بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أخبروني ماذا تفعل امرأة حُرمت من كل شيء في سنوات حياتها التي لم تُكمل العشرين عامًا حين تجد أخيرًا رجلًا يضمها بين ذراعيه لا يضربها بهما؟! تلك "السلسبيل" التي لم ترَ من والدها إلا الذل والإهانة، ومن بعده وقعت في يد زوجها ووالدته وعانت بما يكفي، تحملت عذابًا لن يقدر عليه أحد.
والآن بعدما وجدت سندًا، شعرت بالأمان معه، حقق حلمها البسيط وحصلت على عناق من زوجها لطالما كان محور الكون بالنسبة لها، تشتهي عناقًا يعالج جروحات قلبها الغائرة. أغمضت عينيها لأول مرة براحة لم تذق طعمها من قبل، واستسلمت لعناقه الذي يحتويها بحماية ويفصلها عن العالم أجمع. يعاملها كما لو كانت قطعة من البلور نادرة الوجود يخشى عليها من الخدش.
بصعوبة بالغة توقف عن التهام شفتيها بقبلاته الجائعة حين شعر أنه سيفقد التحكم بمشاعره معها، خشي عليها من نفسه. تخشبت بين يديه حين شعرت بأنفاسه اللاهثة تلفح بشرتها الناعمة، نظر لعينيها بعمق نظرة يملؤها العشق والرغبة معًا، ويده تجول على جسدها بجرأة، وأصابعه تعبث بأزرار منامتها واحدًا تلو الآخر وهمّ بخلعها عنها إلا إنها شهقت بصوتٍ خفيض مرددة باستحياء:
"عشان خاطري كفايا يا عبد الجبار واخرج قبل ما أبلة خضرا تطلع وتشوفك هنا معايا." "أنتي مَراتي زيك زيها يا سلسبيل ولا ناسية." أردف بها وهو يدفعها برفق للخلف، أجلسها على حافة حوض الاستحمام، وأخذ منها ثيابها وضعهم على المشجب المعلق خلف باب الحمام الذي أغلقه عليهما بالمفتاح من الداخل. ابتلعت "سلسبيل" لعابها بصعوبة حين رأته يخلع جلبابه الصعيدي أمام عينيها المتسعتين بصدمة. "أنت بتعمل إيه؟! "هسبحك بيدي."
هكذا أجابها بمنتهى الهدوء وهو يغمز لها بعينيه السوداء شديدة الجاذبية قبل أن يتخلص من كنزته أيضًا وبقي بسرواله الداخلي عاري الصدر لتظهر ضخامة عضلاته البارزة أمام عينيها الجاحظة بهيئة خطفت أنفاسها، وجعلت نبضات قلبها تتسارع. هبت واقفة وسارت نحوه بخطى مرتجفة، وأمسكت جلبابه وكنزته مدت يدها بهما له، وهمست بنبرة متوسلة: "البس هدومك تاني من فضلك واخرج أرجوك عشان اللي بتقوله ده مستحيل يحصل."
جذبها فجأة من خصرها عليه، ارتطمت بصدره ذي العضلات السداسية مصدرة آهة متألمة، مال عليها واضعًا جبهته على جبهتها وهمس مداعبًا إياها: "هحققلك المستحيل حالًا يا مليحة." لا إله إلا الله وحده لا شريك له. "خضرا."
تصعد الدرج راكضة بأقصى سرعة لديها، كما لو كانت شياطين الأرض تلحقها، وجهها أصبح كتلة حمراء من شدة غضبها وغيظها، مندفعة تجاه الحمام المقابل لغرفة "سلسبيل" وقفت أمامه تلهث بأنفاس متقطعة، وبكل ما تمتلك من قوة بدأت تطرق على الباب بكلتا يديها معًا بعدما حاولت فتحه ووجدته مغلقًا، بل وصل بها الأمر أن تدفع الباب بكتفها وقدميها مرددة بهياج: "افتحي يا خسيسة يا قليلة الأصل."
كتمت "سلسبيل" صرخة حادة وقفزت مكانها داخل حضن زوجها تعلقت بعنقه تختبئ فيه بخوف حين سمعت طرقاتها العنيفة المتتالية على الباب كادت أن تحطمه، وصراخها الحاد كمن فقدت عقلها: "افتح الباب يا عبد الجبار."
انتفضت "سلسبيل" بذعر بين يديه، وأسرعت برفع يدها المرتعشة بكنزته وألبسته إياها ومن بعدها جلبابه، بينما هو ظل محاوط خصرها بكلتا و ضغط عليه بعنف محبب، وفتح فمه حتى يتحدث إلا أنها رفعت كف يدها وضعتها على فمه، وهمست له بشفتيها دون إصدار صوتٍ: "لو غالية عندك اسكت يا عبد الجبار وأوعى تزعل أبلة خضرا، هي بتعمل كده من غيرتها عليك ومعاها كل الحق."
لثم باطن يدها بقبلة مطولة رغم ملامحه العابسة من تصرفات زوجته الجديدة عليها كليًا، لتعتلي ملامحه الصدمة والذهول معًا حين وجد معشوقته الصغيرة تلتصق بجسده أسفل كتفه الأيمن كالعلقة، وجذبت جلبابه فوقها فاختفت داخله تمامًا. لم يستطع كبح ضحكاته حين طلت برأسها من ياقته ونظرت له بعينيها الجميلتين رغم الحزن الظاهر بهما، وخوفها الحقيقي البادي على ملامحها، وهمست بشقاوة أذهلته وأعجبته في آنٍ واحد: "أنا هستخبي منها."
قالتها واختفت داخل جلبابه الواسع للغاية من حسن حظها. اختفت ابتسامته ورسم مكانها الغضب، ومد يده فتح باب الحمام على مصراعيه فجأة، وإذا بـ "خضرا" تدلف للداخل مندفعة كقذيفة اللهب المشتعلة فقدت السيطرة على توازنها، والتحكم بقدمها التي كانت تركض دون إرادة منها حتى اصطدمت بالجدار وسقطت على حين غرة داخل حوض الاستحمام المملوء بالمياه وسائل الاستحمام. "يا مَري يا بوي."
كان "عبد الجبار" يقف بطوله المهيب يتابعها ببرود مصطنع عكس نيران قلبه بفضل زوجته التي أجبرها ذعرها على لف كلتا قدميها حول إحدى قدميه كما لو كانت تتسلق شجرة، وسارت بيدها على بطنه وظهره ببطء وحرص شديد حاوطت خصره بحميمية دون قصد منها. "هي فين؟ قالتها "خضرا" بصراخ وهي تدور بعينيها بالأرجاء تبحث عنها، حاولت النهوض لكنها فشلت فشلًا ذريعًا، فنظرت لزوجها الذي يرمقها بنظرات حارقة وتابعت: "سلسبيل فين يا عبد الجبار؟ "في عبي."
نطق بها ببرود لا يخفى نبرته الحادة، بينما تلك المختبئة بداخله انكمشت على نفسها أكثر دافنة وجهها بجانبه الأيمن. بالطبع ظنت "خضرا" أنه يمزح بجملته هذه، فهدأت وتيرة غضبها على الفور حين تأكدت أن غريمتها غير موجودة برفقة زوجها، والتقطت أنفاسها المسلوبة. رمقها "عبد الجبار" بنظرة ارتعد منها قلبها، وشعرت بالإحراج من فعلتها فخفضت رأسها بخجل، هنا استغل هو الفرصة وتحرك للخارج ممسكًا بمقبض الباب، وقال بتجهم
بث فيها الكثير من الريبة: "اتسبحي بمية ساقعة خليها تفوقك لنفسك هبابة ولما أعود من الشغل لينا قعدة وحساب على حدتك العفشة وغلطك في حق سلسبيل اللي نسيتي أنها مَراتي يا خضرا." أنهى جملته وأغلق الباب عليها، تنفست "سلسبيل" الصعداء وفكت حصرها حوله وكم ضايقه بعدها عنه، ود لو تظل مختبئة داخل ضلوعه هكذا للأبد.
طلت برأسها من ياقته ثانيةً تتأكد من عدم وجود أحد حولهما، ليستغل هو الفرصة ويحاوطها بذراعيه رفعها بضعة إنشات ومال عليها بوجهه طابعًا قبلة شغوفة فوق شفتيها أمام أعين "بخيتة" التي تتجسس عليهم كعادتها.
أخذت "سلسبيل" تكافح بضراوة للإفلات منه حتى تركها على مضض فهرولت بخطوات شبه راكضة نحو غرفتها فتحت الباب، ودلفت للداخل، ليلقي هو لها قبلة في الهواء قبل أن تغلق الباب بحذر حتى لا يصل صوته لـ "خضرا" التي تستشيط غيظًا حين رأت ثيابها معلقة خلف الباب، إذن زوجها لم يكن يمزح حين قال لها أنها داخل جلبابه.
نهضت من مكانها بعد معاناة لثقل وزنها، وسارت نحو الثياب المعلقة أمسكتهم وقامت بتمزيقهم إربًا، وأقسمت بداخلها لو كانت وقعت يدها على "سلسبيل" الآن لكانت ابتلعتها حية. "غلطت وغلطي واعر لما وافقت على جوازك منها، أنت كنت رافض وإني اللي طلبتيهالك بيدي." اسودت عينيها بنظرة تحمل الشرر لأول مرة بحياتها، وتابعت بوعيد: "وطلاقها منك هيبقي على يدي." سبحان الله العظيم. "جابر."
قضى أكثر من يومين مستيقظًا دون أن يغمض له جفن، يحاول بشتى الطرق الوصول إلى "سلسبيل"، لكن دون جدوى، فالرجال المكلفون بأمر من "عبد الجبار" أحكموا حوله الحصار جيدًا. لكنه لم يفقد الأمل، ولن يتوقف عن البحث عنها حتى يجدها. ارتَمى بتعب على فراشه، يستعد لنومٍ مجهد، إلا أنه استمع لصوت جرس الباب، فهرول مسرعًا تجاهه يظن أنهم أصدقاؤه أتوا بمعلومة له تساعده بالوصول إليها. فتح الباب بلهفة ليتفاجأ بآخر شخص يود رؤيته بهذا التوقيت.
"جابر!! يا حبيبي يا ابني." صرخت بها "سعاد" والدته وهي تقطع المسافة بينهما، وتعانقه بقوة، تقبل كتفيه ووجهه، وتعاود ضمه من جديد وهي تقول ببكاء: "بركة إنك رجعت لي بالسلامة يا غالي، الحمد لله على سلامتك يا حبيبي، واحشتني يا قلب أمك." احتضنت وجهه الخالي من أي تعبير بين كفيها وهمست مستفسرة: "رجعت أمتى يا ضنايا؟ "من عشر أيام." غمغم بها ببرود يغلفه الجمود، وهو يبعد يدها عن وجهه ببطء، وعينيه ترمقها بنظرة عاتبة توترت بسببها.
نظرت له بملامح منذهلة مرددة: "من 10 أيام ومتجيش ولا تسأل عني يا جابر؟! ابتسم لها ابتسامة مصطنعة مدمدمًا: "اممم.. أجيلك؟! أجيلك فين؟! بيت جوزك يا أم جابر؟! "أنتِ هنا يا سعاد." نطق بها "فؤاد" والدها الذي خرج للتو من غرفته، أنقذها من سؤال ابنها التي تشعرها بالذنب، ويذكرها بالماضي الأليم. "أيوه يابا أنا هنا." أردفت بها وهي تسير نحوه وأخذت بيده نحو أقرب مقعد.
"إيه الغيبة دي كلها يا سعاد، أول مرة تغيبي عني بالأسبوعين يا بنتي، هونت عليكِ؟ مالت عليه قبلت رأسه ويده وبتنهيدة حزينة قالت: "حقك عليا يابا، أنت عارف ميمنعنيش عنك إلا الشديد القوي." "وجوزك بقي هو الشديد القوي اللي منعك عن أبوكي؟ صاح بها بلهجة غاضبة وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويتطلع لها بترقب. "لا مش جوزي يا ابن بطني." نطقت بها بحدة، وصمتت لدقيقة كاملة، ومن ثم تابعت بصوتٍ تحشرج بالبكاء:
"صفا بنتي جوازتها باظت قبل الفرح بكم يوم بسبب القايمة." والبت يا حبة عيني نفسيتها كانت تعبانة أوي وحابسة نفسها في أوضتها ما بتخرجش منها خالص، وما كنتش قادرة أسيبها في حالتها دي لتعمل في نفسها حاجة، الشر بره وبعيد عننا وعن الجميع يارب. عقد "جابر" حاجبيه وهو يقول بتعجب: بنتك إزاي يعني مش فاهم؟! نفخت بضيق وأجابته بنفاذ صبر:
واد أنت ما تعدل طريقة كلامك الناشفة دي معايا، ولا هي الغربة وعيشة الأجانب علمتك قلة الأدب ونسيتك إني أمك ولا إيه؟! صمتت فجأة، واعتلت ملامحها ابتسامة واسعة، وتابعت ببلاهة: صفا تبقى بنت جوزي اللي أنا مربياها على أيدي.. مش بنتي، يعني تجوزلك يا واد يا جابر. جابر راجع عشان يدور على سلسبيل بنت أختك يا سعاد.
نطق بها "فؤاد" حين وصل لسمعه صوت أنفاس حفيده المتلاحقة التي تدل أن غضبه وصل لذروته، ومن الممكن أن يتحدث مع والدته بطريقة غير لائقة. تهللت أسارير "سعاد" وبلهفة قالت: عرفت طريقها ولا عرفت عنها أي حاجة يا جابر؟ أيوه عرفت طريقها وهتبقى معايا هنا في أقرب وقت ممكن. قالها "جابر" بثقة وإصرار. أطلق "فؤاد" زفرة نزقة من صدره وهو يقول: تبقى معاك إزاي بس يا ابني.. مش يمكن تكون عايشة مع جوزها برضاها ومش عايزة تطلق منه.
اندهشت "سعاد" حين تفهمت ما يدور بخاطر ابنها وتحدثت بهدوء ما يسبق العاصفة قائلة: هو أنت لسه بتفكر فيها بعد السنين دي كلها؟ لدرجة إنك عايز تطلقها من جوزها يا جابر؟! خضرا.
فور خروجها من الحمام دلفت داخل غرفتها، وظلت داخلها لم تخرج منها بأمر من زوجها الذي غادر المنزل وذهب لعمله مرة أخرى. أخذت تبحث عن فكرة تستطيع إبعاد زوجها عن غريمتها بأي طريقة إلى أن ألهمها عقلها بالاتصال على الطبيب المعالج لـ "سلسبيل" لكنهم أخبروها أنه داخل غرفة العمليات، فطلبت من مساعدته أن تبلغه باتصالها، وتجعله يهاتفها فور إنهاء عمله.
تجلس على أحر من الجمر تنتظر اتصال الطبيب بها، حتى أخيرًا صدح صوت رنين هاتفها، ضغطت زر الفتح بلهفة ليأتيها صوت الطبيب مغمغمًا: خير يا مدام خضرا بلغوني إن حضرتك عايزاني ضروري. أجابته بلهجة حادة قائلة: أيوه.. أني هجيبلك سلسبيل المستشفى دلوقت ولو عبد الجبار سألك قوله أنت اللي طلبتها تيجي لأجل ما تعملها شوية فحوصات ضرورية، وتخليها تبات حداكم ليلتين تلاته، وإني هعطيك المبلغ اللي تطلبه.
أمرك يا خضرا هانم.. هاتيها وتعالي أنا في انتظارك. أغلقت "خضرا" الهاتف وهرولت مسرعة ترتدي عباءتها السوداء وحجابها، وغادرت غرفتها على عجل متوجهة لغرفة "سلسبيل" وقفت أمام الباب المغلق، ورسمت ابتسامتها الحانية قبل أن تطرق عليه وتدلف للداخل دون انتظار إذن. ارتعد قلب "سلسبيل" حين رأت تعابير وجهها المصطنعة لأول مرة، ونظرتها الحاقدة عليها فشلت في إخفائها، لكنها تغاضت عن كل ما تراه وتحدثت بقلق ملحوظ:
أنتِ خارجة ولا إيه يا أبلة خضرا؟! لم ترد عليها، وسارت تجاه خزينة ثيابها أخرجت لها عباءة وحجاب ألقتهما بجوارها على الفراش مدمدمة: اممم.. عبد الجبار قالي أجهزك وأوديكي المستشفى.. ميعاد متابعتك مع الدكتور النهاردة.. البسي يالا قوام. حركت "سلسبيل" رأسها لها بالإيجاب، وتناولت عباءتها وحجابها ارتدتهما بصمت. تابعتها "خضرا" بهدوء ظاهر على وجهها عكس ضجيج قلبها وهلعه، فهي ستخطو لخارج المنزل دون إذن من زوجها. عبد الجبار.
كان يجلس على مكتبه بأريحية يتابع المكالمة الهاتفية الدائرة بين طبيب "سلسبيل" وزوجته، انتظر حتى أغلق الطبيب الهاتف وتحدث قائلًا: كتر خيرك يا دكتور.. تقدر تتفضل أنت دلوقت، وفوت على الحسابات في طريقك. أردف بها وهو ينتصب واقفًا وقام بجمع أغراضه، وتابع حديثه مكملًا بأمر: حسان خد الدكتور واسبقني على بيت الست سلسبيل هانم. اعتلت ملامحه ابتسامة عاشقة وتابع بتنهيدة مشتاقة: على ما أجيبها وأجي وراكم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!