بسم الله الرحمن الرحيم.. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. "رحم الله رجلًا تحمل تقلبات امرأته النفسية، فصبر وهون وقدر".. "عبد الجبار".. لم ينتظر قدوم "حسان" سائقه الذي هرول خلفه مسرعًا لكنه لم يتمكن من الوصل إليه. كان هذا العاشق يركض بأقصى ما لديه من سرعة، قفز داخل سيارته.
انفجر هدير محرك السيارة عاكسًا غضبه عليها، ليطير الغبار من الخلف بقوة لحظة انطلاقها. كان هاتفه ما زال على أذنه، يستمع لصرخات زوجته وبكائها الذي يقطع نياط القلوب. "مراتي مالها يا أمه!!! .. أني مهملها زينه.. عملتوا فيها اييييييه!!! صاح بها بلهجة لا تخفي غضبه المشحون أبدًا.
"أني مليش صالح والله يا ولدي.. مراتك الخبيثة خضرا هي السبب.. سمعتها وهي بتقولها إنك خابر مكان أهل أمها لأجل ما تطفشها.. البنت سمعت منها حديتها العفش من أهنه وعديك على حصل". كان يستمع لحديثها الذي بمثابة سكب الزيت على النيران، أصبح وجهه كتلة حمراء من شدة غضبه، عروقه برزت بخطورة، يصطك على أسنانه بعنف كاد أن يهشمهم حتى وصل صوتها لسمع "بخيتة" التي تبتسم بفرحة بعدما انتهزت الفرصة بإمساك غلطة على "خضرا".
صرخات زوجته المستمرة كانت كالسهام السامة التي تصيبه في مقتل دون رحمة، يقود سيارته كالمجنون، حتى أنه سار بالطريق المخالف، كأنه داخل سباق مميت، لا يأبى لأي شيء الآن سوى أن يصل إليها. سبحان الله العظيم..... "سلسبيل".. لقد أصبحت حقًا بحالة يرثى لها، تصرخ بكل الوجع المكتوم بقلبها، غاب عقلها عنها، ولم يتبق لها غير الألم الذي ينهش قلبها بلا توقف.
كانت "خضرا" تبكي بنحيب، وجسدها يرتجف بوضوح من شدة فزعها وهي ترى حالتها تزداد سوءًا، لترمقها "سلسبيل" نظرة يملؤها الخذلان مردفة بصراخ مقهور. "أنا عارفة إنك قولتيلي كده عشان مبقتيش عايزاني أفضل هنا.. عايزة تبعديني عن جوزك اللي أنتي طلبتي مني بنفسك أني أتجوزه وأنا كنت رافضة عشان خاطرك وبقول عليكي إنك أحن واحدة قابلتها في حياتي السودة!!! .. دلوقتي عايزاني أغور في داهية بأي طريقة المهم تخلصي مني يا أبلة خضرا مش كده".
سقطت على ركبتيها أرضًا بعدما شعرت بتهاوي جسدها، وتابعت بغصة مريرة. "أنا معرفش أهل أمي دول هيفتحولي بيتهم، ويقبلوا يعيشوا واحدة معاهم رجعالهم بعد السنين دي كلها وعايزه تفضل عندهم بعد ما تطلب الطلاق من جوزها، وأبقى مطلقة وكمان مريضة!!! أطبقت عينيها ببطء لتنهمر عبراتها على وجنتيها بغزارة اختلطت بحبات العرق المتناثرة على وجهها الشاحب، رغم برودة جسدها الشديدة، وأكملت بحسرة تملأ صوتها المبحوح.
"كنت بصبر نفسي وبقول لو اتخلوا عني تاني فربنا عوضني بيكم يا أبلة خضرا.. لكن دلوقتي أنتي مش عايزاني هنا، وأنا برغم لهفتي على أهل أمي إلا أني خايفة وزعلانة منهم وعمري ما هسامحهم على موت أمي وبهدلتي كل السنين دي". "أهدي يا خيتي.. حقك على راسي.. بس كفايك يا حبيبتي وحياة اللي خلقك.. بكفايك بكي". نطقت بها "خضرا" وهي تقترب منها بحذر فاتحة ذراعيها لها وتابعت بنبرة متوسلة. "تعالي في حضني يا بتي".
لم تستمع "سلسبيل" لكلمة مما قالته، كانت تطلع تجاه السكين الموضوع فوق طبق الفاكهة بنظرات بائسة، غمرها شعور اليأس وتمكن منها، وسيطرت فكرة الانتحار على عقلها للمرة الثالثة بعد محاولتين قبل سابق فاشلتين، ابتسمت ابتسامة مخيفة وقد هيئ لها أنها لربما تنجح محاولتها هذه المرة وتتخلص من عذبها هذا إلى الأبد.
وجهت "خضرا" نظرها تجاه ما تنظر له، لتجحظ عينيها على آخرها، وتتراجع للخلف بعيدًا عنها بهلع وقد ظنت أنها تفكر بقتلها والتخلص منها. "اعقلي يا سلسبيل اللي بتفكري فيه ده غلط واعر قوي يوصلك لحبل المشنقة". غمغمت بها وهي تبتعد عنها بالقدر الكافي متجهة نحو باب الغرفة المفتوح، آخذة وضع الاستعداد للركض إذا فعلت ما تظنه.
اعتلت ملامحها المرتعدة الدهشة حين صدح صوت ضحكة "سلسبيل" عالية، تضحك بقوة بينما عبراتها تسيل كالمطر على وجنتيها، وبصعوبة قالت من بين ضحكتها المختلطة بشهقاتها. "أنتي فكراني عايزة أقتلك أنتي!!! نطقت بها وهي تتحامل على نفسها، واعتدلت واقفة وركضت نحو السكين بخطى متعثرة، أمسكته ووجهته في الحال نحو موضع قلبها النازف بسبب جراحها الغائرة. تنهدت براحة، ومن ثم أغلقت عينيها، وأخذت نفس وضغطت بكل قوتها على السكين الحاد.
هنا صدح صوت صرخات "خضرا" مرددة. "يا مري.. يا حومتي.. يا مراري عليك يا راجلي". صرخاتها صمتت أذن "سلسبيل" التي تعجبت من عدم شعورها بأي ألم، لتفتح عينيها بصدمة حين اخترق أذنها صوت زوجها الصارم قائلًا بأمر. "اخرسي يا حرمة.. كفايك عويل عاد، وغوري من أهنه دلوجيت". نفذت "خضرا" أوامره دون تردد وفرت مسرعة نحو الخارج، فنظرته لها وعينيه التي يتطاير منها الشرر دبت الزعر بأوصالها.
كانت "سلسبيل" عينيها الممتلئة بالدموع معلقة به كالغريق الذي وجد أخيرًا منقذه، استدار هو لها بلهفة، وتقابلت أعينهما بنظرة ملتاعة، وبهمس مرتعش قالت. "أنا تعبت من البهدلة دي عبد الجبار.. والله تعبت مبقتش قادرة أستحمل أكثر من كده". "ما عاش ولا كان اللي يمس شعرة من شعرك يا بنت قلبي". قالها "عبد الجبار" وهو يرنو منها، وكفه القابض على نصل السكين يبعده عنها بحرص حتى لا يمسها ولو بخدش صغير.
انتبهت "سلسبيل" للتو على الدماء التي تسيل من يده أثر جرح نافذ براحة يدها، فشهقت بقوة، وهي تمسك يده بين كفيها الصغيرتين مردفة بأنفاس منقطعة من شدة خوفها عليه. "إيدك.. إيدك اتعورت بسببي يا عبد الجبار". قالتها وهي تدور بعينيها عن شيء توقف به نزيف الدماء، فأسرعت برفع طرف منامتها، ووضعتها على جرحه، وقد بدأت تنتفض بشكل ملحوظ، وقدميها لم تعد تحملها، فألقت بثقل جسدها عليه.
استقبلها هو بترحيب شديد محاوطها بذراعيه الآخر من خصرها حتى أصبحت قدميها بعيدة عن الأرض بمسافة ليست بقليلة بسبب فرق الطول بينهما، مقربها من صدره بعناق محموم دافنًا وجهه بعنقها آخذًا نفس عميق يملأ رئتيه بأكبر قدر كافي من عبقها مدمدمًا. "عبد الجبار كله فداكي يا حبة القلب".
باستحياء تمسكت به بإحدى ذراعيها بكل قوتها، ويدها الأخرى مازالت ضاغطة على جرح يده، وتركت لدموعها العنان تبكي وتأن على صدره تشكي له بدموعها وجعها وألمها، وهو يزيد من ضمها له يحتوي جسدها الصغير بجسده الضخم حتى اختفت بين ضلوعه، يهمس لها بكلماته الحانية التي تثلج قلبها وتبث الطمأنينة بأعماقها. لا إله إلا الله وحده لا شريك له..... "جابر"..
يدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يجذب خصلات شعره الناعمة بعصبية مفرطة، ويتحدث بغضب عارم قائلًا. "عيلة ما كملتش العشرين سنة تتجبر تتجوز مرتين بالغصب!!! "يا ابني اهدأ وفهمني اللي حصل". نطق بها "فؤاد"، وابتلع رمقه بتوتر مكملًا. "وعرفت منين بس أنها اتجوزت غصب.. مش يمكن برضاها يا جابر". لكم "جابر" الحائط بقبضة يده، وتابع بغيظ. "أبوها ابن الـ*** هو اللي قالي بكل بجاحة معنديش حريم ليهم رأي يا جدي".
"طيب فهمني أنت ناوي تعمل إيه دلوقتي بعد ما عرفت أنها على ذمة راجل". "مش هسيبها". هكذا أجابه دون تفكير، حاسم قراره ولن يتراجع فيه، لمعت عينيه ببريق مخيف مكملًا. "هوصلها.. وساعتها هقرأ عينيها وأعرف هي عايزة تكمل مع جوزها ده ولا لأ، ولو حسيت للحظة أنها مجبورة على العيشة معاه هخلصها منه بأي طريقة". صمت لبرهة، وتابع بجملة أسقطت قلب جده حين قال بوعيد. "حتى لو وصلت للقتل". سبحان الله وبحمده......
مر أكثر من أسبوع على ما حدث، عبرت خلاله "خضرا" لزوجها عن ندمها فيما فعلته، وهو سيطر على أعصابه معها عندما رأى مدى خوفها منه الذي جعلها تفقد الوعي أكثر من مرة أمام "بخيتة" التي ترمقها بنظرات حاقدة بعدما فشلت فرصتها في التوقيع بينهما.
بينما "سلسبيل" استقرت حالتها بعدما اطمأنت على يد زوجها، وللمرة الأولى لم تستطع إخفاء خوفها عليه وهذا جعل قلبه يرفرف بين ضلوعه فرحًا، واستدعى الطبيب المعالج لها ليقوم بالكشف عليها حتى يطمئن هو الآخر عليها. وحينما اطمأن على زوجته تعامل مع الموقف بترو وتعقل، واحتوى جميع الأطراف، وقد ظن أن غيرة أم ابنتيه ستهدأ بعد تقديره لها، وتغاضيه عن أفعالها.
لكن العكس كان هو الصحيح، فكلما أراد أن يقضي ليلة برفقة "سلسبيل" يجد الصغيرتين نائمتين بجوارها على الفراش بأمر من "خضرا"، فيحملهما على ذراعيه، ويسير بهما نحو غرفتهما، وحين يعود يجد الباب قد أغلق من الداخل بالمفتاح. "افتحي يا سلسبيل!! قالها بنبرة محذرة تدل على نفاذ صبره. "أنت عارف إني مش هفتح يا عبد الجبار".
قالتها "سلسبيل" بصوتها الرقيق الذي يذيب قلبه، فاستند بجبهته على الباب مغمغمًا بصوته الأجش الذي يزلزل كيانها كله دفعة واحدة. "افتحي يا بت قلبي بدل ما أهد الجدار كله مش الباب بس". استندت هي الأخرى بجبهتها على الباب من الداخل، وهمست بصوت خفيض وصل لقلبه قبل سمعه قائلة. "هخاف منك لو عملت كده، وأنا مش عايزة أخاف منك". عض شفتيه بقوة حتى أدمها، وتحدث من بين أسنانه بغيظ شديد قائلًا.
"لو يدي وقعت على اللي بيعطيكي مفتاح الباب كل ما أخفيه منك ما هخليهوش ينفع حاله تاني واصل". ضحكت "سلسبيل" بنعومة مدمدمة بخجل. "اممم.. "طيب تصبح على خير." ابتسم بسعادة لسماع ضحكتها، ورد عليها بلهفة قائلًا: "وأنت من أهلي." قالها وسار من أمام غرفتها على مضض. دلف لداخل غرفة "خضرة" التي تصطنع النوم، غالقًا الباب خلفه بعنف.
تطلع لها بصمت قليلًا قبل أن يقترب منها ويجلس بجوارها على الفراش، ويتحدث بهدوء عكس مظهره الغاضب قائلًا: "خابر إنك صاحية يا خضرة." أبعدت الغطاء المختبئة أسفله عن وجهها ببطء، ونظرت له ببراءة مرددة: "إيه اللي رجعك تاني يا خوي؟ نظر لها بحاجب مرفوع فكان شكله بغاية اللطافة والوسامة أيضًا. "وآخرتها وياكي يا بت الناس؟ من متى وأنتِ أكده يا خضرة؟ بتعطي المفتاح لسلسبيل من ورايا لأجل ما تقفل على نفسها!
صمت للحظة ورمقها بنظرة عاتبة مكملًا: "أني مقصر معاكي في حاجة يا خضرة؟! حركت رأسها بالنفي، ليكمل هو بحدة: "أنتِ أكده ظالمة، وأني لحد دلوقت مطول بالي عليكي." "غصب عني يا عبد الجبار." قالتها بصوت تحشرج بالبكاء وهي تعتدل جالسة، ونظرت له بأعين ترقرقت بها العبرات: "غيرة عليك وقلبي مولع نار يا خوي. مقدرش أشوفك وياها. عقلي بيجن مني." ضربت على صدرها بحركة استعطافية، وتابعت بتوسل: "طلقها ووديها لأهل أمها، أحب على يدك."
"أطلقها؟! صرخ مقاطعًا بعنف شديد، ليطبق الصمت من طرفها على الفور، بينما يستطرد بغلظة: "أنتِ اتخبلتي في عقلك إياكِ؟ تتحايلي عليا ياما أتجوزها، ودلوقت عايزاني أطلقها؟! خضرة اعقلي وفكري في حديثك زين قبل ما تنطقيه، وأفهمي إن سلسبيل مراتي كيفك بالتمام وهتفضل مراتي، وأهل أمها دول أني هوديها بيدي تزورهم لما تطيب وتبقى زينة، وهترجع في يدي، ولو معوزهاش ترجع على أهنه هجبلها بيت جديد من بابه." "لع...
لع يا خوي، أني هعقل. بس ترجعها على أهنه." أردفت بها بجمود، ونظرات متأججة. مر يومان لم يتوقف خلالهما "جابر" عن محاولة الوصول لـ "عبد الجبار" الذي أصبح بمثابة عدوه اللدود، كل أفعاله هذه تحت مراقبة "حسان" ورجاله. بعد يوم عمل شاق عاد لمنزله بموعد غير موعده المعتاد لعله يلمح زوجته التي تحبس روحها بغرفتها فور شعورها بوصوله.
فتح باب غرفته ودلف للداخل، هم بغلق الباب خلفه، لكنه توقف حين استمع لصوت باب غرفتها يُفتح. طل برأسه قليلًا يسترق النظر تجاهها. كانت تسير لأول مرة بمفردها دون مساندة أحد، خطواتها متثاقلة، مرتجفة سيرها كمن يتعلم المشي حديثًا، حاملة على يدها بعض الثياب ومنشفة قطنية، تتجه بهم نحو الحمام المقابل لغرفتها فعلى ما يبدو أنها تستعد لأخذ حمامها اليومي.
كان يتابعها بلهفة، واشتياق فاق الحدود، هي معه أسفل سقف واحد بينه وبينها خطوتين ولم يستطع ضمها لصدره. تعثرت أنفاسه اللاهثة وقد غلبه شوقه لها جعله يفقد كل ذرة عقل به، واندفع نحوها كالقذيفة المتوهجة بالنيران الحارقة، وعقد عزمه على كسر ألواح خجلها منه. "عبد الجبار أنت بتعمل إيه؟!
همست بها بعدما كتمت صرخة مرتعدة حين قبض هو بذراعيه على خصرها خطفها داخل صدره فجأة، وتحرك بها بلمح البصر حتى وجدت نفسها برفقته داخل حوض الاستحمام. "هششش... اتوحشتك قوي." همس بها بأنفاسه المهتاجة الملتهبة تصفع وجهها قبل أن يطبق على شفاها بشفتيه. كانت هناك أعين تراقبهما، وركضت مسرعة للأسفل لتجد "خضرة" بانتظارها. "أبوك دخل أوضته يا فاطمة؟ حركت الصغيرة رأسها بالنفي، وأجابتها ببراءة:
"لع يا أمه، دخل الحمام مع خالة سلسبيل وهو شايلها." ضحكت "بخيتة" التي كانت تتجسس عليها كالعادة، ضحكة مستفزة تظهر جميع أسنانها وهي تقول: "وه أمال عايزاه يشيل أمك العجل البغالي دهي! يشيل مراته سلسبيل الكتكوته... الصغيرة... الصبية." جملتها هذه جعلت النيران تلتهم قلب "خضرة" أكثر وأكثر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!