مر الوقت بثقل وبطء شديد. استعاد "عبد الجبار" رباطة جأشه سريعًا، وعاد وجهه لصرامته، وقسماته الهادئة بعدما تحكم في إخفاء مشاعره ببراعة يُحسد عليها. رغم أنه يحيا ليلة من أصعب الليالي التي مرت عليه في حياته بأكملها، يتمزق قلبه وجعًا على تلك الصغيرة التي تصارع الموت داخل غرفة العناية المركزة. منذ أول مرة رآها بها والتقطت عيناه عينيها، طار اللب من عقله. انتفض قلبه انتفاضة جديدة عليه كليًا، لأول مرة يشعر بها.
كأنها ألقت تعويذة سحرية عليه، فخشي من تأثيرها الشديد الذي غمره أن يجعله يظلم "خضرا" صديقة دربه، رفيقة أيامه، صاحبة عمره. فقرر عدم الزواج منها، فما يربطه بزوجته أقوى من الحب، ولن يجازف بخسارتها حتى لو كلفه الأمر أن يفقد قلبه الذي عشق رغمًا عنه تلك "سلسبيل". "الحمد لله حالتها بقت مستقرة يا عبد الجبار بيه." قالها الطبيب الذي خرج للتو من غرفة العناية. تنفس "عبد الجبار" الصعداء، بينما تهللت أسارير "خضرا"
مرددة بفرحة حقيقية: "ونبي صح يا دكتور.. يعني أقدر أعدي عندها؟ "لا للأسف الزيارة دلوقتي ممنوعة، وكمان هي لسه مفقتش." عقد "عبد الجبار" ما بين حاجبيه، وتحدث بتساؤل قائلاً: "لساتها غميانه لحد دلوجت؟! "لا هي تحت تأثير العلاج اللي خدته. أنا هكون صريح مع حضرتك.. مدام سلسبيل هتحتاج جراحة عاجلة في قلب." "يا جلبي عليكي يا خيتي." قالتها "خضرا" وهي تنفجر في نوبة بكاء أخرى.
ساد الصمت للحظات، قطعه الطبيب ثانيةً بعدما حثه "عبد الجبار" بنظرته على استكمال حديثه. "تضخم قلبها نتيجة مشكلة في أحد صمامات القلب، وكده هتحتاج لجراحة ترميم الصمام المعيب أو استبداله." حاولت "خضرا" السيطرة على شهقاتها وهي تقول: "خطرة العملية دي يا دكتور؟ أجابها الطبيب قائلاً:
"هي هتبقى في نسبة خطورة طبعًا.. بالذات لو الصمام مستجبش للترميم أو قلبها مقبلش صمام بديل وعجزت الأدوية عن التحكم في أعراض تعبها. كده هتبقى محتاجة زراعة قلب.. ادعولها أن قلبها يستجيب للعلاج، وأول ما نهيئها نفسيًا وجسديًا للعملية هنعملها على طول بإذن الله.. بس هتبقى مكلفة شوية يا عبد الجبار بيه." رمقه "عبد الجبار" بنظرة غاضبة مغمغمًا: "الفلوس حاضرة بعون الله يا دكتور.. الصالح ليها أعمله المهم هي تبقى زينة."
تنحنح الطبيب، وسار من أمامهما وهو يقول بحرج: "طيب عن أذنكم، ولو في أي جديد هبلغ حضرتك بيه." بينما "خضرا" الحنون التي لم تكف عن البكاء، والدعاء لـ "سلسبيل" من صميم قلبها، جلست بجواره على المقاعد المخصصة للانتظار. أمسك هو بيدها بين كفيه، يربت عليها برفق ويتحدث بنبرة راجية قائلاً: "كفايكي بكي عاد يا خضرا.. صلي على الحبيب في جلبك، وادعيها تقوم بالسلامة." أجهشت "خضرا" ببكاء مرير، وتمسكت بيده بقوة مرددة:
"البنتة صعبانة عليا قوي يا عبد الجبار.. جلبي بيقطع كل ما أفتكر حديثها وياي قبل ما نيجي على المستشفى." أطلقت آهة حارقة، وتابعت بنواح كان كالقلم المسنون يطعنه في عمق قلبه: "ساعة تكلمني وساعة تميل، وساعة تقولي قلبي عليا تقيل.. ساعة تكلمني وساعة تقع، وساعة تقولي أني اتمليت وجع." يا الله!!! كادت دموعه أن تخونه وتتجمع بعينيه شديدة الاحمرار، لكنه كعادته دفن شعوره بين طيات قلبه الملتاع.
رفع ذراعه وضمها لصدره بعناق قوي، كان هو أحوج منها لهذا العناق. ظل محتضنها لوقت طويل حتى توقفت عن البكاء، ثقلت رأسها على صدره، وانتظمت أنفاسها فعلم أنها قد غلبها النعاس. مال بوجهه قليلاً، ولثم جبهتها بعمق وهو يقول: "خضرا.. جومي يا غالية خليني أرجعك الدار." "ونهملها لحالها؟! همست بها "خضرا" وهي تبتعد عنه، وتعتدل بجلستها مكملة: "دي ملهاش حد واصل دلوجيت غيرنا.. لا عندها أب زي بقيت الخلق يراعيها ولا قريب يسأل عنها."
"قعدتنا هنا ملهاش عازة يا أم فاطمة." أردف بها بتعقل، وهو ينتصب واقفًا أمامها مكملاً: "الدكتور قال الزيارة ممنوعة عنها دلوجيت، ولو جد جديد هيحددني على المحمول، وكمان البنتة الصغار لحالهم في الدار.. طلِ عليهم وأني هشوف مصالح الشركة وأعاود آخدك ونيجيلها طوالي." قال الأخيرة وهو يجذبها من معصمها برفق حتى وقفت بجواره، وضع ذراعه على كتفيها، وسار بها بخطوات متثاقلة، عينيه معلقة على باب الغرفة المتواجدة بها معشوقة روحه.
ذهب من المستشفى تاركًا قلبه بحوزتها. *** كانت "بخيتة" تجلس بأريحية تشاهد التلفاز، بيدها طبق مملوء بأنواع مختلفة من الطعام تتناول منه بشهية، وتضحك بملء فمها غير عابئة لأي شيء. ضحكاتها وصلت لسمع "خضرا" التي وصلت للتو بأعين منتفخة من شدة البكاء. حركت رأسها بيأس من قساوة قلبها، وسارت ببطء من أمامها متجهة نحو غرفة صغارها وهي تقول بصوت حزين: "سالنور عليكِ يا أمه." رمقتها "بخيتة" بنظرة ساخرة، وتابعت
تناول طعامها بتلذذ مدمدمة: "امممم.. مالك حزينة أكده ليه.. هي المحروقة لساتها عايشة ولا إيه؟ "خضرا" بعتاب: "وه.. ليه بس أكده يا أمه.. الشر برة وبعيد عنها.. ربنا يقومها بالسلامة.. دي لساتها شابة صغيرة." "ووالدي كان زينة الشباب.. ومات في غمضة عين من دعوة بنت المركوب عليها.. طب ساكت محطش منطق." نطقت بها "بخيتة" بغضب عارم، وصمتت لبرهة وتابعت بحقد دفين:
"أني مستنية اليوم اللي يجي خبرها فيه.. وقتها هعمل ليلة كبيرة كلها مغني ووكل ياما." تطلعت لها "خضرا" بنظرات منذهلة، وأردفت بتساؤل قائلة: "ولما أنتي بتكرهيها أكده، وبتتمني لها الموت رايدة تجوزيها لوالدك ليه؟! ابتسمت لها "بخيتة" ابتسامة مصطنعة وهي تضع طبق الطعام على الطاولة أمامها، لعقت أصابعها بصوت مقزز، نظرت لها مدمدمة بجحود:
"جولت أضرب جنزورتين بحجر واحد.. أكسر شوكتك اللي قوية لحد ما فكرتي حالك ست الدار، وتبقي سلسبيل معونة تجيب الواد لـ"عبد الجبار"، وقصاد عيني أخلص منيها حق ولدي." هبت واقفة واقتربت من "خضرا" التي تستمع لها بملامح جامدة بدت جديدة عليها، أثارت الريبة في نفس "بخيتة" التي تابعت حديثها المثير للأعصاب قائلة:
"متكيدي الحرمة إلا حرمة زيها.. وسلسبيل صغيرة ونغشة خطفت جلب عبد الجبار منكِ من وقت ما وقع عينه عليها.. وأنتي جلبك هتقيد في النار يا بت نفسية." ضحكت ضحكة شريرة مكملة: "رايدة أشوفكم انتو الاتنين بتقطعوا بعض من الغيرة على رجلكم.. لحد ما ولدي يزهق منكم ويجلعكم من هنا بلا راجعة."
حديثها كان صادم لـ "خضرا" التي ذُهلت من كم السواد الذي يغلف قلبها، تطلعت لها قليلاً بأعين جاحظة تحاول استيعاب كلماتها السامة التي ألقتها على سمعها، ومن ثم أخذت نفس عميق زفرته على مهلٍ وهي تقول بأسف: "أنتي جلبك ده حجر.. رايدة تخربي دار ولدك بيدك.. واحدة غيرك شافت بعينها دعوة سلسبيل اللي ظلمتيها أنتي وولدك ربنا استجابها، وانقصف عمر ولدك قصاد عينك.. ده مش كافي لاجل ما يكون عظة ليكي!!! .. جلبك منشقش بعد موت ولدك!!!
.. ظهرك منكسرش من بعده؟! "أني مرة صعبة شديدة يا بت نفيسة.. مافيش حاجة تقدر تكسرني واصل." أردفت بها "بخيتة" بجبروت أشعل غضب "خضرا" وأيقظت الأنثى الشرسة بداخلها جعلت ملامحها تبدو مخيفة خاصةً حين نظرت لعين "بخيتة" بتحدي وهي تقول: "لتكوني فاكرة إن طيبة جَلبي دي ضعف مني.. لع إني كمان مرة صعبة شديدة.. بس شديدة في الحق.. واللي أنتي ريداه مهيحصلش يا بخيتة." حملقت بها "بخيتة" بصدمة من طريقتها الجديدة معاها، لتتابع "خضرا"
بابتسامة هادئة: "أني خابرة زين أن عبد الجبار جلبه مال للبنتة، ومانع نفسه عنها لاجل خاطري.. وعشان كده إيه جولك أني هجوز عبد الجبار لسلسبيل بنفسي.. وهبقى أني وهي سند وعزوة لولدك.. وإن شاء المولى وخلفت منه الواد هيبجي ابني قبل منها.. ابني اللي مخلفتهوش.. كفاية عندي أنه ولد عبد الجبار." أشارت على المنزل من حولها بيدها مكملة بصوت عالِ دب الذعر بأوصال "بخيتة":
"وربنا يقدرني وأجعل الدار ده عمران بحس راجلي وضحكته وفرحة جلبه طول ما في نفس." صمتت لوهلة وتابعت بأنف مرفوعة بشموخ: "جهزي حالك يا أم العريس.. كتب كتاب ولدك هيتم بكرة أول ما يوصل قناوي." *** انقضت ساعات النهار، وخيم الليل بستائره. أنهى "عبد الجبار" عمله على أكمل وجه رغم قلقه وارتعاش قلبه الشديد، كان يحدث الطبيب المشرف على حالة "سلسبيل" طيلة الوقت، يتابع تطور حالتها أول بأول.
وأخيرًا أخبره الطبيب أنها بدأت تستعيد وعيها. ترك كل شيء، وهرول نحو منزله لكنه لم يدلف للداخل، لا يريد رؤية والدته وسماع حديثها الذي يثير غضبه حد الجنون الآن، يكفيه ما هو فيه. ظل جالس بسيارته ينتظر زوجته "خضرا" لتذهب معه. لتخرج "خضرا" حاملة بيدها حقيبة جهزتها بنفسها بها ثياب وطعام وكل شيء يمكن أن تحتاج إليه هي و"سلسبيل"، فقد أصرت على المبيت معها. فقام زوجها بدفع مبلغ ليس بقليل حتى يتمكن من حجز غرفة خاصة لها بالمستشفى.
أسرع "عبد الجبار" بمغادرة السيارة، وهرول نحوها يحمل عنها الحقيبة ويضعها داخل السيارة مغمغمًا: "إيه الشيلة التقيلة دي كلها يا بت الناس!!! .. قولتلك لو احتاجوا حاجة أني هجبهلكم لحد عندكم." "متشليش هم يا خوي.. الحمد لله ربنا قدرني وجهزت كل حاجة.. يلا قوام خلينا نطمن على البنتة." قالتها وهي تجلس على المقعد المجاور له، لينطلق "عبد الجبار" بسيارته أمام أنظار "بخيتة" التي تتابعهم من شرفة المنزل بملامح تستشيط غضبًا وغيظًا.
دقائق معدودة، وكانت "خضرا" تسير برفقة زوجها بخطوات شبه راكضة داخل الممر المؤدي لغرفة "سلسبيل". "طمنا يا دكتور الله لا يسيئك.. كيفها خيتي دلوجيت." قالتها "خضرا" فور رؤيتها للطبيب. أجابها الطبيب بابتسامة قائلاً: "اطمنوا الحمد لله هي بدأت تفوق وعمالة تنادي على اسم حضرتك أنتي وعبد الجبار بيه."
تزلزل كيان ذلك العاشق وقد وصل ندائها لقلبه المتيم، رغم جمود ملامح وجهه إلا أن أنفاسه كانت مهتاجة تعبر عن النيران التي تتأجج بأعماقه. "خليهم يخلوني أشوفها يا عبد الجبار أحب على يدك." قالتها "خضرا" بنبرة متوسلة وهي تضرب على صدرها بكف يدها بحركة استعطافية. نظر "عبد الجبار" للطبيب مغمغمًا: "هطلع عليها وتخرج طوالي يا دكتور." أومأ له الطبيب وهو يشير على غرفة بجوار العناية:
"مافيش مشكلة بس خلي الممرضة تعقمها الأول، وبلاش تخليها تتكلم كتير عشان متتعبش." هرولت "خضرا" نحو غرفة التعقيم، ارتدت الثياب الخاصة لدخول غرفة العناية، وسارت بخطى مرتجفة لداخل غرفة "سلسبيل" حتى وقعت عينيها عليها ممددة على الفراش لا حول لها ولا قوة، والكثير من الأسلاك الطبية موصلة بجسدها الصغير.
كبحت عبراتها بصعوبة، وقد اعتصر قلبها من هيئتها حين خُيل لها أنها ترى إحدى ابنتيها مكانها، رسمت ابتسامة حانية على ملامحها البشوشة، واقتربت منها وقفت بجوارها مباشرةً، مدت يدها تمسح على وجهها مسحة حنان مدمدمة: "سلسبيل.. كيفك دلوجيت يا خيتي." رمشت "سلسبيل" بأهدابها الكثيفة، تجاهد لفتح عينيها، وبه همس متقطع متعب قالت: "أبلة خضرا." "يا نن عيني يا بتي.. سلامة جلبك يا ضناي."
قالتها وهي تميل على جبهتها وتطبع قبلة عميقة بشفتيها المرتعشتين. تطلعت لها "سلسبيل" بامتنان، وهمست بخفوت: "عايزة أطلب منك طلب." "اؤمريني أمر يا ست البنتة." قالتها "خضرا" بلهفة وهي تنظر لها باهتمام. ابتلعت "سلسبيل" لعابها بصعوبة، وهمست بغصة مريرة: "لو مت ادفنوني جنب أمي في المنصورة." لم تستطع "خضرا" السيطرة على عبراتها التي انهمرت بغزارة على وجنتيها، وتحدثت بغضب مصطنع قائلة:
"متقوليش أكده مرة تانية.. أزعل منك وأني زعلي واعر.. أنتي هطيبي يا خيتي وهتبقي زينة العرايس." صمتت لبرهةً ونظرت لها نظرة راجية مكملة: "جومي يا خيتي.. أني محتاجالك جاري.. متهملنيش لحالي ويه بخيتة.. جومي حطي يدك بيدي ونقف في وشها ندافع عن رجلنا." "رجلنا؟! همست بها "سلسبيل" بتعجب، لتحرك "خضرا" رأسها لها بالإيجاب مرددة بابتسامة وعبراتها تهبط على وجنتيها ببطء: "أيوه يا سلسبيل.. عبد الجبار هيتجوزك وأني موافقة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!