفة. "سلسبيل.. يا حبيبتي يا بنتي." "دادة عفاف." نطقت بها "سلسبيل" وهي ترمي بنفسها داخل حضنها وتبكي بضعف وعيناها عالقة على الباب الذي لم يقفل بعد.

كان بالخارج يقف "عبد الجبار" مقابل "جابر" بينهما جميع العاملين بأمن المستشفى الذين قاموا بإبعادهما عن بعض بشق الأنفس بعدما دارت بينهما معركة دامية كانت ستنتهي بموت أحدهما لولا تدخل أفراد الأمن. أغلقت المرافقة لـ "سلسبيل" الباب على الفور ووقفت أمامه من الخارج تجنبًا لدخول أحدهما. ضمتها "عفاف" بحب صادق، وربتت على شعرها نزولاً لظهرها بحنان وهي تقول بتساؤل. "أيه اللي بيحصل بره ده؟!

هو عبد الجبار بيه كان بيتخانق مع جابر ابن خالتك ولا إيه؟! حركت "سلسبيل" رأسها بالإيجاب وتحدثت بأسف قائلة. "كانوا هيموتوا بعض يا دادة عشان جابر عايز يدخل يطمن عليا وعبد الجبار منعه ومش راضي يدخله أبدًا." ضحكت "عفاف" وهي تحرك رأسها بيأس مردفة. "عبد الجبار بيه بيغير عليكي من ابن خالتك ده وله حق بصراحة.. الواد نظراته ليكي ولهفته عليكي كلها حب.. عايزة يكون رد فعله إيه وهو شايف واحد بياكل مراتُه أكل بعينيه قدامه؟!

"بس أنا خلاص مبقتش مراته يا دادة." همست بها "سلسبيل" بغصة يملؤها الأسى، وصمتت لوهلة ثم تابعت بحزن. "رغم إنه قالي إنه ردني على ذمته تاني.. لكن أنا مش موافقة ومش هوافق." جلست "عفاف" بجوارها على الفراش، وأخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بتعقل قائلة.

"لو عايزة نصيحتي يا بنتي.. خليكي صريحة مع جوزك وقوليله على كل حاجة أنتي حكتهالي.. قوليله على تهديد ضرتك وعرفيه إنها السبب في القضية اللي وكلتي جدك يرفعها عليه.. عرفيه إن اللي عملتيه ده من خوفك عليه لتنفذ تهديدها وتؤذيه زي ما قالتلك.. خليكي صريحة معاه ومتخافيش من حاجة خصوصًا على عبد الجبار بيه لأنه ما يتخافش عليه يا سلسبيل.. جمدي قلبك وصارحيه.. الصراحة راحة يابنتي."

نظرت لها "سلسبيل" بحيرة ظاهرة في عينيها التي تغرقها الدموع، لترفع "عفاف" يدها وتزيل دموعها بحنو. "يعني أنتي رأيك إني أقوله يا دادة." أجابتها "عفاف" قائلة. "ده مش رأيي.. ده العقل بيقول كده.. عشان لو لفت الأيام وعرف هو اللي حصل واللي قالته ليكي خضرا في يوم ميعتبش عليكي ويغلطك ويقولك معرفتنيش ليه." ساد الصمت بينهما طويلًا قطعته "سلسبيل" قائلة.

"نادي عليه من فضلك يا دادة قوليله سلسبيل عايزاك ولما يدخل قولي لجابر إني كويسة وهخرج له أنا." قبلتها "عفاف" من جبهتها قبل أن تنتصب واقفة، وابتسمت لها ابتسامتها الدافئة مرددة. "أنا هخرج وهبعتهولك وهفضل مستنياكي برة.. اطمني أنا معاكي." بادلتها "سلسبيل" ابتسامتها بأخرى باهتة، وتابعتها بنظرات زائغة أثناء مغادرتها الغرفة.

فور خروجها دلفت إحدى الطبيبات تطمئن على المحلول المعلق بيد "سلسبيل"، وتقوم بتعقيم جرح جبهتها بأدوات طبية مخصصة للجروح. ظهرت علامات الاشمئزاز على ملامح "سلسبيل" وشحب لونها فجأة وبدت على وشك القيء. "مالك يا مدام.. أنتي دايخة ولا حاسة بحاجة تعباكي؟ قالتها الطبيبة حين لاحظت شحوب وجهها، وتناثر حبيبات العرق على جبهتها. ازدردت "سلسبيل" لعابها بصعوبة، وهمست بصوت متعب قائلة.

"ريحة القطن اللي في إيدك ده مضيقاني أوي وحاسة إني عايزة أرجع بسببها." قالت الطبيبة بتعجب. "القطن ملوش ريحة أصلًا!!! صمتت للحظة وتابعت بتكهن. "لتكوني حامل؟! "يا الله!! "حامل!!! همست بها "سلسبيل" بأنفاس متلاحقة، وقد تذكرت أن عادتها الشهرية تأخرت عن موعدها هذا الشهر بالفعل. "تحبي أسحب منك عينة دم ونحللها؟ قالتها الطبيبة التي انتهت للتو من تعقيم جرحها، لتحرك "سلسبيل" رأسها بالنفي سريعًا وهي تقول بتوتر.

"لا لا.. مش عايزة أعمل تحاليل.. أنا مش حامل ولا حاجة." قالت الطبيبة بعملية. "تمام.. زي ما تحبي.. على العموم أنتي بقيتي كويسة وتقدري تروحي أول ما المحلول يخلص." بالخارج.. كانت "عفاف" تتحدث مع "عبد الجبار" الذي رمق "جابر" الواقف بثبات بنظرة ساخرة، وابتسم بانتصار حين قالت له. "عبد الجبار بيه.. مدام سلسبيل عايزه حضرتك." "هي كويسة يا مدام عفاف." أردف بها "جابر" بصوته المتلهف الذي يثير جنون "عبد الجبار".

أجابته "عفاف" بقلق من نظرات "عبد الجبار" الحارقة. "كويسة الحمد لله." وقف "عبد الجبار" أمامه مباشرةً وتحدث بلهجته الصارمة قائلاً. "قالتلك إنها بقت زينة.. تقدر تغور بقى دلوقيت لأجل ما تطمن جدك القلقان عليها وكل هبابة يتصل عليك وعليا." تطلع له "جابر" بشجاعة دون أن يغمض له جفن، وتحدث بأسف قائلاً. "هما اللي منعوني عنك."

قالها وهو يتنقل بعينيه بينه وبين أفراد الأمن الواقفين على أبهى استعداد لمنعهما إذا اشتبكا ثانيةً، وتابع بتهديد. "اعمل حسابك أنا لو لمحتك على طريق قدامي تاني هسويك بالأسفلت." ضحك "عبد الجبار" ضحكة مدوية وصلت لسمع زوجته بالداخل خطفت أنفاسها وجعلت دقات قلبها تخفق كالطبول، رفع يده ربت على كتفه بعنف وهو يقول.

"اللي بيقول مبيعملش.. وبفضل الله لا أنت ولا بلد بحالها تقدر تعمل حاجة مع راجل صعيدي وخصوصًا لما يبقى الراجل ده عبد الجبار المنياوي يا ابن البندر." قالها وهو يسير من جانبه تجاه غرفة "سلسبيل" طرق على الباب، وفتحه دون انتظار إذن، ودلف للداخل غالقه خلفه، تاركًا "جابر" يستشيط غضبًا يكاد أن يدمر الأخضر واليابس.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...