الفصل 3 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الثالث 3 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
20
كلمة
1,988
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

لعلّ في الخفايا أعذارًا لا تدري شيئًا عنها، گلهفتي عليك، واشتياقي لك، فأجعل لي دومًا نصيبًا من حُسن ظنك إن صادف يومًا لم تجد فيه عذرًا يبرر لك أفعالي التي جرحت فؤادك، وتأكد أن روحي كانت ترتجف خوفًا من فقدانك يا عزيز قلبي فتركتك مجبرة غير مخيرة حتى لا أرى فيك سوءً يقتلني. وبعد فراقنا أصبحت بين ليلة وضحاها إمرأة عجوز أهلكها الضعف، دون أن تذبل بصيرتي، ولا شاب شعري لكنه قلبي تعلوُه التجاعيد بغيابك.

أصبحت في أشد لحظات ألمي وحزني لا أصرخ، أفكر في أمرٍ واحد فقط، هو كيف سأقضي ما تبقى من عمري وأنا سبب كل هذا الخراب في قلبك! أعترف لك أنني آسفة على أعوام مضت ما كنت أعرفك فيها. كانت "سلسبيل" ممسكة بطرف حجابها تضغط به على جرح جبهتها الذي تدفق منه الدماء بسبب خوفها الشديد. كلما حاولت النهوض تسقط جالسة مكانها ثانيةً، قدميها ترتعش بقوة، وجسدها الضعيف يتهاوي يمينًا ويسارًا، لكنها تقاوم بأقصى ما لديها حتى لا تفقد وعيها.

جف حلقها تمامًا، وانسحبت روحها منها حين لمحت سيارة توقفت قريبًا منها بها مجموعة من الشباب وقعت عينيهم عليها أثناء سيرهم. دب الرعب بأوصالها وازداد ارتجاف جسدها أكثر حين رأتهم يهبطوا من سيارتهم، ويهرولوا نحوها. أصبحت لا تعطي الأمان لأحد بعدما سُرق منها هاتفها، وقد ظنت أن هذه المرة سيسرقوها هي. فتراجعت للخلف زاحفة على كلتا يديها مرددة بصراخ مذعور: "ابعدوا عني.. عايزين مني أيه.. سبوني في حالي حرام عليكم"

"اهدئ.. متخفيش.. إحنا هنساعدك محدش هيأذيكي" نطق بها أحدهم وهو يمد يده لها بزجاجة من المياه، وجثا على ركبته أمامها أرضًا مكملاً برجاء: "خدي نفسك بس وبلاش خوفك الزايد ده عشان جرحك مينزفش أكتر.. ولو تحبي نوديكي المستشفى" قطعت "سلسبيل" حديثه صائحة بصوتٍ متحشرج بالبكاء تقول بصعوبة: "لا مش هروح معاكوا أي مكان.. سبوني في حالي وامشوا في طريقكم.. أنا هفضل هنا"

نظروا لبعضهم بأسف، وعادوا النظر لها بشفقة، مقدرين حالة الذعر التي تُسيطر عليها، ومعها كل الحق، بعد ما رأته في حياتها من ألم وقسوة من أقرب الأقربين لها، فماذا سيفعل بها الغريب؟! "طيب لو حافظة رقم تليفون حد من قرايبك قولي لنا عليه واحنا نتصل بيه يجي لك هنا" قالها شاب منهم وهو يخرج هاتفه من جيب سرواله.

ظهر بريق أمل على وجهها، واعتصرت عقلها المشوش لعلها تتذكر رقم "عفاف" لكنها لم تتذكر سوي رقم الرجل الذي لا تريد التحدث إليه حتى لا تفتح مجال للعودة بينهما ثانيةً. "عبد الجبار" رقمه الوحيد المحفور في ذاكرتها، بل هو نفسه موشوم بأعمق نقطة بقلبها. ابتسمت ابتسامة يملؤها الوجع تزامنًا مع انهمار عبراتها على وجنتيها بغزارة دون بكاء، ومدت يدها الصغيرة التي تنتفض بوضوح تجاه الهاتف، فأعطاه الشاب لها على الفور بعدما قام بفتحه.

نظرت له بامتنان قبل أن تلتقطه منه، وأجهشت ببكاء مرير وهي تضغط على الأرقام مدونة رقم من كان وما زال دومًا منقذها. بكاءها وشهقاتها الحادة كانت تقطع نياط القلوب، جاهدت للسيطرة عليها بشق الأنفس حتى أنها كادت أن تموت خنقًا حتى لا يوصل له. لا تريده أن يستمع لإنهيارها هذا بالوقت الحالي. أخذت نفس عميق قبل أن ترفع الهاتف على أذنها بعدما ضغطت على زر الاتصال، تنتظر بنفاذ صبر سماع صوته الذي اشتاقته حد الجنون. "عبد الجبار"

عقب سماعه لصوت "عفاف" تصرخ بأسم "سلسبيل" قفز من مقعدة، وجلس مكان سائقه خلف المقود بطرفة عين، وقاد بأقصى ما لديه من سرعة قبل حتى أن يستمع لباقي حديثها.

"سلسبيل يا عبد الجبار بيه كانت بتكلمني في التليفون وهي ماشية في الطريق وفجأة صرخت والخط فضل مفتوح لكن هي مبتردش.. فضلت أنا على التليفون عماله أصرخ عليها لحد ما الخط أتقفل.. حاولت اكلمها تاني بس التليفون أتقفل خالص بقاله أكتر من ساعة.. مبقتش عارفه أعمل أيه خت عربيتي ورايحة على المنصورة دلوقتي بس أنا معرفش مكانها فين عشان كده كلمت حضرتك يمكن تقدر توصلني عندها" كان يستمع لحديثها الذي انتزع قلبه من مكانه نزعًا.

لكم المقود بقبضة يده أكثر من مرة بكل ما أوتي من قوة، وصاح بصوته الأجش قائلاً: "كيييف.. كيف چدها هملها تخرچ.. كييييف" "هي خرجت هربانة من جدها وكانت جيالي يا عبد الجبار بيه لأنها سمعتهم بيتكلموا أنهم عايزين يرجعوها لأبوها.. فخافت وكلمتني قالتلي ههرب وأجي أعيش معاكي يا دادة عفاف" قالتها "عفاف" ببكاء من شدة تأثرها بما يحدث مع "سلسبيل". ما قالته كان بمثابة سكب الزيت على النيران المتآججة بقلب ذلك العاشق.

كاد أن يُصاب قلبه بنوبة توقفه عن الخفقان وهو يتخيل مدى ذعرها من والدها عديم الرحمة الذي رآه هو بعينيه مرات متعددة. "اقفلي.. هوصلها وهحددك أقولك على مكانها يا عفاف" قالها "عبد الجبار" بصوتٍ مخيف، وثقة شديدة لا يعلم مصدرها، لكنه على يقين أن قلبه سيقوده إلى طريقها. ليصدح صوت رنين هاتفه المخصص لها هي فقط، لا أحد يعلم هذا الرقم غيرها. "سلسبيل!!!! نطق بها بقلب ملتاع، وأنفاس متهدجة كادت أن تنقطع من شدة رعبه عليها.

جاهدت هي حتى تحرك شفتيها وتتحدث إليه، لكن حدة بكاءها لم يسعفها، وأيضًا إذا نطقت اسمه سيشعر بلهفتها عليه، فرفعت عينيها الغارقة بالعبرات ومدت يدها لصاحب الهاتف الذي أخذه منها وتحدث هو بدلاً عنها قائلاً: "السلام عليكم.. حضرتك في بنت هنا تقريبًا عاملة حادثة و!!! "مَراتي.. سلسبيل.. حُصلها ايييه" صرخ بها "عبد الجبار" بهياج، وقد فقد عقله في تلك اللحظة حقًا.

"متخفش حضرتك.. أطمن هي كويسه الحمد لله.. وإحنا حاولنا نساعدها ونوديها المستشفى بس هي رافضة خالص.. فعرضنا عليها تتصل بحد من أهلها فتصلت بيك" أخيرًا التقط "عبد الجبار" أنفاسه المسلوبة حين أخبره من يحدثه أنها بخير. وبرغم كل ما يحدث هذا إلا أن قلبه تراقص فرحًا بعدما تأكد أن "سلسبيل" مازالت تراه هو كل أهلها. "قولي المكان فين بالظبط وإني هكون عندكم في دقايق"

بالفعل أملاه الشاب العنوان بالتفصيل تحت أنظار "سلسبيل" التي تهللت أساريرها دون أدنى إرادة منها. "جابر" كان بطريق العودة لمنزله بعدما ابتاع أغلى وأجمل اللوحات والألوان المخصصة لمجال الرسم، هواية "سلسبيل" المفضلة. رغم أنه على علم أن قلبها ملك غيره، ولن يستطيع أن يجبرها على تقبل عشقه لها، لكن كل ما يهمه الآن أن يسعدها، ويرى الابتسامة على ملامحها الحزينة.

وقد عقد عزمه على البقاء بجوارها، لن يمل ولن يكل عن محاولة التقرب منها، سيضحي بالغالي والنفيس لأجلها. فهي معه بعد كل تلك السنوات من الفراق، جمعهما القدر ثانيةً وهو لن يضيع الفرصة هذه المرة. انتبه لصوت رنين هاتفه، فأسرع بالرد وقد زحف القلق إلى قلبه دون معرفة السبب. "أيوه يا جدي أنا جاي في الطريق.. في حاجة حصلت ولا أيه؟! أتاه صوت "فؤاد" الباكي يتحدث بصعوبة وتعب ظاهر بوضوح بنبرة صوته.

"سلسبيل.. سلسبيل هربت يا جابر يا ابني" صرخ "جابر" بصدمة قائلاً: "هربت!!!!! إزاي ولييييييه.. مين اللي خوفها خلاها تهرب يا جدي؟!! "مش وقت أسأله دلوقتي.. وألحق بنت خالتك دي متعرفش حد في البلد هنا ولا معاها فلوس خالص" قال "فؤاد" بغضب. "طيب مشيت منين ولا راحت فين ومعاها تليفون و!!

كان يصيح بها "جابر" لكنه ابتلع باقي حديثه، وجحظت عينيه على أخرها حين لمح سيارة "عبد الجبار" التي مرت من أمامه بسرعة الرياح، وكأنه يعلم وجهته ومقصده. لم يفكر مرتين وانطلق خلفه بنفس مستوى السرعة حتى أصبحوا بجانب بعضهما على الطريق.

بعد مرور دقائق قليلة لا تتخطى أصابع اليد الواحدة توقف "جابر" بسيارته أمام "سلسبيل" الجالسة أرضًا تُصارع دوارها، وفي نفس اللحظة توقف "عبد الجبار" أيضًا بسيارته بعدما دفع سيارة "جابر" للخلف حطم وجهتها تمامًا حتى أصبح هو الواقف أمام زوجته مباشرةً يتطلع له من خلف المقود بأعين تقدح شررٍ. قفز أثنائهما خارج سيارتهما بنفس اللحظة، يهرولان نحو "سلسبيل" التي زاد فزعها وشحوب وجهها من هيئتهم التي لا تبشر بالخير أبدًا.

"بعد يدك عنِها!! كان هذا صوت "عبد الجبار" الذي قبض على ذراع "جابر" قبل أن يلمس "سلسبيل" ودفعه بلكمة قوية بعيدًا عنها بعنف، ليأخذ "جابر" وضع الاستعداد لرد اللكمة له التي لن تتوقف إلى هذا الحد، بل سينتهي بهما الأمر إلى معركة دامية. أدركت "سلسبيل" خطورة الوضع، أصبحت أمام خيارين أصعب من بعضهما، مع من سوف تذهب؟! هي واثقة أن "عبد الجبار" لن يتركها تذهب برفقة "جابر" هذه المرة إلا في حالة واحدة فقط، ألا وهو جثة هامدة.

تحاملت على نفسها وقررت إنهاء تلك المعركة قبل حتى أن تبدأ. انتصبت واقفة بجسد يترنجح بشدة بسبب ضعف بنيتها، أخذت نفس عميق، وسارت بخطوات متعثرة كادت أن تسقط أرضًا على وجهها، لكنها ألقت بثقل جسدها على ظهر "عبد الجبار" ملتفة بكلتا يديها حول خصره تقيد حركته وتمنعه من السير نحو غريمه الذي شلته الصدمة، وبقي واقفًا مكانه يحملق بها بنظرات يملؤها الألم. بينما تسمر "عبد الجبار" من فعلتها هذه التي أثلجت قلبه المُتيم بها عشقًا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...