الفصل 4 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الرابع 4 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
21
كلمة
1,342
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

أنهمرت عبرات "سلسبيل" على وجنتيها بغزارة حين رأت نظرة "جابر" المتألمة. دفنت وجهها بظهر "عبد الجبار" هروبًا من نظرته التي تشعرها بذنب لا دخل لها به. فقلوبنا ليست عليها سلطان. لو كانت تستطيع التحكم في زمام الأمور بعقلها بدلاً من ذلك النابض بعشق رجل تُشاركها فيه امرأة غيرها، لكانت إختارت إعطاء فرصة لبدأ حياة جديدة مع "جابر".

لكن القدر لعب لعبته معها كعادته، واستمعت بأذنها رفض والدته على وجودها بحياته من الأساس. وهي لن تخوض أي صراعات أخرى، يكفيها ما عاشته من قسوة وعذاب لم ينتهي بعد. تراخي جسدها الضعيف على جسد "عبد الجبار" وسقطت يديها من حول خصره، وأوشكت على السقوط بعدما أصبحت قدماها لم تعد تحملها. ألتفت "عبد الجبار" لها على الفور، والتقطها بلهفة محاوطًا خصرها بذراعه القوي، ومال عليها قليلاً واضعًا ذراعه الآخر أسفل ركبتيها.

رفعها بمنتهي الخفة بين يديه فأراحت هي رأسها على كتفه غالقة عينيها براحة لم تنعم بها إلا بين حنايا صدره. سار بها بخطوات مهرولة تجاه سيارته وأجلسها على المقعد الخلفي بتمهلٍ، وصعد بجوارها وهو يقول بأمر لسائقه الذي كان يجلس بالمقعد الأمامي: "هم يا حسان على المستشفى قوام".

كل هذا أمام "جابر" الذي لم يبتعد بعينيه عن "سلسبيل". انتبه على حالته وهرول مسرعًا نحو سيارته يستعد للسير خلفهم. لن يتركها إلا بعدما يطمئن عليها حتى لو كلفه الأمر حياته. بينما انتقل "حسان" من مقعده لمقعد السائق، انفجر صوت هدير محرك السيارة ليطير الغبار من الخلف بقوة لحظة انطلاقها. أغلق "عبد الجبار" زجاج النوافذ العاتم الذي لا يُتيح لمن بالخارج رؤية من بالداخل، ومد يده للفتحة التي بينهم وبين السائق أغلقها أيضًا.

واعتدل بجزعه تجاه "سلسبيل" يتطلع بعينيها الباكية بإشتياق وعشق فاق كل الحدود. كتم أنفاسه وهو يقترب منها ويفك حجابها بكل ما يملك من رفق. شعر بقبضة حديديه تعتصر قلبه حين رأى مدى تطور حالتها للأعياء الشديد. وجهها يزداد شحوبًا، وقد تناثرت حبيبات العرق على جبهتها. تلاحقت أنفاسها وهي تهمس بصعوبة بصوتٍ مجهد: "عطشانة أوي يا عبد الجبار".

مد يده لبراد صغير يحتوي على زجاجات مياه وعصائر باردة وتناول زجاجة من المياه، وأخرى من العصير وفتح أحدهما وبدأ يسقيها بتلهف مغمغمًا: "أيه اللي حُصل يا سلسبيل.. مين عمل فيكِ أكده!!! "وقعت.. وقعت على وشي". همست بها "سلسبيل" بأنفاس متهدجة. أسقاها هو حتى أرتوت من المياه، وأسرع بأعطاءها العصير رغم أعتراضها، لكنه لم يتركها إلا بعدما أنهته وبدأت تستعيد قواها رويدًا رويدًا.

تناول زجاجة مياه ثانية وسكب القليل منها بكف يده، وسار بها على وجهها يزيل عنه آثار الدماء ويتفقد جرح جبهتها بملامح مرتعدة من شدة خوفه عليها. كان يتحسس وجنتيها الباردة بأنامله الخشنة يستشعر ملمس بشرتها الناعمة بافتتان. لجم نفسه عنها بشق الأنفس حتى لا يلتهمها كلها دفعة واحدة لعل تلك النيران التي تتأجج بأعماقه تهدأ ولو قليلاً.

يرسم ملامحها بأبهامه، عيونها الحزينة التي تتحاشى النظر له، نزولاً بوجنتيها التي أشتعلت بحمرة قانية بفضل قربه منها، وصولاً بشفتيها المرتعشة أثر لمساته الخبيرة التي تداعب أنوثتها. رفعت يدها ببطء وضعف شديد، وأطبقت على معصمه بأصابعها الهشة. أزاحت يده عن وجهها، واعتدلت بجلستها بوهن مبتعدة عنه حين رأته يميل عليها قاصدًا شفتيها وقد غلبه شوقه لها وفقد كل ذرة تعقل يملكها. "دادة عفاف.. اتصلي بيها.. زمانها قلقانة عليا أوي".

قالتها "سلسبيل" بصوتٍ مبحوح أثر المشاعر المتضاربة التي تعيشها معه. اجتهد "عبد الجبار" للسيطرة على نفسه معها قد استطاعته، لكنه فشل وبكل أسف فشل ذريع. لم يقدر على منع نفسه عنها خاصةً بعدما كاد أن يفقدها إلى الأبد. لم يفكر مرتين ومد ذراعه حول خصرها، وخطفها داخل حضنه. أجلسها على قدميه، وضمه لصدره بعناق قوي. كتمت "سلسبيل" آهة خافتة على أثره. "أبعد يا عبد الجبار أنا مُحرمة عليك.. أنت رميت عليا يمين طلاق".

همست بها "سلسبيل" بصوتٍ اختنق بالبكاء وهي تكافح بضراوة للتخلص من حصار جسده حولها. خرج صوته هو بحنينٍ مفعمًا بالشوق الجارف الدائم إليها وحدها: "رديتك.. رديتك على ذمتي يا بنت جلبي". ابتعد عنها بضعة أنشات ليتمكن من النظر لعينيها. أشرق وجهه في هذه اللحظة بإبتسامة محمّلة بمشاعره القوية التي يكنّها لها، خاصةً حين لمح طرف ياقتة جلبابه التي ترتديها "سلسبيل" أسفل أسدالها واستطرد:

"لحظة غضب يا سلسبيل و لما فوقت منِها قولت إنك أكيد مهتعمليش فيا أكده إلا لو حد هددتك بحاچة واعرة قوي قوي لأجل ما يفرقونا.. مش أكده يا حبة جلب عبد الجبار.. أني متأكد إني مهونش عليكِ تشقي جلبي شق". أنهى جملته ونظر داخل عينيها بعمق بنظراته المتيمة التي تخطف أنفاسها وتتغلغل بأعماقها تلمس شيئًا شديد الحساسية بداخلها.

ازدردت لعابها بتوتر وهي تمتثل رغمًا عنها للسحر الذي يبثه لها بنظراته، وكاد أن يطبق على ثغرها بشفتيه بقبلة جامحة، لكن صوت هاتفه الذي صدح تزامنًا مع صوت "حسان" يقول: "وصلنا المستشفى يا عبد الجبار بيه". كل ما يحدث لم يمنعه من مراده. تقبيلها هذا كل ما يريده في الوقت الحالي، فليقبلها الآن ويلقى حتفه بعدها.

شهقت "سلسبيل" بخفوت حين مال عليها ولثم ثغرها بلهفة قبلات عميقة متتالية شلت حركتها تمامًا وأبقتها ساكنة، مستسلمة لفيض غرامه الذي يغرقها دومًا به، ولكن استسلامها له هذه المرة كان بمثابة الوداع بالنسبة لها.

بينما "جابر".. الذي صف سيارته أمام المستشفى التي تقفت أمامها سيارة غريمه، رفع يده ومسح عبراته التي خانته لأول مرة، وهبطت على خديه دون بكاء. يرى أمام عينيه المرأة التي يذوب في حبها وقلبه معلق بها منذ نعومة أظافره تهيم عشقًا برجل غيره عشقًا، وما أصعب الوقوع في الحب من طرف واحد. شعور لا يتحمله أحد خاصةً إذا كان يمتلك بقلبه عشقًا صادق.

رغم علمه أنه يركض وراء سراب، يوهم نفسه أن القدر سوف ي رأف بقلبه الملتاع وتعود له صغيرته "سلسبيل". يحيا على أمل الفوز بحبها ذات يومًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...