الفصل 11 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
26
كلمة
1,599
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

كن على يقين تام أن كل شيء قرار إلا الحب، يكن غصبًا عنا. لن يطرق باب قلبك، بل يدفعه ويدلف لأعمق نقاطه بلا استئذان، يخطف أنفاسك، نبضاتك، همساتك، ضحكاتك، النوم من عيناك، لو لم يفعل بك كل هذا فأعلم أنه لم يكن حبًا حقيقيًا. أو لنكن أكثر صراحة، العشق هو الذي يستطيع وحده فقط أن يفعل كل هذا وأكثر بكثير، يمكنه أن يجعلك كالمجذوب ينسيك اسمك وتظل تردد بهذيان دون توقف اسم من عشقت.

وهذا ما حدث مع "سلسبيل" حين أخبرتها "خضرا" بموافقتها على زواجها من "عبد الجبار". تطلعت لها بملامح منذهلة رغم الفرحة التي غمرت قلبها حتى ظهرت بعينيها الحزينة، لكنها نجحت في إخفائها. "إزاي بس موافقة أن جوزك يتجوزني عليكِ يا أبلة خضرا؟ همست بها "سلسبيل" بضعف، وصوت يملؤه الأسى. رسمت "خضرا" الجدية على ملامحها الحنونة، وتنهدت وهي تقول بتعقل:

"اسمعي حديتي اللي هقولهولك ده زين يا خيتي. بخيتة ما هيهدلهاش بال واصل إلا لما تشوف قدام عينيها ولد عبد الجبار اللي أني مش هقدر اچبهوله، فهتفضل تزن على ودنه يتچوز عليا علشان الواد، والزن على الودان يا خيتي أمر من السحر، ويا عالم اللي هيتچوزها عليا دي هتعاملني أني والبنتة كيف." ابتسمت لها بحب صادق مكملة: "لكن أنتي يا سلسبيل ربنا زرع حبك في جلبي كيف ما تكوني خيتي ولا بتي من لحمي ودمي."

هبطت دموع "سلسبيل" تأثرًا بحديثها الذي لمس قلبها، وهمست لها بتقطع قائلة: "وأنا كمان بحبك أوي والله يا أبلة خضرا. حنيتك عليا وطيبة قلبك اللي عمري ما شوفت زيها بتخليني أوقات ببقى عايزة أناديلك أقولك يا أمه." "خضرا" ببكاء:

"يا ضنايا يا بتي. يعلم ربنا وأني كمان عداكِ زي واحدة من بناتي عشان أكده اسمعي اللي بقولك عليه يا سلسبيل. أني ريدالك الصالح يا بتي بالذات أن أبوكي طبعه واعر قوي ومهيهملكيش قاعدة من غير چواز أكده هيچوزك لول راچل طلب يدك، زي ما قال لأبو فاطمة عشية في المحمول، وچاي ياخدك بكرة وياخد على الصعيد." ظهر الذعر الشديد على وجه "سلسبيل" وهمست بأنفاس متهدجة: "متخلهوش ياخدني يا أبلة خضرا أبوس رجلك."

"أهدي يا حبيبتي، ومتشليش هم واصل. بس اسمعي اللي جولتلك عليه ووافقي على چوازك من عبد الجبار وقتها قناوي مش هيبجي ليه سلطة عليكي، وهتبجي أنتي وياي نقف في وش بخيتة اللي رايدة خراب الدار." كانت "سلسبيل" تلتقط أنفاسها على مهلٍ، أطبقت جفنيها بقوة وهمست بصوت اختنق بالبكاء: "أنا مجربة الوجع لحد ما شق قلبي، ومستحيل أكون السبب في وجع قلبك أنتي بالذات عشان كده كنت عايزة أدور على أهل أمي يمكن يسمحولي أعيش معاهم."

صمتت لبرهةً تلتقط أنفاسها، نظرت لها بأعين مملوءة بالعبرات وتابعت بتعب: "بس شكلي كده مش هلحق أشوفهم." "خضرا" بغضب مصطنع: "قولتلك متقوليش أكده مرة تانية. أنتي هطيبي وتبجي أحسن من لول يا خيتي بمشيئة الرحمن." حركت "سلسبيل" يدها المعلقة بها الأسلاك الطبية، وتطلعت لها تحثها على إمساكها، فاسرعت "خضرا" بضم قبضتها بين كفيها تستمع لهمسها المجهد باهتمام:

"أبلة خضرا لو أنا مت وأنا على زمة عبد الجبار أبويا مش هيقدر ياخدني يدفني في الصعيد صح؟ "خضرا" ببكاء: "اباي عليكِ وعلى السيرة العفشة دهيه. كفاياكِ حديث ماسخ عاد." بللت "سلسبيل" شفتيها المرتعشة بلسانها وهمست بصعوبة من شهقاتها: "أنا محتاجة لحضنك، ولحماية عبد الجبار عشان كده أنا موافقة يكتب عليا يا أبلة خضرا." "ألف بركة يا خيتي."

أردفت بها "خضرا" ومن ثم أطلقت سيل من الزغاريط وصلت لسمع زوجها الواقف أمام غرفة العناية جعلت وتيرة قلقه تهدأ قليلاً وقد ظن أن فرحة زوجته هذه بسبب حالة "سلسبيل" التي تحسنت. انبلجت شبه ابتسامة فوق قسماته الجادة مدمدمًا: "جلبك كيف اللبن الحليب يا خضرا." بينما "سلسبيل" ضغطت بضعف على كفها حتى تتوقف وتستمع لما تقوله لها: "أوعدك أن لو ربنا كتبلي عمر وعشت مش هكون درة ليكي أبداً."

أغمضت عينيها وقد شعرت بألم يغزو قلبها وروحها حين قالت ببطء وعبراتها تنهمر على وجنتيها بغزارة: "ولا حتى هكون زوجة لـ عبد الجبار." "كفاية كده عليها أرجوكِ، وسبيها ترتاح." نطق بها الطبيب وهو يهرول نحو "سلسبيل"، وبدأ يفحصها بعناية فائقة. ربتت "خضرا" على يدها بحنان، ومالت عليها قبلت جبهتها بعمق، وسارت نحو الخارج بخطوات هادئة.

وقفت خلف الباب المغلق دقائق قبل أن تفتحه، تحاول السيطرة على دموعها بسبب تلك الغصة التي تعتصر قلبها، فما تشعر به ليس أبدًا هين. أخذت نفس عميق، ومدت يدها فتحت الباب الفاصل بينها وبين زوجها لتجده يقف ينتظرها بطوله المهيب وملامحه الوسيمة رغم صارمتها. أبتسم لها ابتسامته التي تأسرها مغمغمًا: "اتوحشت لصوت فرحتك يا غالية." تأملته بأعين هائمة، واقتربت منه حتى أصبحت أمامه مباشرةً، ونظرت لعينيه بفيض من الحب مرددة:

"فرحتي دي بفرحك أنت يا عبد الجبار." تلاشت ابتسامته تدريجيًا، وعقد حاجبيه حتى بدت ملامحه عابسة بشدة. رفعت هي يدها ووضعتها على صدره، فوق موضع قلبه تمامًا، وتابعت بابتسامة دافئة: "مبروك يا خوي أني طلبت لك يد سلسبيل وهي وافجت." شعرت بخفقان نبضات قلبه تزداد وتتدافع أسفل راحة يدها رغم صلابة ملامحه التي لم تبدي أي رد فعل عليها سوى الجمود.

ساد الصمت للحظات بينهما، كانت نظرتهما تتحدث بدلاً عنهما، ودون سابق إنذار، كان قبض على كف يدها برفق، وسحبها خلفه للغرفة الذي قام بحجزها لها. كانت تبتعد عدة خطوات عن غرفة "سلسبيل"، دفع الباب ودلف بها للداخل غالقه خلفه بعنف. استدار لها فجأة ومال برأسه على وجهها حتى تلامست أنفهما مردفًا بتساؤل وعينيه تشمل وجهها بنظرات منبهرة من قوتها التي يراها لأول مرة: "ليه.. ليه عملتِ أكده يا خضرا." "عملت الصح.. اللي لازم يتعمل."

قالتها وهي تحتضن وجهه بين كفيها مكملة: "أنت من حقك يكون لك ولد من صلبك، وسلسبيل كمان محتاجة راچل يحميها." ابتسمت باتساع لعلها تخفي عبراتها التي تجمعت بحدقيتها: "أني وقلبي فداء نظرة الفرحة اللي شيفاها في عيونك دلوجيت يا نبض الجلب." "أنتِ أكده بتجتليني يا خضرا." أردف بها بأنفاس مهتاجة، وهو يستند بجبهته على جبهتها، ويحاوط خصرها بذراعيه مقربها منه حد الالتصاق. "بعيد الشر عنِك يا خوي." همست بها بخفوت، وتابعت بخجل قائلة:

"ربنا يچعلك شمسي اللي بتشرق تنور حياتي، ولا يحرمنيش منِك ولا من رضاك عليا واصل." "مخبراش أنتِ بالنسبالي أيه يا أم فاطمة." قالها وهو يسير بيده ببطء على طول ظهرها، تزلزل كيانها كله دفعة واحدة من فعلته هذه، خاصةً حين توقف بيده على وجنتها اليمنى، ونظر لعينيها مكملاً: "مهما رحت ومهما چيت، ومهما فى براح أرض الله، وفى الكون لفيت...

عمري ما راح ألاقي سعادتي إلا وياكِ. أنتِ المسند يا خضرا اللي عليه بتسند وبريح ضهري. واللي في وقت الحزن بيمحي قهري." لثم شفتيها بقبلات صغيرة متتالية هامسًا من بينها: "أنتِ مرتي، أرضي، وطني، عرضي، وأغلى الخلق كلياتهم على جلبي." "خضرا" بإصرار أثار غضبه: "يبقي لو غالية عندك كيف ما بتقول توافق على چوازك من سلسبيل."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...