الفصل 7 | من 31 فصل

رواية جبر السلسبيل الفصل السابع 7 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
22
كلمة
1,929
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

في تمام الساعة السابعة صدح صوت رنين الهاتف أزعج "عبد الجبار" الذي لم يُنعم بالنوم ولو للحظات قليلة. طيلة الليل يجلس على فراشه بجوار زوجته التي تغرق بنومٍ عميق، شارد الذهن لم يتوقف عقله عن التفكير بتلك "السلسبيل".

هو رجل تزوج زواجًا تقليديًا منذ ما يقرب الاثني عشر عامًا، كان وقتها شابًا صغيرًا ببداية العشرينات، منهمكًا بالعمل مع والده، ولا يشغله شيئًا آخر سواه، حتى تزوج "خضرا" التي كانت فتاة بعمر الزهور، صاحبة الخامسة عشر عامًا.

لكنها كانت وما زالت نعمة الزوجة الصالحة رغم صغر سنها. يعترف لها ولنفسه أن قلبه يكن لها كل حب، تقدير، واحترام. ولكن للأسف الشديد هو مثل باقي جنسه، يمكن أن يتسع قلبه لأكثر من اثنتين في وقت واحد. أما المرأة فلا ولن يمتلك قلبها إلا رجل وحيد، يكن هو الحياة بالنسبة لها.

ولهذا يمكن أن نقول صُرح للرجال بتعدد الزوجات. وبعدما استطاعت تلك الصغيرة بنظرتها الحزينة التسلل لداخله حتى لمست أوتارًا شديدة الحساسية بأعماق قلبه، كل نظرة ترمقه بها كان يراها جيدًا برغم عدم اللامبالاة التي تحتل قسماته الصارمة. فهو بارع في إخفاء مشاعره إلى حد كبير.

شروده بها وبأدق تفاصيلها جعله غير منتبه لتلك الضوضاء التي فعلتها "بخيتة" منذ بكرة الصباح. فاق من شروده على صوت هاتفه الذي صدح صوته مرارًا وتكرارًا. تأفف بضيق عندما لمح اسم المتصل، وضغط زر الفتح مغمغمًا: "رايد إيه يا قناوي على الصبح؟! ضحك الآخر بسماجة وهو يجيبه قائلًا بفرحة ملأت صوته: "كل خير يا كبير.. إني بستأذنك أجي بكرة آخد بتي وأعاود على الصعيد."

ارتجف هذا الخفاق بين ضلوعه فور سماعه جملته، وقد توقع السبب وراء فرحته هذه. لكنه تحدث بهدوء رغم الضجيج الذي بداخله: "في حاجة حصلت ولا إيه؟ "أيوه.. سلسبيل متقدم ليها أبو شاهين بيه، وأني وافقت، وهاجي آخدها لأجل ما تجهز لكتب كتابها." هكذا أجابه بمنتهى البساطة غير عابئ لذلك الغاضب الذي أوشك على الانفجار فيه وسبه بأفظع الألفاظ. كور قبضة يده بقوة، وكم تمنى لو يكون أمامه الآن لكان لقنه درسًا قاسيًا لن ينساه بحياته.

ولكن عوضًا عن ذلك رسم ابتسامة زائفة على محياه الغاضبة مدمدمًا: "اممم.. أبو شاهين اللي أكبر منك رايد يتجوز بتك، وأنت اللي وافقت عليه! وماله يا قناوي.. إني مستنيك بكرة إن شاء المولى." قالها وأغلق الهاتف بوجهه دون انتظار رد منه. اصطك على أسنانه بغيظ محدثًا نفسه بصوت خفيض: "شكل موتك هيكون على يدي يا قناوي يا وش الخراب أنت." "إني سمعت صح.. أبو شاهين تاجر السلاح اللي في بلدنا طلب يد سلسبيل يا عبد الجبار؟!

أردفت بها "خضرا" بذهول وهي ترمش بأهدابها، واعتدلت جالسة بجواره. "أيوه يا خضرا.. سمعتي صح." قالها ببرود يُحسد عليه، وغادر الفراش متجهًا نحو الخزانة جلب منها ثيابًا له، وتابع بهدوء أدهش زوجته: "أكده مبقاش ليها قعاد هنا." شهقت "خضرا" بخفوت وضربت على صدرها بكف يدها متمتمة: "هتكرشها من بيتك بعد ما قولت إنها بقت في حمايتك؟!

"جري إيه يا خضرا.. لساكِ غريبة عن رجلك ولا إيه.. من مِتي وعبد الجبار المنياوي يدير ظهره لمخلوق طلب حمايته." هدر بها بصوت هادئ لكنه لم يخفِ غضبه المشحون. هرولت "خضرا" تجاهه حتى اقتربت منه ووقفت أمامه مباشرةً، ومالت على صدره قبلته بحب متمتمة بنبرة راجية: "حقك عليا يا خوي.. مقصدتش أظن فيك ظن عفش والله.. إني قصدي استفهم منك." أخذ "عبد الجبار" نفسًا عميقًا زفره على مهلٍ وهو يقول:

"هفهمك قصدي يا أم فاطمة.. مش قولتلك إني وصلت لعنوان أهل أمها؟ "صح يا خوي قولتلي.. بس إني مجبتش سيرة لسلسبيل واصل لتظن إني بقولها أكده عشان ما تمشي من عندنا.. قولت أسيبها لما تسألني لحالها مرة تانية." أردفت بها بطيبة تشع من عينيها. تطلع "عبد الجبار" لها مدهوشًا، امرأة غيرها كانت لم تسمح لمكوث غريمتها ليلة واحدة بمنزلها، لكن حبها له والذي يفوق حبه لأضعاف جعلها تفضله هو على نفسها. لتبهره هي بطيبتها أكثر حين تابعت

بصوت تحشرج بالبكاء قائلة: "البنتة وجعة قلبي عليها قوي.. لساتها عود أخضر على الغلب ده كله." صمتت لبرهةٍ وأكملت بنبرة مرتجفة: "إني خابرة زين إن ربنا مريدش لي الخلفة مرة تانية.. وبقولك بنفس راضية اعقد على سلسبيل يا عبد الجبار وربنا يرزقك منها بالولد اللي بيتمناه جلبك يا خوي." حاوطها "عبد الجبار" بذراعه مقربًا له، ومال على جبهتها لثمها بقبلة مطولة وهو يقول:

"قولتها كلمة ومش هعيدها يا خضرا.. إني مش هتجوز عليكي.. أنتي متستاهليش مني أكده أبدًا يا غالية." "خضرا" بابتسامة دافئة رغم عينيها التي ترقرقت بها العبرات: "يجبر خاطرك ربنا، ولا يحرمنيش منك يا سيد الرجالة كلياتهم." " هتسبح إني على ما تجهزي الفطور." قالها، وهو يدلف لداخل حمام الغرفة، وتابع قبل أن يغلق الباب:

"خبريها إن أبوها جاي بكرة من البلد.. لو سألتك عن سبب مجيته قوليلها مخبراش.. إني هخبرها ولو لقيتها رافضة الروحة معاه وقتها هعطيها حقها في ورث أخوي وهوصلها لأهل أمها تفضل عندهم." "خضرا" بأسف: "ولو إنها هتقطع بيا.. بس أكده أفضل ليها من أبوها القاسي اللي رايد يچوزها لتاجر سلاح أكبر من جدها."

أغلق "عبد الجبار" الباب، وبدأ يدور حول نفسه كالأسد الحبيس، يشعر بنيران تلتهم قلبه وروحه كلما تخيل أنها من الممكن أن تكون زوجة لرجل غيره، هذا هو العشق تخشى عليه عندما تشعر أنه سيذهب بعدما عثرت عليه أخيرًا. تتمنى أن يظل نوره مشرقًا وأنت برضا تغرب. فما العشق إلا سرًا متى اعترفنا به يُعذب. خلع ملابسه بعنف كاد أن يمزقها، وهمس باسمها بصوته الحارق ذات الحنين المتأوه: "سلسبيل!!

"بخيتة" تلك القاسية، عديمة الرحمة والإنسانية تجلس على مقعد بمنتصف المنزل مستندة بكلتا يديها على عصاها الخشبية تتابع "سلسبيل" التي تلتقط أنفاسها المتهدجة بصعوبة بالغة أثر المجهود الشاق التي تقوم به. تناثرت حبيبات العرق على وجهها الشاحب، وقد أغرقت المياه ثيابها بأكملها. بدأ التعب يتمكن من جسدها الهزيل، حتى أصبحت تترنح بوضوح رغم أنها لم تكن واقفة بل جاثية أرضًا فوق السجاد المبتل. "يا مري عليكي يا خيتي."

قالتها "خضرا" التي رأتها وهي تهبط الدرج، فشهدت بقوة وأسرعت بخطواتها نحو "سلسبيل"، مالت عليها تجذبها برفق مكملة: "ليه يابتي تتعبي حالك أكده." قطعتها "بخيتة" بخفوت قاسٍ: "همليها.. ملكيش صالح بيها يا خضرا." رمقت "سلسبيل" نظرة محذرة وتابعت بأمر: "خفي يدك شوي وكفياكِ مرقعة.. لساتك هتجهزي الوكل."

قالتها "بخيتة" بحدة وهي تضربها بالعصا بعنف على آخر ظهرها، ضربة قوية تحملتها "سلسبيل" كعادتها، ولم تبدأ أي رد فعل، بل ظلت جاثية تتابع ما تفعله بصمت وهدوء مريب. "إيه اللي بيحصل ده؟! كان هذا صوت "عبد الجبار" الذي صُدم من هول المنظر، وقطع المسافة بينه وبينهم في عدة خطوات حتى توقف بهيبته، وطوله الفاره أمام تلك الجاثية التي رفعت رأسها ونظرت له بلهفة فشلت في إخفائها تستجديه كعادتها أن يجبر تلك الكسور التي هشمت ضلوعها.

"ارمِ المحروق اللي في يدك ده وجومي يا سلسبيل." قالها بنبرة صارمة لا تحمل الجدال، ومن ثم نظر لـ "بخيتة" وتابع بصوت أجش: "من مِتي وإحنا بنبهدل بنات الناس عندنا أكده يا أمه؟! ضحكت "بخيتة" ضحكة ساخرة وتحدثت بجحود قائلة: "بنات ناس؟! رفعت عكازها، وهمت بضربها به للمرة التي لا تعلم عددها، لكن يد "عبد الجبار" كانت أسرع، وبعده عن "سلسبيل" التي تستمع لحديثها بملامح جامدة:

"وهي دي بت ناس.. اللي أبوها جابها لحدنا متربطة يد في رجل زي الكلب الجرب تبقي بت ناس؟! كلماتها كانت مؤلمة أكثر من ضربات العصا، نحرت قلبها كالخنجر المسموم على حين غرة، فلم تعد تتحمل أكثر من هذا، صرخت بألم حاد وهي تلقي الفرشاة من يدها بغضب، وتطلعت لها وقد فاض بها الكيل، فتوهجت الجمرتان بعينيها ودون وعي منها انفجرت بنوبة صراخ مقهور مرددة:

"بتعملي فيا كده ليييه.. عملت فيكي اييييه.. أنتي اييييييييييييه مبتخفيش ربنا.. حرام عليكي... حرررررررررام عليكي.. يارب أموت وأرتاح منك.. ربنا ياخدني ويريحني منك." صرخاتها كانت مفزعة، تقطع نياط القلوب، فأسرعت "خضرا" بضمها لصدرها لكنها لم تستطع السيطرة على حركاتها الهستيرية، خاصةً حين بدأت ترتجف بشكل ظاهر، تحول إلى انتفاضات أشبه بالذعر سريعًا ما ارتمت أرضًا وأصبحت تتشنج وتنهش جسدها بأظافرها تاركة عليه جروحات ليست بهينة.

هنا هرول عليها "عبد الجبار"، وبلمح البصر كان حملها بمنتهى الخفة من خصرها أجلسها ثانيةً وجثى خلفها على ركبتيه، وحاصرها بين ذراعيه، ظهرها مقابل صدره، يد تمسك يديها بإحكام، ويده الأخرى ضاغطة على قدميها ببعض القوة حتى شلت حركاتها تمامًا. ارتخى جسدها بين يديه، وسقطت رأسها على صدره تبكي وتئن بضعف أدمى قلبه عليها جعله دون إرادته يزيد من ضمها ولصقها به بشدة حتى اختفت بين ضلوعه، وها قد دق ناقوس الخطر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...